الفصل6:رماد الذاكرة.. وقيامةُ الروح
"في تلك الأربعين يوماً التي تلت غيابها، اكتشفتُ أنَّ الوجودَ قد يكونُ قاسياً لدرجةِ أنه يسلبكَ حتى حقَّكَ في الانهيار. لم يكن لديَّ 'وقتٌ' للحزن، فالحياةُ كانت تندفعُ نحوي بكلِّ ثقلها، تطالبني بأن أكونَ حاضراً، قوياً، ومسؤولاً، بينما كنتُ من الداخلِ أتلاشى.
كان الاكتئابُ ترفاً لا أملكه، فالحزنُ يحتاجُ إلى فضاءٍ من السكون، وأنا كنتُ محاصراً في ضجيجِ الواجباتِ والالتزاماتِ التي لا ترحم. كنتُ أركضُ في سباقٍ عبثيٍّ ضدَّ الساعة، أحاولُ سدَّ ثغراتِ الواقعِ المتداعي من حولي، وأُخفي ندباتي تحتَ قميصِ الصمودِ الزائف.
لم يكن مسموحاً لي أن أضعف، لذا جعلتُ من 'الوقتِ الضائع' محراباً لي. كنتُ أنتظرُ تلك اللحظةَ البرزخية، ما قبلَ الفجرِ أو ما بعدَه بقليل، حين يهدأُ ضجيجُ العالمِ وتتوقفُ مطالباتُ البشر. هناك فقط، في تلك الزاويةِ المظلمةِ من الوجود، كنتُ أسمحُ لـشكلي' الحقيقي أن يظهر. كنتُ أبكي لا لأنني ضعيف، بل لأنَّ الصمتَ طوالَ اليومِ كان يحرقُ حنجرتي.
كان ذلك البكاءُ الفجريُّ هو صِلتي الوحيدة بالصدق؛ لحظةٌ قصيرة أتحللُ فيها من قيودي، وأعترفُ للعَدَمِ بأنني مكسورٌ تماماً، قبل أن تشرقَ الشمسُ ويُفرضَ عليَّ من جديد أن أرتدي قناعَ 'الجبل' الذي لا يهتز."
"وسط هذا الزحام، كان هناك صراعٌ آخر يمزقني؛ صراعٌ بين صوتِ 'الطموح' الذي يأبى الانطفاء في أعماقي، وبين أصواتِ الواقعِ التي تطالبني بالانحناءِ للعاصفة. كانوا يدفعونني نحو 'الامتثال' لدروبٍ لا تشبهني، بينما كنتُ أقبضُ على حلمي كمن يقبضُ على جمرةٍ وسطَ ريحٍ عاتية، مؤمناً أنَّ كينونتي ووفائي لذكراها مرهونانِ بأن أكونَ الرجلَ الذي تمنته لي؛ ناجحاً، صامداً، وذا أثر.
كنتُ أصارعُ نفسي لأتأقلمَ مع هذا 'الفراغِ الوجودي' الذي تركهُ غيابُها، وأقاومُ وحشةً لا ترحم. كان صراعي هو ألا أسمحَ لهذا 'العدم' أن يبتلعَ أحلامي، وألا تضيعَ ملامحُ الشخص الذي أحبتهُ في زحامِ المتطلباتِ الباردة والالتزاماتِ التي تنهشُ الوقت. كنتُ أقفُ في منتصفِ المسافةِ بين عهدٍ مضى تحتَ التراب، ومستقبلٍ مجهولٍ أطالبُ اللهَ في سجداتِ الفجرِ أن يجعلهُ آمناً ومباركاً.
كان استمراري في مطاردة شغفي، رغم كلِّ العوائق، هو فعلَ المقاومةِ الوحيد المتبقي لي. كنتُ أريدُ أن أثبتَ لهذا العالم أنَّ الروحَ التي غادرت لم تترك خلفها حطاماً، بل تركت رجلاً يزدادُ طهراً وصلابة كلما اشتدت عليه الظلمة. كنتُ أواجه الفراغَ بالعمل، وأواجهُ الشتاتَ باليقين، منتظراً أيَّ إشارةٍ تُخبرني أنَّ هذا الطريقَ الطويل له نهاية، وأنَّ صبري في هذا 'الخلاء' لن يذهبَ سُدى."
"في تلك الأيام، كنتُ أختبرُ معنى 'الوجود المزدوج'. أمام العيون التي تترقبُ صمودي، كان عليَّ أن أتقمصَ دورَ الكيانِ الذي لا يميل. كنتُ أضغطُ على جروحي الغائرة لأرسمَ ملامحَ هادئة، لا لشيء، إلا لكي أحافظَ على توازنِ المحيطِ الذي أنتمي إليه، ولكي لا أسمحَ لليأسِ أن يخدشَ السكينةَ الهشة لمن يشاركونني هذا العبور المرّ وسط العاصفة.
كان الثقلُ الحقيقي يكمنُ في تلك 'المفارقة'؛ أن تخوضَ في تفاصيلِ العيشِ الرتيبة، وتناقشَ الضرورات، بينما روحُكَ معلقةٌ في 'برزخٍ' آخر. كنتُ أتحدثُ مع العابرين وأنا أشعرُ أنَّ صوتي صدىً قادمٌ من عالمٍ موازٍ، وكأنني أراقبُ جسدي يؤدي حركاتٍ آلية في مسرحيةٍ لم أختر فصولها. كانت الوجوهُ تمرُّ بي كأطيافٍ باهتة، بينما كان الحضورُ الوحيدُ الحقيقي في قلبي هو لذاك الغيابِ الذي سلبَ الوجودَ صفاءه.
لم يكن الإرهاقُ ناتجاً عن المسيرِ في الممراتِ الشاحبة، بل كان نابعاً من 'ضريبة التظاهر'. أن تُصدّرَ التماسكَ للآخرين بينما أنتَ تواجهُ تساؤلاتِ العدم، وأن تُمثّلَ دورَ 'الثابت' وأنتَ تنزفُ بصمت. كنتُ أتحاشى تلاقي العيون، خشيةَ أن يفضحَ سوادُ عينيَّ حقيقةَ الحُطام الذي أُداريه خلفَ هيبةِ الرزانة، فألوذُ بالصمتِ أو بالانشغال، فراراً من لحظةِ مكاشفةٍ قد تهدمُ كلَّ ما بنيتُه من ثباتٍ وقور.
كنتُ أترقبُ رحيلَ الضوءِ بفارغِ الصبر، لا طلباً للراحة، بل طلباً للصدق. حين يغرقُ الكونُ في سكونه، أخلعُ عن وجهي ذلك الثقلَ المصطنع، وأعودُ لذاتي العارية في عتمةِ ما قبل الفجر. هناك، في حضرةِ الخالق، يختفي دورُ 'القوي' ليبقى مكانهُ أنينُ 'المُحبِّ الوفي'.. سجدةٌ وبكاءٌ وتجردٌ تامٌ من كلِّ الأقنعة، حيثُ لا أحدَ هناك ليرى الضعفَ سوى مَن وَضعَ الصبرَ في القلوب."
"وعندما ينفضُّ ضجيجُ العالم، وتغلقُ الأبوابُ على أصحابها، كنتُ أنتحي ركناً في غرفتي التي أصبحت مَملكةً للظلال. هناك، وسط سكونِ الليلِ الموحش، كنتُ أجلسُ وحيداً وبجانبي كوبُ شرابي، وكأنني في جلسةِ سمرٍ مع العدم. كانت الغرفةُ تغرقُ في دخانٍ كثيف، سحبٌ رمادية تتصاعدُ لتملأَ الفراغ، كنتُ أُدخنُ بشراهةٍ لم أعهدها في نفسي من قبل، وكأنني كنتُ أحاولُ عبثاً أن أحرقَ الوجعَ القابعَ في صدري، متوهماً أنَّ تلك النيرانَ الصغيرة في طرفِ سيجارتي قادرةٌ على التهامِ مرارةِ الفقدِ وتحويلها إلى رمادٍ تذروه الرياح.
كنتُ أراقبُ الدخانَ وهو يتلاشى في سقفِ الغرفة، وأتساءلُ بمرارة: لماذا لا تتلاشى الأحزانُ بمثلِ هذه السهولة؟ كان كلُّ نَفَسٍ أسحبهُ هو محاولةٌ لاختناقِ الصرخةِ المكتومةِ في أعماقي، وكلُّ غيمةِ دخانٍ تخرجُ مني كانت تحملُ جزءاً من ذلك 'الألمِ الوجودي' الذي يرفضُ الرحيل. كانت الغرفةُ تصبحُ مع الوقتِ غابةً من الضباب، حيثُ تغيبُ ملامحُ الأشياء، وتبرزُ فقط ملامحُ تلك الغائبة التي سكنتِ المسامات.
في تلك العزلةِ المسمومةِ بالتبغِ والهدوء، كنتُ أواجهُ الحقيقةَ عاريةً من كلِّ زيف. لم يكن التدخينُ بالنسبةِ لي سوى استعارةٍ حيةٍ لحالي؛ احتراقٌ صامتٌ من أجلِ لا شيء، وتلاشٍ مستمرٌّ نحو الفراغ. كنتُ أعتقدُ في قرارةِ نفسي أنَّ الأملَ الذي يحترقُ بداخلي قد يخرجُ مع هذا الدخان، لعلَّ صدري يهدأُ قليلاً من ثقلِ الذكرى، ولعلَّ ذلك الضيقَ الذي يخنقي يجدُ مخرجاً وسط هذا الضبابِ الرمادي الذي غلّفَ حياتي في تلك الأربعين يوماً."
"كنتُ أراقبُ ذاك الضبابَ الرمادي، وفي أعماقي يقينٌ غريب بأنَّ كلَّ شيءٍ يتبخر، إلا طيفُها. وسطَ غمامِ الغرفة، كان يتشكلُ أمامَ عينيَّ 'سرابُ اللقاء'؛ ذلك الموعدُ الذي ضلَّ طريقهُ في زحامِ الواقع، وبقيَ عالقاً في مخيلتي كحقيقةٍ وحيدة وسطَ هذا العبث.
لم يكن الدخانُ الذي يملأُ صدري هو ما يمنعني من التنفس، بل كان التفكيرُ في ماهيةِ ذلك اللقاءِ المنتظر. كنتُ أتساءلُ بجنونٍ صامت: أين هي الآن؟ وهل تراني وسطَ هذا الركام؟ كان 'اللقاء' قد تحولَ في عقلي من مجردِ أمنيةٍ إلى 'ضرورةِ وجود'. كنتُ أبحثُ عن ملامحِ وجهِها في ثنايا الدخان، وأحاولُ رسمَ تفاصيلِ اجتماعٍ لا يخضعُ لقوانينِ الأرض، لقاءٍ لا يقطعهُ رصاص، ولا ينهيهِ مرض، ولا تُفسدهُ التزاماتُ البشرِ الباردة.
كانت فكرةُ اللقاءِ هي 'المُسكن' الوحيد الذي يجعلُ مرارةَ الأربعين يوماً محتملة. كنتُ أقولُ لنفسي إنَّ هذا الفراق، برغمِ قسوته، ليس سوى 'فاصلٍ زمنيّ' في روايةٍ لن تنتهي. وفي كلِّ مرةٍ كنتُ أطفئُ فيها سجارتي، كنتُ أشعرُ أنني أطفئُ معها جزءاً من عمري، مُقترباً خطوةً أخرى نحو ذاك الغيبِ الذي يجمعنا.
لقد صارَ 'السرابُ' حقيقة، وصارَ 'الواقعُ' هو الوهم. كنتُ أعيشُ يومي بجسدٍ آليّ، فقط لأعودَ في نهايةِ الليلِ إلى غرفتي الغارقةِ بالدخان، حيثُ أتحررُ من قيودِ الدنيا، وأسافرُ في رحلةٍ ذهنيةٍ لا تنتهي إلا عندَ عتباتِ طيفها، منتظراً تلك اللحظةَ التي يتوقفُ فيها الاحتراق، ويصبحُ اللقاءُ يقيناً لا يتبخر."
"في تلك الليالي، كنتُ أجلسُ وسط ذلك الضباب الرمادي الذي صنعتهُ نيرانُ سجائري، أشاهدُ احتراقَ التبغِ وأشعرُ أنَّ روحي هي التي تذوبُ مع الرماد. لم يكن التدخينُ عادة، بل كان محاولةً لتجسيدِ ما يحدثُ بداخلي؛ احتراقٌ صامتٌ يملأُ الصدرَ بالخناق. وبجانبِ كوبِ شرابي الذي صار رفيقي في هذا الهدوءِ الموحش، كان يهاجمني شعورٌ غريبٌ لا اسمَ له، شعورٌ بأنَّ ثقباً أسودَ قد انفتحَ في جدارِ الواقع، وأنَّ كلَّ شيءٍ يحدثُ من حولي—بما في ذلك تنفسي—هو خطأٌ فادح.
كان القلقُ يتسللُ كالأفعى، ليس خوفاً من مجهول، بل خوفاً من 'المعلوم'. كانت تهاجمني 'غربانُ الوساوس' بصوتٍ جهوريٍّ يخرقُ صمتَ الغرفة: لماذا كلُّ هذا الركض؟ ولماذا تُكافحُ لترميمِ حلمٍ مكسور؟ ولماذا تطاردُ سراباً في أفقٍ مسدود؟ كان صوتاً بارداً يهمسُ لي بحقيقةٍ مرّة: أنتَ ستموتُ في النهاية، تماماً كما ماتتْ هي، فما جدوى هذا العناءِ الذي تسميهِ حياة؟
كنتُ أصارعُ أفكاراً سلبيةً تنهشُ في أساساتِ كرامتي؛ فكرةَ أنَّ كلَّ نجاحٍ أحققهُ هو محضُ هراء، وأنَّ كلَّ خطوةٍ أخطوها هي اقترابٌ من حفرةِ الفناء. كنتُ أتساءلُ بجنون: هل أطاردُ حلمي وفاءً لها، أم هرباً من حقيقةِ أنني بلا وجهة؟ وفي غمرةِ هذا السواد، وسطَ الدخانِ الذي صارَ كثيفاً لدرجةِ الاختناق، كان 'سرابُ اللقاء' هو الخيطَ الوحيد الذي يمنعني من السقوطِ الكلي. كنتُ أنظرُ إلى الدخانِ المتصاعدِ وأقولُ لنفسي: 'لعلَّ موتي هو الحقيقةُ الوحيدة التي تمنحني فرصةً ثانية'. كان الشعورُ بالخوفِ لا يأتي من الموتِ ذاته، بل من البقاءِ طويلاً في عالمٍ فقدَ بوصلته. كنتُ غريباً عن نفسي، غريباً عن غرفتي، وغريباً عن غدٍ لا أرى فيه سوى ظلالِ الراحلين.
لقد كانت تلك الساعاتُ ما قبل الفجر هي 'محكمة العدم'. حيثُ أُحاكَمُ على رغبتي في الاستمرار، وعلى وفائي الذي يراه العقلُ عبثاً وتراه الروحُ حياة. كنتُ أحترقُ لأحيا، وأدخنُ لأتجاوزَ واقعاً صارَ يضيقُ بي حتى صارَ بمقاسِ زنزانةٍ من الضباب."
"لم تكن غرفتي خاليةً كما يراها الآخرون، بل كانت تعجُّ بحضورٍ لا يُبصره سواي. في كلِّ مرةٍ كنتُ أغلقُ فيها البابَ على وحدتي، أو أنتحي ركناً بعيداً عن أعينِ الناس، كنتُ أشعرُ بطيفِها ينسلُّ من بين شقوقِ الذاكرة ليجلسَ بجواري. كان شعوراً طاغياً باليقين، لم يكن محضَ خيالٍ عابر، بل كان حاجةً وجوديةً لأن تكونَ هنا، لكي أستطيعَ التنفس وسط هذا الضيق.
كنتُ أتأملُ الفراغَ وأتخيلُ ملامحَ وجهِها مرسومةً بوضوحٍ أمام عيني؛ أراها تنظرُ إليَّ بتلك الحنوِّ المعهود، وتبتسمُ لي ابتسامةً كانت وحدها كفيلةً بترميمِ كلِّ ما انكسرَ في أعماقي. في تلك اللحظة، كنتُ أنفصلُ عن واقعي تماماً، وأجدُ شفتيَّ ترتسمُ عليهما ابتسامةٌ تلقائيةٌ صادقة، استجابةً لجمالِ ذاك الطيفِ الذي يسكنني.
لكنَّ تلك الابتسامةَ لم تكن تلبثُ أن تذبلَ وتتحولَ إلى غصةٍ حارقة، حين يرتطمُ بصري فجأةً بحقيقةِ المكان. كنتُ أكتشفُ—بمرارةٍ لا توصف—أنني أبتسمُ للفراغ، وأنَّ الغرفةَ ليس فيها سواي، وسوى دخانِ سجائري الذي يرقصُ في العتمة. كان ذلك 'الاصطدامُ بالواقع' هو أقسى ما يواجهني في تلك الليالي؛ أن تدركَ أنَّ أغلى ما تملكُ صار 'وهماً' جميلاً تسكنُ إليه، وأنَّ ذاك اللقاءَ الذي يمنحكَ القوةَ ليس إلا صدىً لقلبٍ يرفضُ فكرةَ الرحيل."
"وسط ذاك السكون الثقيل، لم يكن أمامي سوى ذلك الدفتر وتلك الأوراق التي بَقيت لي منها. حين وضعتُ يدي على الغلاف، شعرتُ بهيبة اللحظة؛ فبين يديَّ مستودعُ سرِّها، ومخبأٌ لكل المشاعر التي لم تجد مكاناً يتسعُ لها سوى بياض الورق. لم تكن مجرد صفحات، بل كانت نبضاً مؤجلاً ينتظر أن يُقرأ.
فتحتُ الدفتر، فانسابت كلماتُها لتملأ خلوتي بصدقٍ لا يُقاوم. كانت تكتبُ عني بيقينٍ أربك كلَّ شتاتي؛ تكتبُ وكأنها كانت تعلمُ أنني سأحتاجُ هذه السطور يوماً ما وأنا في غمرةِ التعب. اكتشفتُ عبر ثنايا الخط أنني لم أكن عابراً في حياتها، بل كنتُ المرتكزَ الذي تميلُ إليه روحهُا في كلِّ خلوة. كانت تصفُ هذا الرباط بلغةٍ تترفعُ عن الهزل، لغةٍ ممهورة بوقارِ الوفاء، تخبرني فيها كيف كانت تَراني 'حلالها' الذي ارتضاه الله لها، وكيف أنها صانت قلبها عن العالمين ليكون لي وحدي، حياً وغائباً.
رأيتُ في كتاباتها تفاصيلَ صغيرة كانت تلاحظها فيَّ، ومواقفَ كانت تسجلها بمدادِ الروح لتخلدَها. كانت تكتبُ لي وعني، وكأنَّ القلم في يدها كان يترجمُ يقيناً لم يتزعزع يوماً. في كل سطر، كنتُ ألمسُ حجمَ الترفعِ والطهر في ذلك الحب الذي لم تكن تطلبهُ لنفسها، بل كانت تمنحهُ لي كعهدِ وفاءٍ أبديّ.
أمام هذا الدفتر، شعرتُ بمسؤوليةٍ عظيمة تجاه ضعفي. فمَن ملكَ قلباً بهذا الصدق، وروحاً كتبت له بهذا الترفع، لا يملكُ ترفَ الانكسار. لم تعد تلك الأوراق مجرد ذكرى عابرة، بل أصبحت هي 'الوجهة' الوحيدة في غرفتي. كانت كلماتُها تهمسُ لي من بين السطور بضرورة الثبات؛ وكأنها تقول: 'كن جديراً بهذا العهد'. أغلقتُ الدفتر، وضممتهُ بوقار، فشعرتُ لأول مرة منذ أمدٍ بعيد أنَّ لغُربتي نهاية، وأنَّ هذا الورق هو الجسر الذي سيعبرُ بي من عتمة الأيام نحو غدٍ يليق بما خلدتْه يمينُها."
"في تلك الليالي، حين كان كل شيء من حولي يغرق في الصمت، لم أكن أجد أمامي سوى ذلك الدفتر. كنت أجلس وحيداً، أتردد طويلاً قبل أن أفتحه، وكأنني أستعد لمواجهة حقيقة لم أكن أقوى عليها من قبل. لم يكن مجرد ورق، بل كان المكان الوحيد الذي بقيت فيه ملامحها حيّة، بعيداً عن ضجيج العالم ومرارة الواقع.
كنت أعلم أن بين تلك السطور يكمن جوابٌ على كل حيرتي، وأن كل حرف خَطَّته يدها كان موجهاً لي أنا، وكأنها كانت تكتب لتؤنس وحشتي في هذه الأيام. حين لمستُ الصفحات، شعرتُ بسكونٍ غريب يحل في غرفتي، وتلاشت كل الأصوات إلا صوت أفكاري وهي تتهيأ لسماع ما ستقوله لي عبر كتاباتها. كانت تلك الكلمات هي الحقيقة الوحيدة التي لم يطلها الغياب، والعهد الذي صانته في غيابها وحضورها، لتضعه بين يدي الآن كميثاقٍ لا ينتهي بموت."
"في تلك الليلة، كان الصمتُ في غرفتي أثقل من أي وقتٍ مضى، وكأنَّ المكانَ يتهيأُ لاستقبالِ حقيقةٍ ستغيرُ مجرى كل شيء. لم أكن أبحثُ عن عزاء، بل كنتُ أبحثُ عنها هي، بين طياتِ ذلك الدفتر الذي ظلَّ شاهداً صامتاً على غيابها. وحين فتحتُ تلك الصفحة، سكنَ كلُّ شيء.. خمدتْ نيرانُ سجائري، وتوارى دخانُ القلق، وبرزتْ حروفُها لترسمَ معالمَ عالمٍ لم تطأهُ قدماي من قبل.
كانت كلماتُها تتدفقُ بصدقٍ جارح، تجوبُ آفاقَ الروح لتعيدَ ترتيبَ حُطامي. قالت لي:
'سلامٌ عليك، سلامٌ منك وإليك.. سلامٌ على عينيك التي أحبها، سلامٌ على كل شيءٍ فيك ومنك، وعلى حروفك التي تحييني، وعلى حبك وعلى ذوبانِ روحي وانتمائي فيك. سلامٌ على لحظة التقت عيناي بعينك، وسلامٌ على كل بسمةِ منك رأتها عيني، وعلى كل احتواءٍ روحيٍّ أرسلتُه وإن لم يكن ملموساً ولكني كنتُ أشعر به يغمرُ كياني. سلاماً على كل ثانيةٍ مرت وأنا معك، وعلى كل حرفٍ كُتب بيننا، وكل يومٍ عشته معك. سلاماً على كل تفكيري فيك، وعلى كل أحلامي التي حلمتك بها.. تمنيتُ أنني لم أصحُ، تمنيتُ أن أكمل حياتي بأحلامي معك. أحبك وكأنَّ الحب خُلق فقط لأجلك، أحبك ما دمتُ أحيا، أحبك أنت ما دام قلبي ينبض.. لك حلالٌ، وحرامٌ لغيرك. أحبك وتصبح على خير وأنت أهلي.. جعل عيونك تصبح على خير يا خير هذه الدنيا وفرحة خاطري.'
قرأتُ الكلماتِ مراراً، وفي كل مرةٍ كنتُ أشعرُ أنَّ العدمَ الذي كان يحاصرني بدأ يتلاشى. مَن يملكُ مثل هذا الحب، ومَن يُحَبُّ بهذا الطهر، لا يمكنُ أن تبتلعهُ ظلمةُ الأيام. كانت جملتها '' هي الفلسفة الوحيدة التي احتجتُها لأفهم أنَّ وجودي لم يعد ملكاً لي وحدي؛ أنا الآن مُطالبٌ بأن أكون جديراً بروح رأت فيَّ أهلها وخيرَ دنياها.
أغلقتُ الدفتر، لكنَّ الكلمات ظلت تدوي في أعماقي، محولةً ذاك الانكسار إلى قوةٍ هادئة.. قوةٍ تجعلُ من 'سراب اللقاء' يقيناً أعملُ لأجله في كل يومٍ قادم."
"ولم تكن الأوراقُ مجرد تدوينٍ للماضي، بل كانت تجسيداً للحظةٍ فلسفية فارقة؛ لحظة اكتشفتُ فيها من خلال سطورها كيف يتلاشى الوجودُ المادي أمام حضور الروح. كانت هناك رسالةٌ موجهة إليّ، كُتبت بروحٍ تدركُ أنَّ مَن تخاطبهُ يعيشُ داخل نبضها، فلا حاجة للتسمية حين يكون الخطابُ من الروح إلى الروح.
قالت في بوحها ذاك:
> 'أنت لستَ انتمائي الأول والأخير فحسب.. أنا دونك أقفُ على حافةِ العدم. لم أقع في حبك كما يقع العابرون، بل وقع العالمُ أجمع من عيني حين التقت روحي بك.'
>
وقفتُ طويلاً أتأملُ هذا السقوط.. 'سقوط العالم'. إنه التعبيرُ الأقصى عن الامتلاء؛ حين يصبح الشخصُ الواحد هو الكون، وتصبحُ كلُّ الوجوهِ والأشياءِ والمدنِ مجردَ ظلالٍ باهتة لا قيمة لها. لقد كانت تخبرني أنها في اللحظة التي رأتني فيها، انكسرَ بصرُها عن كل جمالٍ آخر، وكأنَّ الوجودَ قد اختُصر في كِيانٍ واحد، وما عداه صار فراغاً لا يُرى.
هذا الاعتراف لم يكن مجرد عاطفة، بل كان 'إعادة تعريف' للوجود. كانت تمنحني بكلماتها هذه صكَّ الألوهية الروحية في قلبها؛ حيث لا شريك لي في ذاك المدى. شعرتُ حينها بمدى ثقلِ الأمانة؛ فالعالمُ الذي سقطَ من عينيها إجلالاً لحضورِي، هو نفسهُ العالمُ الذي يسقطُ الآن من عيني زهداً في غيابِها.
في تلك الخلوة، أدركتُ أنَّ حبنا لم يكن حدثاً زمنياً، بل كان انفصالاً عن الزمن. لقد صرنا معاً في منطقةٍ خارج حدودِ الأرض، منطقةٍ لا يعترفُ فيها القلبُ بغيرِ 'الواحد' الذي يملأُ الفراغ. طويتُ الورقةَ وأنا أشعرُ أنَّ وحدتي لم تعد موحشة، بل أصبحت صلاةً في محرابِ هذا الغياب، وفلسفةً جديدة تمنحني القوة لأصمد.. لا لشيء، إلا لأنني كنتُ يوماً 'العالمَ أجمع' في عينِ مَن رحلت."
"بعد أن أغلقتُ الدفتر، لم أعد ذلك الرجل الذي فتحه قبل دقائق. لقد أدركتُ، في ذروة الصمت، أنني لم أفقد مجرد روح أحببتها، بل فقدتُ 'المعنى' الذي كان يبرر لي مشقة الوجود. كان حبها لي ميثاقاً سماوياً صِيغَ بطهرٍ لا تدركه الأرض؛ كانت تحبني بوفاءٍ لا يطلبُ مقابلاً، وبصدقٍ جعل من قلبي محراباً لا يزوره سواها.
لقد كانت تلك الروح الجميلة هي 'البوصلة' التي تُعيدني إليّ كلما تهت؛ كانت طهر الروح في عالمٍ ملوث، وطمأنينة القلب في زمنِ القلق. لم تكن تنطق عاطفة، بل كانت تؤسس لفلسفةٍ من الوفاء المطلق، وفاءٌ جعلها تغضُّ بصر قلبها عن العالم أجمع لتكتفي بي. أيُّ ثمنٍ هذا الذي دفعتُه حين فارقتني؟ لقد فقدتُ الروح التي كنتُ أرى فيها أجمل ما في نفسي، وغادرتني الروح التي كانت تجعل للحياةِ طعماً وللصبرِ قيمة.
أيقنتُ بعد رحيلها، وأنا أتأملُ مِداد يدها، أنَّ الحبَّ الصادق ليس انفعالاً عابراً، بل هو 'استئمانٌ'. لقد استأمنتني على روحها حيةً وغائبة، ومنحتني من طيبتها ما يكفي لأواجه به قبح العالم لسنواتٍ طوال. كان حبها لي قوياً لدرجة أنه لم يرحل برحيل جسدها، بل استقرَّ في أعماقي كقوةٍ جبارة، قوةٍ تهمس لي في كل ليلة: 'إنَّ مَن أُحِبَّ بهذا الصدق، لا يملكُ حقَّ السقوط'.
كانت 'طاهرةً' كفجرٍ لم يمسه غبار، و'صادقةً' كدمعةٍ في سجدةٍ خاشعة. إنَّ وجعي اليوم ليس اعتراضاً، بل هو 'اعترافٌ' بحجم الأمانة؛ لقد كانت شيئاً ثميناً جداً، جوهرةً ضاعت وسط ضباب القدر، لكنَّ بريقها لا يزال يسكن عيني. اليوم، أقفُ على أطلال تلك الأربعين يوماً، لا لأبكي حطامي، بل لأصون عهدها؛ فالوفاءُ لها الآن هو أن أكون ذلك الرجل الذي تعرفة، وأن أحمل حبها في صدري كصلاةٍ دائمة، حتى يلتقي الحلالُ بحلاله في عالمٍ لا يعرف الفراق."
"قلبتُ الصفحة، فواجهتني جملةٌ كانت كفيلةً بأن تعيدَ صياغةَ مفهومِ الزمنِ في عقلي. لم يكن حبراً ما أراه، بل كان صوتاً مخنوقاً بالدموع يخرجُ من بينِ الورق ليقول:
> 'اشتقتُ لك كثيراً.. ما زال قلبي متعلقاً بك كثيراً، يبدو أنه لم ينسك، يبدو أنه ما زال يحبك. اشتقتُ لصوتك، اشتقتُ لنظراتك، اشتقتُ لكلامك.. أحبك، ومهما طالت المسافاتُ بيننا، فاعلم أني أحبك.'
>
توقفتُ عند كلمة 'المسافات'. لقد كانت تكتبُ وكأنها تدركُ بعينِ قلبها أنَّ هناك مسافةً كبرى ستفصلُ بين عالمينا، مسافةً لا تُقاسُ بالكيلومترات، بل بالغياب. ومع ذلك، كان يقينُها بالحب أقوى من قوانينِ الفيزياء؛ فالحبُّ عندها لم يكن مرتبطاً باللقاء الجسدي، بل بـ 'التعلق' الذي يتجاوز النسيان.
كانت تصفُ اشتياقها لتفاصيلِ وجودي: الصوت، النظرة، الكلام.. وهي التفاصيل التي تشكلُ هويتي في قلبها. أدركتُ حينها أنَّ 'النسيان' الذي كنتُ أخشاه لم يكن له مكانٌ في عالمها؛ فقلبُها كان مبرمجاً على نبضٍ واحد، لا يغيره غيابٌ ولا تضعفهُ مسافة. كانت تخبرني، وهي في غيابها الصامت، أنَّ الحبَّ الصادق هو ذلك الذي لا يذبلُ مهما ابتعدت الأجساد.
هذا البوحُ جعلني أشعرُ بمدى 'قربها' رغم كل شيء. لقد كان الحنينُ يسكنُ حروفها، لكنه لم يكن حنيناً يائساً، بل كان حنيناً 'مؤمناً'؛ حنيناً يعلمُ أنَّ المسافاتِ مهما طالت، فإنَّ الرباطَ الروحي يظلُّ مشدوداً كالوتر. شعرتُ بالخجلِ من نفسي؛ فإذا كانت هي، بكل طهرِها، تؤكدُ وفاءها برغم المسافات، فكيف لي أن أسمحَ لليأسِ أن يقطعَ هذا الحبل؟ أغلقتُ الصفحة ببطء، وشعرتُ بأنَّ صوتها الذي اشتاقت إليه، يجبُ أن يرتفعَ الآن بصلاةِ الوفاء، وبأنَّ نظراتي التي حنَّت إليها، يجبُ أن تتوجهَ نحو المستقبل الذي رأتني فيه، لكي يظلَّ حبنا حقيقةً تتحدى العدم والفراغ."
"حين قلبتُ الصفحة التالية، تجمدت الدماءُ في عروقي وشعرتُ برعشةٍ لم يعرفها جسدي من قبل. لم يكن حبراً ذاك الذي يزين البياض، بل كان لوناً قرمزياً يميلُ إلى السمرة، لوناً يحملُ رائحةَ الحياة والتضحية. لقد كتبت اسمي بدمها.. نعم، بدمها الذي يجري في عروقها، وكأنها أرادت أن تقول لي إنَّ وجودي لم يعد خارجاً عنها، بل صار جزءاً من تكوينها المادي والروحي.
وفي الصفحة التي تليها، اكتملَ المشهدُ الذي لا يجرؤُ عليه إلا مَن سكنَ الحبُّ نخاعَ عظمِه؛ حرفي وحرفها، يعانقان بعضهما البعض، مكتوبين بذات المدادِ الحيّ. كان مشهداً يختصرُ كلَّ فلسفاتِ الوجود والعدم؛ فأن يمتزجَ الحرفان بالدم، يعني أنَّ الانفصالَ بيننا صار مستحيلاً، حتى وإن فصلنا الموت.
تأملتُ تلك الحروف، وشعرتُ بقدسيةٍ تفوقُ الوصف. هذا ليس مجرد حب، هذا 'استشهادٌ' في سبيل العهد. لقد اختارت أن تخرجَ أغلى ما تملك، نبضَ حياتها، لتخطَّ به اسمي، ليكون شاهداً على أنها لم تحبني بلسانها أو بقلبها فحسب، بل بكل قطرةٍ سكنت جسدها. كان الحرفان الممتزجان بالدم يهمسان لي بأنَّ الرباطَ الذي يجمعنا ليس أرضياً، بل هو ميثاقٌ غليظ عُمِّدَ بالحياة نفسها.
أمام هذا المشهد، سقطتْ كلُّ لغاتِ العالم وعجزتْ كلُّ الفلسفات. أيُّ وفاءٍ هذا الذي يدفعُ كائناً رقيقاً لأن يجرحَ كفه ليخلّدَ اسمَ مَن يحب؟ وأيُّ مسؤوليةٍ أصبحتْ على عاتقي الآن؟ إنَّ مَن كُتب اسمه بدمِ روحآ طاهرة، لا يحقُّ له أن يعيشَ لنفسه بعد اليوم. لقد أصبحتُ 'أمانةً' معمدةً بدمها، وصار لزاماً عليَّ أن أحملَ هذا الاسم وهذا العهد بقدسيةٍ توازي تلك التضحية. انحنيتُ بجبيني على تلك الحروف، وشعرتُ لأول مرة أنني لا أقرأُ دفتراً، بل أقرأُ 'وصيةً وجودية' تخبرني أنَّ الحبَّ الصادق هو بذلُ الروح، وأنني سأظلُّ المسكونَ بها، والمدينَ لها، ما دام فيَّ نبضٌ يحاكي ذاك الدم الذي خلدني على الورق."
"حين تجاوزتُ هيبةَ الصفحات المعمدة بالدم، وجدتُ نفسي أمام نصٍ يفوحُ بالبهجة والرقة، كُتب في ذكرى ميلادها، ليكون احتفالاً بوجودي في عالمها قبل أن يكون احتفالاً بيوم مولدها. كانت الكلماتُ تنبضُ بحياةٍ من نوعٍ آخر، حياةٍ تملأها السعادة والامتنان.
قالت لي بلسانِ قلبِها:
> 'ودي أخلي اللحظة التي تعرفتُ فيها عليك أجمل لحظة بحياتي، لأنها أهدتني شخصاً هو سعادتي.. والله أحبك حد الجنون، لم أجد كلمةً أعمق من تلك وإلا كنتُ قلتُها. عسولي اللي محلي حياتي.. أحلى يوم وأحلى عيد ميلاد مع..'
>
توقفتُ عند جملتها 'لم أجد كلمة أعمق من تلك'. لقد كانت تصارعُ اللغة لتعبر عن فيضِ مشاعرها، وكأنَّ قواميس البشر ضاقت عن استيعاب جنون حبها. كانت تَرى في لحظةِ لقائنا 'الهديّة' الكبرى التي صاغت قدرها الجميل، فاستحقتْ تلك اللحظة أن تُخلّد كأجمل توقيتٍ في عمرها.
هذا النص جعلني أبتسمُ وسط ركامي؛ فبينما كنتُ غارقاً في فلسفةِ الموت والفقد، كانت حروفها تذكرني بأنني كنتُ يوماً 'مصدر حلاوةِ أيامها' وسرَّ بهجتها. نادتني بلقبها المفضل لي، اللقب الذي كان يختصرُ دلالها وقربها، لتعيدني إلى تلك الأيام التي كان فيها الحبُّ بسيطاً، نقياً، وممتلئاً بضحكاتنا.
أدركتُ حينها أنَّ أعظم وفاءٍ لميلادها ليس البكاء، بل هو استعادة تلك 'السعادة' التي كنتُ أمنحها إياها. لقد كانت تَرى فيَّ عيدَها، وصار لزاماً عليَّ أن أجعل من ذكراها عيداً دائماً لروحي. أغلقتُ الصفحة وأنا أشعر أنَّ طيفها يهمسُ لي: 'لا تترك الحزن يطفئ النور الذي أحببتُه فيك'. لقد كانت كلماتُها في عيد ميلادها بمثابة ميلادٍ جديد لإرادتي؛
"لطالما آمنتُ أنَّ الوجودَ محضُ صدفةٍ عابرة في سديمِ الفناء، لكنَّ حُبّي لها كان التمرّدَ الوحيد الذي مارستُه ضدَّ حتميةِ الزوال. لم يكن حباً بالمعنى البشري الضيق، بل كان 'انحيازاً كاملاً' للروح في مواجهة المادة. أحببتُها لدرجةِ أنني كنتُ أرى فيها التبريرَ الوحيد لكوني على قيدِ الحياة وسط هذا الفراغِ الكونيّ الفسيح.
في دستورِ قلبي، لم تكن مجرد كائنٍ يشاركني الأيام، بل كانت 'المركز' الذي تلتفُّ حوله جزيئاتُ روحي. كنتُ أحبها بفلسفةٍ ترفضُ التجزئة؛ أحببتُ طُهرها الذي كان يغسلُ عني أدرانَ العالم، وصدقَها الذي كان يرممُ تصدعاتِ يقيني. حين كنتُ أنظرُ إليها، لم أكن أرى وجهاً، بل كنتُ أرى 'الوطن' الذي أعودُ إليه من شتاتِ العدم. كان حُبّي لها هو 'المعنى' الذي انتزعتهُ من فمِ العبث؛ فكلُّ شيءٍ من حولي كان آيلاً للسقوط، إلا الرباط الذي يجمعني بها، فقد كان عصياً على الانكسار.
أيقنتُ بعد رحيلها أنَّ قوةَ هذا الحب تكمنُ في صموده أمام الغياب. فالعالمُ الذي 'سقطَ من عينيها' حين التقيتُ بها، هو العالمُ الذي لفظتُه أنا بعد رحيلها؛ لأنَّ الوجودَ دونها صار باهتاً، خالياً من الألوان، ومجردَ ضجيجٍ لا طائلَ منه. لقد علمتني بوفائها أنَّ الحبَّ الصادق لا يسكنُ في المسافات، بل في 'الامتزاج المطلق'؛ فصرتُ أشعرُ بها في نَفَسي، وفي صمتي، وفي كلِّ حرفٍ تخطهُ يدي.
أحببتُها حباً 'عدمياً'؛ بمعنى أنني نفيتُ وجودَ الكل لأثبتَ وجودها هي. وبالرغم من أنَّ الفراقَ قد وضع حداً للقاء الأجساد، إلا أنه ثبّتَ 'أزليةَ الأرواح'. أنا اليوم لا أحبُّ ذكرى، بل أحبُّ كياناً حياً يسكنُ في تفاصيلِ إرادتي. لقد كان حبها لي هو 'الفجر' الذي أشرقَ في ليلِ أربعينيّ، وبفضلهِ أدركتُ أنَّ مَن ذاقَ طعمَ ذلك الحب الطاهر، لا يرهبهُ فناء، ولا يكسرهُ غياب؛ فالحبُّ الذي يُعمّدُ بالدم والوفاء، هو الشيءُ الوحيد الذي ينجو من فخاخِ العدم ليبقى خالداً بخلودِ الروح."
"في تلك الليلة، أغلقتُ الدفتر لم يعد جسدي يرتجف، ولم تعد عينيَّ تبحثُ عن الدخان لتختبئ خلفه. لقد منحتني 'هيا' بكلماتها هُويةً جديدة؛ أنا الآن لستُ مجرد رجلٍ مكلوم، بل أنا 'المؤتمن' على حلم روحآ
رأت فيَّ العالم أجمع.
نظرتُ إلى الفجر وهو يشقُّ عتمة سمائي، وشعرتُ وكأنَّ الله يرسل لي إشارةً بأنَّ لكل ليلٍ نهاية، وأنَّ الأرواح التي ترحل بصدق، تترك خلفها نوراً لا ينطفئ. نهضتُ من مقعدي، وتخلصتُ من بقايا سجائري، وكأنني أتخلصُ من قيود الأربعين يوماً الماضية. لم يكن رحيلها نهايةً لقصتنا، بل كان بدايةً لعهدٍ جديد، عهدٍ أعيشهُ بالعمل والنجاح ليكون اسمي كما تمنّت: 'فرحة خاطرها' حتى وهي في ملكوت ربها.
وضعتُ الدفتر في مكانٍ آمن، قريبٍ من نبضي، وقررتُ أن أخرج إلى العالم. لم أعد أخشى الناس ولا الأماكن، لأنني أحملُ داخل صدري جيشاً من الكلمات والوفاء يحميني من الانكسار. كل خطوة سأخطوها من الآن فصاعداً، ستكون مثقلةً بذكرياتها الجميلة وبطهرها، وكل نجاح سأحققه، سأهديه لروحها التي آمنت بي حين كنتُ لا أرى في نفسي شيئاً.
أدركتُ أنَّ 'الحلال' الذي تحدثت عنه في مذكراتها ليس مجرد كلمة، بل هو مسار حياة؛ أن أعيش بصدق، وأن أعمل بجد، وأن أظلَّ وفياً لتلك اللحظة التي التقت فيها عيناها بعيني. خرجتُ إلى الشارع، واستنشقتُ الهواء بعمق، وشعرتُ لأول مرة منذ أمدٍ بعيد أنني أتنفسُ 'الأمل'. لقد غادرتْ هي الأرض، لكنها استوطنت فيَّ 'إرادة الحياة'."
"بعد أن أُغلق الكتاب، لم يعد هناك مجالٌ للالتفاتِ إلى الوراء. لقد كانت تلك الصفحاتُ هي الجسر الذي عبرتُ عليه من ضفةِ الضياع إلى ضفةِ اليقين. وضعتُ الدفترَ في مكانه، ليس كذكرى تُنسى، بل كذخيرةٍ تُدخرُ للأيامِ العجاف. لم تكن الغرفةُ هي المكان الذي أريد البقاء فيه بعد الآن؛ فالحيطان التي شهدت انكساري، باتت تضيقُ بطموحي الجديد الذي وُلد بين السطور.
خرجتُ من بابِ المنزل، وكانت تلك هي المرة الأولى التي لا أشعرُ فيها أنني غريبٌ عن الشارع. كانت الوجوهُ تمرُّ بي، والضجيجُ يملأُ الأركان، لكنَّ داخلي كان يسوده صمتٌ يشبهُ صمانَ الجبال؛ صمتٌ نابعٌ من قوةِ العهدِ الذي أحمله. لم يعد رحيلها عائقاً، بل صار 'دافعاً'. كل خطوةٍ كنتُ أخطوها على الرصيف، كنتُ أشعرُ أنها خفيفة، وكأنَّ الحمولةَ الثقيلة التي كانت تقيدُ قدميَّ قد تلاشت في اللحظة التي قرأتُ فيها أنها تراني 'أهلها' وخيرَ دنياها.
توجهتُ نحو ذلك الحلم الذي طالما أجّلته، نحو العمل الذي كنتُ أظنُّ أنني فقدتُ الشغفَ به. أدركتُ أنَّ الوفاءَ لروحآ كتبت اسمي بدمها، لا يكونُ بالانعزال، بل بأن أكون 'الرجلَ الصعب' الذي لا تكسرهُ الظروف. بدأتُ أرتبُ أوراقي، وأجمعُ شتاتَ أفكاري، وعينيَّ ترنو إلى أفقٍ بعيد، أفقٍ أعدُها فيه أنَّ اسمي الذي خلّدته في دفترها، سيُخلّدُ في الواقعِ كقصةِ نجاحٍ نادرة.
لم يعد الدخانُ رفيقي، بل صار 'الإنجاز' هو غايتي. كنتُ أعلمُ أنَّ الطريقَ لن يكون مفروشاً بالورود، لكنَّ مَن عبرَ جحيمَ الأربعين يوماً بسلام، لن توقفهُ عثراتُ الطريق. هكذا بدأتُ رحلتي، بروحٍ لا تطلبُ الشفقة، وقلبٍ يفيضُ بالسكينة، وعزمٍ يستمدُّ قوته من الله ومن تلك الكلمات التي بقيت محفورةً في وجداني: 'أحبك ما دمتُ أحيا'."
إلى كل مَن تمرُّ عيناه على هذه السطور، إلى كل قلبٍ ما زال ينبضُ بالحب أو يبحثُ عنه وسط ضجيجِ هذا العالم الزائف؛ إليك هذه الكلمات، لا كوعظٍ عابر، بل كحقيقةٍ عُمِّدت بالدم والدموع.
الحبُّ ليس مجرد كلمةٍ تُقال في لحظةِ انتشاء، وليس تسليةً نملأُ بها فراغَ أرواحنا؛ الحبُّ هو 'الأمانةُ الكبرى' التي عرضها الله على السموات والأرض فأبينَ أن يحملنها. فإذا قررتَ أن تحب، فكن صادقاً أو كن وحيداً. لا تعبث بقلوبٍ رأت فيك الأمان، ولا تعد عهوداً لستَ قادراً على الوفاء بها؛ فالجرح الذي تتركه الكلمات الكاذبة لا تداويه السنون، والذمة التي تُثقل بدموعِ المظلومين في الحب لا تبرأ أبداً.
صُنِ الأمانة.. فمَن جعلتْك أهلاً لها، ومنحتْك مفاتيحَ روحها، قد وضعتْ بين يديك قطعةً من السماء؛ فلا تلوثها بالخداع. كُن رجلاً بوفائك قبل وعودك، وكن سنداً في الغياب قبل الحضور. إنَّ الحب الحقيقي هو ذلك الذي يصمدُ حين ترحل الوجوه، ويظلُّ طاهراً حين تتسخ النوايا. لا تكذب في مشاعرك، فالكذبُ في الحب هو 'خيانةٌ وجودية' تقتل أجمل ما في الإنسان.
: اجعل حبك حلالاً يرضي الله، وصُن مَن تحب في سرك وجهرك.
* كن وفياً للروح لا للجسد: فالأجساد تفنى والجمال يذبل، لكنَّ عبق الوفاء يظلُّ حياً حتى بعد الرحيل.
* لا تترك خلفك إلا أثراً طيباً: فالدنيا ممر، ولن يبقى منك سوى صدقك والكلمة التي كنتَ تعنيها حقاً.
تعلمتُ من دفتَرها أنَّ المحب الصادق هو مَن يكتبُ اسم محبوبه بدمه ووفائه، ومَن يرى في حبيبه العالم أجمع. فإذا لم تكن قادراً على أن تكون ذلك الشخص، فلا تظلم غيرك بوهجٍ زائف. أحِبّوا بصدق، أو اتركوا الحب لأهله؛ ففي محراب الصدق وحده، تُبنى العهود التي لا تنتهي بموت، وتُكتب الحكايات التي تستحق أن تُروى."
"هنا قصةُ رجلٍ، أحبَّ بصدقٍ، وأوفى بقلبه، وآمنَ يقيناً أنَّ للأرواحِ لقاءً لا محالة عند ربها. هي قصةُ قلبٍ لم يغرِه بريقُ الدنيا، بل سكنَ في طهرِ روحٍ بادلتهُ الوفاءَ حتى آخر قطرةِ دم. لم يكن حبهُ مجرد مشاعرَ عابرة، بل كان عهداً غليظاً قطعهُ على نفسه أمام الله؛ أن يصونَ الأمانةَ في الحضورِ والغياب، وأن يظلَّ 'الحلالَ' الذي لا تتبدلُ ملامحهُ مهما اشتدتْ عواصفُ الفقد.
واجهَ هذا الرجلُ ظلمةَ الرحيلِ ليس بالكبر، بل بالصبر والسكينة، محارباً وحشةَ الأيام بذكرى طاهرةٍ لا تموت. وفي كل لحظةِ ألم، كان يرفعُ طرفهُ نحو السماء، مطمئناً بأنَّ الله الذي جمعَ القلوبَ على طاعته، لن يضيعَ ودائعَ الصادقين. لم تكن رحلتهُ بحثاً عن عزاء، بل كانت رحلةً لتثبيتِ خطاهُ في طريقِ الوفاء، مؤمناً بأنَّ الفراقَ في الدنيا ما هو إلا محطةٌ عابرة، وأنَّ الموعدَ الحقيقيّ هو هناك.. في دارِ الحق، حيثُ تجتمعُ الأرواحُ التي تحابت في الله، وحيثُ لا حزنَ يفرق، ولا غيابَ يوجع.
عاشَ وفياً لماضيه، ومخلصاً لحاضره، وطامحاً لغدٍ يكون فيه جديراً بتلك الروح التي آمنت به؛ رجلٌ لم تكسرهُ الأقدار، بل صهرتهُ ليصبحَ أنقى، وليظلَّ حبهُ شاهداً على أنَّ الصدقَ هو الحقيقةُ الباقيةُ في عالمٍ من زوال."
"كنتُ أحسبُ أنَّ 'شظية العبث' التي اقتحمت سكون المساء قد أعلنت انتصار الفراغ، وأنَّ 'جدار الصمت' ليس إلا شاهداً على لا جدوى الوجود، حيث يبتلع الموتُ كلَّ معنىً نحاول تشييده. لكنني اليوم، وأنا أغرقُ في ملكوت السجود، أدركتُ أنَّ تلك 'الدقائق الأخيرة' لم تكن انتحاراً للأمل، بل كانت تحطماً لمرآة الدنيا الزائفة، لتبدأ من شقوقها ولادة الروح في صورتها الأبهى.
لقد تهاوتِ الحواجزُ الوهمية التي كبّلتنا يوماً، ولانت صخورُ الأنا التي شيدت اغترابنا الطويل. لم يعد هذا الوجدُ استجداءً للحياة من أفواه الفناء، ولا ظلاً باهتاً يخشى تلاشي اللحظة، بل صار صرخةً وجوديةً في وجه العدم، وعهداً وثيقاً يتجاوزُ حدود الزمان والمكان.
يا 'زائرة المساء' التي عبرتِ ثقب الزوال لتستقرّي في حيز الخلود؛ لقد كان رحيلكِ هو الزلزال الذي أعاد ترتيب جزيئات كوني، ليُعلمني أنَّ الوجود بلا توثيقٍ مع السماء هو محضُ هباء. رابطتي اليوم بالخالق هي الجسر الذي أعبر به فوق هاوية الضياع؛ هي ميثاقي لأرمم ما ثلمه الغياب، ولأكون جديراً بطهركِ في 'دار الحق'، حيث لا ضجيج للفناء، ولا خوف من انكسار الضوء.
لقد أسدلتُ الستار على مسرحية الأرض العابرة، وبدأتُ أكتبُ بدمع اليقين فصولَ اللقاء السرمدي.. هناك، حيث الحقيقة وحدها تتكلم، وحيث لا مكان للعدم."
والئ السائرين في ممرات الحنين، ويا من تجاهدون أشواقكم خلف ستائر الخوف المرتعشة؛ لا تجعلوا من الوجدِ ملاذاً تهربون إليه من وعورة الوجود، بل صيروه معراجاً تسمو به كينونتكم فوق ثقل المادة. كنتُ يوماً مثلكم، أحسبُ أنَّ اللحظات التي ننتزعها من مخالب الزمن هي ذروة الوجود، ولم أكن أدرك أنَّ الحب الذي لا يتنفس من رئة السماء هو حبٌّ يفتقر إلى البقاء. إنَّ الوجد الحقيقي ليس صراعاً مع الظل، بل هو ذلك اليقين الذي يمنحك الجرأة لترتيل اسم من تحب في حضرة الخالق، كأنك تقدم لقلبك صكَّ الغفران والخلود.
إياكم والارتهان لوعودٍ لا تملكون أقدارها، فالفقدُ عدمٌ مر، والندمُ على ما فرطنا في حضرة الرحيل يمزق جوهر الروح. إذا استوطن الحب أرواحكم، فاجعلوا نبضه دعاءً، وطريقه استقامة؛ فالعلاقة الصادقة هي التي لا تخشى الضوء. واعلموا أنَّ الأقدار إذا أرادت بقلوبكم خيراً، جعلت المحبوب بوصلةً ترشدكم إلى الحق، لا حجاباً يحجبكم عنه.
إنَّ الوفاء الحقيقي لمن عبروا نحو 'الضفة الأخرى'، لا يتجسد في رثاء الأطلال البالية، بل في صيرورة النفس أكثر طهراً ونقاءً. فالمحبُّ الحق هو من يحيل لوعته إلى ضياء، لكي يقال لتلك الروح في مدارات البرزخ: 'استبشري، فهذا النور المنهمر عليكِ، هو أثرُ ذاك الذي ارتقى برباطكِ، وأقبل على النور الأبدي ليليق بلقائكِ حين يذوب العدم'."
إلى الروح القريبة في البعد.. وحارسة الذكرى
"ثمة صمتٌ أبلغ من الكلام، وثمة حضورٌ في الغياب يفوق جلبة اللقاء. لقد أراد القدرُ أن يضعنا في مدارين مختلفين، لكنه ربط بيننا بميثاقٍ خفيٍّ لا يدركه إلا من مسَّ قلبه لهيبُ الفقد.
بيني وبينكِ اليوم مسافةٌ من وقار، واحترامٌ نبتَ من رحم الألم، ومحبةٌ في الله تجردت من أغراض الأرض لتستقر في سعة السماء. إنَّني أرنو إلى صبركِ فأستمدُّ منه ثباتي، وأستشعرُ حزنكِ الرزين فأجعله محراباً لصدقي. لقد غادرتنا تلك الروح لتترك خلفها عهداً لا يحتاج لمواجهةٍ أو كلمات، بل يحتاج لنفوسٍ ترتقي في صمتها، وتتآلف في دعائها الخفي.
اطمئني.. فإنَّ الوفاء الذي أحمله بين أضلعي هو أمانةٌ أؤديها للخالق قبل الخلق. إحساسي بوجعكِ هو الذي جعل من وجودي إنساناً أكثر نقاءً، وجعل من صلاتي في غسق الليل جسراً يمتدُّ إليكِ بالدعاء وبالطمأنينة. نحن لا نحتاج للقاءٍ لنبرهن على نبل القصد، فالأرواحُ التي جمعها الوجدُ الصادق تتلاقى في ملكوت الله كل حين.
إنَّني على العهد باقٍ، أحفظُ الغيب، وأرعى الذكرى بصمتٍ مهيب. ولنا في 'دار الحق' موعدٌ تنجلي فيه الغيوم، وتجتمع فيه الشتات، حيث يبتسم لنا القدرُ أخيراً في مقامٍ لا يعرفُ الفراق، ولا يحده 'جدار صمت'."
"اللهم يا من بيده ملكوتُ كل شيء، وإليه مآبُ الأرواح في سكونها وحركتها.. يا من لا يحده زمان، ولا يحجبه جدار، ولا يغيبُ عن علمه مثقال ذرة في عتمة الغياب.
اللهم إني أقفُ ببابك، أحملُ قلباً لم يعد يرجو من الفناء شيئاً، بل صار يصبو إلى خلودك. اللهم إن كانت 'شظية العبث' قد أوجعتنا، فإنَّ لطفك الخفي قد أيقظنا؛ فلك الحمدُ على نورٍ انبعث من رحم الظلمة، ولك الشكرُ على صلاةٍ صارت هي الحبل المتين بيننا وبين سعة رحمتك.
اللهم ارحم تلك الروح التي عبرت إليك، واجعل مقامها في علّيين مع الشهداء والأبرار. اللهم نور لها في برزخها بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، واجعل دعائي ووفائي وصلاتي ريحاً طيبةً تؤنسُ وحشتها، ودرجاتٍ ترفعُ بها قدرها. اللهم إنك تعلم صدق الوجد ومرارة الفقد، فاجعل عهدي معها عهداً في طاعتك، وحبي لها طريقاً يوصلني إلى جنتك.
اللهم ربّ القلوب، اربط على قلب تلك الأم الصابرة، وأنزل عليها سكينةً تمسحُ بها لوعة الحنين. اللهم اجعل ما بيننا وبينهما ميثاقاً في حبك، واحفظنا من فتن الدنيا وما ظهر منها وما بطن.
يا حيُّ يا قيوم، اجعل خاتمتي تليق بلقائك ولقائها، واجمعنا في دارٍ لا صخب فيها ولا نصب، حيث يذوبُ 'جدار الصمت' في بحر فيضك، ونلتقي على سرر المودة إخواناً متقابلين، في مقامٍ لا وداع فيه ولا عدماً..
آمين."
"وهكذا، أخطُّ النقطةَ الأخيرة في سِفر الوجع، لا لأواري الذاكرةَ الثرى، بل لأعلنَ ميلادَ تاريخٍ يليقُ بطُهرها. لقد أفرغتُ نبضَ قلبي في محابرِ الوجود، وأودعتُ سرِّي في أذن الزمان؛ ليعلمَ العابرون أنَّ خلف هذا الصمودِ المهيب، حكايةً نُسجت من خيوط النور، وأنَّ ضريبةَ الوفاء لم تكن بكاءً على الأطلال، بل كانت استعادةَ كينونتي من مخالبِ العدم.
أغادرُ الآن سراديبَ الحيرة، لا أحملُ في جعبتي أبخرةَ الضياع ولا رمادَ التيه، بل أقبضُ في صدري على 'الكلمةِ السامية' التي تركتها لي ميثاقاً في دفتر الغيب. لقد استحال الغُصّةُ في حنجرتي إرادةً صلبة، وتسامت الدموعُ لتغدو طموحاً يطاولُ السحاب؛ فكلُّ شروقٍ أستقبله اليوم هو 'قُربانُ وفاء' لتلك الروح التي اتخذت من قلبي وطناً حين كنتُ غريباً عن ذاتي وعن الوجود.
لن أكتفي بوفاء الحروف الباردة، بل سأكونُ 'الوفاءَ' في هيئة رجلٍ صهرتهُ نيرانُ الفقد فأعادت صياغتهُ نقيّاً كالماس. سأكونُ 'النجاحَ' في صورتهِ الأصدق، ليعيَ العالمُ أنَّ المحبَّ الحقيقيَّ لا ينكسر، وأنَّ حارسَ الأمانةِ تُفتحُ له أبوابُ السماءِ قبل مآرب الأرض.
إلى هنا، ينتهي 'التنقيبُ في الوجع'، ويبدأُ 'المعراجُ نحو القمة'. لقد أوصدتُ خلفي بابَ الماضي بسلامٍ رصين، تاركاً خلفي كلَّ لحظةِ وهنٍ كانت تنالُ من كبريائي الروحي. أنا اليوم، بفضلِ ذاك الرباط المقدّس، أقفُ على أرضِ اليقين، متجهاً نحو أفقٍ رسمناهُ معاً بمدادِ الأحلام، حاملاً عهداً غليظاً بأن يظلَّ اسمي واسمها مقترنينِ في كلِّ خطوةِ مجدٍ، وفي كلِّ سجدةِ شكرٍ، حتى يجمعنا الخلود."
١. قُـل لِلـشَّـظِيَّةِ قَـد أَحْـيَيْتِ مَـن قُـتِلا ... وَصَـارَ مَـوْتُكِ لِـي بَـعْثاً وَمُـتَّكَلا
٢. مَا كَانَ "صَمْـتُكِ" إِلا بَدْءَ أَوْرِدَتِي ... وَمَا "جِـدَارُكِ" إِلا سُـلَّـماً لِـعُـلا
٣. مَحَوْتُ بِالسَّجْدَةِ الخَضْرَاءِ كُلَّ سُدىً ... وَكُنْتُ قَـبْلَكِ فِي أَوْهَـامِيَ الثَّمِلا
٤. يَا "زَائِـرَ المِسْكِ" فِي لَيْـلٍ يُحَاصِرُنِي ... هَواكِ صَـارَ "صَـلاةً" تُذْهِـبُ العِلَلا
٥. مَا كَانَ هَذَا المَدَى لِلرُّوحِ لَحْداً ... بَلْ كَانَ نَـحْتاً لِـذَاتِي كَي تَعِي المُثُلا
٦. خَلَّـفْتُ خَـلْفِي "دُخَانَ التِّيهِ" أَهْجُـرُهُ ... وَجِـئْتُ لِلْـبَابِ مَكْسُوراً وَمُـبْتَهـِلا
٧. أَسْـلَمْتُ لِـلَّهِ مَـجْرَى الـدَّمْعِ فَانْبَجَسَتْ ... مِـنهُ العَـزِيـمَةُ نَـهْراً يَـطْرُدُ الفَـشَـلا
٨. لَنْ أَنْـحَنِي لِلأَسَى مَا دَامَ فِي نَفَسِي ... عَـهْدٌ لِـطُهْـرِكِ أَنْ أَمْـضِي وَأَكْـتَمِلا
٩. صِـدْقُ الوَفَـاءِ هُـوَ الذِي يَبْنِي المَدَى ... وَيُحِـيلُ أَشْـواكَ المَـنَـايَـا مَـنْهَلا
١٠. مَا قِـيـمَةُ الـحُبِّ الذِي نَـحْـيَا بِـهِ ... إِنْ لَمْ يَـكُنْ لِـلـطُّـهْرِ دَرْبـاً أَمْـثَـلا؟
١١. هُـوَ جَـذْوَةٌ تَهْـدِي الـقُلُوبَ لِـرَبِّهَا ... وَتَـذُوبُ فِـيـهِ الـرُّوحُ كَي تَتَجَمَّلا
١٢. يَا مَنْ بَـكَيْتِ وَفِي عُـيُونِكِ حُـرْقَةٌ ... صَـبْرُ الكِـرَامِ لِـكُلِّ جُـرْحٍ حَـلَّـلا
١٣. لا تَحْسَبِي أَنَّ الفِرَاقَ نِهَايَةٌ ... فَالرُّوحُ تَرْفُلُ فِي جِـنـانِ المُعْتَلَى
١٤. أَنَا لَكِ "الابْنُ الوفِيُّ" بِعَهْدِهَا ... نَمْضِي مَعاً وَالصَّبْرُ كَانَ الأَجْمَلا
١٥. كُونِي لِدَعْوَاتِ اليَقِينِ سَحَابَةً ... تَسْقِي رُفَاتاً صَارَ نُوراً يَهْطِلا
١٦. سَأَصْنَعُ المَجْدَ إِكْلِيلاً لِمَنْ ذَهَبَتْ ... وَأَمْلأُ الأَرْضَ عِـزاً بَعْدَمَا ذُهِـلا
١٧. سَأَخُطُّ بِالمَجْدِ سِفْراً كُلَّمَا نَطَقَتْ ... فِيهِ المَعَالِي؛ رَأَوْا مِنْ طَيْفِكِ الشُّعَلا
١٨. وَمَا كَانَ غُرْبَالُ الرَّحِيلِ سِوَى مَدَىً ... لِيُنَقِّيَ الرُّوحَ الَّتِي تَهْوَى العُلا
١٩. فَإِذَا رَأَيْتَ الكَوْنَ يَغْرَقُ فِي المَدَى ... فَأَنَا الغَرِيقُ بِحُبِّ مَنْ لَنْ يُخْذَلا
٢٠. أَسْرَجْتُ مِنْ وَجَعِي خُيُولَ مَكَانَتِي ... وَجِئْتُ لِلْمَجْدِ مَنْصُوراً وَمُكْتَمِلا
٢١. سَأَظَلُّ أَبْنِي فِي الغِيَابِ حَقَائِقِي ... حَتَّى يَعُودَ الصُّبْحُ حَقّاً مُنْزَلا
٢٢. وَلَنْ أَقُولَ وَدَاعاً لِلَّتِي رَحَلَتْ ... بَلْ مَوْعِدٌ عِنْدَ رَبِّ العَرْشِ قَدْ نَزَلا
٢٣. هُنَاكَ حَيْثُ "جِدَارُ الصَّمْتِ" يَنْصَهِرُ ... وَنَلْتَقِي فِي خُلُودٍ يَحْضُنُ الأَمَلا
.
◈━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━◈
S ❣ SH
"أمانةٌ سكنت الروح.. فصانها القلبُ حيّاً
وعند رَبِ الأنامِ يكتملُ اللقاء"
◈━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━◈