رقصة الاشلاء و ضفاف الجليد
كانت السماء فوق روسيا في ذلك المساء كلوحة زيتية باهتة، رمادية وكئيبة، تضغط على الأنفاس. الثلوج تتساقط بنعومة خادعة، تغطي قصر Sobolev الذي يضج بأنغام "الفالس" احتفالاً بزفاف الأخ الأكبر. داخل القصر، كان النبيذ يتدفق والضحكات تعلو، أما خارجه، فكان روديون (ريو) يقف وحيدً ،كانت الخادمات قد حضرن الحفل لكن هو لم يفعل،كانت الخادمات تعاملن الجميع بلباقية و بأسلوب يلقيق بمكانتهم لكن مع ريو كان الامر عكسيا فبحسب اوامر امه فهو من كان يخدم الخادمات كان يتلقى تعنيفا منهم و امه تشاهد بقلب بارد ، كان يرتجف بقميصه المهترئ، وجسده الضئيل يكاد يختفي وسط بياض الثلج العنيف.
"لا تدخل، ولا تأتِ.. مظهرك عارٌ على فرحنا"… صدى كلمات أمه يحفر في عقله أعمق من البرد. تعثرت قدماه، فغاص وجهه في الجليد البارد. وبينما بدأ وعيه يتلاشى، انقشعت الرؤية عن حذاء أسود ثقيل يتوقف أمامه. مسحت يد خشنة الثلج عن جفنيه، وظهر وجه العجوز الحكيم مجددًا كطيف منقذ وسط العاصفة.
الهروب والخيانة غير المقصودة
لم يتردد ريو. سار خلف العجوز والطفل الأصهب، تاركًا خلفه "الجنة المزيفة". في تلك اللحظة، ومن خلف نافذة غرفة مزينة بستائر ثقيلة، كانت نيكيتا تراقب . رأت ريو بملابسه الجديدة، التي اشتراها له العجوز؛ بدا كأمير صغير استعاد هيبته المسلوبة. ركضت ببراءة نحو والدها:
"هل لدى عائلة ريو رجل عجوز
اجابها والدها
لا فوالده تجاوز الستين من عمره فكيف له ان يكون له اب او عم
اجابت نيكيتا
لقد كانت لحيته بيضاء و ملامحه لاتشبه الروس و كان معه صغير بشعر احمر
خرج والدها لتساءل
لم تكن تعلم أن كلماتها الرقيقة كانت حبل المشنقة ذهب والد نيكيتا ليسأل عن امر العجوز فوجد والدي ريو يبحثان بحثا غير مبال ،قال والد ريو لوالد نيكيتا هل رأيت ذلك الارعن قال في القصر، انقلبت الأجواء رأسًا على عقب. صرخت الأم بهستيريا كاذبة:
"ذلك العجوز تاجر أعضاء! لقد خطف ابني!"
انطلقت خيول الانتقام والسيارات السوداء تشق بياض الثلج، يتقدمهم الأخ الأكبر ببدلة زفافه البيضاء، التي ستلطخ قريبًا بلونٍ آخر.
المأساة: رصاص وقنابل
تحت ضوء القمر الشاحب، سُمع دوي رصاصة اخترق صمت الغابة. سقط الصبي الأصهب، وتفجرت دماؤه على الثلج الأبيض في مشهد تراجيدي. تجمد ريو وهو يرى الحزن الكوني على وجه العجوز. ثم دوت رصاصة أخرى، سكنت ساق الشيخ.
حاول ريو، بجسده النحيل الذي أنهكه سوء التغذية، أن يسحب العجوز الضخم. بكى بمرارة، لكن العجوز دفعه برفق، واضعًا في يده رسالة وكومة من المال:
"ارحل.. اذهب ولا تلتفت!"
"من أنتم؟ أنا لا أعرفكم!" صرخ ريو في وجه عائلته، لكن الأب اقترب بنبرة ذئب مختبئ تحت ثياب حمل:
"عد لي يا بني.. نيكيتا أخبرتنا بكل شيء." صُعق ريو… نيكيتا؟ الصديقة الوحيدة؟ الأغنية التي كانت تواسيه أصبحت خنجرًا.
وقبل أن يستوعب، قام أخوه بدمٍ بارد بوضع القنابل فوق جسد العجوز والصبي الميت.
"بوم!"
انفجر المشهد. لم يتبقَّ من الحكمة واللطف إلا أشلاء متناثرة وأحشاء ساخنة تساقطت فوق وجه ريو وملابسه النظيفة. تحول الثلج إلى بركة حمراء موحشة، وركض ريو، يركض وهو يحمل رائحة الموت في ثيابه.
رحلة التيه: من الكهف إلى سفينة الموت
اختبأ في كهف موحش، يضم الرسالة إلى صدره، وأصوات أغاني نيكيتا ولوري تتردد في أذنه كأنها سخرية من القدر. بناءً على تعليمات العجوز الراحل، تسلل ليركب قاربًا، لكن يد التوتر كانت أسرع من عقله؛ فأخطأ الرقم.
وجد نفسه وسط حشود من البشر المكبلين، رجال غلاظ يتفحصون أجسادهم كأنهم "بضاعة".
"تاجر بشر؟" همس ريو بصدمة، مستذكرًا كلمات أمه عن العجوز. "هل كان والداي على حق؟ هل كان ذلك العجوز يخطط لبيعي؟"
انكسر شيء أخير داخله في تلك اللحظة: فقد الثقة في كل شيء.
تم بيعه لمجرم روسي عتيد، لكن ذكاء ريو كان سلاحه الأخير. كسر زجاج السيارة وهرب في شوارع الغربة، بجروح تنزف دمًا وكرامة ترفض الانحناء.
و اكتشف انه قد اخطأ في رقم القارب لانه كان يشعر بالدوار و الصداع
الوصول: أمريكا الباردة
بملابسه الممزقة الملطخة بآثار تلك الليلة المشؤومة، وبندوب نفسية أعمق من جروحه الجسدية، وصل إلى العنوان المكتوب. فتحت له فتاة شابة الباب، وما إن رأت أغراض والدها حتى انهمرت دموعها:
"أرسلك أبي؟"
كان ريو في حالة اضطراب ما بعد الصدمة، صامتًا، جميلًا كتمثال مكسور، ولطيفًا بشكل يثير الشفقة. أخبرته أن والدها يجوب العالم لمساعدة الفقراء، وأنه يكره الترف.
لم يملك ريو الجرأة ليخبرها أن جسد والدها صار هباءً منثورًا في ريح روسيا الباردة. هكذا كبر ريو في هذا البيت المتواضع، يبني غروره يومًا بعد يوم كحصن يحمي الطفل الذي رأى أحشاء من أحبهم تتطاير فوق رأسه.