الفصل الخامس : حين اختار أن ينقذهم
نشرت الشمس أشعتها فوق عينيّ… إنه الصباح.
نزلتُ الدرجات متثاقلًا نحو المطبخ.
«صباح الخير يا أمي.»
ابتسمت لي برفق، وقالت بصوت دافئ:
«صباح النور يا راكس، هل نمتَ جيدًا؟»
«نعم.»
جلستُ على الكرسي أنتظر استيقاظ أبي وجولي.
لم تمضِ دقائق حتى ظهرت أختي، بشعرها الجعد المتناثر حول وجهها.
«صباح الخير.»
«صباح النور يا جولي. اذهبي واغسلي وجهك وتعالي.»
اجتمعنا حول المائدة بعد أن أنهت أمي ترتيبها.
سألتُ وأنا ألتفت حولي:
«ألن يأتي أبي اليوم أيضًا؟»
أجابت أمي بهدوء:
«سيعود اليوم. علينا فقط أن ننتظر حتى ينهي مهمته.»
كان أبي في رحلة عسكرية.
لم أعرف الكثير عن تفاصيلها، لكنه بدا متحمسًا قبل رحيله.
مرّت شهور منذ مغادرة جدي.
الكثير تغيّر.
وسأبلغ الخامسة قريبًا…
العمر الذي يستيقظ فيه سحر كل طفل.
وإلا…
«راكس! هل نذهب لنتدرّب؟» قالت جولي بحماس.
قفزتُ من مكاني.
«هيا!»
احتضنتنا أمي سريعًا قبل أن نخرج.
«لا تؤذيا بعضكما، مفهوم؟»
«مفهوم!»
أخذنا سيوفنا الخشبية المعلّقة على السور، وبدأت المبارزة.
كانت جولي أسرع… أطول… وأقوى.
كنتُ أصدّ الضربات بصعوبة، أتراجع خطوةً بعد أخرى.
«ماذا ستفعل في موقف كهذا يا راكس؟» قالت بثقة.
تذكرتُ حركة أبي.
تراجعتُ بسرعة…
ثم أدرتُ قدمي السفلى بحركة دائرية لإسقاطها.
تفادت الضربة، لكنها اختلّت قليلًا.
فرصتي!
اندفعتُ نحوها—
لكنني نسيت شيئًا.
رفعت يدها.
ظننتها ستقبض على السيف…
لكن—
اشتعلت كرة نارية في راحة يدها.
«جولي! هذا غش!»
ضحكت.
«لم أقل إننا لن نستخدم السحر.»
«لكنني لا أستطيع التسخير بعد!»
وفي لحظة—
انهمر الماء علينا من الأعلى.
التفتنا ببطء.
كانت أمي تقف قرب الباب، تنظر إلينا بصرامة خفيفة.
«إلى الداخل. حان وقت الغداء.»
دخلنا المنزل، لكنني لاحظت شيئًا…
كانت تنظر إلى الفراغ.
«أمي… هل أنتِ بخير؟»
رمشت كأنها عادت من عالم بعيد.
«نعم يا صغيري… هل يمكنك الذهاب إلى السوق وشراء بعض الحاجيات؟»
«بالطبع.»
أخذتُ العملات، وانطلقتُ نحو السوق.
عند وصولي…
شعرتُ بشيءٍ غريب.
نظرات.
ثقيلة.
تلاحقني.
نظرات ازدراء.
تسارعت خطواتي نحو متجر العمّين جيد وليلا.
وقبل أن أصل—
تدحرجت كرة صغيرة واصطدمت بقدمي.
«إنه هو.»
التفتُّ.
مجموعة من الأطفال تحدّق بي بوجوهٍ قاسية.
«ما الذي جاء بك أيها—»
«لكنني لست—»
ضربة قوية على خدي.
ترنّح رأسي، وشعرت بطعم الدم في فمي.
اقترب أحدهم من البركة الصغيرة بجانب الطريق.
«انظر إلى انعكاسك.»
نظرت.
رأيت وجهي…
لكن—
هل كانت عيناي أغمق من المعتاد؟
أم أنني فقط خائف؟
جمعت ما تبقى من شجاعتي، ولوّحت بقبضتي.
لكنني كنت أبطأ.
«أتحاول ضربنا؟»
ثم—
توالت الضربات من كل الجهات.
حجر ارتطم برأس أحد الأطفال.
وصوت شقّ الهواء:
«ابتعدوا عنه أيها الصعاليك!»
«لنهرب! إنها لاف!»
تفرّقوا.
نهضت بصعوبة.
ركضت نحوي لاف.
«هل أنت بخير يا راكس؟»
«أنا… بخير.»
لكنني لم أكن كذلك.
مشينا مدة الى المتجر، تفاجأت بأختي جولي هناك.
رأتني فاختفى البريق من عينيها، كانت العمة ليلا كذلك.
«من...من فعل هذا بك؟».
لم انبس ببنت شفة.
«كانت مجموعة الاطفال تلك».
احتضنتني العمة ليلا بقوة
«لا داعي للقلق، سنعالج جراجك في الداخل».
دخلتُ إلى منزل العمّين خلف المتجر.
أجلستني العمة ليلا على الأريكة، وأحضرت علبة الأعشاب والأدوات الطبية.
كانت تعالجني بوجهٍ شاحب كأن كارثة حلّت.
تولى العم جيد أمر المتجر، لكن ملامحه كانت متجهمة، ووعد بأن يمسك أولئك الأطفال ويؤدبهم.
تولت جولي الشراء بصمت.
أما أنا…
فكنت أستعيد المشهد مرارًا.
“إنك تشبهه.”
من هو؟
عدنا قبل الغروب.
ساد الصمت طريق العودة.
وفي ساحة بيتنا—
رأيت ظلّين.
كان أبي.
ركضت جولي نحوه فورًا.
أما أنا فتوقفت.
اقترب مني ببطء.
نظر إلى وجهي.
تجمّدت ملامحه.
«من فعل هذا بك يا راكس؟»
لم أجب.
رفعت رأسي نحوه.
«هل يمكنني أن أسألك شيئًا يا أبي؟»
أرادت أمي أن تتكلم، لكنه أوقفها بإشارة خفيفة.
«ماذا تريد يا راكس؟»
ابتلعت ريقي.
«من هو… الشخص السيئ الذي يقولون إنني أشبهه؟»
ساد الصمت.
وللحظة—
رأيت الخوف في عينيه.
أبي… خائف.
اقترب فجأة وضمني بقوة.
«لا تقلق يا راكس… ولا تذكر هذا مرة أخرى.»
صوته كان ثابتًا، لكن ذراعيه كانتا مشدودتين.
«إنها خرافات قديمة… لا أكثر.»
لكنني شعرت أن هناك شيئًا لم يُقَل.
تساقطت دموعي بصمت.
لم يكن الألم من الضربات.
بل من الجواب الذي لم يكن جوابًا.
مسحت أمي دموعي.
«سترافقني اليوم إلى حفلة عائلة روجد. سأتحدث مع أهلهم بعد الحفل.»
تنحنح أبي.
«بلغيهم تهانيّ… أنا مرهق قليلًا. استنزفت المانا في المهمة.»
لم أنظر إليه.
لا أعلم لماذا شعرت…
أنه لم يكن مرهقًا فقط.
بل قلقًا.
غيرنا ملابسنا.
وقبل أن نغادر، وضعت أمي يدها فوق رأسي.
أغمضت عينيها.
بدأت موجات من الماء تحوم حولي بهدوء…
ناعمة…كأنها تهويدة ما قبل النوم.
شعرت بالجروح تختفي.
فتحت أمي عينيها.
«هل ننطلق الآن يا راكس؟»
نظرت إليها.
ثم أومأت.
«نعم… هيا بنا.»
وغادرنا.
رافقنا القمر طول الطريق.
كان ضوؤه البارد ينساب فوق حجارة الشارع كأنه يرشدنا بصمت.
وصلنا إلى بيت عائلة روجد، حيث تجمعت الأضواء والمشاعل لتنير الساحة الواسعة أمام المنزل.
الضحكات تعلو، والموسيقى تنساب، والناس في أبهى حللهم.
ثم—
رأوني.
خفتت بعض الأصوات.
تبدلت النظرات.
ذلك الاشمئزاز نفسه… لكنه هذه المرة من الكبار أيضًا.
شدّت أمي على يدي قليلًا.
لم يظهر على وجهها أي غضب أو عبوس.
فقط ثقة هادئة.
سارت بي بين الحضور حتى وصلنا إلى أصحاب الحفل.
كان الطفل المحتفى به جالسًا قرب والديه، ينظر إليّ بتعالٍ واضح.
تقدمت أمي بابتسامة رسمية.
«سعيدة بلقائكما، سيدتي وسيدي روجد.»
مدّت يدها للمصافحة.
ابتسم السيد روجد ابتسامة واسعة.
«مرحبًا بزوجة القائد. لقد أنرتِ الحفل بحضوركِ… لكن أظن أن العائلة ينقصها فرد.»
أجابته أمي بهدوء ثابت:
«هيت متعب بعد مهمته الأخيرة، وقد أمرني أن أبلغكما تهانيه الحارة.»
ثم تغيّر صوتها قليلًا.
«لكنه لم يُسرّ بما فعله ابنكما وأصدقاؤه بابنه.»
ساد صمت قصير.
نظر الزوجان إلى بعضهما، ثم إلى ابنهما.
قال السيد روجد مترددًا:
«أفعل لكما شيئًا سيئًا؟»
ضحكة خافتة انطلقت من بعض الجالسين.
لكن أمي لم تبتسم.
«نعم. ضُرب ابني حتى امتلأ بالكدمات.»
اختفت الابتسامات.
اقتربت السيدة روجد قليلًا، وانحنت نحو أمي وهمست:
«ابننا خاف… كما يخاف كل طفل ورجل وامرأة هنا.»
ثم أضافت بنبرة منخفضة لكنها مسمومة:
«ألا ترين أنه يشبهه كثيرًا؟»
تجمّد الهواء.
شعرت أن قلبي توقف لحظة.
"يشبهه."
مرة أخرى.
تابعت السيدة روجد:
«نحن ما زلنا نخاف على أطفالنا من الخروج بسببه.»
قبضت جولي على قبضتيها.
كنت أسمع صوت أسنانها وهي تطبق على بعضها.
أما أمي—
فكانت هادئة.
هادئة أكثر من اللازم.
وفجأة—
صفير حاد شقّ الهواء.
حركة خاطفة.
استدارت أمي في لمح البصر.
وفي اللحظة التالية—
كان سهمٌ بين أصابعها.
أمسكته قبل أن الطفل من عائلة روجد.
عمّ الذهول المكان.
توقفت الموسيقى.
تراجعت الأقدام.
«لا تتحركوا.»
قالتها أمي بنبرة لم أسمعها منها من قبل.
ليست نبرة أم.
بل نبرة مقاتلة.
توارى أربعة رجال عند الزقاق القريب.
كانوا مسلحين بالسيوف.
وأحدهم يحمل قوسًا.
تقدم الرامي خطوة إلى الأمام، يصفّق ببطء.
«أكانت ضربة حظ؟»
لم تجبه أمي.
لكن الماء بدأ يتكثف حول قدميها.
رطوبة خفيفة في الهواء.
برودة غير طبيعية.
ابتسم الرجل بسخرية.
«لا نريد شيء كثيرا، و لا نريد زهق الدماء هنا، لذا...أتركوا السيد روجد و عائلته اعتبروا أنكم ناجون.»
ساد صمت من طرف أمي، لا تود ترك أحد
تحرك أحد رفاقه خطوة للأمام.
«والفرصة لا تتكرر كثيرًا.»
أدركت فجأة—
هذا لم يكن شجار أطفال.
كان شيئًا أكبر.
شدّت أمي يدي خلفها قليلًا.
«جولي.»
قالتها دون أن تنظر إليها.
«احمي أخاكِ.»
اشتعلت شرارة في عيني أختي.
أما أنا…
فكنت أنظر إلى السهم في يد أمي.
بدأ ضوء الفوانيس يخفت.
والهواء… صار أثقل، كأن الليل يقترب ليشهد ما سيحدث.
لمن ينظر من بعيد، كانت مجرد مواجهة بين امرأة وأربعة رجال.
لكن الحقيقة مختلفة.
لم تكن أربعة ضد واحدة.
بل أربعة… في مواجهة امرأة تحمي الجميع.
اختفت أمي من أمامي أنا وجولي.
لم أرَ سوى حركة خاطفة،
ثم جسدين يسقطان أرضًا.
اتجه نحوها سيفان من جهتين، فانخفضت بانسيابية، وضربت بقبضتها إلى الأسفل فقطعت اندفاعهما.
صوت الحديد تردد في الساحة.
تراجع الناس.
اختلطت أنفاسهم بالخوف.
لكنها استمرت.
دفاع.
خطوة جانبية.
صدّ ضربة.
دفاع آخر.
نظرت إلى جولي.
كانت ترتجف غضبًا.
لو أُعطيت فرصة، لأطلقت سحرها بلا تردد.
اقترب القتال منا أكثر فأكثر.
وأصبح أصعب.
حماية الحاضرين… ومواجهة المهاجمين في آن واحد.
مهمة أثقل مما تبدو.
وفجأة—
انتزع أحدهم خنجرًا،
ورماه.
لم يكن موجّهًا نحو أمي.
بل نحو الطفل روجد.
تجمّد كل شيء.
أمي كانت بعيدة.
المسافة قصيرة… لكنها كافية.
كان يمكنني أن أبتعد.
أن أتركه.
ألم يكن من تنمّر علي؟
ألم يكن من ضربني؟
ألم يكن من قال إنني أشبهه؟
… أشبه من؟
شعرت بشرارة في صدري.
لم أفكر.
قدماي تحركتا وحدهما.
سمعت جولي تصرخ باسمي، لكنني اندفعت.
مددت يدي—
وأمسكت بنصل الخنجر.
الألم اخترق راحتي كوميض نار.
الدم بدأ يتجمع، ثم ينزلق ببطء على أصابعي.
قطرة…
ثم أخرى…
الوجوه حولي تغيرت.
ذعر.
رعب.
أسى.
نظرت إلى روجد.
لم أرَ سخرية.
بل خوفًا حقيقيًا.
ابتسمت له ابتسامة باهتة.
ثم التفتُّ إلى أمي.
كانت تناديني.
لكنها لم تكن تنظر إليّ.
كانت تنظر خلفي.
اتسعت عيناها.
رأيت في نظرتها شيئًا لم أره من قبل…
خوفًا.
صوت حاد شقّ الهواء.
تجمّد الزمن.
طعنة.
في الظهر.
لكن—
لم يكن ظهري.
رأيت النصل يخترقها.
ظهر… أمي.
وسقط العالم من حولي.