الفصل الثاني : وميض
بدأت ملامح هذا العالم تتضح لجسدي الصغير، وأنا أرقد بين أحضان ملاك.
بشرة تعكس الضوء، وعينان كبركة عميقة.
شعر أسود مائل إلى الأزرق، وابتسامة دافئة، وصوت حنون، كفيل بأن يهدئ كل شيء.
كانت تراقبني بتلك العينين اللؤلؤيتين، وتغمرني بقبلة من حين لآخر.
دخل أبي الغرفة، حملني، وبدأ يصنع وجوهًا غريبة.
كانت عيناه عينَي محارب،وجسدٌ لا هو ضخم ولا نحيف.
شعر أحمر بلون الدم،وعينان عسليتان تحملان أثر معارك لم تُحكَ.
كان الجو أخفّ، كأن الهواء نفسه يبتسم.
لم يطلب الأمر وقتًا، وبدأت الكلمات تصنع حضورها.
«لكن… ما يحيرني، أن هذا الطفل لم يبكِ حتى عند ولادته.»
«ألا يبكي الأطفال عادةً عندما يولدون؟»
ساد صمت قصير.
«ربما…»
«يخبئ شيئًا لا نراه بعد.»
«أرجو ذلك.»
فُتح الباب فجأة، كانت أختي جولي.
تحمل ملامح أمي، لكنها أخذت من أبي أيضًا.
اقتربت مني بخطوات مترددة.
«هل يمكنني لمسه يا أمي؟»
أجابتها بابتسامة راضية:
«لِمَ لا يا جولي؟»
بدأت تداعبني بلطف، وهي تحمل في ملامحها ابتسامة أبي.
التفتت بعدها إلى أمي.
«أمي… متى يستطيع أخي أن يلعب معي؟»
تبادل أبواي النظرات، ثم ملأت الضحكات المكان.
«لا يزال غير قادر على الحديث بعد يا جولي، ولا على المشي أيضًا.»
عقدت حاجبيها قليلًا، ثم قالت بثقة:
«إذًا، سأعلّمه كيف يتحدث… وكيف يمشي.»
زادت الضحكات.
لم تكن جولي تعرف الكثير عن العالم، لكنها كانت تؤمن أنَّ كل شيء يمكن تعلّمه.
عشت بعدها أجمل اللحظات،لحظات تُختم على صخرة الذكريات، مليئة بالابتسامات.
كبرت، وكبرت.
أصبحت أستطيع الزحف من غرفة إلى أخرى، وتناول طعامي وحدي.
أتذكر اليوم الذي نطقت فيه بأول كلماتي، فجعتني أمي أكررها ليغار أبي.
كان البيت دافئًا دائمًا، لا يعرف العبوس طريقه إليه.
جاء اليوم الذي بلغ فيه راكس الصغير ثلاث سنوات.
كانت أمي في المطبخ، لا تتوقف.
أبي في الخارج مع أختي.
وكنت أنا… وحدي في غرفتي.
ألقيت نظري من النافذة، كان أبي وجولي في الفناء.
وقفت جولي بثبات، مدّت يدها إلى الأمام، أغلقت عينيها، وقطّبت جبينها.
راقبتها بدهشة ،ثم…
وميض صغير.
كبر الوميض، وتشكّلت على كفها كرة نار صغيرة.
لم تصرخ.
لم تتأذَّ.
تغيّرت ملامحها سريعًا، زال العبوس، ركضت في الفناء تنادي أمي.
خرجت أمي بعدها، لقد كانت مرعوبة، كانت جولي تركض بتلك الكرة النارية في الفناء، فاجتمع الكل على رؤية هذا الإنجاز
صعدت أمي إليّ بعدها، حملتني دون أن تتكلم.
كانت خطواتها سريعة، لكن يديها…دافئتين.
خرجنا بعدها.
ما زالت جولي تركض، ودمعة فرح على وجنتها.
توقفت عندما رأتنا.
أنزلتني أمي برفق.
تقدّمت بخطوات قصيرة.
ومددت يدي…نحو الضوء المتراقص.
جثت أختي على ركبتها، أرادت أن تقربني منها.
وصلت بعد خطوات، أحسست بالدفئ، كبر ذلك الضوء أكثر
لم أكن أعلم ما يحصل، لكن قلبي.......
كان يعلم