الفصل 7
البارت السابع
تتزاحم الهموم عليه كتزاحم النسور على جيفة شاة غادرتها الروح .. جلس في سيارته الواقفة امام منزل عائلته .. ولا يزال يفكر بها .. ويتذكر كلماتها .. اسند رأسه على الكرسي وهو مغمض العينين .. تذكر عيونها المصدومة وهي تصرخ به بعد ما وصلها خبر طلاقه لها .. تذكر انكسارها رغم الكبرياء الذي كانت فيه .. نظر الى السلسال المتأرجح من المرآة الامامية .. امسك نهايته حيث قبع خاتمها الباريسي كما كانت تقول .. مع انه لم يشتريه من باريس .. بل من احد متاجر الذهب بالدولة .. قال لها يومها : اسف .. ما قدرت اشتريلج الخاتم .. بس هذا خاتم اشتريته من هني ..
يومها ابتسمت له .. وقالت : ما يهم .. المهم ان نيتك كانت بخاتم من باريس .
اعتق الخاتم من قبضتة .. والتفت لجانبه حيث يقبع سبونج بوب بلونه الاصفر وعيونه الزرقاء الواسعة وابتسامته ذات السنين البارزين من الاعلى .. سحبه من يده .. ونزل وهو يعلقه دون رأفة .. البيت هاديء و بارد رغم حرارة الصيف الا انه يراه باردا ببرودة فصل الشتاء في دول اوروبا .. صعد الدرجات .. وارجل سبونج بوب تصطدم بحوافها .. وقف وتلفت يمنة حيث غرفة اخته روضة .. ثم سحب نظراته الى الغرفة التي بجانبها .. مشى بهدوء ووقف قليلا امام الباب .. رفع سبونج بوب وامسكه من وسطه .. فتح الباب وتقدم بهدوء من السرير .. العنود نائمة ووجهها للجهة الاخرى .. وضع سبونج بوب بهدوء على الكوميدينة بعد ان ازاح قنينة الماء قليلا .. وانحنى .. وازاح شعرها المجعد عن وجهها وهو يرسم ابتسامة على وجهه .. فهي الوحيدة التي تشابهه بنوع الشعر .. طبع قبلة على خدها وغطاها وقبل ان يصل الى الباب توقف حين جاءه صوتها : ليش ؟
لم يلتفت احس بان تلك الكلمة هيجت ما اخمده قبل ان يطء غرفتها ..تابعت وهي تسحب جذعها لتستند على السرير : انت مريض ؟
ابتسم وبعدها التفت وتقدم من السرير وجلس على حافته : لا .. بس
سكت وانزل نظره .. ردت عليه باخر كلمة : بس ؟
رفع نظره لها : سامحيني .. لاني اذيتج بدون ما اقصد .. ترا هذاك اليوم كنت مفول ( معصب ) وزين انها يت ع ايدج .. لو غيرج كنت ذبحته هههه
ضحك وهي لم تحرك ساكنا .. لانها ادركت ان تلك الضحكة لم تكن الا تصنع خلف حزن اصبح يفضحه من خلال عينيه .. لم تتكلم وهي تستمع له .. كان يتكلم عن اشياء كثيره .. عن دراسته وتعبه فيها .. عن سفره الذي تاجل الى الغد .. وعن سبب التاخير .. كان يتحاشى التطرق لما تريد هي ان تعرفه .. فقاطعته : وهاجر ؟
شد على قبضة يده : الله يوفقها مع غيري .. الحين رقدي لان وراج مدرسة .. والا عيبتج اليلسة فالبيت .
ابتسمت وهي تسحب نفسها على السرير ليغطيها ويطبع قبلة على خدها ويغادر بعدها .. كان يتحاشى الجميع .. لم يعد يستطيع النظر الى عيونهم .. واليوم رغما عنه نظر الى عيون العنود التي خلف نظراتها مليون سؤال .. ولكنه حتى هذه الساعة لا يستطيع ان يجيب على أي منها .. الاسئلة بالنسبة له صعبة كأمتحان في مادة لا يعرف ماهيتها .. غدا الرحيل .. كان يحدث نفسه قائلا أن غدا سينتهي ارتباطه بارض الوطن .. وكان يتمنى لو أن كل شيء يعود إلى حيث وقوفه على ارض مطار دبي منذ ثلاث سنوات .. عندما قال له ناصر وهو ممسكا بيده : ليش ما تخلي عنك الدراسة برع .. وتدرس فالدولة .
تمنى لو انه تراجع حينها .. تمنى لو كان ما لم يكن .. كما باتت خولة تتمنى لو انها لم تضع اخاها في هذا الموقف .. كانت جالسة في قاعة الانتظار في المحكمة وبجانبها ايمان .. التي اخذت ترقب كفيها وحركتهما الدالة على توترها .. وضعت يدها على كفي اختها ونظرت اليها من خلف الغطاء : كل شيء بيكون اوكي .. الحين بيي فارس .. وبنقدر عقبها نرجع للبيت اللي كنا فيه من صغرنا .
تمتمت : ان شاء الله .
مر الوقت .. الدقيقة تتبعها دقائق .. والساعة تجر خلفها ساعة .. وعيسى لا ينفك يتصل بصديقه فارس والهاتف يرن حتى يهلكه الرنين .. لم يكن مهتما بالحرارة التي تصهر جسده الممتليء وهو ينتظر فارس خارج مبنى المحكمة .. في حين وفي مكان بارد بسبب هواء المكيفات كان يجلس فارس وهو ينظر حيث وضع فنجان القهوة امامه على الطاولة الزجاجية .. كان رنين الهاتف المتواصل يقتله .. والكلام الذي وصله يزيد في قتله .. كان ينظر اليه ببرود وهو يضع ذقنه على كفيه : الكوره فملعبك يا فارس . وانا ما اجبرك ع شيء .. رد ع فونك .. وعط عيسى رايك .. وانا بعد متشوق اعرف قرارك فاللي قلته لك .
كان كل شيء متضارب في ذهنه .. لا يعرف بما يجيب .. او ماذا عساه يقول لعيسى الذي وضع كل آمله في خلاص خولة بيده .. كان التوتر يحكم قبضته على ايمان برغم انها تحاول ان تخفيه عن خولة .. اما خولة فاخرجت هاتفها من حقيبتها وادخلته من تحت غطاءها ( الغشوة ) ونظرت إلى الساعة .. قاربت على الواحدة .. مضت اربع ساعات وهم ينتظرون .. ايقنت حينها ان لا أمل في الخلاص .. ضغطت على زر الاتصال : عيسى خلنا نرد البيت .
بهتت ايمان : شو فيج .. خلينا نتريا شوي .. انا اليوم غبت عن المدرسة عشانج .. الله ما بينسانا ..
اغلقت الهاتف ووضعته في حقيبتها ووقفت : قومي .. يكفينا ذل ..
امسكتها بيدها وتحولت انظار المتواجدات في القاعة اليهن .. وقفت مع اختها وغادرتا القاعة .. ليلتقيا بعيسى في الخارج .. سارعت ايمان اليه : اتصل بفارس .. شوف وينه .
عيسى : تعبت اتصل فيه .. ما يرد علي .. مادري شو صار فيه .
ابتسمت بحزن : جاسم وصله .. لا تنسون انه يشتغل فوحده من شركاته .. استهنا فيه .. وانا طاوعتكم بكل شيء مع اني كنت حاسه ما بنوصل لشيء .
عاود الاتصال وهو يطمئن اخته بان الوقت لا زال في صالحهم .. ولكنها اصرت ان لا تعود الى الداخل .. بعد جدال عقيم استسلم لاخته وهو يتهدد لفارس .. كما تهدد من قبل طارق لاحمد .. الذي عاد الى المنزل متاخرا وهو يلف يده اليمنى بالشاش .. دخل الى غرفته ورمى غترته على الكنبه .. خلع ثوبه وهو يشعر بألم في يده صرخ بصوت خفيف فانتبهت شهد قامت مفزوعة من سريرها .. تقدمت منه وزاد خوفها وهي ترى يده الملفوفة بالشاش ..وعندما همت لتمسكها ابعدها عنها : لا تخافين ما في شيء .
غالبها الخوف حتى سقطت دموعها : شو ما اخاف .. شوف ويهك كيف صاير .. وين كنت للحين .. وليش ما كنت ترد ع اتصالاتي ومسجاتي .
صرخ حتى تزلزل جسدها الصغير : بسج اسئله .. هذوني قدامج ما في شيء .. تسمحيلي اروح اتسبح .
غادر المكان وهي متجمدة مكانها .. اول مرة يصرخ عليها بهذا الشكل .. انهمرت دموعها .. تمنت لو امها على قيد الحياة لتشكي لها ..انسحبت من المكان وجلست على السرير وشهقاتها لا تتوقف .. خرج من دورة المياه ( اكرمكم الله ) واخذ له مخدة ولحاف وغادر الغرفة .. لم تسأله شيء .. حتى انها لم تلتفت إليه .. اسقطت نفسها على السرير وغرقت في بحر دموعها .. هي لم تخطأ في شيء .. كل ما حدث انها خافت عليه .. فهل يجازيها بهذه المعاملة ؟
,‘،
انقضت تلك الليلة بالهموم وبالدموع وبالفرحة للبعض .. صلت الفجر وطوت سجادتها وفتحت المصحف تقرأ اربع صفحات منه كما تعودت كل يوم .. قامت بعدها بكسل وهي تشد جسمها برفع ذراعيها للاعلى .. تنهدت وحركت رقبتها قليلا .. ثم خرجت فاذا بها تراه عائدا إلى غرفته وبيده ما اخذه بالامس معه .. نادته وسألته أين كان .. ليجيبها : كنت راقد فالميلس .. ييت متأخر البارحة .. و
قاطعته وهي تقترب منه : طارق فيك شيء ؟
طارق : لا ما في الا العافيه .. والحين بتسبح وبروح لدوام .. انتي فيج شيء ؟
هزت رأسها بلا .. بعد ان ترك المكان غادرته هي ايضا للمطبخ لتصبح على والدتها ..حين دخل التفت الى السرير حيث شهد .. احس بانها كانت مستيقظة ولكنها تمثل عليه النوم .. لم يعرها انتباها .. مرت الدقائق وهي متغطيه في سريرها .. حتى خرج .. بعدها انكمشت وبكت .. لم تغادر غرفتها صباح ذاك اليوم .. مما جعل هاجر تمر عليها .. كل ما رأته ذاك اليوم أكد لها بأن طارق متغير .. نومه بعيدا عن غرفته .. عيونه الحائرة .. وجهه الشاحب .. حالة شهد وعيونها الحمراء من كثرة البكاء .. كل ذلك كان دليلا لها بأن طارق يخفي أمرا ..ولكنها فضلت ان لا تتدخل بينهما .. حتى انها لم تلح على شهد ان تخبرها بما جرى وجعل طارق ينام خارج غرفته .. غادرت غرفة شهد الى غرفتها .. مر يومان على اخر ما كتبته ردا على تلك التغريدة ..عمدت إلى جهازها .. فاذا بها تفاجأ بعدد المتابعين لها الذي تجاوز مائة متابع .. وتغريدة قصيرة : أين انت ؟
كانت رسالة من شخص اطلق على نفسه " عيناوي ولكن " .. لم تهتم .. ضغطت على " الرئيسية " لتتابع آخر التغريدات .. قرأت وقرأت حتى ملت .. عمدت إلى خانة التغريدات وكتبت : يوم مختلف .. قد يكون بداية لعاصفة .. وقد اكون فيها المهاجر الذي هاجر عن ماضيه .
دقائق واذا بتغريدة تصلها من نفس الشخص الذي لقب نفسها بالمسافر : لا يهاجر عن ماضيه الا الانسان الضعيف . من اراد القوة فليقف على اعتاب الامس .. ولينظر لنقاط ضعفه..
اجتاحها شيء من الغضب .. عمدت الى صفحته وضافته في قائمة المُتابَعون .. واذا بها ترسل له رسالة خاصة :
السلام عليكم . اخوي انا اكتب لابوح باشياء في داخلي .. فاتمنى ان لا ترد على تغريداتي باي تغريدة .. فنحن لسنا في ساحة نقاش وابداء الرأي .
رد عليها بأبيات من قصيدة للامام الشافعي : دع الايام تفعل ما تشاء . وطب نفسا اذا حكم القضاء .ولا تجزع لحادثة الليالي .فما لحوادث الدنيا من بقاء
حين قرأتها احست بشيء ما يخترق ضلوعها .. فأوجس الرعشة فيهما .. لم ترد عليه .. وانسحبت من المكان بأكمله .. اغلقت جهازها ووضعت كفها على فمها .. واغمضت عيناها محاولة ان تغالب دموعها .. بعدها قامت لتستعد لذهاب إلى الجامعة .. لعل الدراسة تساندها على النسيان . وهي تنظر الى المرآة لترتب غطاء شعرها ( الشيلة ) اذا بها تلتفت بخوف نحو الباب الذي فتح على مصراعيه .. ليتبادى لها وجه عمار الغاضب : انتي شو اللي مسويتنه ؟
بخوف : شو ؟ شو فيك ؟
تقدم منها : مسجله سبع مساقات .. ليش ؟ تبين تقتلين عمرج ؟
عادت تنظر الى المرآة ، وبعد أن انتهت من ترتيب غطاء رأسها .. التفتت إليه : انا حره ..
وقبل ان تخرج اذا بيده تمسك ذراعها بقوة : هاجر بضيعين مستقبلج .. المساقات اللي مسجلتنهن مب سهلات .. معدلج بينزل .
التفت له .. وافلت يده من ذراعها : عمار .. اقدر احافظ ع معدلي .. وباين انه لازم اغير الباس ( كلمة المرور ) المشتركة .
عمار : هذا ردج ..؟
بكل برود اجابت : انا ولا مرة دخلت بالاي دي مالك .. ولا مرة يا عمار .. مب عشان شيء .. الا لاني ما احب اتطفل عليك .. واشوف مساقاتك ومعدلك او حتى اشوف درجاتك .. صح اتفقنا ع نفس الباس عشان نتابع بعض ونحفز بعض .. بس ما توصل لانك تدخل فقراراتي .
عمار : بس هذا غلط .. معدلج بينزل .
طبعت قبلة على وجنته اليسرى في وسط ذهوله من تصرفها : اختك قدها وقدود يا عمار .. عن اذنك تاخرت .
,‘،
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#20 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 29-09-12, 06:36 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘،
اشجار النخيل تعطي المكان أُ لفة رائعة .. كان يمشي متوجها ألى ذلك الدار الذي يقبع خلف جدرانه امهات واباء لم تسعفهم الحياة بابناء باريين بهم .. مشى بهيبة وابتسامته لا تفارق وجهه المرح .. الكل يسلم عليه .. الممرضيين وحتى القاطنين في المكان ..وقف اخيرا امام احدى الغرف .. تنفس بعمق وكأنه يريد أن يختزن الهواء قبل الاقتحام . خلف الباب ديكور هاديء من يراه يظن انه في الستينات من القرن السابق .. في واحده من خيام البدو الجميلة .. الجلسة الارضية .. والادوات المصنوعة من سعف النخيل المعلقة على الجدار المطلي بلون ابيض مائل الى الاصفرار .. وجرة الماء القابعة على كرسي دائري صغير بثلاثة ارجل .. وامرأة بدينه سمراء البشرة قابعة على كرسي مدولب .. ووجهها للنافذة ناظرة إلى اشجار النخيل وثمرها المخضر مبشرا بخير قادم . عيونها تائه وكأنها تعيش ماضي طوته السنون وبصم على وجهها بأخاديد التعب .التفتت حين فتح الباب ليتحرك البرقع الذي على وجهها .. ولتظهر ارنبتا انفها الكبير على جانبي خطه الفاصل بين فتحتي العينين .. عدلت وضعه على وجهها .. وهللت به ورحبت .. ليقع على رأسها مقبلا له .. ومن ثم على يدها .. سألته عن اخوته وعن احوالهم .. بكل مرح اجابها انهم بخير .. قالت : وين اخوك الحرامي اللي ينخش فحجرتي وياخذ البسكوت من الكبت .
ضحك حتى بان الدمع في عينيه : هذا انا ياميه .. انا اللي كنت اسرق البسكوت مب اخوي .
اخذت تردد : لا لا لا .. وهي تحرك سبابتها امام وجهه : مب انت .. اخوك .. تحسبني ما اعرفكم .. ولا اعرف انك دووم تحط اللوم عليك .. وهو اللي يغلط .
بعدها سكتت واخذت تقص عليه قصص مضت .. مل من سماعها .. ولكنها لا تتذكر انها حكتها له قبلا .. كانت تحب ان تتكلم عن ايام الغوص .. وعن والدها الذي عمل بالغوص سنين خلت .. وعن جدها وعن لؤلؤة جدها .. وعن حياة كان الفقر يكبلها .. وعن تعب اجدادها .. وحبهم لارضهم وللبحر .. كان جالسا عند قدميها على الارض ينظر اليها والى تجاعيد عينيها .. ويتذكر اياما كانت فيها معهم في منزلهم .. وها هي الآن تناهز السبعين من العمر .. ولا تذكر الا اياما كانت وعفى على عليها الدهر ..
بينما كانت الوالدة بخيتة تتذكر ايام اجدادها .. كانت علياء تتذكر ما مر معها بعد وفاة والدها بحادث سيارة .. لا تزال الاحلام تطاردها .. ولا يزال ابن خالها يثير في نفسها الرعب والاشمئزاز .. توقف باص مدرستها عند منزل خالها الذي اضحى سكنها بعد وفاة والدها منذ سنة ونيف .. نزلت وحقيبتها المتكدسة بالكتب على ظهرها .. نزلت بمريولها الرمادي الطويل ..كانت نسيمات الهواء تحرك شعرها المربوط كذيل حصان وهي تمشي داخلة المنزل . هناك كان صراخ حصة قد طغى على المكان جراء علبة "البرنقلز " التي احضرها بدر واعطاها لها وسحبتها منها خلود .. وممتنعة عن ارجاعها .. كان يحاول ان يسكت حصة عن البكاء ولم يكن امامه الا ان يقول : خلاص حصوة .. الحين بوديج الجمعية وبنشتري لج غيره .
صرخت بكل ما فيها من نفس : لااااااااا .. حصة ما بتروح لاي مكان ..
تقدمت منهما وسحبت حصة من يد بدر .. وزاد بكاء حصة ذات الثلاث سنوات .. وعليا لا ترأف بحالها .. بعدها صرخت على خلود الواقفة بعيدا عنهما لتذهب للغرفة .. لكنها لم تتحرك من مكانها .. تقوست شفتاها وهي تقول : ما اريد
تقدمت منها عليا وهي في قمة غضبها .. ولا احد يعرف كيف جاءتها كل تلك القوة لتحمل حصة وتسحب خلود وكانها تجر نعجة للذبح .. حاول بدر ان يردعها .. فصرخت فيه : مالك خص فينا ..
ليقف تغالبه الحيرة .. ويشده مشهد علياء الذي لاول مرة يراه .. كان وجهها احمر من الغضب وكأنها ستبكي .. دخلت الغرفة ودفعت خلود على الارض وانزلت حصة .. وانزلت حقيبتها بعنف بجانب السرير القريب من الباب الذي كان لخلود ..جلست واخذت تنزع جواربها بينما حصة اقتربت من خلود واخذت تبكي وتطلب امها .. وقفت : خلودوووه ما بتاكليلج قوطي هالكبر كبره بروحج .. عطي حصوه منه .. وطلعه وياهم ماشي .. فاهمه انتي وياها .
التفتت الى الباب حيث دخلت فاطمة بعد ما اخبرها بدر بما جرى فور ان دخلت المنزل عائدة من عملها في احدى المدارس الابتدائية .. جرت حصة وتمسكت بعباءة فاطمة من الخلف وهي تبكي ولا زالت تطالب بأمها .. تقدمت منها فاطمة : شو فيج علايا ؟
ابتعدت وانفاسها متتابعة وكأنها جرت مسافة واتعبها الجري : طلعي برع .
لم تنتبه الا بكف والدتها على وجهها .. ليحيل عيونها الى بحيرتين من الدموع : احترمي بنت خالج اللي بكبر امج ..
وضعت فاطمة يدها على كتف ميثة .. في حين تشبثت حصة بها واختبأت خلود خلف فاطمة : ميثة مب جذي تنحل الامور .. مب بالضرب .. باخذ البنات وياي .. وفهمي منها اللي صار بهدوء .
حاولت مع حصة وخلود .. ولكن لم تستطع اخذهما الا بعد اغراءات منها بالحلويات .. تركت المكان .. واغلقت الباب من خلفها .. اما علياء فكانت تنظر للارض وبعدها هرولت نحو دورة المياه ( اكرمكم الله ) .. جلست ميثة على حافة سرير خلود وهي تستغفر .. بعدها بدقائق قامت بعدما تأخرت علياء في دورة المياه .. اقتربت واخذت تطرق ع الباب بخفة بعدها اخذت تناديها لتخرج وهي تعتذر منها بسبب ما صدرفي لحظة غضب .. بعد ترجي من ميثة خرجت .. وقفت ونظرها للارض .. جلست القرفصاء امام ابنتها ووضعت كفيها على كتفيها : شو صاير وياج علايا ؟ قوليلي ..
لا تزال على وقفتها : خلينا نروح بيت ابوي .. خلينا نرجع بيتنا ..
رفعت عيونها المليئة بالدموع وقالت بصوت متهدج : ليش ابوي خلانا .. ليش ما بقى معنا .. امي اريد ابويه .. وديني له الله يخليج .. الله يخليج خلينا نروح لبيتنا .. خلينا نروح بعيد عن هني ..
لم يكن من ميثة الا انها احتظنت علياء بقوة .. ودفنتها في صدرها ودموعها تغالبها .. فكيف تعود الى منزلها وفيه أُناس استأجروه .. وكيف لها ان تخرج من منزل اخيها .. وهي تعلم لو انها فعلت لغضب منها .. يكفي انه فتح لها ولبناتها منزله بعد وفاة زوجها .. نزلت دموعها مع دموع ابنتها التي لا تعرف مالذي غيرها من حال الى حال ..
,‘،
يقدم رجل ويؤخر الاخرى .. كيف يستطيع ان يزف هذا الخبر لوالدته .. وقف عند عتبة الباب .. كانت هناك توجه الخادمة لعملها في ترتيب المطبخ .. وتساعدها بما تستطيع به .. وقفت بعد ان قال : امي .. احمد سافر اليوم .
وقع الكأس من يدها وتشظى ... تقدمت منه : كيف سافر بدون ما يسلم علي .. ومتى سافر
ناصر : من شوي متصل علي ويقول انه فالمطار وطيارته بطير عقب شوي .
مشت بانكسار تصفق اليمنى باليسرى : لا حول ولا قوة الا بالله .. لا حول ولا قوة الا بالله ..
دخل ابو احمد على صوتها والخوف يتملكه : خير شو صاير .
ام احمد : اي خير .. اي خير وانتوا ضيعتوا ولدي .. اي خير وانتوا ع الطالعة والنازله تسألونه ليش .. الولد ما يريد يقول .. خلوه براحته ..
جلست واكملت بصوت تخنقه العبرات : خسرتوني من ولدي .. خسرتوني من احمد .. يا ويل حالي عليك يا احمد
صرخ وهو يحرك عصاه امامه : باللي ما يحفظه .. مسود الويه .. اللي سود ويوهنا قدام الناس .
ام احمد : ذنب ولدي فرقبتكم كلكم ..
كانت تكرر تلك الجملة وهي تنسحب بحال ام ثكلى .. ابتعدت وابتعد صوتها عن المكان .. وساد صمت رهيب بعد انسحاب ابو احمد .. بقي هناك واقفا وقلبه يبكي على اخا نطق بكلمات الوداع في أذنه .. كلمات جديدة خالطها ندم وحسرة تعتصر القلب . في مكان اخر كان لصمت دورا فيه .. وقف وهو ينتظر جوابا من فارس .. بعد ان استقبله بنظرات الحقد والكره لما حدث .. وقف معه في الصالة سائلا : عطني اعذارك يا استاذ فارس .
لم ينبس ببنت شفه .. كان الصمت سيد الموقف .. بعد دقائق من السكوت ونظرات عيسى التي كانت تذبحه : ما بقول اي شيء الا بوجود خولة .
زفر بغيض : بروح اناديها لك .. القهوة عندك تقهوي الين ارد .. تراك مب غريب
كان يستهزء عندما نطق آخر جملة .. تردت في أذنه . تراك مب غريب .. فقال في نفسه : مب غريب .. لو مب غريب ما خذلتك يا عيسى
عاد ومعه خولة وهي تغطي وجهها وقفت بعيدا بعد ان القت التحية : خير يا فارس .. شو ياي تقول عقب اللي صار .
عيسى : ياللا رد .. عطنا اللي عندك .
فارس : غصب عني اللي صار .. والله انه غصب عني .. حطاج فكفة الميزان وحطى اختي فالكفة الثانية .. خولة .. اختي بعدها صغيره وهو خيرني بينج وبينها .. ما قدرت ارمي اختي عند واحد اكبر عنها باكثر من 15 سنه . ما قدرت .. وفوق هذا هددني فيكم ..
خولة : يعني ارخصتني يا فارس .
فارس : فهموني .. انا ما دخلني فمشاكلكم .. بس عشانكم وعشان اختي انسحبت
امسكه عيسى من ثوبه من جهة رقبته : لا تقول عشانا ..
فك يديه بقوة وقال : عشانكم يا عيسى .. عشانكم .. قالي بيسحب اقامتكم .. فاي لحظة .. خبرني وين بتروحون عقبها
خولة : ارض الله واسعه .. بس ما هقيت انك تتخلى عني بهالشكل
بصوت يشوبه الغضب وخالطة شيء من الندم : والله اني احبج يا خولة .. بس مب مستعد ابيع اختي عشانج .
ترك المكان .. وسط ذهول عيسى .. ودمعة سقطت من قلب خولة .. غادر المكان وكلامه لا يزال يتردد فيه
مب مستعد ابيع اختي عشانج
مب مستعد ابيع اختي عشانج
مب مستعد ابيع اختي عشانج
,‘،
في انتظاركم