الفصل الخامس والعشرون
رسالة بين الملوك:
في قاعة العرش بمملكة النور، كانت الشُعل المعلقة على الجدران تبعث وهجًا ذهبيًّا يراقص الظلال على الأعمدة الرخامية. جلس الملك فهد على مقعده العريض، مائلًا بجسده إلى الأمام، والرسالة التي وصلته من هاشم قبل يومين لا تزال على الطاولة أمامه. لم تغادر ذهنه الكلمات التي كتبها ملك الفيروز، ولا ذاك القلق الذي انساب عبر السطور.
وقف نزار غير بعيد، يراقبه بصمت، قبل أن يخطو خطوة للأمام ويقول بصوت هادئ:
– أراك شاردًا يا مولاي منذ وصلت رسالة الملك هاشم… ألا تفكر في الرد؟
رفع فهد رأسه، ومرر يده على لحيته القصيرة، ثم أجاب بنبرة مترددة:
– أفكر، بل وأفكر كثيرًا… لكن الكلمات حين تتعلق بمصير مملكة، تصبح أثقل من الصخور. كيف أطمئن رجلًا بحجم هاشم على سليمان، وأنا نفسي لا يطمئن قلبي؟
اقترب نزار حتى صار أمام الطاولة، وألقى نظرة على الرسالة التي ما زالت مفتوحة، ثم قال بجدية:
– ربما يحتاج هاشم إلى أكثر من كلمات، يحتاج أن يرى أننا جميعًا نقف إلى جانب مولاي الملك سليمان، حتى وإن اختار أن يسير متخفيًا.
أطرق فهد رأسه قليلًا، وكأنما يُعيد التفكير في عباراته. ثم التفت إلى أحد الكتبة الذين ينتظرون على مقربة، وأشار له بالاقتراب. جلس الكاتب على طرف الطاولة، ممسكًا بريشة وحبر، فيما بدأ الملك يملي ببطء، كأن كل جملة تُصاغ على نارٍ هادئة:
إلى أخي ورفيقي في العهد، الملك هاشم بن حماد، ملك الفيروز العظيم...
لقد بلغني قلقك من رسالتك على أخينا سليمان، وقد بلغني مثله، بل لعله أشد. نعم، لقد عاد إلى اليمامة متنكرًا، وقد اختار أن يضع نفسه وسط النار دون جيشٍ ولا راية، لكن ثق أنّه لم يعد وحيدًا.
عاد ومعه إيمان شعبه الذي لم يخمد، بل ظل متقدًا كالجمر تحت الرماد. عاد وفي عيون رجاله القدامى مكانٌ لم يُمحَ رغم قسوة السنين.
أما نحن، مملكة النور، فاعلم أنّنا سنكون سندًا له مهما طال الغياب، ولن نتركه يواجه مصيره منفردًا.
أخي اريدك أن تعلم إيضاً، إن قامت اليمامة، فإن قيامها ليس له وحده، بل لنا جميعًا. وإن تعثرت، فنحن من سيتحمل وزر ذلك. فلنُثبت معًا على العهد، ولتكن هذه الرسالة عهدًا جديدًا بيني وبينك، أن ندعم الحق حيث كان، وأن نُسند الملك الذي عُرف يومًا بنور عدله.
أخوك الذي يشاركك القلق والأمل،
"فهد بن عبد العليم النوراني". ملك النور
حين انتهى، رفع فهد يده إشارة للكاتب ليتوقف. بقي صامتًا لوهلة، يتأمل الكلمات المكتوبة على الرق، ثم قال وهو يزفر بعمق:
– هذه ليست مجرد رسالة، بل عهد… عهد لا يحتمل التراجع.
أخذ الكاتب اللفافة، وختمها بالشمع الأحمر، ثم ناولها لفهد الذي نظر إليها طويلًا قبل أن يمدها إلى أحد الحراس. قال بصوت حازم:
– ستخرج الليلة. لا تُسلم إلا بيدك، ولا ترتاح إلا حين تضعها في يد ملك الفيروز نفسه.
انحنى الحارس احترامًا، ثم انطلق خارج القاعة بخطواتٍ سريعة.
عاد الصمت للحظة، فقط صوت النار في المشاعل يتراقص. التفت فهد إلى نزار، وقال بنبرة أثقلها القلق:
– هل تظن أنّ رسالتي ستخفف من قلقه؟
ابتسم نزار ابتسامة خفيفة، لكنه قال بجدية:
– لن تُزيل القلق يا مولاي، لكن ستُشعره أنه ليس وحده… وهذه وحدها قوة
هز فهد رأسه موافقًا، ثم رفع بصره نحو السقف العالي، كأنه يناجي السماء:
– ليت الرسائل وحدها تكفي لحماية الرجال… لكن الحرب تُكتب بالسيوف لا تُكتب بالحبر.
وغرقت القاعة بعدها في صمتٍ جديد، صمت ثقيل، كأن الكلمات التي سُطرت على الرق كانت بداية عهدٍ قادم، لا يعلم أحد كيف ستكون خاتمته.
حديث الأختان:
في صباحٍ مشرق، أشرقت الشمس على حدائق قصر النور كأنها تنثر خيوطًا من الذهب على أوراق الأشجار والزهور المتناثرة. العصافير تزقزق فوق أغصان الزيتون، ونسمات الهواء تداعب ستائر الشرفات العالية. كان المكان يعجّ بالحياة، لكن داخل قلب غفران، كل شيء ساكن وثقيل.
جلست على مقعد حجري تحيط به أزهار الياسمين المتدلّية، عيناها غارقتان في البعيد، كأنها تبحث عن شيء لم يأتِ بعد. أصابعها تعبث بخيط من ثوبها في صمتٍ متوتر، فيما ظل وجهها شاحبًا، لا تكاد تفارقه مسحة القلق.
بينما هي غارقة في شرودها، جاءت سهام بخفة كفراشةٍ خرجت لتوّها من قوقعتها، خطواتها سريعة وملابسها البيضاء تتمايل مع حركة جسدها. عيناها تلمعان بفرحةٍ ودهشة لا تخفى. ما إن رأت شقيقتها، حتى اندفعت نحوها وجلست بجوارها، تمسك بذراعها بحماسة.
قالت بصوتٍ مرتجف من شدّة الإثارة:
– غفران! غفران! يجب أن تسمعيني… لن تصدقي ما حدث لي ليلة أمس!
رفعت غفران عينيها إليها ببطء، ابتسامة صغيرة باهتة شقّت شفتيها، ثم عادت ببصرها نحو الأفق:
– ماذا هناك يا سهام؟ جاء صوتها رتيبًا، كمن يرد لمجرّد الرد.
لكن حماسة سهام لم تنكسر، تابعت بانفعال:
– القصر يا أختي… آه، لو ترينه كما رأيته أنا! الجدران مرصّعة بزخارف لم أرَ مثلها من قبل، الألوان كأنها لوحات حيّة، والممرات واسعة كأنها بلا نهاية. كنت أمشي متأملة كل زاوية، حتى غلبني الذهول، وصرت لا أرى سوى البهاء حولي… ثم حدث ما لم أتوقعه.
رفعت غفران حاجبيها قليلًا، دون أن تدير رأسها تمامًا، كأنها تمنح أختها انتباهًا مجاملةً فقط. همست:
– وما الذي حدث؟
تنهدت سهام بعمق، ثم اتسعت ابتسامتها:
– اصطدمت فجأة بجندي من الحرس! كنت على وشك السقوط، لكنه مد يده وأمسكني قبل أن أرتطم بالأرض. كان قويًا… ولكن عينه يا غفران، عينه فيهما شيء غريب، دفء لم أشعر به منذ زمن طويل. للحظةٍ، جعلني أنسى أين أنا.
لمعت عينا سهام وهي تستعيد الموقف، ثم أضافت وهي تضحك بخجلٍ خفيف:
– صدقيني، ابتسامته وحدها جعلتني أشعر وكأنني عدت طفلة في بيتنا القديم، حيث لا خوف ولا قلق.
لكن غفران لم تبدُ عليها أي ملامح اندهاش أو مشاركة. اكتفت بقولها بصوت شارد:
– الحمد لله أنكِ بخير، ولم تُصابي.
أحسّت سهام بفتور شقيقتها ، فتغيرت ملامحها قليلًا، لكنها حاولت أن تجذبها أكثر:
– غفران… ألا تسمعينني؟ إنه لم يكن لقاءً عابرًا، لا أعرف لماذا، لكن شيئًا ما بدا مختلفًا… كأنني سأراه مرة أخرى.
وضعت غفران يدها على جبينها، وزفرت ببطء، كأنها لم تسمع شيئًا من كلام سهام. عادت همسات القلق تتسلل من شفتيها:
– الأيام القادمة ليست سهلة… ليتكِ تدركين ذلك يا سهام.
توقفت سهام عن الحديث للحظة، حدّقت في وجه شقيقتها، ثم قالت بصوتٍ منخفضٍ حزين:
– حتى عندما أحدثك… يبدو وكأنكِ لستِ هنا معي.
سقط الصمت بينهما لحظة طويلة، لم يقطعه سوى صوت العصافير في الحدائق. ثم ابتسمت سهام ابتسامة خافتة، وأسندت رأسها على كتف أختها، وهمست بحنان:
– حتى لو لم تسمعيني… سأظل أحدثك، ويكفيني أنكِ بجانبي.
بقيت غفران على شرودها، عيناها معلقتان بالبعيد، قلبها يضج بالأسئلة التي لم تجد لها إجابة، وكأنها تسمع نداءً خفيًا لا ينقطع، نداءً لا تستطيع أن تبوح به لأحد.
قرار ملك اليمامه:
تتوهج قاعة العرش في قصر اليمامة بشموعٍ ضخمة، ورائحة البخور تملأ الأجواء. جلس الملك بلال على عرشه العالي، عيناه لا تزالان تتذكران صورة ذلك الغريب الذي تصدّى للهجوم بشجاعة لم يرَ مثلها من قبل.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم التفت إلى قادته الواقفين بجواره وقال:
– ذلك الرجل… لم يكن محاربًا عاديًا. لقد رأيت في عينيه رغم تخفيه ثباتًا لم أره حتى فيكم. سيفه كان كأنه امتداد لروحه، وجرأته تليق بالملوك لا بالغرباء.
ساد الصمت لحظة، فتأمل بلال وجوه رجاله، ثم ضرب مقبض عرشه بيده وأعلن بحزم:
– قررتُ أن يكون هذا الغريب من حرس قصري الخاص. لا أريد أن يبتعد عن عيني لحظة واحدة. من مثله لا يترك بين العوام… بل يُصنع منه سيف للملك.
تبادل القادة النظرات بدهشة، قبل أن يهمس أحدهم:
– مولاي… إنه غريب لا نعرف أصله ولا نسبه.
ارتفع صوت بلال غاضبًا:
– وهل النسب يصنع الشجاعة؟! أم أنكم نسيتم كيف فرّ جنودي بالأمس وهو وحده من وقف كالأسد؟!… لا أحد يجادلني في أمري.
دخل سليمان المتنكر القاعة بخطواتٍ ثابتة، ينحني قليلًا أمام الملك، بينما تلتقط عينا بلال ملامحه بقوة تركيز واضحة، وكأنّه يحاول أن يخترق قناعه.
ابتسم بلال ببطء، وقال بصوتٍ يمزج بين الإعجاب والأمر:
– أيها الغريب… أثبت أن شجاعتك وقوتك تساوي جيش بأكمله. من هذه اللحظة، ستكون بين رجالي، هنا في قصر اليمامة. ستقف قريبًا مني، وتقاتل لأجلي.
ارتسم على وجه سليمان صمتٌ طويل، ثم رفع عينيه بثبات، يخفي ما بداخله، بينما قلبه يتمتم:
هكذا إذن… لقد فتحتُ لي بابك بنفسك يا بلال.
غفران في حدائق القصر:
في صباحٍ دافئ مائل للندى، بدت حدائق قصر النور كلوحة مرسومة بأنامل خفية؛ الورود تفوح بأريجها، وأشجار الزيتون تتمايل في النسيم، بينما ينحدر ضوء الشمس بين الأغصان لينثر ظلالًا ذهبية على الطرقات المرصوفة.
سارت غفران بخطوات مترددة، كأن قلبها هو الذي يقودها لا قدماها. كانت عيناها تفتشان بين الممرات، على المقاعد الرخامية، قرب النافورة، وحتى بين الأشجار البعيدة، بحثًا عن طيفٍ تعرفه… عن شخصٍ بعينه لم يفارقها منذ لحظة عودته، ولم تستطع أن تطمئن إلا إذا رأته أمامها.
توقفت عند شجرة ياسمين متسلقة، وأراحت يدها على غصنها، كأنها تستمد منه أنفاسًا تردّ عنها قلقًا متزايدًا. همست لنفسها بصوتٍ بالكاد يُسمع:
– أيعقل أن يكون مر من هنا؟ لِمَ أشعر أنني أراه في اي مكان مررته منه هنا؟
مرت خادمتان من بعيد، تتبادلان الضحكات، فنظرت إليهما غفران شاردة دون أن تفهم ما قالتاه، ثم واصلت السير. كان عقلها بعيدًا تمامًا، مشدودًا نحو صورةٍ واحدة تتكرر أمامها: نصر الدين كما تعرفه، بنظرته الثابتة وكلماته الغامضة التي تركتها في حيرة منذ آخر لقاء.
اقتربت من البحيرة الصغيرة في عمق الحديقة، وانعكس وجهها على سطح الماء المرتجف، لكنها لم ترَ سوى ملامحها القلقة. جلست على حجر قريب، أسندت كفيها إلى ركبتيها، وأطلقت تنهيدة طويلة.
– لماذا لم يأتِ؟ أم أنني أنا التي أطلت الانتظار؟
لحظة صمت، كأن الطيور نفسها توقفت عن التغريد، جعلتها ترفع رأسها فجأة، عيناها تبحثان بين الأشجار كمن يترقب مفاجأة. قلبها خفق أسرع، ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها، لكنها انطفأت بسرعة حين أدركت أن ما رأته لم يكن سوى ظل عابر لأحد الجنود.
عادت تتأمل الطريق الممتد أمامها، يملؤها أملٌ ضعيف لكنه عنيد، أملٌ لا يزول:
سيأتي… لابد أنني سأراه هنا، ولو لمرةٍ واحدة أخرى.
تجوال في شوارع المملكة:
كانت شمس العصر قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بوهجٍ ذهبيٍّ باهت على شوارع اليمامة، لكن لا شيء من ذلك الوهج استطاع أن يُخفي الشحوب الذي يكسو وجوه أهلها. باعة قليلون يجلسون خلف بضاعتهم الكاسدة، نساء متعبات يحملن جرار الماء الثقيلة، وأطفال بملابس بالية يركضون خلف كسرة خبز يطمعون أن ينالوها من أحد.
دخل سليمان إلى السوق الكبير متخفيًا بملابس بسيطه، ولحية مستعارة تخفي نصف وجهه. كان يسير بخطوات متزنة، لكن عيناه كانتا تلتقطان كل مشهد، كل تنهيدة ألم، وكل دمعةٍ تُمسح خفية.
مرَّ على شيخٍ محني الظهر، يحاول حمل حزمة حطب أثقل من قوته. تقدم نحوه وأمسك بالحزمة قبل أن تنزلق، فالتفت العجوز بدهشة:
— باركك الله فيك يا بني… لقد كدت أسقط من انت.
– سليمان، بابتسامة وهدوء: اعتبرني ابنك، ودعني أوصلك بها.
تركه عند باب بيته، ولم ينتظر الشكر، بل غادر مسرعًا كمن يخشى أن يُكشف أمره.
وفي زقاقٍ آخر، وجد امرأة تبكي بجوار عربتها الصغيرة وقد تحطمت عجلة خشبية لها. كان طفلان يقفان بجوارها، يمسحان دموعهما بملابس متسخة. جلس سليمان على ركبتيه، أصلح العجلة بيديه القويتين، ثم أخرج بعض الدنانير ووضعها في يد المرأة المرتجفة.الأم بعينين دامعتين: لا أعرف من تكون… لكنك أرسلت لي كرحمة من الله.
– سليمان بخفوتٍ عميق: ادعي فقط أن يرفع الله هذا البلاء عنكم قريبا.
مضى مبتعدًا، بينما كانت كلماته تغرس في قلبها يقينًا لم تفهم سببه.
وبينما هو يسير، سمع همسات متفرقة من الناس تتكرر كالنغمة الخفية:
أيام سليمان… كنا نعيش في أمان. لو عاد سليمان، ما جرؤ أحد أن يظلمنا هكذا.
توقفت قدماه دون أن يقصد. شعر وكأن كل جملةٍ كانت سهمًا يخترق صدره. رفع بصره إلى السماء، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، وكأنه يَعِد نفسه قبل أن يَعِدهم.
لكن فجأة، قطع عليه الشرود صوتٌ غليظ:
– أنتَ! أيها الغريب!
التفت ليجد أمامه أحد جنود بلال، يرمقه بنظرات فاحصة. تقدم الجندي بخطوات ثقيلة وضرب بعصاه الأرض:
– من تكون؟ لم أرك من قبل في هذه الناحية.
أخفى سليمان اضطرابه، وردّ بهدوء متعمد:
– مجرد رجل يبحث عن قوت يومه، أساعد حين أقدر.
حدّق فيه الجندي طويلًا، وكأن الشك راوده، ثم هز رأسه بازدراء:
– لا تتدخل كثيرًا في شؤون غيرك، نصيحة… في هذه الأيام، الفضول قد يقتلك.
ثم مضى، تاركًا وراءه غيمة من التوتر.
زفر سليمان ببطء، ثم واصل السير في الشوارع، يساعد خفية من يصادفه، ويستمع إلى. صرخات مكتومة من بيوت مغلقة، وضحكات أطفالٍ يحاولون أن يتناسوا ما يحيط بهم.
كان يسير كواحدٍ منهم، لكن في داخله كان الملك الذي يعرف أنّ اللحظة اقتربت… اللحظة التي سيكسر فيها قيد تنكره، ليعيد للمدينة كرامتها
بين قلبين:
في أحد أروقة القصر الهادئة، كانت غفران تمشي بخطوات متسارعة، ملامحها متوترة منذ أن رأت الغموض يزداد حول اختفاء القائد نصر الدين (سليمان). دخلت إلى بهو صغير حيث كان نزار يتفقد بعض المخطوطات والرسائل. رفعت غفران صوتها فجأة بنبره جادة:
يا سيد نزار… لم أعد أحتمل! أخبرني بصدق، من يكون هذا الرجل؟ لمَ كل هذا الغموض الذي يحيط به؟ ولمَ أشعر أنني آخر من يعلم شيئًا في هذا القصر؟" واين هو؟ لم اراه طيلة مدتي هنا؟
رفع نزار رأسه ببطء، تأملها بعينيه العميقتين، وكأنّه يزن كل كلمة قبل أن ينطق.
نزار:
—أحيانًا يا غفران، بعض الحقائق لا يكون وقتها قد حان بعد… ثقي أن ما يُخفيه نصر الدين ليس خيانةً لكِ ولا لمن حوله
غفران بغضبٍ مكبوت:
—أنا لا أريد أن أُخدع! أنا فقط… أشعر أن قلبي يخونني، يندفع نحوه أكثر مما ينبغي… وأخشى أن يُحطم كل شيء حين يُكشف المستور.
اقترب منها نزار خطوة، صوته أكثر حنانًا من أي وقت مضى:
– اطمئني… نحن لسنا اعداؤكِ.. بل قد نكون الأمان الذي تبحثين عنه. لكن رجاءً، لا تطلبي مني أن أبوح بأكثر من ذلك وبما لا يخصني.
غفران:
– وإين هو اذا؟ لم اراه منذ ان تعافيت
نظرا لها نزار وقال بصوت جعله لا يظهر مضطربا وابتسامه خفيفه تعلو وجهه:
–غفران لا تقلقي بشأن نصر الدين انه بخير فقط يباشر عمله هذه الايام بكثافه لتفادي اي هجوم أخر اذهبي واستريحي
سكتت غفران، لكن عينيها ظلّتا مشتعلة بقلقٍ لم يُطفأ. ثم تركته ورحلت
مشهد الموازي – سهام والجندي الشاب:
في الجهة الأخرى من القصر، عند حدائق الليمون الممتدة، كانت سهام تتجول بمرح طفولي، عيناها لا تكفان عن التحديق في تفاصيل المكان، حتى ارتطمت مجددًا بذلك الجندي الشاب.
تراجعت خطوة للخلف وهي تضع يدها على جبينها، ثم ضحكت بخجل:
—ألم أقل لك أن القصر واسع بما يكفي، ومع ذلك نصطدم مجددا؟
ابتسم الجندي بخفة، وقد بدا عليه الارتباك:
– ربما هو القدر… أو أن عينيّ لم تتعوّد بعد أن ترى غيرك في هذه الممرات.
احمرّ وجهها فجأة، وأخفضت بصرها أرضًا، بينما هو يمد يده ليساعدها على الوقوف بثبات.
سهام، بنبرة خافتة:
—ألم تخشَ أن يعاقبك أحد إن رآك تتحدث مع زائرة مثلي؟
الجندي بابتسامة واثقة:
–ربما ولكن لا أخشى الحديث مع من يجعل القصر أقل قسوة وأكثر نعومه
ضحكت سهام ضحكة قصيرة مرتبكة، شعرت معها بأن قلبها يخفق على نحو مختلف.
سهام:
–لكني لم اعرف اسمك حتي الآن؟
الجندي الشاب مبتسما:
–اسمي هو عمار وأنتِ؟
سهام ببتسامه خجوله:
أسمي سهام
وفي الوقت الذي كانت فيه غفران تتصارع مع قلقها أمام نزار، كانت سهام تعيش لحظة رقيقة مليئة بالدهشة، وكأن القدر وزّع بين الأختين مشاعر متناقضة في نفس اللحظة... قلق وريبة من جهة… وابتسامة وبداية أمل من الجهة الأخرى.
اشتياق داخل اليمامه:
في إحدى الحجرات الجانبية داخل قصر اليمامة، جلس سليمان على مقعد خشبي بسيط، لا يشبه عروش الملوك التي عرفها يومًا. الليل قد أرخى سدوله على المملكة، والصمت يطبق على جدران القصر كأنه يتآمر مع وحدته.
وضع يده على جبهته، يزفر ببطء، ثم رفع رأسه نحو النافذة العالية حيث يدخل خيط من نور القمر. للحظة شعر وكأن قلبه ليس وحده؛ كأن هناك خيطًا غير مرئي يصل بينه وبين غفران… إحساس دافئ لكنه مليء بالقلق، وكأنه التقط ارتجاف قلبها وهي تفكر به الآن.
ابتسم ابتسامة باهتة، ثم همس بصوت مبحوح بالكتمان:
– غفران… أأنتِ بخير؟ لا أعلم لماذا أشعر أنكِ منشغلة بي… وكأنكِ تنادينني دون صوت.
صمت قليلًا، يطيل النظر إلى الفراغ أمامه، ثم أكمل بنبرة أشبه باعترافٍ خجول:
– أعرف أني تركت في قلبك حيرة… وأن غيابي جعلكِ في ظلال من الأسئلة. لم أقصد أن أزيد جراحكِ، لكن هناك أشياء لا أستطيع قولها… ليس الآن.
أغمض عينيه، وأسند رأسه إلى الحائط، وصوته انخفض أكثر:
– اعذريني يا غفران… على غموضي، على كل كلمة لم أقلها، وعلى كل لحظة جعلتكِ فيها تنتظرين. لو كان بوسعي… لكنت بجوارك الآن لأطمئنك، لا لأتركك تفتشين عن أجوبة في صمتي.
سقطت تنهيدة ثقيلة من صدره، ثم فتح عينيه ببطء، يردد كأنما يرسل رسالته في الفضاء:
– ابقَي قوية… سأعود إليكِ حين يحين الوقت. وحتى ذلك الحين، فليكن صبري حارسًا لقلبك، وصبرك ملاذًا لروحي.
وبينما خفت صوته شيئًا فشيئًا، بقي إحساس غريب يسيطر عليه… إحساس أن غفران بالفعل قد شعرت بندائه الصامت، كما شعر هو بقلقها عليه.
نداء مطمئن:
في جناحها الهادئ داخل قصر النور، جلست غفران على حافة فراشها، متكئة بذراعها إلى الوسادة، والشمعة الصغيرة أمامها تبعث ضوءًا مرتجفًا يتمايل مع نسمات الليل. عيناها كانتا شارِدتين، تحدقان في الفراغ، وقلبها يضطرب بين سؤالٍ وآخر:
—أين هو نصر الدين؟ لماذا اختفى منذ أن تعافيت؟ هل غادر إلي مكان أخر دون أن يودعني؟
لكن فجأة… اجتاحها شعور غريب. كأن الدفء تسرب إلى قلبها دفعة واحدة، خفّف من ثِقَل قلقها. ارتخت قسمات وجهها شيئًا فشيئًا، وزفرَت تنهيدة طويلة كأنها تخلّت عن حملٍ ظلّ جاثمًا على صدرها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة لا تعلم لها سببًا، ثم وضعت يدها على قلبها هامسة:
– غريب… كأنني سمعته يعتذر لي، يطلب مني أن أكون قوية… هل يعقل أن يصلني صوته دون أن أراه؟
أغمضت عينيها للحظة، والدموع تتلألأ عند أطراف رموشها، ليست دموع حزن، بل دموع راحة، كأنها تلقت وعدًا غير منطوق.
رفعت رأسها نحو النافذة حيث يتلألأ القمر، وقالت بصوتٍ خافتٍ كأنها تُجيب على همس بعيد:
– سأنتظرك… حتى لو لم تخبرني إلى أين ذهبت. سأظل قوية كما طلبت، فقط عد لي بخير.
وساد سكون المكان من جديد، غير أن قلبها لأول مرة منذ أيام، شعر بالطمأنينة… وكأن خيطًا خفيًا جمع بين روحين تفصلهما المسافات، لكنه أبقى على نبضٍ واحد يجمعهما.