رواية تاج في الظل - الفصل السادس والعشرون - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس والعشرون

الفصل السادس والعشرون

ظل يسبق الملك: في رحاب القصر المهيب، حيث تتردد أصداء الخطى على الرخام اللامع، وحيث يختلط صخب الجنود بأوامر القادة، كان سليمان يتقدّم بخطوات ثابتة ووقارٍ صامت. لم يكن مجرد حارسٍ عاديّ، بل بدا كظلٍّ سابقٍ للملك، يترصد كل حركة، ويراقب كل التفاتة، كمن يحمل بين عينيه عهدًا ثقيلاً لا يُفرَّط فيه. أما بلال، فكان يمشي في زهوٍ ظاهر، ينظر إلى من حوله نظراتٍ متعالية، يلوّح بيده بين الحين والآخر كمن يُمسك بمقاليد الدنيا بأسرها. غير أنّ عينيه، رغم ذلك، لم تفارقا الرجل الغريب الذي أصبح اليوم أقرب الناس إليه. اقترب مبعوث يحمل رقعة مختومة، وانحنى بخشوع: – مولاي، لقد وردت رسالة عاجلة من مجلس المملكة. مدّ بلال يده متباطئًا ليتناولها، غير أنّ سليمان مدّ يده أولاً، أخذ الرقعة، فحصها بنظرةٍ خاطفة، ثم ناولها لبلال دون أن يتكلم. بدا الصمت للحظة أثقل من أي كلام، قبل أن يبتسم بلال ابتسامة تحمل شيئًا من السخرية. بلال: – يبدو أنك تُجيد دورك أكثر مما توقعت، أيها الحارس. سليمان بنبره جافه: – الحماية لا تُترك للصدف يا مولاي، ومن أراد أن يكون درعًا لك، وجب أن يسبقك دائمًا بخطوة. ضحك بلال ضحكة قصيرة، لكنها لم تخلُ من ارتباكٍ خفي. كان في عيني سليمان بريقٌ لا يطمئن، أشبه بتحذيرٍ مستتر. تابع الموكب سيره نحو ساحة التدريب، حيث كان الجنود يصطفّون في نظامٍ محكم، يتبارون بالرماح والسيوف. وبين الصفوف لمح سليمان جنديًّا يتردد في حركته، كأن يده ترتجف على مقبض سلاحه. رمقه سليمان بنظرةٍ حادّة، ووضع يده على سيفه في يقظة خاطفة. ارتبك الجندي سريعًا، أصلح وقفته، واستعاد انضباطه، كأن شيئًا لم يكن. التفت بلال قليلًا نحو سليمان، وقال بصوتٍ منخفض وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة: – لعلّك ترى ما لا يراه الآخرون… وجودك إلى جواري لم يعد مجرد فائدة، بل صار ضرورة. سليمان: – أنا لستُ واقفًا إلى جوارك يا مولاي، بل دائمًا أسبقك بخطوة… ومن يجرؤ على الاقتراب منك بغير إذني، فلن يجد مهلة لندمه. ساد صمت ثقيل، تسلّل خلاله شيء من الاضطراب إلى صدر بلال، لكنه أخفاه بابتسامة متكلفة، وأكمل مسيره. أما سليمان، فقد ظل يتقدّمه كظلٍّ لا ينفصل عنه وعينه كانت تطلق شرارا يكاد ان يخترق ظهر بلال بل يحرقه، كان يسبق الجميع بخطوة واحدة… لكنها وحدها كانت كافية لتغيير كل شيء صداقة تتعمق: في إحدى زوايا الحديقة الداخلية لقصر النور، حيث تنسدل أشعة الشمس على الأشجار العالية فتتشابك الظلال كأنها لوحة معلّقة، جلست سهام على مقعد رخامي تحيط به الورود الملونة. كانت تقلب بين يديها كتابًا صغيرًا التقطته من مكتبة القصر، وعيناها تتنقلان بين السطور بفضول، لكن ابتسامتها الرقيقة كانت تدل أن ذهنها ليس منصرفًا تمامًا إلى القراءة. اقترب عمار بخطوات هادئة، يحمل في يده صحنًا من التمر وبعض ثمار الرمان، وقد اعتاد مؤخرًا أن يشاركها لحظات هادئة كلما سنحت الفرصة. وقف أمامها لحظة، ثم جلس بجانبها مبتسمًا. عمار: — يبدو أن الكتاب أسر قلبك، أنني أجدك تائهة في عوالم الحروف كالعادة؟ سهام: — الكتب يا عمار تُعطيني شعورًا بالحرية، كأنني أطير خارج جدران القصر. ولكن… وجودك يجعل الطيران أكثر أمانًا. ضحك عمار بخفة، ثم مد يده بصحن التمر نحوها. عمار: — لا أظن أن الطيران يحتاج إلى رمان وتمور، لكنهما يضيفان شيئًا من الحلاوة ابتسمت سهام، وأخذت حبة رمان، وهي تنظر إليه نظرة ودودة صافية. سهام: — لقد تغيّرت أيامي كثيرًا منذ بدأنا نتقابل. لا أنكر أنني كنت أشعر بالوحدة، حتى وسط هذا الصخب والقصور العالية. أما الآن… أجد حديثك يملأ فراغًا لم أكن أعلم أنه موجود. لولا وجودك لكنتُ شعرت بالملل. نظر إليها عمار وقد بدا على وجهه شيء من الارتباك، ثم تنهد بصوت خافت: —وأنا أيضًا يا سهام. لم أعتد أن أشارك أحدًا تفاصيل يومي أو أفكاري، لكنك تجعلين الأمر سهلًا كأنني أعرفك منذ زمن بعيد. ساد بينهما صمت قصير، لم يقطعه إلا خرير الماء المتساقط من نافورة قريبة، كان صمتًا مشبعًا بما لا يُقال. تبادلا ابتسامة خجولة، ثم فتحت سهام كتابها من جديد كأنها تحاول الهرب من عمق اللحظة، بينما ظل عمار ينظر إليها، في عينيه لمعة لم يستطع إخفاءها. كانت تلك الصداقة التي جمعت بينهما، صداقة تُزهر يومًا بعد يوم، وربما تخفي بين أوراقها ملامح بداية لم يدركاها بعد محاولة للخروج: في بهو القصر الكبير، حيث تتدلى الثريات البلورية وتعكس أضواء الشمس القادمة من النوافذ العالية، وقفت غفران بثوبها الأبيض الهادئ وقد بدا القلق واضحًا في عينيها. خطواتها كانت مترددة وهي تتوجه نحو البوابة الرئيسية، يدفعها شوقها لأن تتنفس هواءً خارج أسوار القصر التي صارت تشعرها بالاختناق. لكن ما إن اقتربت حتى اعترضها الحراس، اصطفوا أمامها متشابكي السيوف، وأحدهم تقدم بخطوة إلى الأمام. الحارس: — ممنوع سيدتي أوامر مشددة صدرت من الملك شخصيا ألّا تغادري القصر في هذه الأيام، حرصاً على سلامتكِ لا أكثر رفعت غفران رأسها، محاولة كبح انزعاجها، وقالت بصوت يقطر حزنًا أكثر من غضب: غفران: —وهل أصبح القصر قيدًا، وأنا من كنت أظنه مأمنًا؟ لا أطلب سوى قليل من الهواء، قليل من الحرية في تلك اللحظة، ظهر نزار من ممر جانبي، كان يسير بخطوات محسوبة، وعيناه تتابعان المشهد باهتمام. اقترب حتى وقف أمامها مباشرة، وقد شعر الحراس بالحرج فتنحوا جانبًا. نزار: —إلى أين تودين الذهاب يا غفران؟ التفتت إليه بعينين متوسلتين، يختلط فيهما الإصرار بالرجاء. غفران: —أريد أن أخرج قليلًا، أرى المدينة اشتقت إليها، أشعر بالناس… أريد أن أتنفس بعيدًا عن هذه الجدران الثقيلة انت تعلم ذلك جيدا يا سيد نزار، انا من عمة الشعب لستُ من ذوات القصور بقي نزار صامتًا للحظة، يدرس ملامحها بعمق، ثم زفر أنفاسه وكأن قلبه يرفض لكنه لا يستطيع منعها كليًا. نزار: —أخشى عليكِ يا غفران… لا تعلمين كم يترصّد الخطر بنا من كل صوب غفران: — لن أبتعد كثيرًا، فقط دقائق قليلة، أعدك بذلك أطرق نزار برأسه، ثم رفع عينيه إليها وفي نظرته مزيج من القلق واللين. نزار: —حسنًا، سأسمح لك… ولكن بشرط. سيرافقك أحد الحراس الموثوقين. ليس للتضييق عليك، بل ليطمئن قلبي، أنني سأفعل ذلك على مسؤليتي الخاصه فلا تخذلينني. ابتسمت غفران بخفة، ابتسامة امتنان أكثر منها رضا، ثم انحنت برأسها علامة موافقة وقالت: — شكرًا لك سيد نزار… ربما لا تعلم كم تعني لي هذه اللحظة لوّح نزار بيده للحراس، فأفسحوا الطريق على مضض، بينما خطت غفران نحو البوابة بخطوات متلهفة، كأنها تسابق قلبها الذي لم يعد يحتمل البقاء خلف الأسوار أعين تراه مافي القلوب: في قلب الغيطان الممتدة كالبحر الأخضر، حيث أشجار الزيتون تتمايل مع نسيم المغرب، وطيور السنونو تعود إلى أعشاشها، وقف كوخ صغير معزول، يكسوه القش. هناك جلست كارمن على حصير قديم، وأمامها نار صغيرة تتقد ببطء في موقد من الحجارة، يعلوها بخور كثيف يفوح منه عطر غامض يختلط برائحة التراب الرطب. كانت عيناها شاردتين، تحدقان في لهب النار، كأنها ترى ما لا يراه غيرها. بجوارها مرآة نحاسية مستديرة ووعاء من الماء الصافي، يتراقص على سطحه انعكاس الضوء والظلال. مدّت يدها فوق النار وأغمضت عينيها، لتبدأ صور متلاحقة تظهر في الماء: غفران واقفة عند بوابة القصر، الحراس يمنعونها، نزار يقترب منها ويجادلها، ثم رضوخه أخيرًا وإرساله بحارس معها. ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتيها، وراحت تتمتم بصوتٍ خفيض، فيه نغمة أشبه بالغناء: كارمن: — تظنين يا غفران أنّكِ حرة في خطاكِ، لكنّكِ محكومة بنبض قلبك… ونبضه هو ما يقودكِ. نزار يحميكِ الآن، لأن سليمان هو من اوصاه عليكِ قبل رحيله ثم حرّكت يدها ثانية، فتبدلت الصور: سهام تمشي بين أشجار القصر، حديثها وضحكاتها مع عمار، وشيء من البراءة يلمع في عينيها. أطلقت كارمن ضحكة خافتة: كارمن: — ها هي زهرة أخرى تتفتح في غير موسمها… ولكن أي ريح ستعصف بها أولاً؟ وما لبث أن ظهرت صورة أخرى أكثر وضوحًا: سليمان متخفيًا في ثياب بسيطة، يسير بين الأزقة، يساعد شيخًا متعبًا على حمل جرته، ويواسي طفلًا يبكي جوعًا. وضعت كارمن يدها على صدرها، وعيناها لمعتا بوميض غريب: —آه يا سليمان… تلعب لعبة الخفاء، وتظن أنك تسبقهم بخطوة. لكن قلبك يفضحك، وأنا أقرأه كما تُقرأ السطور في كتاب مفتوح. عدتُ لتداوي جراح شعبك المسلوب ارادته أعادت نظرها للنار، وعيناها امتلأتا بظلال القلق والدهشة. لهب النار اهتز بقوة، وكأنها رأت شيئًا لم ترد أن تراه. اقتربت أكثر وهمست بصوتٍ متقطع: —الظلال تتحرك أسرع مما ينبغي… وريح الشرّ تسبق الحكمة… ولكن… ما زال هناك خيط لم يُقطع بعد. ثم أطفأت النار بقبضة بقليل من الماء، فتصاعد بخار كثيف ملأ الكوخ كله، وأخفت وجهها في الظلال، بينما بقي صدى ضحكتها يتردد بين جدران القش ارتياب راجح: في كوخه المنزوي عند أطراف مملكة النور، كان راجح يجلس أمام طاولة خشبية مهترئة، فوقها خرائط مبعثرة وأوراق ملطخة ببقايا الحبر. دخان المصباح الزيتي يعلو كسحابة ثقيلة، والظلام يتكاثف حوله كأنه يعكس ما في داخله من ظنون. دخل أحد رجاله على عجل، ثيابه مغبرة وعيناه تحملان أثر التعب، ثم انحنى قليلًا أمامه. الرجل: –سيدي… لقد عدت تواً من قصر النور، رفع راجح رأسه بحدة، وصوته جاء خشنًا ممتزجًا بالريبة راجح بنبره باردة: — ماذا حدث؟ هل رأيت سليمان؟ هل سمعت عنه شيئًا؟ الرجل تردد لحظة، ثم قال بخوف: —لا يا سيدي… لم يراه أحد منذ هذه الفترة، ولا حتى في أرجاء القصر أو حدائقه. حتي غفران هي إيضا سألت عنه نزار ليلة أمس وكأن الأرض قد ابتلعته سقط الصمت للحظة، لم يُسمع فيها سوى صوت المصباح وهو يتوهج باهتزاز، ثم اعتدل راجح في جلسته، عيناه تلتمعان بدهاء مظلم. راجح: — ها هو يختفي ثانية… وكعادته يظن أنه يخدعني. لكنني أشم أثره، وإن لم تراه أعينكم. سليمان ليس رجلًا يُمحى من الذاكرة أو يذوب في الظلال. اقترب الرجل بخطوات مترددة، ثم قال بصوتٍ منخفض: — أتظن يا سيدي أنه خرج من القصر؟ أو من المملكة بأكملها؟ ضحك راجح ضحكة قصيرة جافة، ثم ضرب بيده على الطاولة فاهتزت الأوراق: — سواء خرج أو بقي… فغيابه نذير خطر. أعرفه أكثر مما تظنون، وصمته لا يعني إلا أنه ينسج شيئًا في الخفاء فصمت سليمان اخطر من حديثه تعاملت معه عندما كان ملكاَ قبل ان ينقلب عليه بلال أمسك بخريطة صغيرة مطوية، نظر إليها بتمعن، ثم قال وهو يطويها مجددًا ببطء: — اخبر الرجال أن يضاعفوا أعينهم في كل ركن… الأزقة، الأسواق، وحتى أبواب القصر. وأي همسة تُقال عنه… تصل إليّ فورا انحنى الرجل مطيعًا، ثم غادر مسرعًا. بقي راجح وحده، ينظر إلى اللهب الراقص في المصباح، وعيناه تحملان قسوة وإصرارًا. راجح (متمتمًا): — لن تختفي عني يا سليمان… إنك تحاول أن تسبقني بخطوة، لكنني سأكون أمامك حين تظن أنك الأسبق وبينما أطفأ المصباح فجأة، غرق الكوخ في ظلام حالك، إلا من شرارة شريرة وميضت في عينيه... نزول الملك المتخفي بين شعبه: كان الليل قد أسدل ستاره على مملكة اليمامة، شوارعها غارقة في السكون إلا من وقع خطوات الحراس ورائحة الدخان المنبعثة من أكواخ الفقراء الذين أنهكهم الجوع. من أحد الممرات الخلفية للقصر، خرج سليمان متخفيًا بعباءة داكنة، يخفي ملامحه عن أعين المتلصصين. لم يكن قائدًا ولا ملكًا في هذه اللحظة، بل رجلًا يحن إلى شعبه، ويشتاق إلى أن يلمس همومهم عن قرب. سار في الأزقة الضيقة، يراقب بعينين دامعتين وجوه البسطاء، ووجوه الأطفال المتعبة. لمح امرأة عجوز تحاول رفع جرة ماء أثقلتها فاقترب منها سريعًا. سليمان بصوت هادئ لكنه قوي: — دعيني أساعدك يا أمي. العجوز رفعت عينيها المرتبكتين ثم قالت: — باركك الله لك يا بني… ما عدنا نجد من يعيننا. منذ أن تبدّل الحكم، صارت الرحمة غريبة عنا. أخذ الجرة منها بسهولة، وسار بجانبها حتى أوصلها إلى باب كوخها، ثم تركها بابتسامة قصيرة. بعد خطوات، لمح أطفالًا يتشاجرون على قطعة خبز جافة. انحنى بينهم، وأخرج من تحت عباءته كيسًا صغيرًا فيه طعام، وزعه عليهم حتى ارتفعت ضحكاتهم بدل صراخهم. نظر إليهم بعينين يختلط فيهما الفرح بالحزن، وقلبه يشتعل غيظًا لما حلّ بشعبه. وفي أحد أركان السوق، كان هناك رجال يتحدثون بصوت منخفض. الأول متنهّدًا: —آه… هل تظن أن يعود لنا سليمان مجددا؟ الثاني بحسرة: — ربما اتمني لكنه اختفي... ذلك الانقلاب عليه ليس منا ولكنه انقلاب كاذب خطط له بلال واعوانه للبطش به… ربما اخشي انه رحل للأبد ولن يعود توقف سليمان بالقرب منهم، يسمع كلماتهم كطعنة تخترق صدره، لكنه لم يكشف عن نفسه. شد العمامه على وجهه، ومضى بخطوات بطيئة، وصوت الداخلي يصرخ: — لن أترككم بعد الآن… لن يطول ليلكم كثيرًا وستُشرق شمس عهد جديد قريبا اعدكم بذلك وعندما بلغ طرف الأزقة، رفع رأسه للسماء، والضوء الفضي للقمر ينعكس في عينيه. سليمان (مهمسًا): —اقترب يوم الخلاص يا شعبي العزيز … سأعود إليكم، لا كغريب ولا متخفي، بل كاملككم الذي يقودكم للحق والأمان مجددا. ثم توارى في الظلال، تاركًا خلفه أثرًا من دفء لم يعرفوا مصدره. كشف الحقيقه: كوخ كارمن يضيء بوهج النار المتراقص، والجدران الطينية تنعكس عليها ظلال عتيقة. الهواء ساكن إلا من همسات الريح التي تمرّ بين الغيطان. جلست غفران أمام العرّافة، قلبها يشتعل قلقًا، عيناها تبحثان عن بصيص أمل يطمئنها. غفران: —كارمن… لم أعد أحتمل هذا الغياب، قلبي يخبرني أن مكروهًا أصاب نصر الدين… أين هو؟ أريد أن أعرف الحقيقة لم اراه في القصر منذ أن تعافيت من جراحي كارمن أغمضت عينيها قليلًا، ثم فتحتها ببطء كأنها ترى أبعد مما تراه الأعين العادية. مدت يدها وأخذت بكف غفران المرتجف. كارمن: —ابنتي… ما تعرفينه باسم نصر الدين ما هو إلا ستار. الحقيقة أثقل من أن تُخبّأ بعد الآن ولكن كوني مستعدا لأن ما سيقال ليس شيئا عاديا من أحببتِه ليس رجلًا عاديًا ولا مجرد محارب شجاع… إنه سليمان، الملك الشرعي لمملكة اليمامة غفران شهقت، الدموع سالت من عينيها دون وعي، ارتجف صوتها قائلا: — ملك؟! نصر الدين ملك؟! كيف سليمان؟ … كيف عشتُ بقربه ولم أعرف؟ لماذا أخفى عني ذلك؟ كارمن: —لأن التاج لا يُحمَل إلا في الخفاء حين تحيط به الخيانة من كل صوب. كان معكِ ليحميكِ ويقودكِ إلى يوم يُعلن فيه الحق. لكن اسمعي… لم يعد في القصر، لقد غادر هذه الأرض في رحلة لا بدّ منها. غفران: —غادر؟! إلى أين؟ ولماذا يتركني دون ان يقول لي؟ او حتي يودعني؟ كارمن: —سافر حيث يُمتحن الملك ليعود أقوى، حيث يجمع السيف ما تفرّق من الحقائق. غيابه ليس هجرًا، بل عهدٌ جديدٌ يتشكل. سيعود قريبا… وعند عودته لن يكون فقط سليمان الحارس، بل سليمان الملك، الذي لا يترك قلبًا أحبه في العتمة. غفران وضعت يديها على صدرها، تختنق بالدموع والرجاء: —إذن… لم يتركني؟ سيعود؟ ولكن هل سينظر لي فانا كما تعرفين من عمة الشعب، الذي قلتِ للتو اشبه بخنجرا داخل صدري يا كارمن. كارمن: —سيعود يا ابنتي، ولكن حينها سيكون عليك أن تختاري: هل تقفين إلى جواره كفتاة عاشقة، أم كقلبٍ يثبت للملك أن الحب هو السيف الأقوى؟ هو حبك عندما كنتِ تجهلين حقيقته الحب عند سليمان لا يعرف ملكآ ولا غفير غفران: —اعلم ذلك جيدا يا كارمن، يمكن ربكتي بما قلتي هو ما دفعني لقول اشياء حمقاء هكذا النار تشتعل أكثر في الموقد، ووجه غفران يضيء بنورٍ بين خوفٍ وحنينٍ عميق. على عتبة الحقيقة: خرجت غفران من كوخ كارمن بخطوات متثاقلة، عيناها مثقلتان بدموع لم تكتمل، قلبها يتقافز بين الرجاء والرهبة بعد أن سمعت الحقيقة. الليل يلفّ المكان بوشاحه الداكن، ورائحة الحطب المحترق تتسلل من خلفها. توقفت فجأة حين رأت ظلًا واقفًا إلى جانب الكوخ، متماسكًا كتمثال حجري. وعندما اقترب الضوء الضعيف من النار، ظهر وجه نزار ببروده المعتاد ونظراته الثاقبة، وكأن الليل كله كان يخفيه. غفران: —سيد نزار!… أأنت هنا؟ نزار: —كنت هنا منذ لحظة دخولكِ الكوخ، ولم يكن ما دار هناك خافيًا عن أذني. ارتجفت غفران، لم تعرف هل تخاف من اكتشافه أم ترتاح أن السر لم يعد محصورًا داخل جدران الطين. حدّقت فيه طويلًا، ثم اقتربت وكأنها تُكمل ما بدأته مع كارمن. غفران: —إذن حسنا… لقد سمعت كل شيء. لم يعد هناك داعٍ أن أخفي قلقي. هو سليمان… ملك حقا؟! نزار: —نعم، هو ملك اليمامه الذي ظنّوا أنه غاب، فإذا به يطلّ هنا في هيئة أخرى. فلطالما كان حضوره يشي بعظمة لا يملكها رجل عادي ولكنه يحترف فن التنكر والاختفاء جيدا غفران وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول تثبيت قلبها المضطرب. غفران: —حدثني عنه أكثر سيد نزار. أنت تعرفه… تعرف ما لم أعرفه أنا. لماذا أخفى نفسه عني؟ ولماذا تركني هكذا بلا كلمة؟ نزار: —لأن الملك يا غفران ليس حرًّا في مشاعره كما يظن البشر. عليه أن يحمي مملكته وشعبه قبل أن يحمي قلبه. مولاي لم يختفِ هروبًا، بل غاب ليصوغ عودته، ليعود قويًا، وليختبر قلوب من حوله. غفران: —لكني أخشى أن أراه يومًا بعيدًا عني، أن يبتعد أكثر مما ابتعد… نزار: —إن كنتِ صادقة في حبك له، فثقي أن البعد طريقٌ إلى اللقاء مجددا فأن الملك سليمان لا يترك من أحبهم، بل يمتحنهم بصبر الانتظار. انخفضت عينا غفران نحو الأرض، دموعها تنساب صامتة، بينما نزار ظل واقفًا ثابتًا كأنه شاهد على عهدٍ جديد يكتب بينهما في ظلام الليل.