الفصل 11
الفصل الحـادي عشـر..
قبل ذلك بساعات..
تسللتا إلى الداخل بخفة بعد أن فتحت لها هيفين الباب.. تقدمتها هيفين وهي تشير إلى أنحاء البيت و تعرفها عليه.. بيدها الحقيبة الصغيرة و سماعة لاسلكية وضعتها بإذنها.. بعد أن تعرفت إلى الأماكن التي ستفيدها بعملها طلبت من هيفين الذهاب إلى الخارج حتى تعمل بسرية.. زرعت بأماكن محددة كاميرات مخفية.. كـ غرفة هيفين مع الصالون و الممر الذي يؤدي إليها مع ممر غرفة المكتب و في الأخير وضعت الكاميرا الأخيرة في الرف الأعلى من المكتبة و بالزواية حتى تصور جميع أركان المكتب.. بعد انتهاءها وصلها صوت سلافا بارتباك و توتر..: اخرجي الآن روسي.. هناك سيارة قادمة..
بتوتر..: حسنًا..
خرجت من المكتب وهي ترى هيفين قادمة بخوف و ترشدها إلى الباب الخلفي للمنزل.. حينها التفتت روسين إلى هيفين وهي تقول بأمر..: اذهبي و اغلقي على نفسك الباب..
غادرت بخفة وهي تتجه إلى سلافا و سرمد في الطرف الآخر..
و بعد أن وصلت تقدمت وهي تسأل ..: هل الكاميرات تعمل..؟
اجابتها سلافا بالإيجاب وهي تدير الجهاز المحمول إليها و شاشته مقسّمة إلى أربع مربعات تعمل دون أي مشكلة..
،
الآن..
مسترخٍ بجسده في مقعد سيارته فوق التل المطل على البسفور.. قلق أكثر من أي وقتٍ مضى.. لا يعلم أين هي.. لقد ضبط تهوره بقوة وهو يكاد أن يعود إلى سلافا و يبحث عنها .. ولكنه يثق بصدق سلافا.. و الدهشة المالئة ملامحها تؤكد له ذلك.. اغلق عينيه بإرهاق وهو يحاول ترتيب أفكاره و لكنه مبعثر بشدة.. لم يشعر بنفسه و إرهاقه يأخذه إلى عالم النوم.. كان في نومه يصارع التعب.. و يشعر بالبرد يدخل إلى عظامه وهو يجعد ملامحه بإرهاق.. سمع وقع خطوات تقترب منه و بعد لحظات ابتعدت مرة أخرى.. رأى روسلين ولكن كان هناك ضباب يمنعه من رؤيتها كاملة.. فقط عينيها الممتلئة بالدموع و حاجبيها المعقودين بألم و بعدها تلاشت و لم يبقى سوى الضباب.. ناداها بألم و كأن أحدهم يعصر قلبه.. و بأنين و البرد يشتد أكثر كان يهمس بـ اسمها.. وكانت من القسوة حيث لم تعد.. فتح جفنيه ببطء وتعب وهو يرى الثلوج التي بدأت تتساقط و يبدو بأن هذا سبب شعوره بالبرد.. اعتدل بجلوسه بتعب وهو ينوي المغادرة.. وعندما التفت إلى اليمين يريد ربط حزام الأمان كان هناك ورقة مطوية موضوعة على زجاج الباب.. فتح الباب ومد يده ثم أخذها .. تطلع حوله بنظره و لم يرى أحد.. عاد إلى جلسته السابقة وهو يغلق الباب و يربط الحزام .. فتح الورقة بهدوء .. تسارعت نبضاته عندما قرأها وهو يجعدها بقبضة يده بغضب.. ولكن كان هناك قلق عميق احتل أوردته من محتوى الورقة.. كانت تحمل سؤال بسيط و عظيم يجسد مخاوفه .. " ترى.. أين هي امرأتك..؟".. يا إلهي.. سوف تصيبه بمرض عن قريب من كثر قلقه عليها.. رفع هاتفه بأصابع ترتجف وهو يتصل على رقمها ولم يصله رد منها.. اعاد الإتصال و بعد ثالث مكالمة فتحت الخط وهي تقول بصوت مبحوح من النوم..: ماذا هناك..؟
زفر انفاسه بقوة و راحة بعد سماعه صوتها الناعس .. بقي صامتًا لعدة ثوان وهو يطمئن قلبه الأحمق المدله بحبها.. و ثوان أيضًا ثم تحوّل قلقه إلى غضبٍ عاتٍ عندما استوعب أنها تنام قريرة العين وهو يكاد يجن من خوفه عليها.. تنام وهو يجوب الطرقات بحثًا عنها.. تنام بين أغطية دافئة براحة و هو ينام من التعب في سيارته و يكاد البرد يجمد عظامه.. هتف بصوت حاد غاضب..: أين أنتِ..؟
قفزت واقفة وهي تتعثر بالأغطية و تقع أرضًا عندما سمعت صرخته بإذنها.. بقيت جالسة على الأرض ثم هتفت بعد لحظات ببرود..: ماذا هناك ليفانت..؟ لماذا تصرخ..؟
ضرب بقبضته على عجلة القيادة بعنف وهو يهتف بعلوٍ أكثر..: أجيبي .. أين أنتِ..؟
روسلين بذات برودها..: ما شأنك..؟
باشتعال لفظ..: أنتِ زوجتي.. هذا هو شأني..
روسلين بسخرية و مرارة..: لم أعد كذلك منذ احتياجك لغيري..
علم بأنه لن يحصل على جواب سؤاله فهتف بخفوت و بنبرة وعيد..: حسنًا روسي.. ستندمين على عدم إجابتك..
ببرود صقيعي..: افعل كل ما في وسعك.. لا يهمني..
و اغلقت الخط ببرود تخفي تحته اشتعالًا مرًا.. صرخت بغضب وهي تقف و ترمي الغطاء الذي كان ملتفًا حول قدميها.. بقيت تركله وهي تشتم بهمس و بتمتمات غاضبة ..: لا يهمني.. لا يهمني.. تبًا له.. تبًا..
،
تمام العاشرة صباحًا..
رن جرس الباب وبعد لحظات فتحت الخادمة الباب وهي تسأل عن هوية الطارق.. أزاحتها بلطف وهي تتقدم إلى غرفة الجلوس بثقة تخفي ورائها توتر عميق.. دخلت ثم نظرت حولها .. مازال المنزل هو نفسه و لكن التعديلات واضحة عليه.. تشعر بضيق هائل يكتم أنفاسها.. تقدمت إلى أريكة منفردة وهي تحاول بث نفسها الطمأنينة و الثقة ، وضعت حقيبتها بجانبها وهي تجلس.. أنفاسها تتسارع برهبة و شوق عميق إلى أمها.. دعكت أناملها بربكة .. لم يمضِ يوم لم تشتاق فيه إلى أمها.. ضحكتها.. عينيها .. الحنان الجارف فيها و الذي تحول لاحقًا إلى قسوة مهينة.. دعواتها الراضية التي انقلبت إلى دعوات غاضبة.. لقد ذاب قلبها من الشوق إلى حضن أمها.. اثنا عشرة سنة منذ أن فارقتها بانكسار.. بعد أن فشلت من ردم الهوة التي اصبحت بينهما.. بعد أن يئست من اصلاح علاقتهما.. و بعد أن امتلئت روحها بالألم و الجروح التي لم تعد تستطيع تجاهلها.. بعد أن أدركت أن بقائها أكثر يعني موتٌ متوقع لقلبها.. وهي لم تكن لترضى بذلك.. رحلت بما تبقى منها و التجأت إلى أول شخص حنون قابلته.. التوت شفتيها بألم و غصة خانقة تشعر بها كحدٍّ مسنن تجرح حلقها.. مهما ادعت النسيان و القوة يظل ماضيها
يضعفها.. اخذت شهيقًا ثم زفرته بقوه وهي تسمع خطوات واثقة
قادمة إلى مكانها.. حركت يديها أمام عينيها تريد ابعاد الدموع المجتمعة فيها.. ثم رسمت ابتسامة واثقة هادئة وهي تنتصب في جلوسها.. حينها دخلت امرأة في بداية العقد الخامس من عمرها.. أنيقة و راقية.. عذبة الملامح.. تشبهها إلى حدٍ ما.. حبست شهقتها وهي ترى أمها أمامها بعد سنواتٍ من الفراق.. لم تستطع الجلوس.. وقفت وهي تهمس دون شعور منها..: أمي..
كانت المرأة واقفة عند الباب عندما وصلتها همسة من ضيفتها.. عقدت حاجبيها بشدة و غضب قديم يعود للظهور.. تقدمت بخطوات حادة حتى أصبحت أمامها وهي تهمس بغضب..: ماذا تريدين..؟
ما زالت سلافا مأخوذة برؤية والدتها بعد كل هذا الغياب.. رفعت يدها تريد أن تلمسها و لكن قبضة والدتها القوية منعتها وهي تهتف بتحذير وعصبية بالغة و أنفاسها الحارة المتسارعة تضرب وجه سلافا..: إياكِ.. و الآن اغربي من هنا..
سلافا بألم..: لقد اشتقت إليك..
اقتربت منها والدتها لتبتسم سلافا بأمل.. سوف تحضنها بالتأكيد.. مهما يكن فمشاعر الأمومة ستتغلب عليها.. ببطء وهي تلفظ حروفها بقسوة و همس..: ولكني لم أشتاق إليكِ أبدًا.. لقد تمنيتكِ ميتة.. أنا أكرهكِ..
بهتت ابتسامتها و شحبت ملامحها بشدة.. لقد نحرتها بدم بارد.. نحرتها وهي تعلم بذلك.. بقصدٍ و عمد.. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تبتسم بفتور ابتسامة مرتجفة .. بللت شفتيها وهي ترفع حاجبيها تقبلًا للألم و بصوت حاولت حشده بالبرود و لكنه خرج مرتجفًا به رنة ضعف ..: بالمناسبة.. أين هو زوجك..؟
والدتها أجابت بعصبية بالغة..: ما شأنك..؟ ما شأنك..؟
حينها ابتسمت سلافا بسخرية ..: لا شأن لي.. ولكني أتسائل.. هل هي شقراء أم حمراء التي يمارس معها الآن غرائزه الحيوانية..!
ارتفعت يد والدتها وهي تريد ضربها ولكن سلافا أحكمت قبضتها وهي تقول بمرح زائف..: تؤ تؤ.. لقد كبرت يا أمي العزيزة.. لا تستطيعين ضربي بعد الآن..
ثم قربت كفها لتقبلها بخفة.. حينها انتزعت والدتها يدها بقوة و هي تصرخ بغضب..: اغربي الآن.. اغربي..
قاطعهما صوت غليظ خشن وهو يقول..: ماذا هناك.. لماذا صوتك يصلني إلى الخارج يا خديجة..؟
لاحظ وقفة زوجته المتخشبة و يبدو بأن من أمامها فتاة ولكنها تغطيها بجسدها.. التمعت عيناه بشدة وهو يرى القامة المتوسطة الطول تظهر من أمام زوجته.. سلافا لم يفتها نظرات عينيه و لكنها أيضًا لم تخطئ الحذر فيها.. ظلت تنظر إليه بكراهية عميقة و كل حياتها السابقة تتجسد أمامها على هيئة رجل .. تمنت من كل قلبها أن تفرغ سلاحها فيه.. أن تعطيه ضربات متتالية على فمه القميء.. أن تعذبه ببطئ حتى يطلب الموت ولكن لا يصله.. وما يمنعها من كل هذا إلا وعد قطعته لسرمد بأن تتحكم بنفسها.. نطقت بكل ألم الماضي.. و كراهية الماضي.. و حقد الماضي.. و قوة الحاضر.: زوج والدتي العزيز.. أهلًا و سهلًا بك.. لقد كنت أخبر أمي كيف أغويتك منذ سنوات..
توتر بوقفته وهو يقول بتوجس..: اهلًا بك سلافا.. هل عدتِ إلينا..؟
ابتسمت بقهر و لم تلبث أن ضحكت بقوة حتى دمعت عينيها.. تحفزت والدتها وهي تلتفت بغضب من ضحكتها.. و كأنها ماكان ينقص حتى يدله زوجها أكثر.. كان مفتونًا بضحكتها حتى النخاع ولم يشعر بنفسه وهو يبتسم ببلاهة من ضحكتها العالية.. و لكن خديجة لم تكن لتسمح لها بالبقاء أكثر.. فـ يكفي إلى هذا الحد.. تقدمت وهي تهتف بحدة..: هل ستذهبين أم استدعي الأمن..
توقفت سلافا عن الضحك و هي تقول بقوة و حدة..: استدعي الأمن لأفرغ هذا برأس زوجك العزيز..
قالتها وهي تفتح معطفها و يتضح لهما شارتها و السلاح ..
عادت إلى الأريكة و أخذت حقيبتها ثم توجهت إلى الباب بخطوات واثقة.. و قبل أن تخرج قالت بحقد و كره..: بالمناسبة.. استعد فأنت ستشرفنا في المركز عن قريب..
غادرت ولم تلتفت إلى الخلف.. و لم ترى شحوب وجه زوج والدتها..
على بعد شارعين من المنزل.. كان سرمد يجلس في سيارته وهو يراقب كل شيء حدث هناك من حاسوبه.. ترجل بسرعة عندما رأى سلافا قادمة.. رمت بجسدها عليه فتراجع جسده وهو يتكئ على السيارة.. بقي محتضنًا لها بصمت.. كلاهما صامتان.. و لكن ألمها لم يخفى عليه لذلك شدد من احتضانها وهي تتشبث بجيب صدره .. بعد عدة دقائق ابعدها عنه وهو يمسح بكفيه على جفنيها.. قال بمؤازرة..: لقد كنت جيدة سلافا.. كاد قلبي يتوقف من خوفي عليكِ عندما وصل الحقير..
همست باختناق..: سأجعله يدفع الثمن قريبًا.. قريبًا جدًا..
وضع يده على كتفيها وهو يقبل شعرها و يقول بهمس واثق..: انا متأكد من ذلك..
،
بعد عدة أيام..
وصلت بوقت أبكر من الوقت المعتاد.. سمعت اصوات صادرة من مكتب أحمد و خطوات مكتومة و كأن صاحبها يمشي بخفة و حذر.. تعجبت من أحمد و قدومه مبكرًا.. فـ هي طيلة الشهرين الفائتة تكاد تجره من شعره إلى العمل.. تقدمت بثقة وهي تطرق الباب .. انتظرت للحظات و لم يصلها رد منه.. و الأصوات اختفت.. فتحت الباب و دخلت و لكن لم تجد أحدًا.. غضنت جبينها باستغراب فهي متأكدة بأنها سمعت أصوات قادمة من المكتب.. التفتت حتى تخرج و لكن لفتها انعكاس صورة على زجاج الجدار العاكس.. ابتسمت بخبث وهي تخرج بخفة و تأخذ هاتفها ثم تعود إلى المكتب.. ضغطت عدة أرقام و بعد ثوان وصلها صوت كرم بهدوء راق..: صباح الخير..
اتسعت ابتسامتها وهي تقول..: صباح الخير سيدي..
راقبت تحركات الجسد المختبئ تحت المكتب وهي تجيب على سؤال كرم وهو يسألها اذا حدث شيء لأنها تهاتفه من الهاتف الخاص بالمهمة.. لفظت بخبث شاسع..: لقد وصلت للمكتب مبكرًا سيدي و سمعت صوت صادر من هناك.. لكن عندما دخلت لم أجد أحدًا.. هل أقفل الباب سيدي..؟
كرم بتحذير..: احذري روسي من مخالفة أوامري.. ماذا تحيكين مجددًا..؟
روسلين وهي تحبس ضحكتها..: حسنًا سيدي.. سأقفله..
كرم بوعيد..: سنتحاسب روسي.. سنتحاسب..
ضحكت بخفة وهي تغلق الخط و تعود أدراجها إلى الخارج ثم تغلق الباب بالمفتاح و تغادر إلى خارج المبنى بخطوات واسعة.. وقفت بين شجرتين ضخمتين مقابلتين لمكتب أحمد.. فتحت هاتفها ووضعته على الكاميرا وهي تصور النافذة فيديو.. ثوان فقط حتى ظهرت تلك الخادمة التي استقبلتها أول يوم عند مقابلتها لكورت وهي تتسلل من النافذة ثم قفزت إلى الأرض.. بقيت لحظات في الأرض ثم وقفت وهي تمشي بعرج و يبدو بأنها تتألم من وقوعها على ساقيها.. عندما ذهبت اغلقت التصوير وهي ترسل الفيديو إلى كرم و تكتب له ما حدث باختصار.. فيبدو بأنها ليست الجاسوسة الوحيدة لدى كورت..
،
بعد عدة ساعات..
اخبرها أحمد عن حفل خيري سيقيمونه و أوكل إليها كل شيء.. تأفأفت بضجر فآخر شيء تريده هو تنسيق حفل خيري كاذب.. ظاهره خير و باطنه شر.. اعطاها أرقام شركات منسقة مع أرقام محلات الضيافة.. وهي بدورها اتصلت عليهم و اتفقت معهم على كل شيء.. عندما انتهت رفعت هاتف المكتب وهي تطلب لها كوب قهوة.. أحضرتها لها الفتاة الصامتة ذاتها الجاسوسة.. بقيت تنظر إليها بعمق وهي تفكر.. هل هي بكماء أم أنها لا تتكلم بإرادتها..؟ لم يسبق لها بأن سمعتها تتكلم أبدًا.. اسبلت جفنيها عندما شعرت بأنها أطالت بالتحديق فيها حتى لا تثير ارتيابها.. استنشقت رائحة القهوة بمرح وهي تهمس لنفسها..: انه وقتها تمامًا..
،
بعد مرور أربعة أيام..
اليوم هو الجمعة.. و هو أيضًا اليوم الذي يقام فيه الحفل..
ذهبت إلى بيتها بعد أن علمت من الخادمة بأن ليفانت غير متواجد.. اختارت لها ثوب مناسب مع مستلزماته و عادت بعدها إلى شقتها.. تأكدت من أن كل شيء متكامل في صالة الحفل.. حينها بدأت تصفف شعرها و تضع زينتها .. بعد أنتهائها صفرت بخفة وهي تقول بغرور و ثقة و تكلم صورتها في المرآة..: ما أجملني.. فاتنة .. ثم أرسلت قبلة في الهواء لصورتها و غادرت بعد أن تأكدت من مظهرها .. و الآن هي تقول لأحمد بهمس..: سأذهب للتأكد من زينتي و بعدها سأعود إليك..
نظر إليها بإعجاب حقيقي وهو يقول بمرح..: كل شيء ثابت و جميل.. أنتِ حقًا فاتنة الليلة..
اتسعت ابتسامتها وهي تسمعه يعيد جملته التي قالها عندما رآها عند وصولها " أنتِ فاتنة الليلة".. تطلعت حولها للمدعوين الذين بدؤوا بالحضور وهي تقول بابتسامة..: ومع ذلك أريد التأكد..
أعادت وضع أحمر شفاهِها وتأكدت من ثبات شعرها ثم تحركت إلى الخارج.. كانت تمشي ببطئ قبل أن
ترى ليفانت.. عادت بخطواتها إلى الخلف بربكة وهي تعود إلى دورات المياه.. لماذا أتى..؟ هي من جهزت قائمة المدعوين و لم يكن من بينهما.. من المستحيل أن يحضر هكذا دون دعوة.. تنهدت بخفوت وهي تهمس..: يا إلهى.. ما هذه المصيبة..
اخرجت هاتفها من الحقيبة بيد مرتجفة وهي تضغط على رقم كرم.. عندما أجابها قالت باستعجال و توتر..: كرم.. ليفانت متواجد هنا..
تفاجأ كرم فسألها..: ألم تقولي بأنكِ من جهز قائمة المدعوين..؟
روسلين بتوتر..: نعم .. و لم يكن في القائمة..
كرم بثقة..: حسنًا .. دعي ذلك لي.. ابقي مكانكِ حتى أعاود الإتصال بك..
بهمس..: حسنًا..
اغلق منها ثم اتصل على ليفانت.. أجابه بهدوء..: مرحبا
كرم بثقة و مباشرة..: اذهب إلى مكان لا يوجد فيه أحد.. لدي ما سأقوله لك..
التفت ليفانت حوله وهو يستأذن من الرجل الذي كان يحادثه ثم تحرك بخطوات واسعة
إلى خارج الصالة.. ثم قال بهدوء..: حسنًا .. تستطيع التكلم الآن..
عندما لاحظ كرم الهدوء الذي يدل على خروج ليفانت من الصالة قال..: أريد منك مغادرة المكان..
بهدوء..: لماذا..؟
كرم بثقة..: لـ حماية زوجتك..
قال ليفانت بتوتر..: لا أستطيع المغادرة.. أنا أحد المتبرعين ولا بد من تواجدي هنا..
حينها تنهد كرم وهو يقول بقوة و تحذير..: حسنًا ..اسمعني الآن .. زوجتك بمهمة في الداخل..
أنتَ لا تعرفها، لم يسبق لك رؤيتها من قبل ، أي اسئلة ممنوعة.. اتفه سؤال قد يهدد أمن زوجتك..
و اذا استطعت المغادرة مبكرًا فغادر..
الدهشة ألجمته.. روسلين في الداخل.. تعالت نبضاته وهو يستوعب كلام كرم المتبقي..
لفظ بهمس قلق و متوتر..: في الداخل..؟
كرم بثبات..: نعم في الداخل.. سيطر على نفسك ولا تجعل لأحد مجالًا للشك و لو قليلًا..
يجب عليك حمايتها ليفانت.. و حمايتك لها بعدم معرفتها..
بثقة هتف ليفانت..: لا تقلق.. أنا لا اعرفها.. و ما دمت تهاتفني الآن فهذا يعني بأنها قد رأتني
ولن تتفاجأ عندما تراني مرة أخرى..
حينها استعد كرم لإغلاق الخط وهو يقول..: أنا أثق بك..
في الداخل ..
تنتظر اتصال كرم لمعرفة وضعها وماذا تعمل.. بعد عدة دقائق اهتز هاتفها بيدها .. رفعته
وهي تقول بتوتر..: هل حللته سيدي..؟
بهدوء و ثقة أجابها كرم..: لقد حللته.. ليفانت لا يستطيع المغادرة لأنه من المتبرعين..
هوَ لا يعرفك و انتِ لا تعرفينه..
بارتباك سألته..: هل أغادر أنا..؟ استطيع تمثيل المرض ..
قال بثقة..: لا.. نحن لا نريد إثارة أي شكوك حولك .. كما أننا لم نستطع حتى الآن معرفة تلك
المرأة الجاسوسة.. أريد منكِ فتح عينيكِ و مسامعكِ جيدًا.. قد يكون مديرها متواجدًا ..
زفرت بقوة وهي تقول ..: حسنًا سيدي..
أجابها بمثل ما أجاب زوجها..: أنا أثق بكِ..
عادت إلى الداخل بخطوات بطيئة متأنية.. بحثت عن أحمد حتى وجدته واقفًا مع شخص
شديد الوسامة.. قامته طويلة.. شعره الأسود يحف ياقة قميصه و هناك بعض شعيرات بيضاء
في مقدمة شعره و جوانبه.. ابتسم لها أحمد وهو يعرفها عليه..: صالح يلماز.. رجل أعمال
و لدينا صفقات معقودة متشاركة..
ثم توجه بحديثه إلى صالح يلماز وهو يعرفه عليها..: دينيز أورهان.. مساعدتي..
ابتسمت بلطف وهي تمد يدها و تصافحه .. ابتسم في المقابل وهو يقول..: تشرفت بمعرفتكِ..
روسلين بلطف..: الشرف لي..
بعد أن غادرهم المدعو صالح التفتت روسلين إلى أحمد وهي تسأله..: منذ متى تعرفه..؟
أحمد ببساطة..: منذ ما يقارب الأربع سنوات.. ثم أضاف بإغاظة..: لماذا تسألين.. هل
راق لكِ..؟ لكنه متزوج للأسف..
بغيظ ..: ظريف جدًا.. أنا لم أرتاح له فقط.. في نظراته شيء غير مريح.. مكّارة و خبيثة بشكل
منفر..
ببرود..: أنا لم أرى فيه شيء.. واذا كان خبيث أو مكار فذلك لنفسه.. ما يهمني أنه لم يتعرض
لي حتى الآن.. ولم أجد منه سوى الإحترام..
ببرود مشابه..: أنتَ أدرى.. ثم سألت باستغراب..: أين كورت..؟
أحمد بسخرية..: هل اشتقتِ إليه..؟
بذات سخريته أجابت..: جدًا.. لم أجد أحدًا أعانده اليوم..
ابتسم وهو يقول بمرح..: لذلك لم يؤلمني رأسي اليوم.. عامة.. سيأتي بعد قليل..
في زاوية مقابلة لهما.. يقف بمفرده.. بعينين تائهة يحدق بهما.. روسلين و أحمد.. هل هذه هي مهمتها..؟
ولكن لماذا أحمد..؟ ما هذا الذي يحدث أمامه.. روسلين ترفع حاجبيها بمرح و استفزاز و أحمد تعلو ضحكاته.. منذ متى يعرفان بعضهما..؟ هل يعقل بأن أحمد شخص خطير و مجرم..؟ هوَ لم يفته سلاح أحمد الذي يضعه دائمًا.. ولكن أحمد قال بأنه للحماية .. هل سيضر أحمد روسلين..؟ توتر بوقفته عندما
وصلت أفكاره لإيذاء روسلين.. لا يحتمل فكرة أن تصاب بأذى.. فكيف اذا كان التهديد من صديق طفولته..؟
تقدم بثقة يخفي خلفها قلقه المتعاظم على روسلين .. وصل إليهما وهو يقول بهدوء يشتعل تحته عندما رأى أحمد يضع كفه على كتفها..: مرحبا
بابتسامة صادقة رحب فيه أحمد وهو يبعد كفه و يحتضنه للسلام.. التفت إلى دينيز وهو يعرفها عليه..: ليفانت بارلاس.. رجل أعمال و صاحب الشركة العالمية للإستثمار..
ثم أشار على روسلين وهو يقول..: وهذه مساعدتي.. دينيز أورهان..
عقدة غضب تكونت بين حاجبيه .. فهو يحفظ هوياتها الأربع تمامًا.. مد يده ليصافحها فمدت يدها بالمقابل.. قبض عليها بقوة آلمتها وهو يبين لها استيائه و عدم رضاه بما يحدث أمامه.. قال بهدوء
استشعرت فيه غضبه..: حقًا.. تشرفت بمعرفتكِ دينيز..
اومأت برأسها بصمت وهي تجذب يدها منه .. حينها قال ليفانت بلطف زائف..: منذ متى وهي مساعدتك..؟ لم تخبرني عن ذلك..!
ببساطة أجاب أحمد..: منذ وقت قريب.. ولم يكن هناك مناسبة حتى أخبرك..
استغلت روسلين الفرصة وهي تسألهما..: هل تعرفان بعضكما..؟
أحمد بذات بساطته..: نحن أصدقاء منذ الصغر..
في زاوية أخرى.. يقف بتوتر و ريبة وهو يتابعهم بنظرات كالصقر..
ماذا يحدث..؟ هل كان ما يظنونه غير صحيح..؟ ماذا يعني أن تقف روسلين مع
أحمد وليفانت..؟ هل يعرفون عنها كورت و أحمد..؟ يشعر و كأن الأمور ستفلت
من سيطرته بوقت قريب وهو لن يرضى بذلك مطلقًا.. اخرج هاتفه و ارسل إلى شريكه ..: أريد
منك تفاصيل عمل المفوضة روسلين مع كورت هالوك و أحمد هاكان..
،
بعد وقت..
استأذنت من أحمد مرة اخرى وهي تخرج إلى خارج الصالة.. استنشقت بعمق وهي تشعر بالضيق
من نظرات ليفانت.. صحيح بأنه ابتعد عنها و لكن عيناه لم تفارقانها.. لقد اشتاقت له جدًا.. هذه أول مرة
يفترقان بالمسكن.. كانا يتشاجران و يتعاندان و لكنهما ببيتهما دائمًا و لم يغادراه بسبب شجار.. مجروحة
منه و من احتياجه لغيرها.. ترهقها تخيلاتها لهما سويًا.. وهي بركن قصي تتألم من خيانته.. تريد الوثوق
به كالأول و لكن هواجيسها لم تجعل لها فرصة في الوثوق.. ما دام قد أدخلها إلى بيتهما فهذا يعني بأنها
تعني له الكثير و ليست أي فتاة.. لا تريد البقاء أكثر و لكنها لا تستطيع المغادرة قبل الحضور.. لفت نظرها سلم يؤدي إلى الأعلى.. توجهت إليه بخطوات متثاقلة و صعدته حتى قابلها باب زجاجي صغير..
فتحته و هي تتقدم إلى الجدار أمامها.. اتكأت عليه وهي تنظر إلى المدينة أسفلها.. أخذتها افكارها بما يحصل معها.. علاقة ليفانت و أحمد.. و الخادمة الجاسوسة ، السيارة التي تعقبتها من يكونون..؟ و سلافا
وما يحدث معها.. و أخيرًا ليفانت و رنده .. قطع أفكارها صوت الباب يقفل.. التفتت بسرعة فـ رأت ليفانت يتقدم إليها.. وصل إليها وهي تقف بتحفز.. فهي لم تنسى ابدًا تهديده قبل أيام.. فاجأها وهو يجذبها
و يحتضنها بقوة.. تشبثت به وهي تدفن رأسها في صدره.. بعد لحظات همس بعمق..: غادري روسي..
غادري الآن.. لم أعد استطيع التحمل و أنا قلق عليك..
بهمس و رأسها مازال مدفونًا بين طيات صدره..: لا تقلق.. لن يحدث شيء..
ابعدها عنه بطول يده وهو يمسك ذراعيها و يهتف بتساؤل..: لماذا أحمد..؟
ابعدت كفيه وهي تتراجع إلى الخلف وقالت ببرود..: ألم يقل لك كرم أن الأسئلة ممنوعة..؟
بنرفزة حقيقية قال..: تبًا لكما.. انه صديقي.. يحق لي أن أعرف لماذا أنتِ معه..
و منذ متى تعرفينه..؟ و ماذا فعل حتى يرسلك كرم إليه..؟
تقدمت بحدة وهي تقول..: ليس من حقك أبدًا.. هذه معلومات سرية لا يحق لي
قولها ولا يحق لك سماعها.. ثم قالت بتحذير وهي ترفع سبابتها بوجهه ..: احذر
من طرح الأسئلة ليفانت.. احذر.. اذا كنت تريدني بأمان فأنت ستتوقف و تتجاهل
الموضوع .. لن تسأل أحمد أي سؤال لأنك ستضعني بموضع الشك..
استفزته وهي تقول أحمد بدون ألقاب.. اقترب منها أكثر حتى بات جسده ملاصقًا
لجسدها و قبض على فكها بقوة وقال بأنفاس متسارعة من الغضب..: السيد أحمد..
و ليس أحمد هكذا.. ثم تذكر فقال باشتعال..: و كيف تسمحين له بوضع يده على كتفك..؟
ببرود زاد من اشتعاله أجابت..: ما شأنك..؟
بغيظ من تصرفاتها وهو يحبسها بين يديه..: كل الشأن روسي.. أنا زوجكِ إن نسيتِ ذلك..
بسخرية و مرارة وهي تنظر إليه بحدقتين متألمتين..: و أنا زوجتك و حبيبتك و لكن يبدو بأنك من
نسيت ذلك عندما خنتني..
شدد عليها أكثر و قال بهمس وقوة..: أنا لم أخنكِ..
بسخرية تهكم موجع..: ماذا تسمي ما فعلته اذًا..؟ احتياج..؟ ما اعلمه أن الاحتياج لغير الزوجة
يعني خيانة لها..
رفع يده إلى عنقها و دفع رأسها إليه برفق.. قبلها بعمق و اشتياق .. كانت قبلة موجعة لهما.. فهو
قد طال اشتياقه لها و يؤلمه بأنه مضطر لإبعادها عنه.. عن حبسها بين أنفاسه و على صدره..
أما هي فقد اغمضت عينيها وهي تشعر بدوار مفاجئ.. هي أيام فقط و قد اشتاقت إليه.. فكيف عندما يفترقان للأبد..؟ لن تغفر له خيانته و تنتظر فقط الوقت المناسب للإنفصال عنه.. لا تستطيع معايشة هذا الألم.. و لا تستطيع الغفران.. أنت بضعف وهي تشعر بأن ثغرها يحترق.. يقبلها وتشعر بأنه يقبل عشيقته.. تعيش احساس الخسارة بين يديه.. و سؤال موجع يتردد عليها "هل عاشت معه نفس احساسها الآن..؟" تشعر بأن جسدها يذوب بين يديه.. لا تستطيع الوقوف و لذلك هو شدد من احتضانها أكثر.. لم يفلتها حتى أحس بـ بلل على خده.. مد يده يريد مسح دموعها ولكنها قبضت عليها قبل أن تصل إلى وجهها و قالت ببحة..: لن تمسح دموع أنت سببها..
رفع يده الثانية و احتضن كفها بين يديه ثم رفعه و قبله و أطال بقبلته.. شعرت بأن دفء أنفاسه يحرق كفها.. يبعث بالدفء إلى أوردتها.. و يرتعش قلبها في قربه.. افلتها و اقترب منها حتى لم يعد يفصلهما شيء.. مد كفيه إلى جانب رأسها و قبلها على جبينها
بعمق ثم دفن وجهه بين طيات شعرها بحزن.. بقي على وضعه وهو يشعر بألم يعصر قلبه بعنف.. همس
بمرارة..: سامحيني روسي..
حينها ابتعدت عنه وهي تمسح بكفيها على وجهها و توجهت ناحية الجدار.. وقفت أمامه ورفعت رأسها
و الهواء يضرب بشرتها.. انكمشت عندما احست بدفء على كتفيها.. و دون أن تلتفت ضمت معطفه عليها وقالت ببحة..: عندما تنزل اذهب من سلم الطوارئ حتى لا يراك أحد..
بخفوت..: حسنًا.. و دون إرادته اقترب منها ووضع يده على كتفها واحتضنها بخفه .. قبل صدغها برقة ثم همس بحنان ..: قلبي معكِ .. لا تشكي بذلك أبدًا.. حسنًا؟
لم ترد عليه فأفلتها و ابتعد عنها بخطوات إلى الخلف و يشعر بأنه حقًا وضع قلبه بين يديها ولا يريد مفارقتها.. اسرع بالنزول و تركها خلفه تتنهد بعمق و تفلت منها دمعة حارة جففها برد استانبول القارص..
.
.
.
انـــتـــهــــى.