الفصل الثالث
:(white space)
كان المكتب الصغير يغرق في ضوء أزرق خافت تنبعث منه رائحة الأسلاك المحترقة. جلس "إيليا" على مقعده الجلدي المهترئ، يراقب "نوفا" التي كانت تنكمش على نفسها في زاوية الغرفة وكأنها تحاول الاختفاء داخل ثيابها.
إيليا (بصوت هادئ محاولاً تهدئتها): "اشربي هذا.. إنه شاي أعشاب طبيعي، بعيد عن المواد الكيميائية التي يضعونها في المشروبات المعلبة. سيساعدكِ على استعادة توازنك."
نظرت إليه نوفا بعينيها الفضيتين اللتين بدتا وكأنهما تعكسان شفرات برمجية معقدة. تناولت الكوب بيدين ترتجفان.
نوفا (بهمس): "لماذا ذكرياتك كانت مؤلمة؟ عندما لمستك، لم أرَ شاطئاً اصطناعياً ولا قصوراً ذهبية. رأيتُ امرأة تبكي خلف زجاج مكسور، ورأيت دماً على العشب.. ورأيتك أنت، طفلاً صغيراً تحاول إيقاف شيء لا تفهمه."
تصلب جسد إيليا. هذه الذكرى كانت "المحرم الأكبر" في عقله، شيئاً ظن أنه محاه بإرادته الشخصية لسنوات.
إيليا: "تلك كانت 'الحقيقة' يا نوفا. الحقيقة في هذا العالم قبيحة، لذلك اخترعوا الرقاقة. الجميع هنا يهربون من جروحهم بالدخول في ذكريات غيرهم. لكنكِ فعلتِ العكس.. لقد دخلتِ في جرحي أنا."
نوفا (تبدأ في البكاء بصمت): "أنا لا أملك جروحاً.. أنا لا أملك شيئاً. عقلي عبارة عن مساحة بيضاء شاسعة، كأنني وُلدتُ قبل ساعات فقط في تلك الساحة. لكن عندما يمر الناس بجانبي، أشعر وكأن آلاف الإبر تنغرس في رأسي. أصوات، صراخ، ضحكات مزيفة.. أنا أسمع ما يشترونه وما يحاولون نسيانه."
إيليا (يقف ويقترب من النافذة، ينظر إلى ناطحات السحاب التابعة لشركة نيرفانا): "هذا يعني أنكِ 'مستقبلة' (Receiver) من الطراز الأول، لكن بدون جهاز حماية. نوفا، إذا علموا بوجودك، سيقومون بتشريح عقلك ليعرفوا كيف تكسرين شفراتهم. أنتِ الآن خارج القانون.. تماماً مثلي."