الفصل 10
الفصل العاشر..
وقف بربكة بعد أن أغلق منها وقد كان بمكتب كورت في المدينة.. طلب من دينيز ارسال موقعها ولكنها قالت بأنها ما زالت تعمل على تمويه السيارة التي تتبعها.. استفسر منه كورت عن المكالمة التي وصلته وهو من كان يتابع التغيرات على ملامحه.. أجابه بنفس ربكته..: دينيز.. هناك من يلاحقها..
رفع كورت حاجبيه تعجبًا وهو يتسائل مَن قد يكون عدوًا لدينيز غيره..؟ استقام بثقة عندما رآه يستعد للمغادرة وهو يقول..: سأرافقك..
اومأ أحمد بصمت وهو يتقدمه نحو باب المكتب..
،
و في الجهة الأخرى عندما اغلقت منه الهاتف ضغطت على رقم كرم فوصلها صوته الرائق وهو يقول..: يا إلهي.. حتى و انتِ بعيدة لم تتركيني و شأني..
ابتسمت بخفة ثم بهتت ابتسامتها وهي تنظر من المرآة إلى السيارة التي لا زالت خلفها وقالت بعجلة..: سيدي.. هناك من يتبعني..
عقد حاجبيه بقلق وهو يقبض على القلم بيده بقوة و يستفسر..: منذ متى..؟
ابتلعت ريقها وهي تحاول التركيز على تمويههم و تهتف..: بعد مسافة قريبة من شقة دينيز المزيفة..
ازدادت عقدة حاجبيه وهو يقول بشدة..: هذا يعني أنهم يراقبونك..
بللت شفتيها وهي تسأله..: سيدي.. هل لازال رجلنا الذي أرسلناه إلى المخازن هناك..؟
بثقة أجابها..: نعم روسي ، لازال هناك ولا يوجد أي وضع مشكوك فيه والا كان قد أخبرني..
وصله صوتها وهي تزفر ثم تهمس ..: تبًا..
استقام بقوة وهو يتحدث بقلق..: ماذا حصل روسي..؟
طمأنته وهي تلفظ..: لا شيء .. لقد علقت بالزحام..
تنهد وهو يعود للجلوس ويقول..: ذلك أفضل.. لن يستطيعوا إيذاؤكِ أمام الناس.. * ثم اردف بسرعة وكأنه تذكر* هل تشكين بكورت..؟
اجابته بثقة..: من قد يكون غيره..؟
اغمض عينيه بقوة ثم فتحها سريعًا وهو يقول..: حسنًا روسي.. ابقي هاتفك مفتوحًا حتى اطمئن.. لدي خط آخر .. سأغلق الآن..
وصله صوتها الواثق وهي تقول..: حسنًا سيدي..
اغلق الخط منها وهو يعاود الإتصال ولكن هذه المرة كان على هاتف ليفانت.. لم يصله رد منه ففتح على خانة الرسائل وهو يطبع الكلمات بسرعة.. يريد التأكد من الأمر أولاً..: ماذا حدث معك..؟ هل لا زالت التهديدات مستمرة..؟
،
بقيت عالقة في الزحام لما يقارب الربع ساعة لتبدأ السيارات بعدها بالتحرك وهي كل دقيقتين تنظر إلى السيارة التي تقف خلفها ويفصلها عنها سيارتين ، تحركت ببطء متماشية مع حركة السيارات البطيئة وبعد أن تجاوزت الزحام لم تتردد وهي تضغط على دواسة الوقود وهي تزيد من سرعتها ولكن ولدهشتها فقد اخذت السيارة التي تتبعها مسار اليمين و سائقها يرسل إليها تحية مستفزة بيده وهو يضحك.. استمرت بالقيادة ثم وقفت أمام أول مجمع تجاري قابلها وهي تعقد حاجبيها بريبة .. ما يحدث هذه الأيام مريب.. بداية من شكوك أحمد ثم خيانة ليفانت التي لا تعلم مسبباتها و الآن هذا الرجل المستفز..!
اخرجت هاتفها بعد رنينه وهي تنظر إليه بتفكير عميق.. لم يكن المتصل سوى أحمد.. ابتلعت ريقها وهي ترفع الهاتف إلى اذنها ويصلها صوته وهو يقول بقلق..: ماذا حدث معكِ دينيز..؟ هل لا زالوا خلفك..؟
تحدثت بنبرة خافته ولا زالت الريبة تلازمها..: لقد ابتعدوا الآن..
غضن جبينه من صوتها الحائر وقال ..: أين أنتِ الآن..؟
أجابته بموقعها ثم أغلقت الهاتف ووضعته على المقعد بجانبها و هي تترجل من السيارة و تتنفس بعمق.. ستنتظر أحمد إلى أن يأتي و تفهم اذا كان كورت ام لا..
،
تكررت لقاءات سلافا مع هيفين بمكانهما المعتاد و بكل مرة تكتشف دناءة زوج والدتها أكثر.. كانت هيفين جالسة على صخرة محدبة ناعمة الملمس و تنظر إلى السماء بنظرات شاردة .. الهواء يطير شعرها للخلف و تظهر ملامحها الناعمة ، جمالها هادئ و جذاب.. بشرة بيضاء و شعر أصهب مع حاجبين بنفس اللون.. و عينان بلون العسل ثم انف مستقيم و شفتين رقيقتين متقوستين للأسفل بحزن .. هي أكثر من يفهمها فما تعيشه الآن لا يساوي ماعاشته من صغرها إلى مراهقتها.. فـ هيفين قد عاشت طفولة سعيدة بجانب والديها بعكسها هي التي كبرت على لمسات ذلك القذر لجسدها.. لا زالت تتذكر هروبها من البيت وما تبعه من أحداث استنزفتها حد اليأس.. فهي لو لم يكن سرمد بجانبها لم تكن لتتجاوزها و لكنه بإصراره بنى لها أملها وها هي الآن أصبحت أقوى و ستعمل بكل جهدها حتى يلقى جزاءه.. لقد هربت بما فيه الكفاية وهي قد اكتفت من التخاذل و الجبن.. زفرت هواء حار من فمها فنظرت إليها هيفين وعندما رأت نظراتها المدققة فيها ابتسمت لها بارتباك.. ابتسمت سلافا بهدوء وهي تقول بتأكيد..: لم تتقبليني حتى الآن..
شتتت هيفين نظراتها ثم استقرت على حضنها و أناملها تلعب بالإسوارة بيدها الأخرى و بعد لحظات صمت قالت..: الأمر ليس هكذا.. و لكنني أشعر بالخجل منك.. فكما تعلمين.. أنتِ قد مررتِ بما يحدث لي و عند النظر إليك لا استطيع التقبل بأنكِ تعرفين..
ناظرتها سلافا بحدة وهي تقول بثقة وحدة..: هو من يفترض به الخجل هيفين وليس نحن.. أنا و أنتِ لم نخطئ.. هل سمعتني..؟ نحن لم نخطئ.. وسأبذل جهدي حتى أجعله يدفع الثمن..
مدت سلافا يدها إلى فك هيفين ورفعت رأسها ثم قالت بثقة..: ارفعي رأسكِ ، اياكِ أن تحنيه لأي أحد لأنه حينها سيدوس على عنقكِ و يمضي..
تحركت شفتا هيفين بارتجاف بما يشبه ابتسامة فـ ابتسمت لها سلافا بثقة وهي تشد على كتفها بمؤازرة ثم قالت..: و الآن أريدكِ أن تخبريني بكل شيء عنه.. حتى اصغر شيء يقوم به ستخبرينني به..
،
دخل مكتبه بعد اجتماع دام لساعة و نصف.. مكتب واسع أنيق يطغى عليه لون البني المعتق مع نقوشات ذهبية تتوزع على جدرانه الأربعة و قطعة سجاد فاخرة بنفس اللون بمنتصف المكان.. جدار زجاجي بالكامل يطل على البسفور بجمال.. و الجدار الآخر تزينه عدة أرفف وضع عليها مغلفات منوعة ولأنه شغوف بالقراءة فقد وضعه ليقضي فيه أوقات فراغه.. و في الجهة الأخرى دورات مياه يطغى عليها اللون البنفسجي بتداخلات بسيطة من الأسود و الذهبي.. رمى بجسده على مقعده بإرهاق فهو لم يذق طعم النوم .. لقد فكر بالتراجع عن خطته فهو لا يتحمل غضب روسي منه ، ولكنه تراجع عندما تذكر رسائل التهديد و كل ما يهمه هو روسي.. سيبعدهم عنها مهما كلفه ذلك.. نظر إلى هاتفه بغيظ عندما وصلته رسالة فقد أصبح يكره رنة الرسائل .. رفعه ببطء و تكاسل ليتفاجئ باتصال من كرم و رسالة ايضًا.. اعتدل بجلوسه بقلق فليس من عادة كرم الاتصال به الا بالموضوع الذي يتعلق بروسي.. فتح الرسالة و قرأ محتواها ولا يعلم لماذا شعر بأنه كتبها على عجل.. ضغط ايقونة الاتصال و وصله بعد ثوان صوت كرم بهدوء..: مرحبًا ليفانت..
رد عليه بقلق و سرعة..: مرحبا.. لماذا تسأل.. هل حدث شيء..؟
تنهد كرم وهو يغلق جفنيه ثم يشرعهما ويقول بذات هدوءه..: هل وصلك تهديد آخر..؟
اجابه ببساطة..: نعم.. قبل أن أذهب إلى العمل..
ضرب كرم قبضته على سطح المكتب وهو يقول بغضب..: تبًا.. لو أعرف رئيسهم فقط..
عندها سأل ليفانت مباشرة بخوف..: هل حدث لروسي شيء..؟
أجابه بصدق واختصار..: لقد تعقبوها ..
استقام بقلق وهو يتحرك نحو الباب و يشعر بقلبه يُعصر و بنبرة مرتجفة..: هل هي بخير..؟
طمأنه كرم عندما سمع نبرته ..: انها بخير.. لقد اضاعوها..
وقف أمام الباب قبل أن يخرج وهو يضع رأسه عليه ويسأل بتعب..: هل هي بخير حقًا..؟
اجابه بضحكة خافته ليطمئن خافقه قليلًا و يقول..: أنا قادم للمركز..
ببساطة وصلته كلمات كرم وهو يخبره بأنها ليست في المركز وانها لديها عمل في الخارج .. اغلق بعدها الهاتف وهو يتمتم بغضب..: تبًا لعملها.. تبًا..
،
وصلا إلى المكان الذي ارسلته و وجدا سيارتها وهي واقفة أمامها و تتكئ بجسدها على مقدمتها.. قبل أن يترجلا وصلت إلى هاتف كورت رسالة جديدة من رقم مجهول جعلته يشتم ببذاءة و غضب.. فقد كان محتواها " أردت أن أفعل لك الخير" مع وجه ساخر.. اذًا.. فقد عرف من يكون عدو دينيز.. فهو ليس عدوها بل عدوه.. أشار له أحمد بالنزول فقال بهدوء يعكس غليان اعصابه..: لدي مكالمة..
اومأ برأسه وترجل .. و في ذات اللحظة رفع كورت هاتفه إلى اذنه بعد أن قام بالاتصال برقم صاحب الرسالة.. بعد رنتين فقط فتح الخط من الطرف الآخر و لم يصله أي صوت فهتف بغضب..: من أنت..؟
لا زال الهدوء من الطرف الآخر ولا يسمع سوى أنفاسه .. قال بتهديد..: أيّـًا كنت.. سأعثر عليك و عندها سنتحاسب..
ضحكات قميئة منفرة قابلته من الطرف الآخر فـ صرخ بغضب..: ليس كورت هالوك من يتلاعب به.. سأعثر عليك مهما كان الثمن..
سمع عدة ضكات قبل أن يغلق الخط بوقاحة من في الطرف الآخر ..
صرخ بغضب ثم أخذ يتمتم بوعيد..: سوف أجدك.. وعندها سنرى من سيضحك..
فتح الباب و نزل وهو يرى وقفة دينيز المتحفزة ضد أحمد.. بالتأكيد تظنهما السبب.. تقدم بخطوات واثقة وآثار الغضب واضحة على ملامحه الصارمة المشدودة.. عقدة حاجبيه و ضغط فكيه البارزة .. ملامحه السمراء تعتليها حمرة جعلتها تبدو وحشية للغاية.. سمع احمد يقول قبل أن يصلهم ..: لماذا بحق الله سنؤذيكِ ؟..
عندما استقر بجانبه التفتت إليه دينيز وهي تقول بحدة..: هل هو أنت كورت..؟
رفع حاجبه بشر و لفظ بحدة ..: كما قال لكِ أحمد.. لسنا نحن.. لماذا سنؤذيكِ ما دمنا اتفقنا على كل شيء..
نقلت نظراتها بينهما بحدة وهي تهتف باستنكار..: حبًا بالله.. انا لا عدو لي سواك كورت.. اذا لم تكن أنت فمن هو..؟
حدجها بقوة وهو يقول بشدة..: كورت لا يكذب.. فـ لتتعلمي ذلك أولاً..
زمّت شفتيها بسخرية ثم عقدت يديها على صدرها وهي تميل بجسدها على مقدمة سيارتها وتقول بثقة و استفزاز..: حسنًا يا كورت الذي لا يكذب.. ما دمت لا يد لك بما حصل فأنا متأكدة بأن من تعقبني له صلة بك.. * ثم اردفت بجدية وهي تشير إليهما* انا لا اعرف غيركما.. وهذا يعني شيء واحد.. انه عدوكما.. أليس كذلك كورت..؟
اضافت سؤالها عندما رأت ملامح كورت تشتد بغضب و قد أصابت تحليلاتها.. لم تتلقى إجابة لسؤالها وهي تلاحظ نظرات أحمد المستفسرة إلى كورت.. اعتدلت بوقفتها وهي تقول..: عامة.. انا سأعود لشقتي.. لن استطيع العمل اليوم بعد هذا التوتر..
عندها تكلم أحمد وهو يشير لها بيده ناحية سيارته..: حسنًا .. دعيني ارافقكِ اذًا.. فقد يكونوا في الأرجاء..
تقدمت من باب السيارة وهي تفتحه ثم تقول بنبرة قاطعة..: لا داعِ لذلك.. لقد رأيتهم وهم يبتعدون.. * ثم التفتت بقوة انثوية و وجهت كلامها إلى كورت الصامت* قل لهم أن يبتعدوا عن طريقي..
ركبت سيارتها ثم تحركت و عقلها يحلل ما يحدث.. من تعقبوها ليسوا من رجال كورت و لكنهم من أعدائه و لا علم لأحمد بذلك.. أو أن حيرته كانت عن أي عدو هو لكثرتهم..قاطع تفكيرها قبل أن تصل إلى شقتها رنين هاتفها الشخصي وكان ليفانت .. فتحت الخط و وصلها ذبذبات صوته القلقة وهو يقول..: هل أنتِ بخير روسي..؟
رفعت حاجبها بسخرية.. يخونها في الليل ثم يظهر اهتمامه بها في الصباح.. لم تجِبه فوصلها صوته يناديها بقلق أكبر..: روسي.. روسي هل أنت على الخط..؟
ابتسمت بخبث وهي ترى المساحة الفارغة أمام المبنى حيث شقتها .. ضغطت على المكابح بسرعة و أصدرت العجلات صوت احتكاك قوي ثم اغلقت الهاتف ببساطة و اطفأت المحرك.. اخذت هاتفها وهي تترجل من السيارة وصوت رنينه يطربها.. فـ ليمت بقلقه .. ولكنها قبل أن تخطو خطوة إلى الأمام تذكرت بأنها لا تمتلك أي ثياب في الشقة ولا بد من ذهابها إلى البيت حتى تجلب مستلزماتها.. عادت إلى السيارة وهي تقودها بغيظ من نفسها.. ضربت رأسها بخفة وهي تخاطبه..: هل تذكرت الآن فقط.. لماذا لم تتذكر من قبل..
تأفأفت بهمس ثم القت نظرة على هاتفها الذي لم يتوقف عن الرنين وضحكت باستمتاع.. انه يستحق ذلك..
،
كانت تغلق الحقيبة بعد أن جمعت مستلزماتها الضرورية عندما شعرت بكفين على وسطها و انفاس حارة تضرب عنقها من الخلف تزامنًا مع نبضات ملتصقة بظهرها و تشعر من قوتها بأنها نبضاتها هي.. اعتصرها بشدة وهو يقول بهمس غريب مزيجًا من الغضب و التأنيب و الراحة..: هكذا إذن روسي.. تجعلينني أكاد أجن قلقًا و انتِ تتجاهلين مكالماتي و تتركين هاتفكِ في السيارة دون اهتمام لقلقي..
استدارت بين ذراعيه لتواجهه بنظراتها الغامضة و على شفتيها ابتسامة ساخرة متوجعة وهي تقول بخفوت..: هل أنتَ حقًا قلقًا علي ليفانت..؟
عقد حاجبيه باستنكار من سؤالها وهو يقول دون تردد..: بالطبع اقلق عليك.. أي سؤال هذا..!
حينها ظهر الألم جليًا على ملامحها وهي تقول بتساؤل حزين..: هل قلقت عليّ بالأمس بعد أن غادرت من هُنا أم أن عشيقتك قد أنستكَ إياي..؟
ابتلع غصته وهو يشعر بها كأشواك حادة تمزق قلبه.. لقد بقيَ بعد مغادرتها لما يقارب الساعتين وكل تفكيره محصورًا بها ولكنه أقنع نفسه بأنها بالتأكيد ستذهب إلى سلافا فهي صديقتها الوحيدة في استانبول.. شدد من احتضانها لكنها دفعته بكفيها وهي تبعد صدرها عنه وتضع كفيها على كفيه لتبعدها عنها وتتراجع عدة خطوات إلى الخلف .. بللت شفتيها عندما لاحظت شروده وهي تشعر بأنها على وشك البكاء.. هل يفكر بغيرها وهي أمامه..؟ هل وجد ضالته لدى غيرها..؟ ألم يتغنى لها بحبه ليلًا ونهارًا..؟ لماذا اذًا يخونها..؟ لماذا يجرحها بأقسى شيء لا تتحمله أي أنثى..؟ انها تحترق وهي تتخيل صورًا عدة تجمع زوجها مع غيرها.. عندما رأت تقدمه منها التفتت بسرعة و أخذت حقيبتها و حملتها على كتفها ثم تحركت بخطوات واسعة تريد الخروج من المكان قبل أن تنهار.. لا تريده أن يرى ضعفها.. مد يده يريد أن يمسك عضدها و يوقفها لكنه تراجع بانهزام وبعد ثوانٍ سمع صوت الباب يغلق ببعض الحدة.. حينها رفع رأسه وهو يزفر من اعماقه.. تراجع إلى الخلف وجلس على السرير واحنى رأسه للأسفل بهم.. لقد آلمه رؤية دموعها مجتمعة بعينيها و تأبى النزول بكبرياء.. حبيبته الواثقة دومًا من نفسها قد كسرها بيده.. رفع رأسه ثم رمى بجسده على السرير وهو ينظر إلى زخرفات السقف بشرود و يهز قدميه على الأرض تناغمًا مع افكاره..
،
نظر إلى ساعته و كانت تشير إلى السابعة مساءً.. ثم نظر إلى باب الشقة أمامه ليتأكد منها.. رفع يده إلى الجرس و ماكانت إلا ثوانٍ حتى فتح الباب و استقبلته نظرات الدهشة من عينيها الزرقاء الشديدة الصفاء.. ابتسم بجاذبيه وهو يقول بمرح..: مرحبًا دينيز..
اجابته بذات دهشتها..: مرحبًا احمد.. هل حصل شيء..؟
ابتسم ابتسامة شملت ملامحه و بذات مرحه..: هل سأظل واقفًا هنا..؟
ابتعدت عن الباب وهي تفسح له مجالًا للدخول ولا زالت الدهشة تملؤها..: اهلًا بك.. تفضل إلى الداخل..
دخل بثقة وهو ينظر إليها و على وجهه ترتسم ابتسامة عريضة من مظهرها.. كانت بمريلة الطبخ و بيدها ملعقة تقطيع ورائحة جميلة تنتشر في الجو.. لفظ بلطف..: يبدو بأنني جئت بوقتٍ غير مناسب..
تقدمته إلى صالون واسع جميل راقي.. مريح بألوانه الدافئة.. اشارت له بالجلوس وهي ترد عليه..: لاعليك.. تفضل بالجلوس حتى آتي.. ماذا تشرب..؟
اجابها فـ انصرفت و التفت هو يتأمل المكان.. كانت الشقة واسعة نظيفة و مرتبة.. ورغم بساطتها كانت فخامتها بارزة.. قطع تأمله صوت اهتزاز صادر من الطاولة الزجاجية أمامه.. نظر إليها باستكشاف ليجد هاتف دينيز موضوعًا داخل تحفة مجوفة فارغة.. رفعه ثم ضغط مفتاح الشاشة وظهرت له الإشعارات الواردة.. رسالتين واردة من رقم سجل بحرف الـ s فقط.. الأولى كان مكتوب فيها " هل أنتِ بخير".. و الأخرى كانت كلمة واحدة " احتاجكِ".. وضع الهاتف بمكانه السابق وهو يعقد حاجبيه بتفكير.. هل يعقل بأن لديها علاقة..؟ لقد مضى على قدومها إلى استانبول ما يقارب ثمانية أشهر.. هل تعرفت على رجل..؟ و ما مدى علاقتها به..؟
حينها جاءت دينيز وهي تبتسم بهدوء و تضع أمامه كوب القهوة مع آخر للماء و قطعتين من كعك محلى كانت قد قامت بطهيه قبل أن يأتي.. وضعته أمامه على الطاولة ثم عادت و أتت بعصير فقط.. وضعته بجهتها ثم تقدمت من ركن يوجد به رف وضعت عليه فواحة عطرية شغلتها لتبعد رائحة الطبخ و تنتشر رائحة الياسمين وهي تعود و تجلس أمام أحمد.. استنشق الرائحة الجميلة الهادئة وهو يسترخي بجلسته و يقول مبررًا لقدومه..: لم استطع الذهاب إلى المنزل وانا لم اطمئن عليك..
ابتسمت بلطف وهي تمنع نفسها عن سؤاله لماذا لم يهاتفها بدلًا من المجيء.. و عوضًا عن ذلك قالت..: لا بأس.. انا بخير..
اومأ برأسه وهو يدقق بملامحها .. لا يعلم لماذا و هي أمامه لشهر ونصف ولم يهتم لأن يناظرها بدقة .. قد يكون لأنه الآن يراها بعين الرجل الذي هي على علاقة معه.. وهو غارق في أفكاره و تدقيقه بها كانت هي بالمقابل متوجسة منه حتى قاطعته قائلة..: لماذا تنظر إلي هكذا..؟
حينها سألها مباشرة..: هل لديكِ حبيب..؟
غضنت جبينها باستنكار حاد ثم هتفت..: ماذا..؟
أعاد سؤاله بثقة و هدوء..: هل لديكِ حبيب..؟ وهل يعلم بشأن عملكِ معنا..؟
بتحفز أجابته..: لماذا تسأل..؟
اشار ببساطة إلى هاتفها وهو يقول..: لقد وصلتكِ رسالة يسألكِ اذا كنتِ بخير و انه يحتاجك..
مدت يدها ثم التقطت الهاتف باستنكار.. فـ ليفانت لا يعرف رقمها هذا.. ضغطت على مفتاح الشاشة وظهرت لها الرسائل.. زفرت بخفوت وهي ترى بأن المرسل لم يكن سوى سلافا..لقد نسيت هاتفها الشخصي في السيارة ولم تجد وقتًا لجلبه من هناك و من المؤكد بأنها قد علمت بما حدث لها اليوم وتريد أن تطمئن.. عقدت حاجبيها و هي ترد عليها باختصار ثم تعيد الهاتف إلى الطاولة و هي تجيب أحمد بثقة..: انها صديقتي.. لقد تعرفت عليها بعد وصولي إلى استانبول بأيام.. وهي لا تعلم سوى بأنني قد وجدت عملًا..
اومأ بخفة وهو يشرب من القهوة و يتذوق الكعك ثم يقول أخيرًا وهو يقف..: حسنًا.. سأغادر الآن ما دمتِ بخير..
استقامت معه وهي ترد بلطف..: شكرًا لزيارتك..
تقدمته إلى الباب وهي تشكره مرة أخرى و تزفر بقوة بعد مغادرته وهي تتكئ على الباب وتفكر ماذا كان سيحدث لو لم تكن متواجدة..؟
عادت إلى هاتفها و اتصلت على رقم سلافا وعندما فتحت الخط سألتها بقلق..: ماذا حدث..؟
اجابتها برقتها الفطرية..: لا تقلقي.. لماذا لم تجيبي على هاتفك..؟
تحركت روسلين حتى وصلت إلى النافذة و بإصبعين ابعدت طرف الستارة حتى ترى أحمد وهو يغادر و بعد لحظات رأته يخرج من باب المبنى و يفتح سيارته عن بعد.. اجابت سلافا وهي ما زالت تراقبه..: لقد زارني أحمد في الشقة.. من حسن الحظ بأنني كنت متواجدة فيها..
سلافا بتوتر..: ماذا يريد منك..؟ ثم اضافت برجاء..: احذري منه روسي.. لا تدعي له مجال للشك.. تعلمين كم هو خبيث..
ابتعدت عن الستارة و اتكأت بجسدها على الجدار و لفظت بهدوء وهي تريد اغلاق الموضوع..: اعلم ذلك سلافا.. انتِ ماذا كنتِ تريدين..؟ بماذا تحتاجينني..؟
حينها زفرت سلافا بعمق و ضيق ..: هل تذكرين الخدمة التي طلبتها منكِ عندما تقابلنا في المرة السابقة..؟
ابتسمت روسلين بحماس وهي تقول..: بالطبع.. هل حان وقت تنفيذها..؟
بتوتر لفظت سلافا..: نعم.. كل شيء اصبح جاهزًا و الوقت مناسب تمامًا.. سوف ارسل لك الموقع على هاتفك و أنا مع سرمد سوف نصل الآن..
ضحكت بحماس وهي تطلق تصفيرًا خفيفًا و تقول بضحكة..: حسنًا.. وانا سأبدل ثيابي و اخرج الآن..
اغلقت الهاتف وهي تتحرك باستعجال نحو غرفة النوم.. استبدلت ثيابها ببدلة رياضية سوداء مع حذائين رياضيين ومعطف ثقيل قصير ثم تحركت ناحية باب الشقة وهي تغادر.. لم تنتظر المصعد وهي تنزل السلم بسرعة .. وصلت إلى الأسفل ثم توقفت وهي تلتقط انفاسها بصعوبة منحنية بجسدها قليلًا.. بعد لحظات رفعت جسدها وهي تبحث حولها عن وجود اي شخص و عندما لم تجد أحدًا اسرعت بخطواتها نحو الباب الخلفي للمبنى وهي تفتحه و تخرج ويضرب وجهها الهواء البارد.. ضمت معطفها عليها وهي تغلقه بالكامل و تتقدم نحو الدراجة النارية التي كانت قد وضعتها سلافا هناك بعد اتفاقهن.. نقلت نظراتها في المكان.. قطعة أرض خالية متسخة من بعض مخلفات العابرين.. لا يوجد أي احد سواها و الهدوء يعم في هذا الحي الراقي كما هو الحال دائمًا.. تقدمت من الدراجة ثم فتحت الصندوق الخلفي وهي تخرج الخوذة بأصابع مرتجفة من برودة الجو .. لبستها ثم ركبت الدراجة وشغلتها ثم قادتها بهدوء حتى خرجت إلى الشارع الآخر .. اسرعت بقيادتها وهي تتبع الموقع الذي ارسلته سلافا..
في الجهة الأخرى كانت سلافا قد وصلت إلى الموقع منذ دقائق قليلة.. بعد لحظات رن هاتفها.. نظرت إلى سرمد الذي كان مشغولًا بالحقيبة الصغيرة الحجم وهو يتأكد من عدم وجود نقص.. رفعت هاتفها و أجابت على المكالمة ثم اغلقت الخط و بعد ما يقارب الدقيقتين ظهرت هيفين وهي تتقدم إليهما بارتباك و تضم يديها إلى صدرها لتحمي نفسها من البرد.. عندما وصلت القت عليهما التحية فـ ردا بتحية مماثلة.. التفتت وهي تبحث بعينيها وعندما لم تجد سواهما هتفت بتساؤل..: ألم تأتِ صديقتكِ..؟
اجابتها سلافا بهدوء..: انها قادمة..
اومأت بصمت وهي تراقب المكان المعزول الذين هم فيه.. لم يطل انتظارهم فبعد ما يقارب العشر دقائق وصلت إليهم روسلين فالمكان ليس بعيدًا عن شقتها .. اوقفت دراجتها ثم ترجلت منها وتقدمت إليهم وهي تحتضن سلافا بشوق ثم تنتقل إلى سرمد الذي وضع يده على كتفيها وهو يتمعن فيها و يقول بمرح ..: تبدين مشرقة و جميلة جدًا * ثم أردف بحقد زائف* بالطبع.. كيف تكونين غير ذلك وانتِ غير مكلفة بمهمات ليلية..
ضحكت بخفة وهي تلتفت إلى سلافا المبتسمة و هيفين الهادئة.. القت التحية على هيفين ثم سألتها بمباشرة..: متى سيعودان إلى البيت..؟
،
" ماذا يحدث كورت..؟"
كانت هذه كلمات أحمد المتسائلة وهو للتو استطاع الذهاب إلى كورت.. أجابه كورت بإرهاق..: ماهو الذي يحدث..؟
أحمد بحدة..: انا اسألك عن ذلك..
كورت بذات إرهاقه وهو يمسح بكفيه على وجهه و بتنهيدة..: ماذا تريد أن تعرف..؟
بمباشرة قال ..: عن الذي حدث اليوم.. الرجال الذين تعقبوا دينيز أنت تعرفهم أليس كذلك..؟
كورت بهدوء..: ليس صحيحًا.. أنا لا أعرفهم..
أحمد باستنكار حاد..: كيف لا تعرفهم بحق الله..؟
تنهد كورت بعمق وهو يقول بتعب..: أنا حقًا لا أعرفهم..
ارتفع صوت احمد بحدة وهو يقف و يهتف..: إذن ماذا يحدث..؟ أريد توضيحًا الآن.. لماذا غضبت عندما اتهمتك دينيز بأنك تعرفهم و لم تدافع عن نفسك.. لماذا..؟
استقام كورت بعصبية بالغة وهو يقول من بين اسنانه المطبقة بغضب..: لا تضغط علي أحمد.. أنا لا اعرفهم.. منذ أيام تصلني رسائل مجهولة و اليوم قبل أن نصل إلى دينيز وصلتني رسالة توضح لي بأنهم من تعقبوها.. * ثم تنهد قائلًا* لقد أعطيت رجلنا في المركز رقم الهاتف و الآن انتظر اتصاله..
قاطع نقاشهم الحاد رنين هاتف كورت .. رفعه بسرعة وهو يقول لأحمد الغاضب..: انه رجلنا.. فتح الخط ثم لفظ بترقب و تساؤل..: هل وجدت شيء..؟
بثقة..: كما توقعت سيدي.. الهاتف مسبوق الدفع و لم يستخدمه سوى مرتين.. و لكنني وجدت شيئًا قد يهمك..
بنفاذ صبر هتف كورت..: ماذا هو..؟
بذات ثقته..: لقد كان بنفس المكان عندما وصلتك الرسالة و عندما هاتفته..
تمتم كورت بغضب وهو ينهي الإتصال.. التفت إلى أحمد الذي لم يعجبه الوضع اطلاقًا ثم غادره بعد ذلك و تركه يفرغ غضبه بالرمي..
،
بوقتٍ متأخر من الليل.. استيقظت مفجوعة وهي تصرخ .. بقيت عدة دقائق وهي متدثرة بلحافها و دموعها تشاركها الكابوس الذي عاشته و كأن الزمن قد عاد لسنوات طويلة مضت.. عندما كان زوج والدتها قد بدأ بالإعتداء عليها.. كان يحاول تهدئتها وهو يقول بأنه شيء يحدث بين الفتاة و الرجل.. و يحذرها من اخبار والدتها بذلك لأنها ستغار منهم.. بكت بصوت مسموع وهي تتذكره بحلمها.. انفاسه القذرة.. لقد شعرت بملمس يديه على جلدها.. استقامت بسرعة وهي تشعر بأنها ستتقيأ.. ولم تسعفها قدميها على الوقوف وهي تجثو على الأرض و تفرغ عصارة معدتها.. ضغطت بكفيها على بطنها وجسدها مقوس للأسفل ببؤس.. بعد فترة غضنت جبينها بإرهاق من الصداع الذي تشعر به يفتك برأسها.. اعتدلت بجلوسها وهي تمسد رأسها و تحاول تخفيف الألم فيه ..استقامت مجددًا وهي تذهب إلى دورات المياه.. جلبت أدوات التنظيف و بعد انتهائها توجهت إلى المطبخ بإرهاق و تعب شديدين.. لم تكد تخطو إلى الثلاجة حتى قاطعها صوت رنين الجرس.. عقدت حاجبيها باستنكار عندما رأت الوقت في الساعة على الجدار أمامها.. من سيأتيها بهذا الوقت..؟ تقدمت إلى الباب و ارتفعت على قدميها وهي تنظر من العين .. اصابتها الدهشة وهي ترى ليفانت متكئًا على طرف الباب.. فتحته وهي تلفظ بقلق..: ماذا هناك ليفانت..؟
لمَ أنت هُنا..؟ * عقدة قلق تكونت بين حاجبيها وهي ترى ملامحه الواجمة وهي تسأل عن أول شيء استنتجته..: هل روسي بخير..؟
حينها كان هو من عقد حاجبيه باستغراب وهو يقول..: أليست هنا..؟
نفت بتأتأه بسيطة فقال بضيق..: لا يوجد داعٍ لإنكارك سلافا.. أريد أن أكلمها فقط..
بدهشة ..: اقسم لك بأنها ليست هنا.. لماذا قد تكون هنا من الأساس..؟
تراجع بضيق و قلق..: حسنًا سلافا.. اعتذر على ازعاجك..
استدار مغادرًا و تغلق هي الباب ثم تتوجه إلى هاتفها.. اتصلت على روسلين فـ أجابتها الجملة الكئيبة " الهاتف المطلوب مغلق".. حينها توجهت إلى رقمها الخاص بالمهمة ولكن لم يصلها رد.. اعادت الاتصال اكثر من مرة و لم تصل إلى نتيجة.. تمتمت بخوف ..: أين أنتِ روسي.. و ماذا يحدث معك..؟
أما ليفانت فقد وقف بيأس عند سيارته وهو يتسائل.. اذا لم تكوني هنا فأين أنتِ روسي..؟ لقد نهشه القلق منذ مغادرتها صباحًا بعد أن سألته اذا كان قد قلق عليها .. فهو استنتج من كلامها بأنها لم تذهب إلى سلافا ولكنه أراد التمسك بأمل صغير بأنها أرادت اقلاقه فقط..
،
،
،
انــتــهــى..