حق العودة - الفصل الثالث : حين أضاء النور الليل - بقلم black sword | روايتك

اسم الرواية: حق العودة
المؤلف / الكاتب: black sword
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث : حين أضاء النور الليل

الفصل الثالث : حين أضاء النور الليل

كان يومًا جميلًا حقًا؛ الشمس ترمي بأشعتها على العشب الأخضر، والسماء تُتمّ اللوحة بلونها الأزرق. أتذكر أن المطر هطل ليلة أمس على السقف الآجري، ليعزف نغماتٍ مبعثرة، ما زال صداها عالقًا في الهواء. كان المنزل نشيطًا؛ إنها حفلة جولي بعد نجاحها. نزلتُ الدرج بصعوبة، خطوة بعد أخرى، حتى وصلت إلى المطبخ. استقبلتني أمي بابتسامتها الدافئة. «صباح الخير يا صغيري، يبدو أنك تعلمت نزول الدرج وحدك.» تقدمت لتحملني إلى مائدة الطعام، ثم عادت إلى عملها دون أن تخفف من تلك الابتسامة. «سيأتي والدك وجولي بعد قليل.» تأملت المطبخ المكتظ بأصناف الطعام؛ كانت هذه الحفلة كبيرة… أكبر مما توقعت. دخل أبي وجولي بعد ذلك، وقد بدت عليهما آثار التدريب في الخارج. اختفى الوجه البشوش عن أمي فورًا. «أتجلسان إلى المائدة دون أن تغتسلا بعد تدريبكما؟» ثم أضافت بنبرة لا تقبل الجدل: «لن يجلس أحد هنا قبل أن ينظف نفسه.» ضحك أبي بخفة. «حسنًا، حسنًا، نحن ذاهبان.» حملني مع جولي، واتجهنا إلى الحمام. اغتسلنا، ثم عدنا إلى المائدة. جلست أمي معنا بعد أن أنهت أعمالها. «هل قدّمتَ دعوات الحفل يا هيت؟» «نعم، لكن هناك من اعتذر عن الحضور…» تردد لحظة، ثم أكمل: «كأبواي.» تدخلت جولي ببراءة: «ألن يأتي جدي وجدتي يا أبي؟» تبادلت أمي وأبي نظرة سريعة. «لا، بل… سيأتيان يا جولي.» لم تَسأل عن السبب، ولم يُشرح شيء. نادتها أمي بعدها: «لِمَ لا تساعدينني في تزيين الكعكة؟» رفعت جولي رأسها بفخر: «لكنني سأصبح محاربة!» ثم عقدت حاجبيها وأضافت: «لا يمكن للمحاربة أن تزيّن الكعك.» التفتت إلى أبي تسأله: «أليس كذلك يا أبي؟» اقترب منها، ووضع يده على شعرها البني. «لم تصبحي محاربة بعد، أليس كذلك؟» احتضنته، ثم ذهبت إلى أمي تساعدها. جثا أبي أمامي بعدها، حتى صار وجهه في مستوى عيني. «ما رأيك أن ترافقني إلى السوق يا راكس؟» لم أفهم كل شيء، لكنني ابتسمت. «هيا بنا.» مضينا نحو مركز البلدة، حيث امتدّ السوق على طرقاته العريضة. ألوان الطعام واللباس، الأقمشة، الأصوات…كل شيء كان حيًّا. لم تتوقف التحيات عن التوجّه إلى أبي، وما حيّرني أنهم لم ينادوه باسمه، بل بلقبٍ واحد: "القائد." بعد ساعات من المشي، تعبت. توقفنا عند مطعم صغير في طرف السوق. دفع أبي الباب الخشبي القديم. كان المكان مظلمًا قليلًا، تتدلى فيه فوانيس صغيرة وصور ملوّنة، تصنع جوًا غريبًا بين الألفة والرهبة. كان هناك رجل يمسح الكؤوس بهدوء، كأن الوقت لا يعنيه. جلس أبي على كرسي بدا كأنه اعتاد وجوده. «اجلس يا راكس.» ساعدني، فالكرسي كان طويل السيقان. اقترب الرجل، جلس مقابل أبي. «مرحبًا بك أيها القائد، لم تعد تزور محلي كثيرًا.» قطّب أبي حاجبيه قليلًا. «لا تنادني بالقائد يا فيل… وأنت تعرف أنني مشغول هذه الأيام.» وضع فيل أمامنا كؤوسًا من عصير الفاكهة. «إذًا، من هذا الذي شرفني اليوم؟» نظر إليّ مبتسمًا. «أهذا ابنك؟» قال أبي بنبرة لم أسمعها من قبل: «نعم… هذا ابني، راكس.» ثم أضاف: «ألقِ التحية على عمك فيل.» مددت يدي الصغيرة. صافحني، وكانت يده خشنة إلى درجة جعلتني أظن أن جلدي سينجرح. ابتسم. التفت أبي إليه: «أتيت اليوم لأدعوك لحفل جولي.» سكت لحظة، ثم أكمل: «لقد أيقظت سحرها.» ارتشف فيل رشفة من عصيره. «مبارك… يبدو أنها ستكون كأمها.» ضحك أبي ضحكته العالية. «أبدًا! لقد سخّرت سحر النار.» ثم خفّض صوته قليلًا: «جين تكاد تقتلها الغيرة.» سحر؟ لم أفهم الكلمة… لكنها علقت في ذهني. «إذًا، هل ستأتي؟» سأل أبي. «نعم… لكن هل هناك مانع أن أحضر زوجتي وابني هيوغو؟» «لمَ لا؟» ابتسم أبي. «لنستعد بعض الذكريات معًا.» وقف فيل، حمل الكؤوس الفارغة، وتوجّه إلى الغرفة الخلفية. راقبته حتى اختفى. عدنا إلى المنزل مع اقتراب الغروب، وكان ذلك يعني أن وقت الحفلة قد حان. دخلنا، فكانت أمي بانتظارنا. «أين كنتما؟ وقت الحفلة وشيك.» أجابها أبي بمرح: «كنت أدعو فيل، لا تقلقي، لن نأخذ وقتًا كما تفعلانه أنتنّ أيها الفتيات.» «ملابسكما في الأعلى، أسرعا.» حملني أبي وصعدنا الدرج. بدلنا ملابسنا، ثم نزلنا. لفت نظري فستان أحمر. كانت أختي. قال أبي مبتسمًا: «هاه يا جين، أين المحاربة جولي يا ترى؟» قطبت جولي جبينها. «لن يغيرني الفستان، ما زلت محاربة.» اقترب منها. «نعم، ما زلتِ…لكن هذا يومك، فاستمتعي به.» خرجنا إلى الساحة. اجتمع الأصدقاء، أصدقاء العائلة، كان الفرح حاضرًا كما لو كان فردًا من العائلة. توزع الجميع حول الطاولات المغطاة بالبُسط الحمراء، وبدأت الحكاية… قطع الحكاياتَ صوتُ أبي. «أرحّب بكم في هذا الحفل المتواضع، الذي يسعدني فيه أن أقدّم لكم ابنتي جولي…كساحرةٍ نارية.» التفت بعدها إلى أمي، ونظر إليها نظرة فوزٍ ممزوجة بالتحدي. «أتمنى أن تعجبكم حفلتنا هذه، ونشكركم على تلبية دعوتنا.» توقف صوت أبي وسط تصفيق الحضور، ثم التفت إليّ فجأة، كأنه تذكّر شيئًا مهمًا. «وكذلك، أودّ أن أعرّفكم بابني الصغير، راكس…وأتمنى من أعماق قلبي أن يكون قويًا مثلي.» نادى أحد الحضور من بعيد: «يبدو أذكى منك يا هيت!» تعالت الضحكات في المكان. كان الجو بهيجًا حقًا. كنت جالسًا إلى طاولة وحدي؛ لم يتمكن والداي من الجلوس دقيقة واحدة بسبب كثرة الحضور. مضى الوقت، وأنا أراقب ذلك الجو المرح، الممتلئ بالفرح. توقفت ضجة السكاكين والملاعق والأحاديث، وتعالى تصفيق أمي. «حسنًا إذًا، نأسف على مقاطعتكم…لكن حان وقت الرقصة.» ثم رفعت صوتها بحماس: «فلنصفّق جميعًا لملكة الحفلة…لمحاربتنا الصغيرة، جولي!» تعالت التصفيقات. أُطفئت الأنوار. ازداد تساؤلي: هل يمكن لرقصة أن تقطع كل هذا الجو؟ يبدو أن الأمر مهم حقًا. ظهر نورٌ صغير في مكان غير بعيد عن مرأى الجمهور. جلس أبي وأمي إلى الطاولة. همست أمي لي: «راقب هذا يا راكس…سيأتي يوم تكون فيه مكان أختك.» ثبّتُّ نظري على تلك النقطة، التي أخذت تكبر شيئًا فشيئًا. تحولت إلى كرةٍ مضيئة، أنارت الجسد الذي زيّنه الفستان الأحمر. حركاتها كانت كنسيم الهواء، يتبعها خيطٌ ناري يصنع جوًا من الدفء والطمأنينة. أقرب إلى الرقص من المبارزة، أقرب إلى الفن من السحر. جمال…ليس جمال وجه، بل جمال قلب. لم تغادر عيناي ذلك المشهد الساحر. وما زاده روعة…أنه كان من صُنع أختي. بدأت خيوط تتقدّم نحو جولي ببطء. تبعتُ مصدرها…لم تكن نارًا فقط، بل ماءً وهواءً أيضًا. كانت النار تزيد النار جمالًا، والماء يضفي عليها لمعان المطر، أما الهواء… فجأة، انطفأ كل شيء. اختفت الأنوار، وتلاشى السحر تمامًا. سادت حالة من الهلع. أصاب الفزع الجميع. صوت حركة بين الشجيرات. ما هذا يا…؟ بدأت الصورة تتضح، لكن ما أدهشني أن أبي كان هادئًا…بشكلٍ مفاجئ «ليونارد…ألم أخبرك ألا تفعل هذا؟» برز من بين الحشائش عجوزان. كانت العجوز تمسك الرجل من أذنه، وتجرّه نحو المكان. «حسنًا، حسنًا! أنا آسف…إنها تؤلم!» بدأ الجميع بالهمس، لكن ما وصل إلى أذني كان همسًا واحدًا: "إنه الملك." وقف أبي وقال: «لنرحّب بمُخرّب الحفلة…الملك ليونارد.» أجابه بغضب: «كنت أنوي فقط إضافة طابع مميّز لدخولي، لا أكثر.ولا تنادني بالملك…فهذا منصب قديم.» شدّته العجوز مرة أخرى من أذنه. «لا… أرجوكِ يا نورن…توقفي، إنها تؤلم!» لم ننتبه حتى وجدنا جولي تحتضن أبي، والدموع تنساب من عينيها. «ظننت أنكما لن تحضرا…شكرًا لكما على الحضور.» أجابت جدتي برفق، وهي تمسح دموعها: «لا تبكي يا عزيزتي، لا يليق بالأطفال البكاء في الحفلات.» دفعها جدي بخفة: «هيا أيتها الصغيرة، لم آتِ كل هذه المسافة لأرى دموعًا.» مسحت جولي ما تبقى من دموعها،وعادت إلى مكانها. كان ختام الرقصة بإطلاق الساحر كل سحره دفعةً واحدة. أطلق الجميع سحرهم، وجعلوه يحيط بأختي. صمتٌ خفيف… ثم هدوءٌ قاطع. لا صوت. لا حركة. لا همس. ثم— انفجرت كرة نارية عملاقة في السماء، جعلت الليل يبدو كأنه نهار. معلنةً نهاية السهرة،وبداية وداع الزوّار.