الفصل الثالث
الفصل الثالث: بين الأمس واليوم
"اليوم سريع يا ليلى… إن لم تمسكي بروحك، سيأخذك معه دون أن تشعري."
ترددت الكلمات في داخلها وهي واقفة أمام باب البيت القديم. سحبت يدها ببطء، لكنها لم ترحل هذه المرة. أخرجت المفتاح الذي احتفظت به منذ وفاة جدّها، وتقدّمت بخطوة مترددة. دار المفتاح بصوتٍ خافت، وانفتح الباب كأن البيت كان ينتظرها.
دخلت.
رائحة الخشب العتيق والغبار الخفيف أعادت إليها طفولتها دفعةً واحدة. أشعة الشمس تسللت من الشباك، ترسم خطوطًا ذهبية في الهواء. مشت في الممر الضيق، ولمست الجدران بأطراف أصابعها، كأنها تتحقق أن المكان حقيقي، لا مجرد ذكرى.
جلست في الغرفة التي كان جدّها يجلس فيها كل مساء، ووضعت حقيبتها جانبًا. شعرت أن قلبها يهدأ لأول مرة منذ شهور. لا إشعارات هاتف، لا أصوات سيارات، لا اجتماعات عاجلة. فقط صمت دافئ.
أخرجت هاتفها، نظرت إلى الرسائل المتراكمة من العمل، ثم أغلقت الجهاز تمامًا.
للمرة الأولى، اختارت أن يكون اليوم أبطأ.
مرت أيام قليلة، وليلى تتردد على البيت بعد انتهاء دوامها. بدأت تنظف، ترتّب، تفتح النوافذ، كأنها تعيد الحياة إلى جسدٍ كان نائمًا. كل غرض كانت تلمسه يوقظ حكاية؛ كتابٌ قديم من متجر والدها، ساعة حائط توقفت عند زمنٍ لا تعرفه، صندوق خشبي صغير تحت السرير.
فتحت الصندوق، فوجدت دفاتر جدّها. كانت مليئة بملاحظاتٍ وأفكارٍ وحكايات قصيرة كتبها بخطٍ متعرج. جلست على الأرض تقرأ، والدموع تترقرق في عينيها.
كان يكتب عن الحي، عن الناس البسطاء، عن الأحلام الصغيرة التي تصنع حياة كاملة.
وفي إحدى الصفحات، وجدت جملةً خطّها بخطٍ أثقل:
"المستقبل لا يُبنى بهدم الماضي، بل بفهمه."
توقفت طويلًا عند العبارة. شعرت أن شيئًا ما يتحرك في داخلها، فكرةٌ لم تتضح بعد، لكنها بدأت تتشكل.
في العمل، بدأت ليلى تشعر بالاختناق أكثر من أي وقتٍ مضى. مشروع جديد، ساعات إضافية، ضغطٌ لا يتوقف. مديرها كان يتحدث بحماس عن توسّع الشركة وخططها القادمة، بينما كانت هي تفكر في غرفةٍ مضاءةٍ بشمسٍ هادئة في بيتٍ قديم.
في أحد الاجتماعات، وجدت نفسها شاردة. لم تكن تفكر في الأكواد ولا في الأرقام، بل في الدفاتر التي قرأتها الليلة الماضية.
فجأة، سألت نفسها سؤالًا بسيطًا لكنه صادم:
"إن لم أكن سعيدة الآن، فمتى سأكون؟"
لم يكن سؤال تمرد، بل سؤال صدق.
في مساء اليوم ذاته، ذهبت إلى والدها. جلسا معًا في المطبخ الصغير في شقتهم الحالية. كان يبدو أكبر سنًا مما تتذكر، كأن السنوات الأخيرة أثقلت كتفيه.
قالت له بهدوء:
"أبي… هل ندمت يومًا لأنك فتحت متجر الكتب؟"