رواية تاج في الظل - الفصل الرابع والعشرون - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع والعشرون

الفصل الرابع والعشرون

عودة بين الرماد: مع غروب شمس اليوم التالي، تسلّل رجل بملامح بسيطة، يرتدي عباءة خشنة داكنة اللون وغطاء رأس بالٍ، إلى حدود اليمامة. خطواته ثابتة، لكنها تحمل في أعماقها ارتجاف قلبٍ يعود إلى أرضٍ يعرف كل ذرة من ترابها. كان سليمان قد أخفى هيبته خلف هيئة رجلٍ من عامة الناس، غبار الطريق على ثوبه، وملامح الشقاء على وجهه. لم يعرفه أحد… وهذا ما أراد. وقف عند التل المطلّ على المدينة، ونظر طويلًا. اليمامة التي تركها مزدهرة، تعج بالحياة، بدت أمامه كأرضٍ أُطفئ فيها النور، وابتلعها الظلم. الأزقة مظلمة، البيوت متهالكة، والأصوات التي تصل إلى مسامعه ليست ضحكات الأطفال كما اعتاد، بل صرخات متقطعة، وأصوات شجارٍ يختلط فيها القهر بالجوع. شدّ العباءة حول جسده، ودخل بخطواتٍ هادئة إلى قلب المدينة. لم يلتفت إليه أحد، إذ صار الفقر وجهًا مألوفًا بين الناس، وكلما مرّ بينهم رجل منكسر ظنوه واحدًا منهم. جلس عند أطراف السوق القديم، فوق حجرٍ متهالك، وسط الفقراء الذين تجمعوا في صمتٍ مريب. رجال بوجوه شاحبة، نساء يحملن أطفالًا بعيون غائرة، شيوخ يجرّون أنفاسًا ثقيلة. كان هذا المشهد صاعقًا له، لكنه أخفى ما في داخله، واكتفى بأن يكون مستمعًا. اقترب منه شيخٌ نحيل، يجلس إلى جانبه، يحدّق في الأرض أكثر مما ينظر في العيون، وقال بصوتٍ متهدج: – لم تعد هذه اليمامة يا أخي… صارت ساحة للذل. رجال بلال ينهشوننا ليلًا ونهارًا، يتركوننا جوعى، ويأخذون ما بقي لنا من قوت. أجابه سليمان بصوتٍ خافت، متعمّد أن يخفي نبرته المألوفة: – ألا تقاومون؟ ألا يوجد من يقف في وجههم؟ ضحك الشيخ ضحكة حزينة، كمن يسخر من القدر لا من السائل: – نقاوم؟ بماذا؟ سيوفهم فوق رقابنا، وقلوبنا مثقلة بالخوف. لكن… هناك أملٌ يتردّد بين الناس، أملٌ لم يستطع حتى بلال ولا رجاله أن يخفوا خوفهم منه. أمال سليمان رأسه قليلًا، كمن يسأل دون كلمات. فأكمل الشيخ وهو يخفض صوته كأنما يخشى أن يسمعه الهواء نفسه: – يقولون… إن الملك سليمان لم يمت، بل سيعود. والجنود أنفسهم… رأيتهم يتهامسون بخوفٍ من اسمه، وكأنهم يرونه في كل ظلّ. حين سمع اسمه، اهتز قلبه بعنف، لكنه كبَح مشاعره، وأطرق برأسه ليخفي عينيه المتقدتين. – وإن عاد… أتظنون أن اليمامة ستنهض من جديد؟ رفع الشيخ عينيه المرهقتين، وفيهما دمعة لم تسقط بعد: – إن عاد… فلن يبقى للظلم مكان. كنا في أيامه ننام بلا خوف، نأكل بلا قلق، نضحك كأننا لا نعرف معنى الدمع. آهٍ يا بني… لقد كنا نعيش بشرًا، لا أشباحًا. دخلت امرأة شابة تحمل طفلها النحيل، وجلست غير بعيد، تهمس لجارتها: – حلمت الليلة الماضية أني رأيته… عاد بيننا، يربت على كتف ابني. ألا ترين؟ هذا يعني أنه قريب… قريب جدًا. ساد صمت قصير، تخلله أنين طفل يطلب رغيفًا من الخبز. مدّت الأم يدها تمسح على رأسه وتهمس: – اصبر يا صغيري… حين يعود ملكنا، لن تبقى جائعًا بعد اليوم. ظلّ سليمان جالسًا بينهم، يسمع كلماتهم التي اخترقت صدره كالسيوف. لم يكن بحاجة إلى سلاحٍ الآن، فقد وجد في قلوبهم ما يكفي لجيشٍ كامل. شعر أن الأرض نفسها تناديه، أن صرخاتهم صارت قسمًا يربطه بالسماء. اغمض عينه بألم وعندما فتحهم مجددا كان بهم شرر ممزوج بتوعد رفع عينيه نحو الأفق البعيد، حيث انحدرت الشمس خلف الأسوار، وهمس في داخله: – لقد عدتُ… لن يطول ليلكم بعد اليوم بينما هو جالس، اقترب فتى صغير، مدّ له رغيفًا يابسًا وهو يقول ببراءة: – كل يا عم… نحن نتقاسم الجوع معًا. أخذ سليمان الرغيف، بدمعة حبيسة في عينه، وقال بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع: – بل سنقتسم الخبز… والحرية معًا قريبًا. ظلّ بين الناس حتى حلّ الليل، قلبه يزداد يقينًا أن المعركة لم تعد فقط لاسترداد عرش، بل لاستعادة روح شعبه التي حاولوا طمسها، دون جدوى. ما بعد الرحيل: جلس الملك فهد في قاعة العرش بمملكة النور، والظلال تتطاول على الجدران المزخرفة مع ميلان الشمس نحو المغيب. كان السكون ثقيلاً، لم يقطعه سوى وقع خطوات نزار وهو يدخل بخطوات حذرة، ووجهه يعكس قلقًا واضحًا. رفع فهد عينيه نحوه، وقال بصوتٍ عميق يقطر بالهمّ: – لقد رحل إذن… تركنا دون أن يبوح بخططه كاملة. اقترب نزار، وجلس أمامه، يحاول أن يبدو متماسكًا، لكن عينيه فضحتا اضطرابه: – هو لم يرد أن يثقلنا بقراره، يا مولاي. تعلم جيدًا أن مولاي الملك سليمان، يحمل همًا أكبر مما نظن. إنه يريد أن يواجه مصيره بمفرده. أطرق فهد رأسه، وأخذ نفسًا طويلاً ثم زفره ببطء، وكأنه يفرغ صدره من ثقل الجبال: – أعلم… لكني لا أستطيع أن أمنع قلبي من القلق عليه. لقد عاد إلى اليمامة متنكرًا، وسط بطش بلال ورجاله، كأنما ألقى بنفسه في جوف النار. ساد صمتٌ قصير، قبل أن يردف نزار بصوتٍ خافت: – ربما النار هي ما يحتاج إليه ليصهر عزيمته ويستعيد مُلكه. لقد رأيت في عينيه شيئًا لم أره من قبل… لم تكن مجرد رغبة في الحكم، بل عطش إلى العدالة، إلى تحرير قومه. ابتسم فهد ابتسامة شاحبة، وقال وكأنه يخاطب نفسه أكثر من نزار: – هو لا يدرك كم تغيّر كل شيء منذ غيابه لقد مر عاما كاملا يا نزار. بلال لم يعد ذلك القائد المتمرّد فحسب، بل صار طاغية ينهش اليمامة بأنيابٍ حادة. أما سليمان… فدخل أرضه وحيدًا، بلا جيش ولا راية. مدّ نزار يده، وضعها على حافة المقعد، ثم قال بثقة هادئة: – لكنه لم يدخل خالي الوفاض يا مولاي. دخل بقوةٍ لا تهزم… قوة الإيمان به من شعبه. ألم تسمع ما يردده الناس؟ حتى جنود بلال أنفسهم يتهامسون باسمه. عيوننا في اليمامه ارسلوا لنا هذه الاخبار والهمسات، يكفي أن يطلّ بينهم حتى تتحول الهمسات إلى نداءٍ صاخب. رفع فهد نظره إلى السقف العالي للقاعه، وعينيه تشعان بقلق ممزوج بالإعجاب: – إن كان ما تقول حقًا… فربما لن يطول الوقت حتى تشتعل اليمامة من جديد. اقترب نزار خطوة للأمام، وانحنى قليلًا وهو يقول بثبات: – علينا أن نستعد يا مولاي. فإن عاد مُلكه، فلن يكون وحده. ستتغير موازين القوى، وستحتاج مملكة النور إلى أن تكون حليفًا وفيًّا له منذ اللحظة الأولى. ظلّ فهد صامتًا لحظة، ثم نهض من مقعده بخطواتٍ بطيئة، والتفت نحو النافذة المطلة على الساحة الكبرى. ألقى نظرة بعيدة، كأنما يحاول أن يرى طريق سليمان الممتد نحو اليمامة. – أرجو أن تحميه السماء يا نزار… فأنا أشعر أن عودته لن تغيّر وجه اليمامة فقط، بل وجه هذه الممالك كلها. ارتسمت على وجه نزار ابتسامة عابرة، وقال في نفسه قبل أن يخرج: – سيعود يا مولاي… لكن ليس كما رحل. غرقت قاعة العرش في صمتٍ ثقيل، يحمل بين طياته انتظارًا لخبرٍ قد يقلب موازين كل شيء. رسالة الفيروز: في صباحٍ هادئ بمملكة النور، دخل أحد الحرس مسرعًا إلى قاعة العرش، بين يديه لفافة مختومة بخاتم زمردي أخضر. انحنى أمام الملك فهد وقال: – مولاي… وصلت للتو رسالة عاجلة من ملك الفيروز، جلالته هاشم. تجمدت ملامح فهد لحظة، ثم أشار بيده ليستلم الرسالة. اقترب نزار وهو يتابع بعينيه القلقتين كيف فك الملك الشمع الملكي بيدان ترتجف قليلا، وببطء راح يقرأ الكلمات المكتوبة بخط متماسك، لكنها تنبض باضطراب صاحبها: إلى أخي الملك فهد، بلغني ما نُقل عن قرار سليمان – وأنه رحل متخفيًا إلى أرضه. أيعقل أن يواجه كل ذلك وحده؟! إنني لا أخفيك قلقي العظيم، فالأمر ليس شأنه وحده بل شأننا جميعًا. إن انهار هناك، تزلزلت ممالكنا. وإن قام، ستتبدل الموازين. أرجو أن تبلغني بكل ما يستجد، ولا تتركه يذهب إلى حتفه دون سند. أخوك، هاشم بن حماد ملك الفيروز. خفض فهد الرسالة ببطء، وبقيت يده مشدودة عليها كأنها تمسك بجمر. تنحنح نزار وقال: – يبدو أن قلق الملك هاشم لا يقل عن قلقنا يا مولاي. جلس فهد على مقعده، ونبرة صوته مزيج من الغضب والأسى: – كنت أعلم أن قراره سيترك ظلاله على الجميع. حتى هاشم، الذي ما زال يحاول استيعاب حقيقة سليمان…صار الآن أسيرًا للقلق عليه. اقترب نزار خطوة وقال بصدق: – هذا القلق دليل على أن الرجل بدأ يرى في الملك سليمان ما نراه نحن. ربما كان هذا التحالف الخفي بين قلوب الملوك هو ما سيقوي عودته في النهاية. ظل فهد صامتًا لحظة، ثم رفع رأسه بعزمٍ مكبوت: – سنكتب له ردًا يا نزار. سنؤكد له أننا لن نترك سليمان وحده، حتى وإن اختار أن يسير بخطاه خفية. أومأ نزار، بينما كان ذهنه يسبح بعيدًا: كأن كل الممالك الآن تنتظر خبرًا واحدًا… خبر عودته أو سقوطه. وارتفعت الرسالة بين يدي فهد من جديد، كأنها مرآة لما يخبئه القدر للثلاثة: الفيروز، النور، واليمامة. وجه آخر في اليمامة: كانت شمس اليمامة تميل إلى الغروب، أشعتها تصبغ الطرق الترابية بلون نحاسي قاتم، حين دخل رجل غريب بين الأزقة. ثوبه بسيط داكن اللون، يلف رأسه بعمامة سمراء تخفي أغلب ملامحه، وفي عينيه بريق حادّ يوحي بغير ما يوحي به مظهره. لم يعرفه أحد… ولم يكن أحد ليتخيل أنّ هذا الغريب هو سليمان نفسه، وقد اختار هذه المرة هيئة مختلفة، بعيدًا عن قناع الشيخ الذي ارتداه من قبل. بينما كان يسير متثاقل الخطى، دوّى صراخٌ في أطراف السوق. تجمع الناس مذعورين، والهواء يثقل بأنين الفقراء. رجال الملك بلال يهاجمون كشكًا صغيرًا لرجل عجوز، يسلبون محصوله من التمر والحبوب، ويضربونه كلما حاول الاعتراض. ارتجف قلب النساء، وتراجع الشبان في خوف، فالجميع يعرف أن اعتراض رجال بلال يعني نهايتهم. في تلك اللحظة، تقدّم الغريب بخطوات ثابتة، صوته ينفذ من بين العمامة بحدة: – اتركوا الرجل وشأنه… التفتوا نحوه في استهزاء، وضحك أحد الجنود ساخرًا: – ومن أنت أيها الغريب حتى تأمرنا؟! رفع سليمان رأسه قليلًا، فبدت عيناه كجمرتين متقدتين. قال بثبات: – أنا رجل لن يسمح لكم بأن تدوسوا على كرامة الناس بعد اليوم. أحد الجنود اندفع نحوه بسيفه، لكن الغريب كان أسرع. في حركة خاطفة، قبض على ذراع الجندي، وأوقعه أرضًا بضربة واحدة، ثم خطف السيف من يده وأشهره في وجوه الباقين من الجنود تراجعوا للحظة بدهشة، فقد كان يقاتل كمن خبر السيوف أعوامًا طويلة. ازدادت أنفاس الناس حوله، بعضهم يهمس: – من يكون هذا؟! يقاتل كأنه من دماء الملوك… استعاد أحد القادة رباطة جأشه، وهتف في جنوده: – امسكوه فورًا! اندفعوا نحوه دفعة واحدة، لكن الغريب تصدى لهم ببراعة مدهشة، يصد ضربة ويخترق أخرى، حتى سقط ثلاثة منهم أرضًا يتأوهون، بينما البقية فرّوا خوفًا وقد تركوا غنيمتهم خلفهم. اقترب من العجوز وساعده على النهوض، وقال بصوت مبحوح يختنق بالغضب: – لا تخف، سيأتي اليوم الذي لن يجرؤ فيه أحد على سرقة قوتكم أو إذلالكم. رفع العجوز بصره إليه، وكأنه يعرف شيئًا لا يُقال، ثم همس: – عيونك يا ولدي… كأني رأيتها من قبل، عيون الملوك الشجعان. ابتسم سليمان بخفة، ثم شد عمامته أكثر على وجهه، وغاب وسط الأزقة قبل أن يلحظ المزيد من الناس. لكن الهمس كان قد بدأ بالفعل ينتشر بين البيوت: —رجل غريب تصدى لجنود بلال… من أجلنا أمر الملك: في قاعة العرش، جلس بلال متجهّم الوجه، يضرب بقبضته على ذراع كرسيه الكبير، بينما أحد قادة الحرس يقف منكس الرأس أمامه، يروي ما جرى في السوق. القائد بصوت مرتجف: – يا مولاي… ذلك الغريب ليس كباقي الناس. وقف في وجه رجالنا وحده، وأفشل محاولتهم لبسط السيطرة على السوق. لم نرَ مثل ثباته وقوته من قبل. ارتفعت حاجبا بلال، عيناه تقدحان بالدهشة والريبة، ثم قال ببطء: – رجل واحد… يهزمكم؟! أهذه حكاية لتبرروا خيبتكم؟ أسرع القائد يهز رأسه: – لا يا مولاي، كل من في السوق رأوا بعينهم. إنه لا يشبه أحدًا… ضرباته وجرأته أربكت رجالي كأنهم أطفال أمامه. واسقط هيبة ثلاث من رجالي ساد صمت ثقيل، قبل أن يعلو ضحك بلال فجأة، ضحكة عالية جعلت الخدم والحرس يتبادلون النظرات في خوف. – عجبًا… رجل كهذا في شوارع مملكتي ولا أعرفه؟! ثم اعتدل، وصوته عاد صارمًا: – اجلبوه إليّ… الآن! أريد أن أرى هذا الغريب بعينيّ. أريد أن أعرف من أين أتى، وما الذي يخفيه. تردد القائد لحظة قبل أن يسأل: – حيًّا يا مولاي… أم أسيرًا؟ ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجه بلال، وقال ببطء: – حيًّا… أريده حيًّا. من يملك الجرأة على إذلال رجالي، قد يملك ما هو أثمن. ربما أجعله سيفًا في يدي… أو أقطعه بيدي إن لم يعجبني. انحنى القائد مسرعًا وهو يقول: – كما تأمر مولاي. خرج الجنود في الحال، وملامح الاضطراب بادية على وجوههم، بينما جلس بلال مائلًا بجسده إلى الأمام، يحدق في الفراغ بعينين تلمعان بالفضول، يتمتم لنفسه: – سنرى من أنت أيها الغريب… وسنعرف إن كنت نعمة لي أم لعنة عليك. صدفة في الحدائق: في صباحٍ دافئ، كان الندى ما يزال يلمع فوق أوراق الورود، والطيور تملأ الجو بزقزقةٍ رقيقة. سارت سهام بخطى هادئة بين ممرات حدائق القصر، تتأمل الأشجار العالية وأزهار الياسمين الممتدة على الجدران، يعلو وجهها بريق اندهاش لم يزل يلازمها منذ وطئت القصر لأول مرة. تمتمت بخفة وهي تمرر يدها على غصن وردة متفتحة: – ما أعجب هذا المكان… كأنه قطعة من عالمٍ آخر. كانت مأخوذة بجمال المكان حتى إنها لم تلحظ ظلًا يقترب من الجهة الأخرى من الممر الحجري، لتصطدم فجأة بكتفٍ صلب جعلها تتراجع خطوة إلى الوراء. ارتبكت وهي ترفع رأسها، لتجد أمامها شابًا من جنود القصر، بملامح هادئة ولكن قوية، يقف مشدوهًا مثلها، وقد أسرعت يداه ليمسك بذراعها كي لا تسقط. الجندي بسرعة واعتذار: – سامحيني… لم أقصد أن أُفزعكِ، كنت منشغلًا في دوري بالحراسة ولم أنتبه. سهام وقد انعقد لسانها للحظة، قبل أن تبتسم بخجل: – لا… أنا من يجب أن يعتذر، كنت شاردة في جمال هذه الحديقة حتى لم أرَك. ساد بينهما صمت قصير، قطعه الجندي بابتسامة خفيفة، قال وهو يترك ذراعها بهدوء: – شرف لي أن تكون إحدى زائرات القصر مأخوذة بجماله. لكن أرجو أن تنتبهي أكثر… فالحُسن أحيانًا يسرق انتباهنا من كل شيء. شعرت سهام بحرارة تسري إلى وجنتيها، فتجنبت نظراته سريعًا، وقالت بصوت منخفض: – سأفعل… شكرًا لك. ومضى الجندي بعد أن انحنى تحية خفيفة، تاركًا سهام واقفة في مكانها، تراقبه وهو يبتعد، فيما قلبها يخفق على نحوٍ لم تفهمه بعد المواجهة الأولى: داخل قاعة الحكم في قصر اليمامة، جلس الملك بلال على عرشه المرصع، وحوله بعض من رجاله الأوفياء، بينما دخل ذلك الغريب الذي أثار حديث الجنود ليلة الهجوم، والذي قاوم بشجاعة حتى أوقف الخطر. كان هو سليمان، لكن بملامح متنكّرة، وهيئة لا توحي أبدًا أنه الملك المفقود… بدا أشبه بمحاربٍ أنهكته المعارك تأمله بلال القادم بعينين ضيقتين، ثم مال بجسده قليلًا إلى الأمام وهو يقول: – إذن… أنت هو الذي تعارك مع جنودي هذه الليلة؟ قالو إنك وقفت كمن لا يعرف الخوف، وتصدّيت لما عجزوا عنه. رفع سليمان رأسه ببطء، ونظر إليه بعينين ثاقبتين تخفيان ما يعرفه القلب من كره، وأجاب بصوتٍ عميق فيه وقار: – لم يكن في الأمر بطولة يا مولاي… بل واجب. وجدت الأرض تُدنس برجال لا يعرفون شرفًا، فكان لابد أن أردعهم. ابتسم بلال ابتسامة باهتة، تحمل مزيجًا من السخرية والاهتمام: – كلماتك ثقيلة كحد السيف… لكن قل لي، ما الذي جاء بك إلى اليمامة؟ ومن تكون حقًا؟ تقدم سليمان خطوة، ثم انحنى قليلًا كمن يخفي نصف الحقيقة، وقال: – رجلٌ جاب البلاد، شهد من الظلم ما أدمى قلبه، فآلى ألا يقف مكتوف اليدين إن رأى ظلمًا جديدًا. أما اسمي… فلا يهم، فالأسماء في النهاية ألقاب، والحق وحده هو ما يبقى. تأمل بلال تلك الكلمات، وبدت في عينيه شرارة فضول خفي، قبل أن يقول بنبرة باردة ولكنها محملة باهتمام خفي: – أمثالك نادرون… وربما يحتاج الملك إلى رجالٍ لا يخشون الموت ولا يخشون كلمة الحق. سأمهلك بعض الوقت، سأعرفك أكثر، فربما وجدت لك مكانًا أقرب مما تظن. ظل سليمان ساكنًا، يخفي خلف ملامحه المتنكرة عاصفة من الغضب والدهاء، يدرك أنه بدأ يخطو أول خطوة داخل حصن عدوه، وأن هذه المواجهة الأولى لن تكون الأخيرة… بل بداية لمعركة طويلة بين العقل والقوة. ابتسامة العرافه: في أعماق الكوخٍ صغير في مملكة النور، جلست كارمن أمام بلورتها المضيئة. الدخان الأبيض يتصاعد منها كأنها أنفاس الأرض، وصوت الريح بالخارج يوشوش مع طنين النار في الموقد. تجلّت أمامها صورة المواجهة الأولى بين سليمان المتنكر وبلال، وابتسمت كارمن ابتسامة خفيفة، تحمل مزيجًا من الرضا والفخر. كانت ترى كل كلمة قالها سليمان، وكل نظرة ألقاها في عيني عدوه، وكأنها تسمع حتى ما لم يُنطق به. همست في نفسها، وقد أضاءت عيناها ببريق غامض: – أحسنت يا سليمان… لم تكن كلماتك فقط ما أربكه، بل صمتك… قوتك في أن تُبقيه متردّدًا لا يعرف من أنت ولا ما تخفي. وضعت كفها على البلورة برفق، كأنها تلامسه عن قرب، ثم تابعت بابتسامة عريضة هذه المرة، مليئة بالدهاء والاطمئنان: – كنتَ دائمًا تلعب بالسيف، لكنك الآن تلعب بالعقول. وقد قرأت قلبك… أعرف ما تفكر به: تريد أن تدخل قصره، لا لتكون جنديًا في صفوفه، بل لتقترب من عرشك… ومن قلب مملكتك دون اي يعلم من أنت حقاً. ضحكت ضحكة قصيرة، مزيج بين الحكمة والمكر، ثم أمالت رأسها قليلًا إلى الخلف، وأغمضت عينيها: – لن أخبرك أنني أراك، ولا أنني أعرف ما يدور داخلك… يكفيني أن أبتسم حين تفعل ما خطط له قلبك قبل عقلك. وفي تلك اللحظة، سكن كل شيء في الكوخ. النار في الموقد هدأت، والدخان في البلورة تلاشى قليلًا، لتبقى كارمن على ابتسامتها المطمئنة… ابتسامة مَن يعرف الطريق حتى وإن لم يُسأل.