الفصل 63
ازيح شعري المبلل من المطر عن وجهي ..
واضرب بالمسحاه الأرض لأحاول صنع مجرئ للسيل ..
أحاول ان اصنع تصريف للماء كي لا يدخل لداخل بيت الشعر ..
يساعدني عثمان وبقيه العمال في ذلك ..
كل ما ارتفع صوت الرعد ، هلل الجميع وكبر ..
يبلل المطر ثيابي ، ويعانقني الطين ...
فاستمر بالحفر ، وجرفه بعيدا ..
ننتهي ، نصف المعدات فوق بعضها ويعود كل لعمله ..
اعود انا لداخل بيت الشعر ، امسح الطين عن قدمي في البساط ..
و التقط شماغي المرمي في الزاويه القريبه
اعصر شعري عن الماء واجففه بالشماغ جيدا..
ثم أتقدم من موقد النار ،اجلس مقابل لها ..
امد يدي المتجمدتين ،أحاول تدفئتها ..
يتغزل عثمان في الجو : والله مافي احلئ من المطر ، ماناقص الجو عندي الا الخطيبه ..
يختتم حديثه بقهقه خجوله ممتلئه بالحنين ..
اتأمله واسأل :ماشاء الله ، متئ الزواج علئ بركه الله ؟
يجيب وهو يحرك الجمر : لسئ ماكتبنا الكتاب ،
بعد ما اجمع المهر وتكاليف الزواج ، راح ارجع السودان ..
اسأله سؤال عشوائي : وبتنتظرك ؟
يهز رأسه ويجب بثقه : أي ..
استغرب ثقته : وش اللي يخليك لهدرجه واثق ؟
يبتسم بحنين يطفح من عينيه : مصادر خاصه .
ثم يمدني بكوب الحليب المقنن ..
تفوح منه رائحه لا يخطئها انفي ..
قديما كنت اتحلق انا وملاذ وصقر حول راعي الابل السوداني ..
ليمدنا بكرم ، بأكواب عديده منه ..
لم استسغ طعمه في البدايه لكن صقر وملاذ كانا مهووسين به ..
لذلك رويدا رويدا كنت اقع في غرامه انا الاخر ..
وهاانا الان ، اعود للماضي واجده يستقبلني بحفاوه ..
وعثمان الشاب السوداني يحل محل الراعي القديم ..
ليمد الطفل ذاته بعبق من الماضي، فينعشه ..
اقرب الكوب من انفي ، أشتم رائحه الحليب المختلطه مع رائحه المطر
ذاكرتي تعتمد علئ حاسه الشم ..
كل ذكرئ لها رائحه ، كلما عادت الرائحه عادت الذكرئ ..
اتأمل المطر المنهمر ، يسيل علئ اطراف الخيمه ، ليصب في الممر الذي حفرناه له ..
ويجرف بعيدا ...
يقف جدي هناك يلف عمامته علئ رأسه ، يصرخ فيني لأعمل بجد ..
فأفعل ، رغم انني لا املك الطاقه اللازمه لأرفع المسحاه واجرف بها الطين ..
يقف مجددا فوق التله البعيده تلك ، يقلب "سديريته . ويرفع يديه للسماء داعي..
انزل الكوب من يدي ، اخرج من الخيمه للمطر ..
امشي فوق الرمل بقدمي الحافيه ممسك بطرف ثوبي ..
واتجنب مستنقعات الطين الصغيره ..
امضي لأقف حيث هي التله المنشوده ، تله جدي ..
انزع ثوبي ، واعاود ارتدائه بالمقلوب ..
واجلس هنا، فوق التله ذاتها التي سألت جدي فوقها في يوم ماطر يشبه هذا اليوم ..
سؤال اثاره الفضول لا اكثر ، اعطاني جدي اجابته لتعزيني الان ..
..:جدي ليه تقلب سديريتك وعمامتك لاجاء المطر ؟!
...: فرحه بالمطر اللي ربي ساقه ، يبدل حالنا من الشده للرخاء ان شاء الله..
للتو ايقنت ، انه لايوجد شيء في هذه الدنيا خالص لك ، كل شيء يتغير ..
وها انا الان اقلب ثوبي ، فرحه بالحياه التي بدأت بالعوده الي ..
لأنني اليوم ولأول مره ، شعرت انني وجدت جزء من نفسي مازال موجودا ..
وامسكت بأطراف الأجزاء الأخرئ ، علها تعود ..
ارفع كفي ادعوا ، دعوه من قلب صادق ..
ان يسامحني الله علئ كل شيء ، كل طريق سلكته كتب لي فيه الذنب رغما عني ..
الصداقه ، الانتقام ، وحتئ الحب ..
كلها تجلب لي الذنب لأ اكثر ..
اعيد تشغيل هاتفي المغلق ، أحاول منع قطرات المطرمن السقوط عليه بيدي ..
حال مايعمل ، تصلني الكثير من الرسائل والتنبيهات لمكالمات ماضيه ..
اتجاوزها ، واتجه للصور تلك و احددها ،
لا اتأملها .. لا اريد ان ارئ انعكاس شيطاني ..
لاطاقه عندي لكوابيس اخرئ ...
اضغط زر المسح ...فتمسح ..
اعود لرسائلنا
، ارسل لها " مسحت كل شيء لك عندي ، سامحيني ماكان لك ذنب ، المفروض ماادخلك بيننا انا ورائد "
اعود لأرسل "الله يستر عليك "
امسح رسائلها ، ورقمها ..
واعود لتصفح الأرقام ..
لا يوجد الكثير من الأرقام هنا ..
علئ عكس الماضي ، كان هاتفي متخم بها أنذاك
..
ضريبه النضج ، خساره الكثير من الأصدقاء ..
وضريبه تفتيش الأرقام ، وجع الوقوف عند رقمها ..!
اضغط زر المسح ، لكنني اتخاذل عن الموافقه ..
سأتجاوز الظلم ، خذلان الأصدقاء ، وشياطين الأنتقام ..
لكنني اعلم ، ان تجاوزك انتي بالذات سيكون موجعا ..
وربما سيكون مستحيلا !
لأنك كنتي الأعز والأقرب والأغلئ ، ماكنت لأقارن احد بك ابدا ..
ملاذي القديم ، ووجعي اللامنتهي ..
اتمنئ ان يمدني الله بذاكره اخرئ لا اجد لك ذكرئ في زواياها ..
ويبدلني بقلب جديد لا يحمل لك مايحمله قلبي الان ..
تسقط قطره علئ شاشه الهاتف ..
لن يعلم احد انها مالحه ...!
علئ عكس تلك التي تساقطت من السماء ..
لن يعلم احد سواي ان المطر زار عيني للتو ، لأجلها ..