الفصل الثاني
بدأت الغواصة "الصدى" رحلتها نحو الأسفل. كان صالح وحيداً داخل قمرتها الضيقة التي تفوح برائحة الأكسجين الاصطناعي والمعدن البارد. ومع كل متر يغوص فيه، كان الضوء يتلاشى، والألوان تنسحب من الوجود، حتى غرق في سواد مطلق لا تكسره إلا أنوار الغواصة الشاحبة. كان يصف بدقة متناهية كيف بدأ ضغط الماء يضغط على هيكل الغواصة، وكيف بدأت أصوات "تزييت" المعدن تملأ أذنيه، مما جعله يشعر وكأنه داخل حوت معدني ضخم يبتلعه المحيط.
في عمق 5000 متر، بدأت تظهر كائنات لم ترها عين بشرية من قبل؛ أسماك شفافة تشبه الأشباح، ومخلوقات مضيئة تتراقص في الظلام مثل النجوم البعيدة. غاص صالح في "مونولوج" داخلي طويل، يناجي فيه ابنه الراحل، ويتساءل إن كان روح ابنه قد تحولت إلى ذرة ملح في هذا الملكوت المظلم. كان يصف شعور العزلة التامة؛ حيث لا سماء، لا أرض، لا وقت، فقط نبض الإشارة التي تزداد قوة وصخباً كلما اقترب من القاع. كان الفصل يمتد في وصف الحالة النفسية لصالح، وكيف بدأ يهلوس ويرى وجه ابنه ينعكس على زجاج الغواصة، وسط تفاصيل تقنية دقيقة عن عدادات الضغط ونسبة الأكسجين التي بدأت تتناقص بشكل مرعب.