الفصل الرابع : قوة لا تناقش
لم أستيقظ باكرًا هذا اليوم، إنه اليوم التالي لحفلة جولي.
سهرنا حتى وقتٍ متأخر.
نزلتُ الدرج ببطء، فوجدتُ أمي وجدّتي في المطبخ.
«أوه... صباح الخير يا راكس، هل نمتَ جيدًا البارحة؟»
«نعم، لقد نمتُ نومًا هانئًا.»
جلستُ إلى الطاولة أنتظر استيقاظ أبي وجولي وجدّي.
«يبدو أن أبي وجولي متعبان من حفلة البارحة.»
أجابتني جدّتي بابتسامةٍ مُطمئنة:
«وجدّك أيضًا، لكنهم رغم ذلك خرجوا للتدريب.»
«أهم يتدرّبون حقًا؟»
ضحكت أمي ضحكةً خفيفة وقالت:
«نعم أيها المقاتل النائم، أسرع قبل أن تسبقك جولي
وتصبح أقوى منك.»
نزلتُ عن المائدة وتوجّهتُ نحو الباب الخارجي، فقد أردتُ المشاركة في ما تبقّى من النزالات.
فتحتُ الباب، فإذا بهم عائدون من التدريب.
«ها... راكس! صباح الخير، كيف حالك أيها الصغير؟»
قالها أبي وهو يفرك رأسي بلطف.
لاحظ جدّي ملامح الغضب على وجهي.
«ما بك يا راكس؟ هل حدث شيء؟»
«لا... لكنكم لم توقظوني لأتدرّب معكم، لماذا؟»
أجابتني جولي وهي تمسح العرق عن جبينها بمنشفةٍ صغيرة:
«كنتَ نائمًا بعمق يا راكس، لم نشأ أن نوقظك.»
«لكن-»
«بما أنك فوّتَّ تدريباتنا، ما رأيك أن ترافقني اليوم إلى تدريب الجنود؟»
لم ينتظر إجابتي. حملني على كتفيه وانطلق، بينما كان صوت أمي يأتينا من المطبخ مناديًا للإفطار.
خرجنا إلى البلدة، وكان جدي يرافقنا.
كنت قد اقتربت من جدي أكثر بعد الليلة الماضية؛ أعجبتني صراحته، وتلك الطفولة التي تختبئ خلف تجاعيد وجهه.
يشبه أبي كثيرًا... الشعر الأحمر ذاته، غير أن الشيب غزاه مبكرًا.
أما جدتي، فكانت ميزانه الدائم، تعيده إلى وقاره كلما انفلتت منه روحه الصبيانية.
لكن فكرة واحدة ظلت تتردد في ذهني منذ الحفل:
"إنه الملك."...
«هاي يا راكس، أين أنت شارد؟» سأل أبي.
«لا شيء... كنت أفكر في العم فيل.»
ابتسم أبي قليلًا.
«في الواقع، هو يفكر في الانتقال للتجارة في مكان آخر.»
تدخل جدي فجأة:
«فيل؟ تقصد فيل الذي أعرفه؟»
«نعم. لقد انتقل معي عندما انتقلت أنا.»
انتقل...؟
هل انتقل أبي من مكان آخر؟
كادت الفكرة تتشكل في رأسي، لكن الطريق تغيّر فجأة.
لم ألاحظ متى تركنا طرق البلدة ودخلنا عمق الغابة.
توقفت خطوات أبي.
كنا أمام مساحة مفتوحة بين الأشجار، أرضها مضغوطة كأنها اعتادت وقع الأقدام.
أنزلني أبي، وجثا ليكون في مستواي.
«راكس... أعرّفك على موقع تدريب حماة هذه المنطقة.»
تقدّم جنديان عند المدخل، انحنيَا باحترام.
«صباح الخير، أيها القائد.»
ردّ أبي التحية بإيماءة خفيفة.
ثم دوّى صوت ساخر من الداخل:
«هاي أنت! ماذا تفعل هنا أيها الشيخ؟ عد إلى بيتك واسترح.»
التفت أبي ببطء.
نظرتُ إلى جدي...
مضى أبي إلى الداخل وكأنه لم يسمع شيئًا.
«أبي... أين-»
تقدم جندي إلى أبي
«مرحبا بك أيها القائد، أرجو منك أن تتفقد أخبار المنطقة في المكتب الرئيسي»
«حسنا، هيا بنا يا راكس»
سحبته إلى الخلف
«لكن جدي!»
مضى بعدها في طريقه
«لا تقلق عليه، فهو موضوع تدريب اليوم.»
لم أفهم شيئًا، لكن ما دام بخير... فهذا يكفيني.
دخلنا بعدها قاعة واسعة، لم تكن مجرد قاعة للجنود...بل كانت أشبه بمجلس قيادة.
جلس أبي في رأس الطاولة.
اصطف الجميع على يمينه ويساره فورًا.
حينها فقط أدركت...
أن أبي الذي ينسى غسل يديه قبل الإفطار، ليس رجلًا عاديًا هنا.
بدأ الاجتماع.
تحدثوا عن تحركات، عن دوريات، عن اضطرابات في أطراف المنطقة.
كنت أتابع بصمت، أحاول فهم الكلمات الكبيرة التي تتطاير فوق رأسي.
وفجأة-
اندفع أحد الجنود إلى الداخل.
«أعتذر على اقتحام الاجتماع... لكن... هناك شيخ في الخارج...»
ضرب أحد القادة الطاولة.
«تحدث بوضوح!»
تردد الجندي، وصوته يرتجف:
«لقد... أسقط عددًا من الجنود.»
«كم عددهم؟»
صمت.
«عشرون... لا... ثلاثون... بل أكثر.»
تجمدت القاعة.
ساد الصمت.
التفت الجميع نحو أبي.
لكن_
كان يبتسم.
بل... يضحك بهدوء.
«أيها القائد... ما هي أوامرك؟» قال أحدهم بتوتر.
نهض أبي ببطء.
ثم التفت إليّ.
«هيا يا راكس.»
خرجنا إلى ساحة التدريب.
كان الجنود ممددين في كل مكان.
يتأوهون، بعضهم يحاول النهوض، وبعضهم يحدق في السماء بصدمة.
ثم رأيته.
«جدي...؟»
كان جالسًا فوق كومة من الجنود، كأنها تلة صغيرة.
واضعًا ساقًا فوق أخرى.
رفع يده ولوّح لي بابتسامة عريضة.
«أوه، مرحبًا يا راكس.»
التفتُّ إلى أبي، غير مستوعب.
«ماذا يحدث هنا...؟»
نزل جدي من فوق كومة الجنود بخفةٍ لا تليق بشيخٍ في عمره.
«تحياتي أيها القائد... يبدو أن جنودك يحتاجون إلى إعادة تدريب.»
اختفت ابتسامة أبي.
التفت إلى الجنود الممدّدين أرضًا، وقال بصوتٍ لم يكن مرتفعًا... لكنه كان أثقل من الصراخ:
«أيعجزكم شيخٌ واحد؟ أهذه هي قوة حماة المنطقة؟»
ساد الصمت.
استلّ أحد القادة سيفه، وقال بغضب:
«لن أسمح بإهانة الجنود!»
اندفع نحو جدي-
لحظة.
صوت ارتطام.
ثم كان القائد ممددًا أرضًا... بلا سيف.
«بطيء.» قالها جدي بهدوء.
تحرك نحو البوابة.
«أتركك مع رجالٍ لم يتعلموا بعد معنى السيف.»
لكن-
توقفت خطواته.
يدٌ أمسكت كتفه.
كانت يد أبي.
«ألم نتفق... ألا تؤذي جنودي، يا أبي؟»
همسات تعالت بين الجنود.
"أهذا حقًا والده؟"
استدار جدي ببطء، وابتسم ابتسامةً تحمل تحديًا قديمًا.
«وماذا ستفعل أيها القائد؟»
ضحك أبي... ضحكة قصيرة.
«أتظنني ذلك الطفل الذي كان يتعثر بسيفٍ أكبر من قامته؟»
ثم سحب سيفًا من الأرض.
في اللحظة التي قبض فيها عليه-
ثقل الهواء.
انحنت الأشجار قليلًا.
تراجع الجنود خطوةً دون وعي.
لم يكن ضغطًا...
كان إعلانًا.
«هذه... قوة القائد.» تمتم أحدهم.
نظرتُ إلى جدي.
كان مطأطئ الرأس.
ثم ابتسم.
وفي اللحظة التالية-
انفجرت موجة قوة مضادة، حادة، كأنها تشق الهواء نصفين.
اهتزت الأرض.
تكسّرت بعض الأغصان.
اقتربا من بعضهما في لمح البصر.
صوت تقارع السيوف لم يكن صوت معدن...
بل كأن السماء نفسها اصطدمت.
اندفعا مجددًا-
ثم-
شقّ الغبار صوتٌ مألوف:
«كفى!»
تلاشى الضغط فجأة.
انقشع الغبار.
كانت أمي تمسك بمعصم أبي.
وجدتي نورن تمسك أذن جدي بقسوةٍ معتادة.
«كم مرةً أخبرتكما ألا تحولا كل نقاش إلى معركة؟» قالت جدتي بصرامة.
نظرتُ إلى يد أمي...
كانت مصابة بخدشٍ خفيف.
أمسكتها بسرعة.
«أأنتِ بخير يا أمي؟»
ابتسمت لي.
«أنا بخير يا عزيزي...»
ثم التفتت إلى أبي بنظرةٍ لم تكن تحتاج كلمات.
هدأ المكان.
اقتيد جدي إلى الخارج وهو يعتذر بصوتٍ خافت.
أما أبي...
فمشى بجانبه بهدوء.
أما الجنود فقد كانو كما الأصنام لم يتحركو من أثر ما رأت الأعين، و هل يُصدق أن وحشا مثل جدي قد جر من أذنه كطفل رضيع من طرف جدتي؟