صقر العدالة - الفصل 19: بين المطرقة والسندان - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 19: بين المطرقة والسندان

الفصل 19: بين المطرقة والسندان

النداء الأخير في ورشة الصديق: الريح كانت تصفر في أزقة السوق القديم بصوتٍ يشبه ضحكات أشباح ساخرة. القمر، نصف مختبئ خلف سحابة رقيقة كغطاء شفاف على جثة السماء، كان يلقي ضوءاً خجولاً على الدكاكين المغلقة، يحوّل ظلال الشرفات المتدلية إلى مخالب سوداء تلمس الأرض. لم يكن هناك صوتٌ سوى ذئاب بعيدة تعوي في التلال، وصرير لافتة خشبية متحركة تهزها الريح كجرس إنذارٍ لم يعد هناك من يسمعه. ألفارد قفز من على حصانه الأسود قبل أن يتوقف تماماً، قدماه اصطدمتا بالأرض الترابية بقوة أرسلت غباراً يحوم في الهواء. ظله، ممدداً بشكلٍ شائه تحت ضوء القمر، كان يتحرك أمامه ككائن منفصل، متعجلٌ أكثر منه. "ألفارد، انتظر!" صرخ كاليب من خلفه، صوته مقطوعٌ من السرعة والرعب. لكن ألفارد لم ينتظر. كان جسده كقوس مشدود، كل عضلةٍ مشدودةٌ حتى حدود التمزق. ورشة فالاندر كانت أمامه، الباب الخشبي نصف مفتوح، يتأرجح ببطءٍ على مفصلاته الصدئة في الريح. من الشق، تسلل خطٌ رفيعٌ من الضوء الأصفر الباهت، كشريطٍ من ذهبٍ مسموم. دفع الباب بقوةٍ جعلته يصرخ بصوتٍ عالٍ كصرخة جريح. الداخل كان بارداً، راكداً، تنبعث منه رائحة الطين الجاف والخشب العتيق، لكنها مختلطةٌ الآن برائحة أخرى: رائحة الخوف، والغياب. الورشة كانت خاوية. ليس فارغةً تماماً، بل خاوية من الروح التي كانت تملؤها. دولاب الخزاف صامت، الطين على سطحه جافٌ ومتشقق كجلد ميت. الأواني المكتملة على الرفوف كانت تشبه جماجم صغيرة في ضوء الشمعة الواحدة التي كانت ما تزال تحترق على الطاولة الخشبية في المنتصف. وعلى تلك الطاولة، مثبتة في قلب الخشب العتيق، كان هناك خنجر. ليس خنجراً عادياً. كان مقبضه من العاج المنحوت، ونصلته اللامعة كانت تنعكس فيها لهبة الشمعة كدمعة من نار. وكان تحت النصل، مثبتة في الخشب، ورقة رقّ بيضاء. اقترب ألفارد، خطواته كانت ثقيلة كخطوات رجل يسير في حلم كابوس. رأى الكتابة: خطٌ أنيق، متقن، بارد. كل كلمة كانت تبدو كقطعة ثلجٍ تذوب على الورق: "إلى صقر العدالة... صديقك الجميل بأعينه الخضراء الآن ضيفي. هو سليم... حتى هذه اللحظة. سلم نفسك عند صخور التنين المعلقة مع شروق الشمس. تعال وحدك. بلا أسلحة. بلا خداع. إن امتنعت، أو تأخرت، أو حاولت الخداع بخدعةٍ من خدعك... سأريك دماء صديقك وهي تغسل الأرض الحجرية التي لم تروَ منذ زمن. خيارك بسيط: حياتك مقابل حياته. فاليريان." الصمت الذي ساد بعد قراءة الكلمات كان أعمق من أي صمت عرفه ألفارد من قبل. كان صمتاً مليئاً بصرخاتٍ لم تطلق بعد، برعدٍ يتراكم في صدره، ببركانٍ من الغضب كان على وشك الانفجار. "أيها الوغد..." همس، وكانت الكلمة تخرج من حلقه كأنها شظية زجاج. ثم صرخ: "أيها الوغـــد!" صرخته انفجرت في الورشة الصغيرة، جعلت الشمعة ترتعش، والظلال تقفز على الجدران ككائنات ذُعرت. قبضته انطبقت على حافة الطاولة حتى ابيضت مفاصل كفيه. رأى في عقله صورة فالاندر: عيناه الخضراوان الزمرديتان مفتوحتان على اتساعهما، جسده النحيل مربوطاً، والسكين يقترب من رقبته. "ألفارد!" دخل كاليب مهرولاً، يتنفس بسرعة. "ما الذي...؟" توقف عندما رأى الورقة، ثم رأى عيني ألفارد. كانتا تشعان بنظرة غريبة، متألمة وخطيرة في آن واحد. "اختطفوه." قال ألفارد، وصوته كان مسطحاً، بلا نبرة. "سيستخدمونه كطُعمٍ ليّ. عند صخور التنين. مع شروق الشمس، حياتي مقابل حياته." في تلك اللحظة، سمعوا صوت خطوات خارج الورشة. خطوات بطيئة، ثقيلة، تحمل ثقل رجل عرف الكثير من الخطوات في حياته. براين ظهر في المدخل، معطفه الأسود يجعله يبدو كجزء من الليل نفسه. وجهه العجوز كان محفوراً بالتجاعيد العميقة، وعيناه كانتا تنظران إلى ألفارد بنظرةٍ تحمل مزيجاً من الأسف والإلحاح. "كنت أعلم أنني سأجدك هنا." قال براين، وصوته كان هادئاً لكنه يحمل في نبرته الألم. "لكنني خفت أن أصل... بعد فوات الأوان لتحذيرك من الجزء الآخر من الكارثة." ألفارد التفت نحوه. "أي جزء؟ هل هناك كارثة آخرى أتيت لتخبرني بها؟!" "الخطة ليست للإيقاع بك فقط." قال براين، ودخل إلى الورشة. رائحة العرق والخطر كانت تعلو منه. "اليوم، مع شروق الشمس تقريباً، ستكون هناك جولة ملكية. سيمر الموكب من غابة البلوط الشرقية. الملك وولي العهد. وحراسهم... سيكونون رجال فاليريان." كاليب أصدر صوتاً خافتاً كمن طُعن. "سيُقتلون." واصل براين، وكلماته كانت تسقط كحجارة صلبة على رأس ألفارد. "بوحشية. وسيُترك دليلٌ يربط الجريمة بإدموند... وبك. ختم إدموند سيكون في مكان الجريمة. وشهودٌ سيشهدون أنهم رأوا رجالك. والتوقيت سيكون مقترناً بمحاولتك إنقاذ صديقك." كانت الكلمات تشكل صورةً كاملةً مرعبة في رأس ألفارد. فخان. في وقتٍ واحد. يقتلان ملكاً وأميراً. ويأسرانه أو يقتلانه. ويُلقيان باللوم على الأمير الوحيد الذي يحاول الإصلاح. "يجب أن تفكر." قال براين، وتقدم خطوة. عيناه العجوزتان كانتا تحدقان في ألفارد بإلحاحٍ مؤلم. "إن ذهبت لإنقاذ صديقك، ستكون متورطاً في جريمة قتل العائلة المالكة. وإن لم تذهب... سيقتلون صديقك، وسينفذون خطتهم على أي حال. فاليريان يلعب لعبة الشطرنج النهائية، وهو يحركك كبيدقٍ نحو فخّين في نفس الوقت." ألفارد نظر إلى الورقة، ثم إلى وجه براين، ثم إلى عيني كاليب المليئتين بالرعب. وشعر كأن الأرض تنفتح تحت قدميه، وكأن السماء تنزل لتحطمه. ثم، شيءٌ ما تغير في عينيه. الغضب العاجز ذاب، وتحول إلى شيءٍ آخر. شيء بارد. صلب. مقرر. "ليس فخّين." قال ألفارد، وصوته كان الآن هادئاً، خطيراً، كهدوء يسبق العاصفة. "بل هي فرصة واحدة." "ماذا؟" قال كاليب. "فرصة لإنهاء هذا كله." واصل ألفارد، وعيناه كانتا تتقدان بضوءٍ جديد، ضوء القرار الذي لا رجعة فيه. "فاليريان يعتقد أنه يلعب لعبة الشطرنج الدموي. لكنه نسى... أن الصقر لا يلعب على الرقعة. بل يهبط من السماء، ويأخذ فريسته، ويطير." أمسك بالورقة ومزقها إلى نصفين. القطع البيضاء سقطت على الأرض كثلجٍ قذر. "عند شروق الشمس بصخور التنين." قال وهو يلتفت نحو الباب. "سأكون هناك. ليس لأنني خائف على دماء صديقي فحسب. بل لأنني سأنهي هذا. سأنهي فاليريان. وسأنقذ فالاندر. وأوقف الجريمة في الغابة قبل أن تحدث." نظر إلى براين. "أنت تعرف الخطة. أنقذ الملك ثيودور وليوس. وأنا سأتعامل مع فاليريان." ثم نظر إلى كاليب. "اجمع الآخرين. داريو، إسفين. قابلوني عند منحدرات الصخور قبل الفجر. ولكن ابقوا مختبئين. حتى ترون إشارتي." براين أراد أن يعترض، لكنه رأى النظرة في عيني ألفارد. لم تكن نظرة شابٍ مندفع. كانت نظرة قائدٍ قرر أن يخوض المعركة الأخيرة، وأن يدفع الثمن كاملاً إذا لزم الأمر. "إنها مجازفة." قال براين أخيراً. "ليست مجازفة." رد ألفارد وهو يخرج من الورشة، ظله يسبقه إلى الليل. "إنها النهاية. نهاية فاليريان. وبداية شيءٍ آخر. سواء عِشتُ لأراه... أو لم أعش." وخرج إلى الليل، تاركاً الورشة الخاوية والورقة الممزقة والشمع الذي كان يذوب ببطء. كان الوقت قبل الفجر محدوداً، وكان عليه أن يتحرك كالبرق، لأن الشمس كانت ستشرق قريباً، وعلى ضوئها سيُقرر مصير صديق، وملك، وأمير، ومملكة... ومصير صقر العدالة نفسه، الذي قرر أن يخوض المعركة التي يعلم أنها قد تكون الأخيرة، لكنها الوحيدة التي يمكن أن تنهي الحرب التي بدأت قبل أن يولد، وتستمر بملاحقة أشباحه حتى هذه اللحظة، حيث يجب أن يقرر إما أن يكون الفدية، أو أن يكون المنتقم، أو أن يكون الاثنين معاً، ويخسر كل شيءٍ في سبيل إنقاذ ما تبقى مما يحب. العناكب تحيك آخر خيوطها: كان المنزل المهجور في الحي النائي يتنفس عفناً رطباً. جدرانه الخشبية المتهالكة كانت تشبه جلداً ميتاً. الهواء كان ثقيلاً برائحة العفن والفئران والتراب الرطب الذي تسلل عبر النوافذ المحطمة. ضوء مصباح زيتي وحيد، معلق على عمود خشبي متآكل، كان يلقي دوائر صفراء ترتعش على الأرضية الموحلة، وكأن المكان يتقلص ويتوسع مع كل نفس. في مركز تلك الدائرة الضوئية، كان فالاندر ممدداً على الأرض كقربان مقدم. يداه مكتوفتان خلف ظهره بحبل سميك، وعقداته كانت ضيقة حتى اختفت في لحم معصميه النحيلين. قدماه أيضاً مربوطتان، وركبتاه مرفوعتان قليلاً في وضعٍ غير طبيعي، مؤلم. فمه كان مغطى بقطعة قماش، مربوطة بإحكام حول رأسه. فقط عيناه المغمضتان كانتا مرئيتين، والرموش الطويلة ترتعش أحياناً كجناحي فراشة محاصرة في شباك العنكبوت. فاليريان كان واقفاً بجانبه، ظله طويل ومشوه على الحائط، يشبه وحشاً خرافياً. لم ينظر إلى فالاندر مباشرة، بل كان يحدق في العتمة خارج دائرة الضوء كما لو كان يتوقع رؤية شيء ما يأتي منها. يداه كانتا متشابكتين خلف ظهره، وأصابعه الطويلة النحيلة تضغط على بعضها حتى ابيضت المفاصل. "لا يزال نائماً؟" سأل هيليوس وهو يلمس سيفه بقلق. ندوب مخالب الصقر على وجهه كانت تلمع تحت الضوء الأصفر. "الجرعة كانت كافية لإسقاط حصانٍ جامح." قال فاروس ببرود، وهو يتكئ على الحائط قرب الباب. عيناه كانتا تتابعان كل حركة في الظلال. "سيستيقظ قبل الفجر بقليل. في الوقت المناسب ليرى صديقه يسقط أمامه." ابتسم فاليريان ابتسامة رفيعة لا تصل إلى عينيه الخضراوين. "أو ليرى نفسه يموت لأن صديقه لم يأتِ." في تلك اللحظة، دخل رجل من الظلام خارج الدائرة الضوئية. كان يرتدي ملابس فلاح بسيطة، لكن عينيه كانتا سريعتين، حادتين. انحنى أمام فاليريان. "سيدي... الصقر ظهر." الهواء في الغرفة أصبح أرق. حتى تنفس هيليوس توقف للحظة. "تكلم." قال فاليريان، ولم يتحرك. "دخل ورشة الحِرفي بعد منتصف الليل بقليل، رأى الرسالة ثم صرخ." قال الجاسوس، وصوته كان منخفضاً، سريعاً. "ثم جاء العجوز براين، تحدثوا، ثم خرج الصقر بسرعة، مع الشاب الآخر، كاليب." "براين..." همس فاليريان، وكان في صوته شيء من الاحتقار الممزوج بالقلق. "ذلك الجاسوس العجوز. لا يهمني، ما هي خطوة الصقر التالية؟" "لم أسمع بوضوح، سيدي. لكنهم انقسموا، الصقر انطلق نحو شرق المدينة، ربما... ليستعد." ضحك فاليريان ضحكة خافتة. "يستعد! يا لسذاجته! كأن الاستعداد سينقذه من الفخ المصنوع من خيارين، كلاهما موت لا محالة." التفت أخيراً نحو فالاندر. مشى ببطء، خطواته تصدر صوتاً خفيفاً على الأرض الموحلة. توقف عند رأسه. نظر إليه من الأعلى كما ينظر عالم الحشرات إلى عينة نادرة. "هذا الشاب... مثير للاهتمام." قال، وصوته كان تأملياً. "يقفز أمام سهمٍ لأجل صديقه. تلك الغريزة الغبية لحماية الآخرين... إنها نقطة ضعف الصقر أيضاً. وها نحن نستخدم إحدى نقاط ضعفه لإسقاط الأخرى." هيليوس اقترب. "سيدي، هل من الممكن أن يكون الصقر يخطط للهجوم على مكاننا هذا؟" "مستحيل." قطع عليه فاليريان بثقة. "هو لا يعرف المكان، وحتى لو عرفه، الموعد عند الصخور هو شروق الشمس. إذا هاجمنا قبل ذلك... سنقتل الرهينة فوراً، وهو يعلم ذلك. لكن لا، سيلتزم باللعبة. لأنه يعتقد أن هناك 'شرفاً' في الالتزام بالوعود." أعطى إشارة. اثنان من رجاله، كانا واقفين في الظلال، تقدما وأخذا فالاندر من تحت ذراعيه. جسده المرن تعلق بينهما كدمية من القماش. "خذوه إلى الغرفة الداخلية. وراقبوه." أمر فاليريان. "وقبل الفجر بساعة، انقلوه إلى صخور التنين. المكان المعد. والنهاية المنتظرة." ثم نظر إلى فاروس وهيليوس. "أما أنتما... فستأتيان معي. الوقت قد حان للانتقال إلى موقع الغابة. الملك والأمير سيكونان على الطريق قريباً. ويجب أن نكون هناك لنتمم على كل شيء، ولنضمن أن الحادث المؤسف سيبدو وكأنه عمل البرابرة المتحالفين مع الصقر." كانت خيوط الشبكة الأخيرة تُسحب. فاليريان نظر حول الغرفة المهجورة، ثم إلى الباب حيث كان الظلام ينتظر. "اليوم، تغرب شمس إيفرونيا القديمة. وتشرق شمس جديدة. شمس يكون فيها القانون... هو ما أقوله فقط." وخرجوا من المنزل المهجور، تاركين فالاندر وحيداً في الظلام الداخلي، مقيداً، فاقداً للوعي، يحلم ربما بأمواج بحرٍ بعيد، أو بيدين دافئتين تعملان بالطين على دولاب دوار، لا يعلم أنه ليس مجرد طُعم في لعبة، بل هو قطعة رئيسية في لغز أكبر بكثير، وأن الرجل الذي خطفه ووضعه في هذا الموقف هو نفسه الرجل الذي أمر بالتخلص منه عند ولادته، وأن دمهما المشترك كان سيكون سراً لو عرفه أي منهما لقلب الطاولة بأكملها. لكن في هذه اللحظة، كان مجرد جسد مقيد على أرض موحلة، ينتظر الفجر لينهي دوره كطُعم، أو ليكشف عن حقيقة كانت تنتظر ستة وعشرين عاماً لتخرج إلى النور، أو إلى الظلام الأبدي. جذور تُقتلع في ظلام الليل: كان ضوء القمر المتسلل من نافذة كوخ سيلاس يقطع الظلام بسيفٍ فضي بارد، مشرّحاً المكان إلى مناطق من النور الخجول والظل الكثيف. رائحة الخشب القديم والبقول المجففة علقت في الهواء راكدةً كذكرى للأيام الهادئة التي كانت تُعتبر من الماضي الآن. سيلاس وأوليفر كانا جالسين على الكراسي الخشبية عند المدفأة الخامدة، وكأنهما حارسان لجثة الدفء الذي مات. لم يتكلما. فقط كان أوليفر يدحرج حبة فاصوليا جافة بين أصابعه، صوتها الخفيف على راحة يده كدقات قلب صغيرة مكتومة. سيلاس كان يحدق في رماد المدفأة، عيناه العجوزتان تعكسان شراراتٍ من ضوء القمر كما لو أن ناره الداخلية لم تنطفئ تماماً. الباب انفتح بصوت صرير طويلٍ مؤلم. ألفارد دخل أولاً، ظلُّه يسبقه كسجين يجر قيوده. كاليب دخل خلفه، وأغلق الباب بهدوء، لكن إحكام القفل كان كضربة طبلة في سيمفونية الصمت. سيلاس رفع رأسه ببطء. لم يقل'أهلاً'. لم يسأل'أين كنت؟'. نظرته وحدها كانت تحمل كل الأسئلة، وكل المخاوف. "احزم أمتعتك، يا أبي." قال ألفارد، وصوته كان صلباً. "أنت والعم أوليفر وخالتي أستريد. سنترك هذه المنطقة. الآن." الصدمة رُسمت على وجه سيلاس. "نترك المنطقة؟! بيوتنا؟!" "ليس بيتاً الآن. أصبح هدفاً محتملاً." قطع عليه ألفارد، وكان يتحرك في المكان بسرعة، يلتقط أشياءً صغيرة: سكيناً من على المنضدة، ربطة جلدية من على المسمار، كيساً صغيراً من الحبوب. "فاليريان اختطف فالاندر. وأنا... سأواجهه عند الفجر. وبعد ذلك، سواء انتصرت أم هُزمت، هذا المكان لن يكون آمناً لكم." سيلاس نهض، ركبتاه ترتجفان كما لو أن الأرض تحته تهتز. "تواجهه؟ وحدك؟ هل جننت، يا ألفارد؟" "هذا ليس الوقت المناسب للنقاش!" اندفع ألفارد نحوه، وعيناه العسليتان كانتا تتقدان بعزم قاسٍ. "هذا ليس اختياراً، يا أبي! إما أن تذهبوا... أو سأخذكم بالإجبار! اختر!" كانت الكلمات تضرب سيلاس كلكماتٍ باردة. رأى في عيني ابنه ذلك الشيء الذي كان يخشاه دائماً: القرار الذي لا يُرد. قرار الرجل الذي يعرف أنه قد يموت، ويُريد أن يحمي من يحبهم حتى من ظله. أوليفر وقف بهدوء. "أين سنذهب؟" "كوخ إيديث." قال ألفارد، والتفت نحوه. "في الجبل. مكانها منعزل. ولا يعرفه أحد. ستكونون آمنين هناك... حتى تنتهي هذه العاصفة." سيلاس أراد أن يعترض. أن يقول إنه رجل عجوز، وأن جذوره غُرست هنا، وأن اقتلاعها يعني الموت البطيء. لكنه نظر إلى ألفارد، إلى التوتر الذي يجعل عضلات فكه تتحرك حتى في صمته، إلى تلك الهزة الخفيفة في يديه اللتين كانتا تقبضان على حافة المنضدة حتى ابيضت مفاصله. ورأى الولد الذي رباه يتحول إلى جندي في ليلة واحدة. "حسناً." همس سيلاس، وكانت الكلمة تخرج منه كأنها آخر زفير لرجل غريق. "حسناً." دخل إلى غرفته الصغيرة. الضوء كان خافتاً، لكن يداه العجوزتان تعرفان كل شيء في الظلام. أخذ حقيبة من القماش الخشن، وبدأ يضع فيها الملابس البسيطة: قميصان صوفيَّان، سروال إضافي، جوارب ثقيلة. يداه كانتا تتحركان ببطءٍ مؤلم، كأن كل قطعة ملابس تذكره بيوم شراءها، بلحظة ارتداءها، بذاكرة عالقة في نسيجها. ثم توقف. مد يده تحت الفراش القديم، حيث كان هناك صندوق خشبي صغير. فتحه. في الداخل، على قطعة قماش حريرية بالية، كانت قلادة زهرة الرياح. الذهب الباهت كان يلمع خافتاً في الظلام، والنقوش المتشعبة كانت تحمل سراً لم يفهمه أبداً. نظر إليها للحظة، كما لو كان يودعها. ثم، بقرارٍ مفاجئ، لفها بالقماش الحريري ووضعها في الحقيبة بعناية، كمن يدفن كنزاً لا يستطيع حمله، لكنه لا يستطيع تركه لـ اللصوص. خارج الغرفة، كان ألفارد قد جهز بعض المؤن: جبنة مجففة، خبز، قربة ماء. كاليب وأوليفر كانا يخرجان من الكوخ المجاور مع أستريد، التي كانت تحمل حقيبة صغيرة ووجهها كان شاحباً تحت القمر، لكن عينيها كانتا جافتين، صلبتين، كامرأة عرفت أن الدموع لن تنقذ أحداً في هذه الليلة. التقى الجميع خارج الكوخ. الريح الباردة لعبت بشعر ألفارد البني الداكن. نظر إلى سيلاس، الذي كان يحمل حقيبته وكأنها تحمل رفات حياته كلها. "ستأخذون الحمير التي بالحظيرة. الطريق إلى الجبل تعرفونه." قال ألفارد. "ولا تنظرون إلى الوراء مهما حدث." سيلاس تقدم خطوة. مد يده، وضعها على خد ابنه. كان الجلد دافئاً، حياً، يخفي تحت سطحه عاصفة من القرارات المستحيلة. "عد إلينا." همس سيلاس، وكانت الكلمتان تحملان كل أمنيات حياته. "حتى لو عُدتَ محطماً. فقط عد." لم يستطع ألفارد الرد. فقط أومأ، ثم التفت واندفع في الظلام نحو مكان حصانه الذي كان ينتظره، تاركاً وراءه ثلاثة أشخاص مسنين وشاباً يحملون أمتعتهم الخفيفة، وقلوباً ثقيلة، ويبدؤون رحلتهم نحو الجبل، بينما هو يبدأ رحلته نحو الفجر الذي قد يكون آخر فجر يراه، أو أول فجر لمملكة جديدة، لكنه بالتأكيد فجرٌ سيكون فيه الدم هو أول لون يلوّن السماء، والحقيقة هي أول ضحية تُقدم على مذبح الحرب التي لم يخترها، لكنه أصبح محورها، ورهينها، وجلادها، وضحيّتها، كل ذلك في جسد رجل واحد يحمل في صدره قلباً مقسّماً بين حبٍّ قديم وواجبٍ جديد، وبين جذورٍ تُقتلع في الظلام، وأجنحةٍ تنكسر عند الفجر. اعترافات بين رشفات الدواء: كان جناح الأمير ليوس في ذلك الوقت المتأخر من الليل يشبه قفصاً من زجاج رفيع، مضاءً بنور شمعتين فقط على المنضدة الجانبية. رائحة الأعشاب الطبية، نعناع جبلي وورق قلب الجبل وأشياء أخرى مُرّة كانت تملأ الهواء كسحابة عطرة لكنها تحمل في طيّاتها طعماً المرض والضعف. ليوس كان جالساً على حافة السرير، يرتدي ثوب نوم أبيض ناعماً جعل بشرته الشاحبة تبدو أكثر شفافية، كورقة بردى قديمة تحمل كتابات هامة على وشك أن تذوب. الحكيم إلدريد، بعينيه الحادتين، كان يحرك الدواء في كأس من الفضة بملعقة صغيرة. الصوت الخفيف للمعدن كان الوحيد الذي يكسر صمت الغرفة. "الجرعة الأخيرة لهذا المساء، سمو الأمير." قال إلدريد بصوته الجاف المحايد. "غداً، ستكون أقوى للجولة الملكية." ليوس أومأ بلا كلام. عيناه كانتا على ليوريلا، التي كانت واقفة قرب الباب، منحنية قليلاً كما لو كانت تريد أن تصبح جزءاً من الظل. لكن ضوء الشمعة كان يمسح وجهها النحيل، عينيها الواسعتين، وشعرها المربوط بإحكام الذي سمح لخصلة صغيرة فقط بالهرب على جبينها. أخذ الكأس من إلدريد. الدواء كان دافئاً، ورائحته كانت قوية حتى أن عينيه دمعتا قليلاً. شربه دفعة واحدة، وتجرعه بسرعة كمن يبتلع سماً محبباً. "شكراً لك، إلدريد." قال ليوس، وصوته كان ناعماً. "يمكنك الذهاب الآن." الحكيم انحنى قليلاً، التقط حقيبته الجلدية، وخرج من الغرفة كشبحٍ طبي. الصوت الخافت لإغلاق الباب كان كقطعة القماش الأخيرة التي تسدل على مسرح أصبح الآن لاثنين فقط. ساد صمتٌ ثقيل. ليوس كان يحدق في الكأس الفارغ بين يديه. ليوريلا كانت تتحرك بصمت لتجمع أوراقاً متناثرة على المنضدة. "ليوريلا." قال ليوس فجأة، وكان اسمها يخرج من فمه كتأوه خفيف. توقفت. رفعت عينيها نحوه. "سمو الأمير؟" "لا تناديني بهذا اللقب." قال، ووضع الكأس جانباً. "ليس الآن." مشى نحو النافذة. خارجها، كانت حدائق القصر غارقة في ظلامٍ أزرق عميق، تشبه بحراً من الحبر. "غداً... سأخرج مع أبي في جولة ملكية." "أعلم." همست وهي تقترب خطوة. "سمعتُ بالترتيبات." "وعندما أعود..." التفت نحوها فجأة، وعيناه العسليتان، التي كانتا تشبهان بحيرتين هادئتين في يوم خريفي، كانتا تنظران إليها مباشرة. "أريدك أن تكوني قد غادرتِ القصر." صُدمت ليوريلا. تراجعت خطوة كما لو أن كلماته كانت سكيناً طعنها. "أغادر؟ هل... هل أسأتُ بشيء لك؟" "لا!" قال بسرعة، وصوته ارتفع قليلاً، حاملاً شيئاً من اليأس. "بل عكس ذلك تماماً. أنتِ الشيء الوحيد الصادق في هذا القفص الذهبي." تقدم خطوة أخرى نحوها. المسافة بينهما كانت الآن أقل من طول ذراع. كان يستطيع أن يرى الرموش الطويلة التي ترتعش على خديها، والنمش الخفيف على أنفها، والخط الرفيع من القلق بين حاجبيها. "استمعي إليّ." قال، وصوته أصبح هامساً، لكنه مشحونٌ بشيءٍ ثقيل كالرصاص المنصهر. "أنا لا أهتم بالعرش. لا أهتم بالتاج. كل ما يهمني هو أن أكون رجلاً... يستطيع أن يقول ما يشعر به دون خوف من الفضيحة، أو المنصب، أو التقاليد البالية." ليوريلا كانت تتنفس بسرعة الآن. صدرها كان يعلو ويهبط تحت ثوب الخادمة البسيط. "سمو الأمير ليوس... ما الذي تود قوله؟" "أود أن أقول أنني أحبكِ." خرجت الكلمات منه كأنها حجرٌ كبير سحبه من أعماق روحه. "ليس كخادمة. ليس كصديقة. بل كامرأة رأتني ضعيفاً، مريضاً، خائفاً... ولم تهرب. بل بقيت. وكانت عيناكِ هما النافذتان الوحيدتان اللتان نظرتُ من خلالهما إلى عالمٍ لا أرى فيه الأمير المريض، بل الرجل الخائف الذي يريد أن يكون شيئاً يستحق الأهتمام." دموع بدأت تملأ عيني ليوريلا. "لكنني... مجرد خادمة. ابنة حداد بسيط. وانت..." "وأنا ابن ملك ضعيف وزوجة ميتة." قطع عليها بمرارة. "هل تعتقدين أن هذا المنصب يمنحني السعادة؟ يمنحني الحرية؟ أنا أسير هنا مثلك تماماً. فقط قضبان سجني من ذهب." أمسك بيدها. كانت يدها خشنة قليلاً من العمل، دافئة، حانية. يداه النحيلتان الباردتان أحاطت بها كما لو كانت تمسك بطائرٍ قد يطير. "لذلك، عندما أخرج غداً... أريدكِ أن تخرجي أنتِ أيضاً. اذهبي. إلى أي مكان. إلى أخيك إسفين. إلى القرية. إلى أي مكان غير هنا." نظر في عينيها، ونظرة في عينيه كانت تحمل كل رجاءٍ يملكه. "وإذا عدتُ... إذا عدتُ أريد أن أجدكِ خارج هذه الجدران. لأنني... لا أستطيع أن أطلب منكِ أن تكوني معي داخل هذا السجن." كانت دموع ليوريلا تسقط الآن بحرية، خطوط لامعة على خديها. "وإذا عدتَ... ماذا ستفعل؟" "سأجدك." قال ببساطة مطلقة. "وسأطلب منكِ أن تكوني زوجتي. ليس كأميرة. بل كليوريلا. وكليوس. رجل وامرأة. بدون تيجان. بدون قصور. بدون... كل هذا الزيف." سحبته نحوها، ضغطت على يديه. "أنت مجنون. هذا مستحيل." "كل شيءٍ جميل في هذه الحياة بدأ كفكرة مجنونة." قال وهو يبتسم لأول مرة، ابتسامة صغيرة هشة. "لذلك... هل ستذهبين؟" نظرت إليه، إلى عينيه الصادقتين، إلى وجهه الشاحب الذي يحمل الآن لوناً وردياً خفيفاً من المشاعر، إلى يديه التي كانت تضغط على يديها وكأنها شريان حياة. "سأذهب." همست. "ولن أعود إلى هذا القصر... إلا إذا عدتَ أنت، وجئتَ إليّ، وقلتَ ليّ هذه الكلمات مرة أخرى، خارج هذه الجدران، تحت السماء الحرة، حيث لا يسمعنا أحد." أومأ، ثم حرر يديه. المسافة بينهما أصبحت مرة أخرى مسافة أمير وخادمة. لكن شيئاً ما قد تغير إلى الأبد. "الآن اذهبي." قال. "وحافظي على قلبكِ كما هو: قوياً، نقياً، يحمل أسراراً أكبر منكِ ومني معاً." وخرجت ليوريلا من الغرفة، تاركةً ليوس وحيداً مع شمعتين تحترقان، ووعدٍ معلق في الهواء، وحبٍّ قد يكون آخر شيء نقي في مملكة على وشك أن تغسلها دماء الحقيقة والخيانة، وأملٍ في مستقبل قد لا يأتي أبداً، لكنه كان يستحق المخاطرة بكل شيء، حتى بحياة أمير يعرف أن قلبه المريض قد لا يتحمل غداً، لكنه على الأقل سيعيش هذه الليلة وهو يعرف أنه قال الحقيقة كاملةً لامرأة رأى في عينيها كل النجوم التي حُرم منها في سماء قفصه الذهبي. الفجر يُنزف أسراره على حافة الجرف: كانت صخور التنين تنزف أولى ألوان الفجر كما ينزف جرح دامي. الأشعة الذهبية الأولى اخترقت ضباب البحر المتصاعد، وحولت الحواف الصخرية الحادة إلى شفرات ملتهبة. أسفل الجرف، كانت الأمواج تضرب الصخور بصوتٍ كزئير وحش مقيد، رذاذ الماء المالح يصل إلى الحافة حيث وقف الرجال وكأنهم تماثيل على حافة العالم. فاليريان كان واقفاً كعمود من صخر أسود، عباءته الداكنة ترفرف في ريح الصباح الباردة. فاروس وهيليوس على جانبيه، ككلبين ينتظران الأمر. وعلى ركبتيه في المنتصف، كان فالاندر. جسده كان مائلاً، الرجال المسيطرون عليه يمسكون بعنقه وذراعيه. المخدر كان ما يزال يخيم على حركاته، لكن عيناه الخضراوان الزمرديتان كانتا مفتوحتين الآن، ترنوان في ذهولٍ مؤلم نحو الأفق حيث كان الظل الأسود يتحرك. صقر العدالة خرج من بين أشجار الصنوبر الأخيرة كظلٍّ يتجسد أمامهم. مشيته كانت هادئة، واثقة، كأنه لا يمشي نحو فخٍّ محكم، بل نحو منصة. القناع الأسود كان يخفي ملامحه، لكن عيناه العسليتان بتلك الخطوط الزرقاء كانتا تلمعان تحت القلنسوة كجمرتين في الرماد. "أهلاً بالصقر." قال فاليريان، وصوته كان ناعماً، ساماً، كأفعى تهمس قبل اللدغ. "أرى أنك تحترم المواعيد." "العدالة دائماً تأتي في موعدها لمن يستحقها." رد صقر العدالة بصوت هادئ وعميق. "العدالة." كرر فاليريان وكأنه يتذوق الكلمة. "كلمة جميلة للأطفال الحالمين. لكن نحن هنا في عالم الرجال الكبار، حيث القوة هي القانون الوحيد." توقف، ثم أشار على فالاندر. "ها هو صديقك. سليمٌ معافى. كما وعدتك. والآن... ضع سيفك وخنجرك على الأرض." لم يتحرك صقر العدالة. عيناه كانتا على فالاندر، ثم انتقلت إلى فاليريان. "قبل أن أسلم نفسي... هناك شيء يجب أن تعرفه." "لا وقت للكلام والترهات." قطع عليه هيليوس، يده على مقبض سيفه. "إنه يتعلق بإبنك، فاليريان." قال صقر العدالة. ساد صمتٌ مفاجئ. حتى صوت الأمواج بدا وكأنه خفت ليسمع. فاليريان لم يتحرك. لكن عينيه الخضراوين ضاقتا قليلاً. "ما هذا الهراء؟" "فالاندر." قال صقر العدالة، وكلماته كانت تسقط كالصخور في بركة ساكنة. "ليس مجرد حِرفي. هو ابنك. ابنك أنت والملكة أورسولا. الطفل الذي أمرت بتصفيته قبل ستة وعشرين عاماً. لكن كورفن لم يقتله. وها هو الآن، على ركبتيه أمامك." كانت الصدمة تضرب المكان كموجة صامتة. فالاندر رفع رأسه ببطء، عيناه الخضراوان تتسعان في ذهولٍ مطلق، وكأن العالم كله قد انقلب فجأة. فاليريان ظل واقفاً، لكن لون وجهه الشاحب أصبح رمادياً. رأى عيني فالاندر، تلك العيون الخضراء التي لم يلاحظها من قبل، تلك العيون التي هي مزيج من لوني عيونه وعيون زوجته التي تذكره بليالٍ بعيدة كان يحاول نسيانها. ثم، فجأة، ضحك. ضحكة جافة، مقطوعة، خالية من أي فرح. "حيلة يائسة، أيها الصقر. تظن أن سيرق قلبي من أجل هذا؟ الدم... هو مجرد سائل أحمر. والعائلة... مجرد أسماء على الورق. لا شيء سيقف في طريقي الآن." أعطى إشارة سريعة. من بين الأشجار المحيطة، خرج عشرة رجال مسلحين، سيوفهم تلمع تحت أشعة الشمس الجديدة. دائرة من الصلب والعداء أطبقت على صقر العدالة. "هذه هي النهاية." قال فاليريان. "يمكنك الموت بشرف، أو يمكننا أن نقتلك مثل الكلب الوضيع." صقر العدالة لم يتراجع. يديه انتقلت إلى سيفه، ثم إلى خنجره. صوت خروج الفولاذ من الغمد كان كصرخة تحذير أخيرة. "إذن... فليكن." قال، وكانت كلماته تعلن بدء رقصة الموت. الرجال العشرة هجموا كقطيع ذئاب. صقر العدالة تحرك كزوبعة من الفولاذ والظل. سيفه كان امتداداً لذراعه، يقطع، يصد، يجرح. خنجره في يده الأخرى كان كلسعة ثعبان، سريعة، قاتلة. رجل سقط، ثم آخر. لكن الدائرة كانت ضيقة، والأعداء كُثر. فجأة، من بين الأشجار، خرج داريو كدبٌ هائج، فأس كبير في يديه يسحق كل ما أمامه. وإلى جانبه، إسفين بخنجريه يتحرك كأفعى سريعة، يعرقل ويجرح. لكنهم كانوا ثلاثة ضد عشرة، والعدد كان لا يزال في صالح فاليريان. وهنا، جاءت المفاجأة التي قلبَت كل الموازين. من الطريق المؤدي إلى الجرف، خرج كورفن. ليس وحده. معه ستة من رجاله القُدامى، وجوههم محفورة بالتجارب، أسلحتهم ليست أنيقة لكنها قاتلة. مشوا مباشرة نحو الدائرة، ولم يهاجموا صقر العدالة، بل هاجموا رجال فاليريان من الخلف. كورفن توقف أمام صقر العدالة للحظة، عيناه حمراوان من السهر. "أنا لا أفعل هذا من أجلك." قال بصوته الأجش. "بل من أجله." وأشار إلى فالاندر، الذي كان يشاهد المشهد بعينين لا تصدقان ما تراه. الموازين انقلبت فجأة. فاليريان، الذي كان واثقاً من انتصاره، رأى خطته تتحطم على صخرة غير متوقعة: ضمير رجل مجرم، جاء لينقذ الطفل الذي لم يستطع قتله قبل ستة وعشرين عاماً. وكان المشهد على حافة الجرف يشهد الآن على معركةٍ لم تعد بين صقر ومستشار، بل بين ماضٍ يحاول دفن أسراره، وحاضر يرفض أن يموت قبل أن تكشف كل الحقائق التي دفنت تحت أكاذيب طالما كُسيت بثياب السياسة والسُلطة. وكان الفجر، الذي بدأ بلون الذهب، يتحول الآن إلى لون النحاس، لون الدم القديم الذي يصر على الظهور مهما طال الزمن، ومهما كلف الثمن.