الفصل الثاني
مرّت الجنازة بسلام، وأصبح السيّد الصغير يتيم الأم… وحيدًا في ذلك القصر الكبير، وسط تلك الوحوش البشريّة. كان سيّدي… وحيدًا كما كانت أمّه تمامًا!
مرّت ست سنوات… ثم عشر سنوات أخرى.
سيّدي الصغير، الذي سمّيته بيدي ويليام أكرلي—وهو الاسم الذي كانت ماري تريد أن تطلقه على طفلها الجميل—كان غريبًا جدًّا. لم يكن يتكلّم، ولم يهتم أبدًا بطريقة تعامل السيّد معه مقارنة بإخوته. لم يهتم، ولن يهتم، إن كان لبقية إخوته أمّهات… بينما هو ليس لديه سوى خادمة.
ورغم أنّه فتح عينيه عليّ لأول مرّة… لم يتعلّق بي أبدًا. لم يهتم بوجودي أصلًا.
كبر هذا الطفل دون أن تتكوّن داخله أيّ مشاعر حقيقيّة.
كان السيّد الصغير يحبّ الدراجات… أقصد الدراجات النارية.
وفي عيد ميلاده السادس عشر، أخذ درّاجة نارية لنفسه، وخرج في تلك الليلة ليجرّبها في الشارع العام. فتح باب القصر… ركب درّاجته… وانطلق!
آآآه يا لي من حمقاء!
لو أنّني منعته بكلّ قوتي! لو أنّني حبسته في غرفته لما حدث كلّ هذا!
بعد ستّ ساعات، رنّ هاتف القصر الأسود—قصر السيّدة ماري ، والقائم حاليًا لابنها ويليام—ليخبرونا أن السيّد الصغير ويليام في المستعجلات! لقد تعرّض لحادث سير على درّاجته… مع شاحنة لنقل مواد البناء. وهو الآن بين الحياة والموت.
ذهبتُ مسرعة إلى المستشفى، فرأيته مستلقيًا مثل جثة هامدة فوق السرير. لم أكن داخل الغرفة، لكنّي كنت أراه من نافذة غرفة العمليات الطارئة.
مرّت ساعة… ثم ساعتان… والعملية مستمرة.
مرّت ثلاث ساعات… ثم الرابعة…
وفجأة تغيّر لون مصباح باب غرفة العمليات إلى الأخضر؛ بمعنى أن العملية نجحت، وأن المريض نجا.
ركضت نحو الطبيب:
ما الذي حدث؟! سيدي الصغير… هل هو بخير؟!
قالوا لي إنّه كان يعاني ارتجاجًا خطيرًا في الدماغ، وكسر عشرين ضلعًا من ظهره، وكسورًا في قدميه الاثنتين، وكسرًا في يده اليمنى أيضًا.
لكن الأخطر من ذلك…
أنه فقد جزءًا من ذاكرته!
كل ما عاشه منذ بدأت ذكرياته بالتكوّن… إلى أن بلغ السابعة من عمره… اختفى تمامًا. أصبحت تلك السنوات فجوة مظلمة داخل عقله؛ علامات استفهام لا نهاية لها!
"ماذا؟!"
آه يا صغيري… ماذا حدث لك؟
يا ليت الألم ينتقل إليّ ويبتعد عنك!
عندما سمع السيّد روجر بما حدث… أرسل للمستشفى أموالًا طائلة، لكنه لم يأتِ لرؤية ابنه أبدًا.
مرّ نصف عام، واستعاد السيّد الصغير صحته الجسدية… لكن ذكرياته لم تعد أبدًا. بعد ذلك، أعيد إلى القصر. لكن بعد أسبوع واحد فقط من عودته…
جاء رجال عند الفجر. حملوه وأخذوه معهم.
هل استطعت التكلّم؟ لا! لأنهم كانوا يحملون رخصة من السيّد روجر نفسه!
قلبي كان يتمزّق. شعرت بدوار شديد… وفقدت وعيي. كدت أموت من الصدمة.
لكن… ماذا يمكن لخادمة ضعيفة مثلي أن تفعل أمام السيد؟
بعد نصف يوم من اختفاء السيّد الصغير، بدأت القصور كلّها تتحدث… تنشر كلامًا جعلني أموت صدمة من رأسي إلى قدمي.
سيدي الصغير أُخذ إلى مستشفى مجانين!
مستشفى للأمراض العقليّة… يسمى هارليكروست.
لقد كان ذلك… خبرًا مروّعًا ومشؤومًا بكلّ معنى الكلمة.