الفصل الثالث
وصلت الغواصة أخيراً إلى القاع، لكن ما رآه صالح لم يكن رمالاً أو صخوراً. كانت هناك "أطلال" لمدينة كاملة مبنية من مادة تشبه الكريستال الأسود، تعكس أضواء الغواصة بطريقة تجعل المكان يبدو وكأنه غابة من المرايا. المدينة لم تكن مهجورة؛ كانت الإشارة تنبعث من قاعة كبرى في مركزها. ترجل صالح ببدلته الثقيلة، وكان يصف ملمس الماء الثقيل الذي يضغط على بدلة الغوص، وصوت أنفاسه التي تتردد داخل الخوذة مثل صدى القبر.
دخل صالح إلى القاعة الكبرى، ليجد جدرانها مغطاة بآلاف الصور.. لم تكن صوراً مرسومة، بل كانت "لحظات مجمدة" لأشخاص فُقدوا في البحر عبر التاريخ. رأى بحارة من العصور الوسطى، وقراصنة، وغواصين معاصرين. وفجأة، وقف أمام صورة حية تتحرك؛ كانت لولده وهو يضحك في آخر يوم رآه فيه. كان الوصف هنا مفرطاً في الطول والمشاعر؛ حيث وصف صالح كل شعرة في رأس ابنه، وبريق عينيه، وحتى رائحة ثيابه التي خُيل إليه أنه يشمها عبر خوذة الغوص. اكتشف صالح أن هذه المدينة هي "ذاكرة المحيط"، المكان الذي تُحفظ فيه أرواح الغرقى وذكرياتهم، وأن الإشارة الموسيقية كانت "دعوة" له لكي لا ينسى، ولكن أيضاً لكي "يتحرر".