الفصل 65
استلقي واضع رأسي في حجر عثمان المنطرب ..
وامامنا يجلس الزبير ، بآلته الموسيقيه المصنوعه من علبه الزيت الفارغه .
يعزف عليها فتصدح وجع يمتزج مع صوت عثمان ..
يغنيان عن الغربه ويشتمانها ، بحنين بالغ للديار ..
التقط غصن من الأرض ، اكسره ببطئ ، انزع وافكك تماسكه..
اضع قطعه منه في فمي وارمي شظاياه المتبقيه ..
اردد معهم وبلهجتهم السودانيه ، اكثر جمله واضحه من اغنيتهما : ياغربه ماليك بي ..
اعاود ترديدها وانا حقا اعنيها ..
اتأمل اشعه الشمس وهي تتخلل اغصان الشجره الكبيره لتنعكس فوقنا ..
وتنثر قطع من الأضواء الصغيره علئ الظل من حولنا ..
اتأمل الطيور المحلقه ، والسماء الزرقاء و السحب المتكومه فوقها بعشوائيه..
واشعر لأول مره ان هذا المكان هو ما انتمي اليه حقا ..
اجد كثيرا من الراحه والطمأنينه في حياه التأمل والهدوء التي اعيشها انا الأن ..
لا طاقه لي لأخوض معارك مع الحياه الحقيقيه مجددا
افضل ان امضي حياتي بهدوء يشبه هذا المكان ، وفقط استمر بالعيش ..
اعتدل جالسا بعد ان انتهت الوصله الغنائيه وهدأ الوضع ..
التفت لعثمان فتطمس اشعه الشمس الرؤيه علي ، اضع كفي حاجزا بين عيني وبينها ..
واوجه حديثي له : الغربه بعض الأحيان نعمه ، نعمه ماحصلت لي ..
يضحك عثمان شامتا : والله مهي نعمه ، هي وجع بحد زاتوو..
اضحك من وجعي انا الاخر : تدري يوم رحت ادورها ، طلع عندي منع سفر ..
حتئ الغربه ممنوع منها ..
يتكلم الزبير : استغفر ربك ، مافي احلئ من نعمه البلد والأهل ..
اتنهد واتأمل السماء : المشكله اني قاعد أعيش الغربه اللي تقولونها في بلدي..
صدقوني غربتي بعيد عن محيطي احسن بفرق ..
هنا الوجع والقهر وعوار القلب ، بس انتم ما تدرون وش هنا ؟!
يصلني صوت الزبير :هنا وطنك ، امك وابوك ، اخواتك وكل شيء حلو ..
ماضروري كل الحياه تكون حلوه وسهله ليك ،
لازم تشوف الجوانب الكويسه مثل ماانت قاعد تشوف الجوانب البطاله ..
التفت له وابتسم : ادري والله ادري ، بس والله ظلم السجن احرق كل السعاده اللي حولي ..
ثلاث سنين ظلم قلبت حياتي فوق تحت ..
يتحدث عثمان وهو يسكب الشاي لنا :تنام مظلوم احسن من تكون ظالم
الحق راح يرجع لأصحابه في النهايه وانت يافلاح راجل طيب ، ربما هيديك أشياء تستحقها بحق وحقيق ..
ماتعرف ايش ربي مخبي لك ؟!، يمكن كل دا اللي حصل ليك خيره من ربنا ..!
..
التقط كوب الشاي منه ، اشعر بمواساته الأخويه العميق تلمس وجع كبير في نفسي ..
انا حقا شاكر لهما ، كانا رفيقين جيدين طوال هذه الأيام ..
تلفت نظري السياره القادمه من بعيد ..
اتعرف عليها ، سياره والدي !
..
يترجل من سيارته ، بوجه ممتعض ..
يلقي السلام ، ويناديني لأصعد السياره معه ..
اتبعه ، واجلس علئ المقعد بجانبه ..
وكما توقعت كان غاضبا من غيابي طوال الأيام الفائته ..
يرتفع صوته وهو يوبخني كطفل صغير :ماتستحي علئ وجهك ،طايح لي هنا بين الرعيان والعمال ..
ماكن عندك بيت ولا حياه تقابلها ؟!
اتنهد واوجه له الحديث :وش فيهم الرعيان ، رجال والنعم ..
يعاود الحديث : ماقلنا شيء فيهم ، بس ليه يومك معتزل هنا ؟!
وش بيقولون الناس عنك ؟!
الناس ، الناس والناس ، لا ينفك الجميع عن التفكير في ماسيقوله الناس :وانا وش علي من كلامهم ؟!
يصرخ في وجهي : فلاح ، انت علامك كذا ؟!
اصرخ انا الأخر ، اشعر ببركان الغضب يجتاحني : علامي انا ؟ ليش الكل يسألني هالسؤال ..؟!
جايكم اصيح ولا امشي من غير عقل ؟!
اشعر بحراره تجتاح خدي ، سرعان ما استوعبت انها صفعه : احشمني ياولد ..
امسح علئ خدي ، ادلك جبيني ، وأحاول تمالك اعصابي وفك النزاع قبل ان يحتدم : امرني يبه ؟ وش تبي بس ؟!
يأمرني :اركب سيارتك وارجع البيت سيده ، عندي لك وظيفه محترمه ،
توظف وافتح لك بيت وتزوج ، واعتقني من همك ..
اغمض عيني ، واتعثر بغصه ، أحاول انتزاع بعض الكلمات قبل ان تكمل سيطرتها علي لكنني اعجز ..
انزل من سيارته مسرعا ، اتجاهل ندائات الأثنين لي ..
واتجه مباشره لسيارتي ، حال ما أغلقت الباب ، اطلقت سراح الغصه ، فأنهمرت الدموع ..
انخرط في نشيج خافت ، تسيطر عليه التنهدات والشهقات ..
لا اعرف لما انا هكذا ، مزعزع جدا ، قابل للأنهيار في أي لحظه ..
جل مااعرفه انني مازلت متعب من كل شيء ، لا اريد شيء سوا العزله ..
لكنني رغما عني سأعود ..
يتحتم علي ذلك ، لا لشئ سوا انني لا اجد طريق اخر ..
اعتقني من همك !
أي هم يتملكهم ؟ أي هم ؟!
وحدي من اعاني ، لا احد مهموم ويعاني بقدري ..
وظيفه محترمه ! ، هه زواج ..
أشياء لا اجد لها وقع في نفسي ..تنازلت عنها منذ زمن من الان..
التقط علبه العقد المشؤومه التي خبئتها تحت المقعد ، امسح دموع بكمي ..
اترجل من السياره واتجه لعثمان ..
ارمي العلبه عليه : عطها الخطيبه هديه ..
اعود لسيارتي بسرعه ، ولا القي بال لحديثه من خلفي ..
احرك السياره مبتعدا
عن المكان الوحيد الذي شعرت انني وجدت نفسي فيه لأول مره بعد خروجي من السجن ..