الفصل 9
الفصل التاسع..
مازال يحبس نفسه في المكتب من بعد خروجها الغاضب صباحًا.. يجبر نفسه على التركيز بعمله و عدم التفكير فيها.. يعلم بأنها قوية و ستتجاوز الأمر مهما بدى قاسيًا .. ، تنهيدة طويلة فلتت من صدره و يكاد أن يصرخ من شدة غيظه و دموعها ترتسم أمام عينيه كل ثانية .. لقد تلقى ردة فعلها وهذا ما يريده و لكن هناك شعور يحبطه ، خيبة من أنها قد صدقت فيه ببساطة ولم تتحقق أو تنفعل بردة فعل غاضبة .. استقام و لم يعد يحتمل البقاء أكثر .. سيذهب و يطمئن عليها ، اقتحم عليه المكتب كيان رقيق غاضب قبل أن يتحرك وهي تقف أمامه بانفعال غاضب و تقول بحدة ..: أنا أثق بك.. لم اقتنع مهما بدا الأمر حقيقيًا الا أنني أثق بك.. أنت لن تخونني أبدًا .. لأن قلبك معي هُنا.. * اردفت كلماتها بثقة وهي ترفع يدها قابضة لأصابعها دلالة أنها تمتلك قلبه*..
حبس ابتسامة سعادة كانت ستفلت منه و بدلًا عن ذلك اقترب منها أكثر حتى بات تنفسها الغاضب يضرب بشرة عنقه ثم انحنى و ربت على خدها و لفظ ببرود ..: لا تكوني واثقة هكذا حتى لا يتألم قلبك الرقيق أكثر..
أعادت بذات ثقتها..: أنت لن تفعل إطلاقًا..
بجمود..: أنت غائبة طيلة اليوم ولا تعلمين ماذا يحدث معي..
ارتجاف شفتيها فضح مقاومتها الواهنة و هي تتخيل امرأة أخرى بين ذراعي ليفانت وهي هناك غارقة بين تفاصيل مهمتها.. جاءتها صورة ليفانت مع أحمد في المطعم و ضحكاتهما الصاخبة لتتزعزع ثقتها و تتراجع إلى الخلف ثم تقول بإصرار لا تعلم ماهيته..: لقد غبت لفترات أطول و لم تلتجئ لغيري..
ارتفع حاجبيه بسخرية و قال ببساطة ..: لقد مللت..وهذا ليس التجاء.. * قطع مسافة الخطوة التي تراجعت فيها* حتى بات رأسها يلامس بشرة فكة و بهمس ..: انه احتياج..
رفعت رأسها وهي تبتلع ريقها بصعوبة و غصة تمكنت منها .. خرج سؤالها بنبرة مبحوحة وهي تشعر بقبضة تعتصر قلبها..: تحتاج لغيري ليفانت..؟
تراجع إلى الخلف بحدة ثم أولاها ظهره كي لا ترى انفعالاته على ملامحه ، لا يعلم كيف سيتحمل حتى النهاية وهو الذي لم يجرحها سابقًا بغير قصد ليجرحها الآن بكامل إرادته ، بقي موليًا لها ظهره لثوانٍ طالت حتى وصله صوتها برجاء ..: ليفانت..
قاطعها وهو يتحرك نحو مقعد المكتب ويهتف ببرود ..: لدي عمل روسلين.. اغلقي الباب خلفك..
ثارت أعصابها من بروده فصرخت بعنف وهي تضرب بقدمها على الأرض ثم تقترب بحدة من الجهة المقابلة له و تضرب قبضتها على المكتب و تهتف بهياج مشيرة لنفسها ..: أنا روسي .. روسي.. أنا شعاعك الذهبي ولن أصدق أي شيء أراه او تقوله عن خيانتك لي..
حينها استقام بعنف وهو لم يعد يحتمل ، ثقتها به لا تساعده اطلاقًا .. لفظ بحدة ..: صدقي روسلين.. يجب عليكِ أن تصدقي فأنتِ ستوفرين على نفسك الكثير..
أشارت إليه بتهديد ولفظت بغيظ ..: سوف أوفر على نفسي الكثير ليفانت و لكن ليس بتصديقك و إنما بالبحث وراء سبب تصرفاتك هذه..
شد شعره بقهر منها ومن نفسه وهو يلفظ بعصبية و بنبرة مشدودة ..: لقد خنتك روسي ، لقد خنتك.. قد لا أكون أحببتها ولكنني أحتاجها وهذا يكفيني..
ضربت بمقدمة حذائها طرف المكتب وهي تتنفس بعنف و بعنف مماثل خرجت كلماتها ..: اللعنة عليك ليفانت.. اللعنة..
،
واقفة أمام هاوية أسفلها بحر عميق لو انزلقت خطواتها سيبتلعها دون رحمة ، الهواء الشديد يتلاعب بخصلات شعرها للخلف و يضرب ملامحها بشدة ، تقف بجانبها هيفين التي كانتا قد اتفقتا على الهاتف أن تمرها و تقلها معها و تستفسر منها أكثر عما يحدث معها بمنزل الحقير.. التفتت نحوها لتسألها فوجدتها تنظر إليها بغرابة ، ضيقت من عينيها و كأنها تقرأ افكارها الواضحة على ملامحها الحزينة .. بقيت صامتة لفترة ثم قالت بعدها ببحة خافتة ..: كم عمرك هيفين..؟
ارتبكت ملامحها من السؤال المفاجئ الذي قاطع أفكارها ، بللت شفتيها و تقدمت ناحية الهاوية أكثر ولفظت بحُزن ..: في الثامنة عشر..
زمت سلافا فمها بامتعاض من عديم المروءة الذي تعداها و وصل إلى ابنة أخيه و اعتدى عليها بقذارة ، بتساؤل هادئ هتفت ..: متى أتيتِ لتسكني معه..؟ و هل اعتدى عليكِ منذ قدومكِ أم بعدها..؟
حينها التفتت هيفين و نظرات عينيها تحكي بعمق عن خذلانها منه و جرح انوثتها التي انتهكها رجل أبعد ما يكون عن الرجولة ، فلتت منها دمعة وحيدة ومسحتها برقة تحت نظرات سلافا الصامتة المدققة لكل خلجاتها ، و كأنها ترى فيها نفسها بوقتٍ مضى ، وصلها صوت هيفين الرقيق ككل شيء فيها ..: لقد توفيت أمي ثم بفترة قصيرة توفى والدي و اضطررت للبحث عنه ، كنت أظنه كأبي لذلك لم أتردد و أنا أجده و قد استقبلني بحفاوة كبيرة فـ اطمئننت له ، مضى ما يقارب الشهر و أنا أعيش بفرحة أنني لم أضع بعد والدي و أنه لدي عم يحبني ، لم أكن ألاحظ نظراته لي حتى نبهتني صديقتي و لم أصدقها ، ذلك اليوم عندما عدت من الدرس احتضنني بقوة أثارت بنفسي الخوف ، و من بعدها بدأ يتمادى معي و يدللني حتى أرضخ له ، لقد استعمل كل الطرق القذرة حتى ينالني ولكنه لم يستطع حتى الآن ..
سكتت بعدما انهت قولها و هي تمسح دموعها التي ذرفتها دون إرادتها ، اقتربت منها سلافا و مدت إليها منديل ورقي ، اخذته منها و استمرتا بالصمت لفترة قبل أن تعاود سلافا اسئلتها ..: لماذا لم تأتيني منذ البداية..؟
رفعت هيفين كتفيها بقلة حيلة وهتفت ببحة ..: لم أكن أعرفك ، حتى ذات يوم وجدت صورة في صالون المنزل قد اعتلاها الغبار وهي مخفية وراء الصور ، سألت زوجة عمي عنها و لاحظت الغضب البادي على ملامحها وهي تتقدم مني ثم وبختني وهي تعيدها إلى مكانها..
تألمت سلافا عند ذكر والدتها و بان ذلك على ملامحها التي تجعدت بألم فصمتت هيفين وهي خائفة لا تعلم هل تكمل أم لا حتى وصلها همس متوجع ..: لا زالت غاضبة ،حتى بعد كل هذا الوقت.. لا زالت غاضبة..
رفعت سلافا نظراتها للسماء وهي تبتسم بضيق ، ابتلعت غصتها ثم قالت ..: أكملي..
تابعت هيفين بحذر ..: بعدها بفترة كان هناك مشادة كلامية بين عمي و زوجته و ذكر اسم سلافا فغضبت زوجة عمي و طردته من البيت و لم أعلم من تكون و كل تفكيري كان عن عشيقة له يخونها معها وهي تعلم ذلك .. * ابتلعت ريقها عندما احتدت ملامح سلافا عند ذكر العشيقة *تابعت بحذر أكبر ..: انقطع عمي عن البيت لمدة اسبوع ثم عاد و زوجته كانت قد خرجت إلى جارتهم ، لم يكن في المنزل غيري وعندما سمعت صوت قادم من الصالون خرجت من غرفتي إلى هناك ووجدته يمسك بذات الصورة التي غضبت منها زوجته ، حالما انتبه لي رفع الصورة و هو يتأملها بنظرات غريبة و ملامح هائمة .. رفعها نحوي و هتف بصوت غريب ..: انظري إلى جمالها ، سُلافا.. انها على اسمها تمامًا..
لم تعد تحتمل فقد تلوث سمعها لفترة كافية .. رفعت يدها وهي تلفظ بحدة ..: يكفي .. يكفي.. لا أريد سماع هذه القذارة أكثر..
تراجعت هيفين خطوتين إلى الخلف بخوف من حدة صوتها وضمت كفيها على صدرها لتهدئ من نبضات قلبها الثائرة..وهي حتى الآن لا تدري أي شجاعة جعلتها تذهب إليها في المركز.. ولكن هناك صوت بداخلها يخبرها بأنه لا احد يستطيع مساعدتها سواها ..
،
كانا يتناقشان بخصوص صفقة قادمة و لكن لم يتفقا حتى الآن ، كورت يريد أن يتمم الصفقة بأقرب وقت بينما أحمد يعترض على التوقيت و يريد أن يتريث حتى يدرس الموضوع بالكامل ، قاطعمها رنين هاتف أحمد..رفعه من فوق الطاولة الصغيرة أمامه ، غضن جبينه باستغراب و لم يتوانى عن الإجابة ، فتح الاتصال فوصله صوت دينيز وهي تحييه ، رد تحيتها ثم استفسر عن سبب اتصالها.. قالت بصوت غريب ..: هل استطيع التأخر بالقدوم اليوم..؟
بهدوء أجابها ..: تستطيعين حالما أعرف السبب..
تنهيدة طويلة وصلته قبل أن تلفظ ..: هناك مشكلة تتعلق بزوجة أبي و أريد حلها قبل أن تتفاقم..
رفع حاجبه بسخرية فهو قد قابل زوجة أورهان قبل وفاته وكانت لا تطاق ، رفع يده ونظر إلى ساعته و قال ..: حسنًا ، لديك ساعتين و بعدها أريدك أمامي..
وافقته بخفوت لينزل هاتفه على فخذه و يقابل نظرات كورت المستفسرة .. ببساطة ..: انها دينيز.. زوجة أورهان كالعادة تفتعل المشاكل ..
اطلق كورت صوتًا خافتًا ساخرًا وهو لم يعجبه دخول دينيز بينهما من الأساس.. وقف فارتفعت نظرات أحمد إليه وهو يسأل..: إلى أين..؟
أجابه وهو يتحرك ناحية الباب ..: لدي عمل في المدينة و سأرجع متأخرًا..
خرج من عند أحمد متوجهًا إلى سيارته ، عقد حاجبيه بتعجب وهو يرى ورقة بيضاء مطوية بعناية على الزجاج الأمامي ، مد يده ثم اخذها و فتحها بهدوء.. التفت بحدة و عينيه تبحثان عن أي أي احد قريب حالما قرأ مضمون الرسالة ، جعدها بغضب ثم رماها على الأرض وداسها بقدمه ، فتح بعدها باب السيارة و قد تعكر مزاجه بشدة ، اخذ يتمتم بسباب غاضب وهو يحرك السيارة بسرعة و يستحضر كلمات الرسالة " قد يكون عدوك أقرب إليك مما تتصور" ثم رسمة وجه ساخر و آخر يضحك بشدة..
،
عند تمام العاشرة صباحًا كانت روسلين قد جلست على مكتبها أمام مكتب أحمد بعد أن تجولت في الخارج لمدة ساعتين لتصفي روحها من التشوش الذي تركه فيها ليفانت ، فلتت منها تنهيدة حالما تذكرت ليفانت ، لا تعلم لماذا تصرف هكذا و لا تعلم سبب ثقتها به حتى الآن وقد رأت بعينيها محادثته مع أخرى يبثها احتياجه بكلمات ما زالت تحرقها كالنار عندما تتذكرها ، مسدت ما بين عينيها برقة ثم وقفت بعدها متوجهه إلى الداخل ، طرقت عدة طرقات و دخلت بعد أن وصلها صوته يأذن لها بالدخول ، رسمت ابتسامة لطيفة وهي تلفظ ..: مرحبا..
رفع عينيه إليها بعد سماعه صوتها الناعم و رد إليها ابتسامتها وهو لم يخفى عليه احمرار جفنيها ، تقدمت ثم وضعت بعض أوراق كانت بيدها و تحتاج لمراجعته و توقيعه ، اخذها و قلبها بين يديه ثم وضعها جانبًا وهو يسألها مباشرة..: من أبكاكِ هكذا..؟ هل هي زوجة والدك..؟
رفعت اناملها ومسحت جفنيها بتوتر من ملاحظته و مع أنها لم تبكِ كثيرًا ولكن ملامحها تتأثر من ابسط انفعال ، بللت شفتيها وهتفت بضيق..: لا شيء مهم..
بقي ينظر إليها بصمت وهي واقفة تنتظر توقيعه حتى تخرج و يبدو بأن لا نية لديه لمراجعتها سريعًا ، وصلها صوته بثقة وهو يهتف ..: هُناك شيء وهذا ما انا متأكد منه ، كما أنني أشعر بأنكِ تخفين الكثير.. *ثم أضاف بشك * أنا لم يقنعني بأنكِ أردت لفت الإنتباه عندما اغويت رجل كورت.. كما أنكِ ماهرة بالتصويب ولا أعلم لماذا رفضتِ حمل السلاح معك..
تنهدت بضيق وقد كانت تتوقع هذا الحديث منذ البداية مع أحمد الذي يستخدم عقله وليس يده .. هتفت بنبرة واثقة..: لأنني لم أرد لفت الإنتباه حقًا ..
رفع حاجبه بحدة وقال ..: لماذا إذًا..؟
أجابت ببساطة وكذب أصبحت تحترفه..: لأنني احتاج إلى العمل.. فقد اضعت شهادتي ولم استطع العمل هُنا و بالطبع لا احتمل البقاء مع زوجة والدي..
اضافت كلماتها الأخيرة بسخرية فهمها على انها سخرية من زوجة والدها..
قال بهدوء..: لم تجيبي على الشطر الثاني من السؤال..
بذات بساطتها..: ظننت ذلك واضحًا فأنا رفضت حتى لا اتورط اذا حدثت مشكلة هُنا..
رفع حاجبيه من صراحتها وهو يلفظ..: أنانية..
حركت كتفيها بلا مبالاة و قالت بـ ابتسامة صغيرة..: انا احمي نفسي لذلك ان كنت تراها أنانية فلا بأس..
ضحك بخفوت من منطقها وقال..: حسنًا .. اتركي الأوراق هُنا سأراجعها بوقتٍ لاحق..
اومأت ثم استأذنت و غادرت بخطوات واسعة..
،
عندما دخلت بيتها مساءً سمعت صوت ضحكات ليفانت وهو يحادث أحدهم على ما يبدو.. ولكن دهشتها كانت عندما تقدمت وتوضحت لها معالم الصالون و هناك تستقر أنثى فاتنة بجانب ليفانت وهو يضحك لها ، وضعت حقيبتها على طاولة قريبة وتقدمت بخطوات متوازنة ثم هتفت ببرود و حذر..: لم أكن أعلم بأن لدينا ضيوف..؟
استقام ليفانت بتوتر ملحوظ و هو يبتسم لضيفته ثم يلتفت على روسلين بذات ابتسامته و يقول ..: انها ليست ضيفة روسي ..
قاطعته عندما تقدمت منها ومدت يدها ثم قالت بلطف ومجاملة..: مرحبا ، أنا روسلين زوجة ليفانت..
استقامت تلك التي لم تعد ضيفة ولا تعلم منذ متى لم تعد ضيفة ، صافحتها وهي تقول ببحة..: مرحبا ، أنا رنده..
رفعت روسلين حاجبيها وهي تنتظر تعريفها بنفسها و عندما لم تجد منها ردًا التفتت إلى ليفانت وسألت بسخرية مبطنة..: لم تعرفني على ضيفتنا التي لم تعد ضيفة..!
أجابها بهدوء..: أنتِ تعرفينها ..* ثم أردف ببطء* لقد تعرفتِ عليها بالأمس روسي..
التفتت بحدة وهي تحدق بالواقفة خلفها و عينيها تتجول عليها بحقد و نار تشعر بها تنهشها و تجعل غصة مؤلمة تسكن حلقها ، قبضت كفيها بعنف وهي تقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى ذرات الهواء ، تراجعت رنده إلى الخلف بتوتر و هي تستنجد بنظراتها إلى ليفانت الذي تقدم منهما ليمسك مرفق روسلين و لكنها جذبته بحدة و ما زالت تقابل رنده بنظراتها الحارقة .. تتفحصها بتدقيق ، أنثى فاتنة ، جذابة ، بشرتها البيضاء تجذب الأنظار رغمًا عنها ، شعرها البني الفاتح بتناسق مع بياضها يأسر العين ، ملامحها الهادئة بجمال لا يخطَئ ، اسدلت جفنيها تواري نظرات قهرها وهي تتخيلها مع ليفانت قبضت كفيها بشدة و قالت بغضب..: اغربي..
عندها تحدث ليفانت بتأنيب..: تهذبي روسي..
غرزت اسنانها بباطن خدها تمنع كلماتها من الإنفلات وقالت بحدة..: اغربي من هُنا..
تحركت رنده بتوتر تريد الخروج و لكن قبضة ليفانت منعتها وهو يقربها منه و يهتف بضيق وهو يرى نظرات روسي المشتعلة ..: لن تذهب إلى أي مكان ..
نظراتها استقرت على قبضة ليفانت ثم ابعدتها بألم و هي تشعر بأن قلبها يحترق من منظرهما ، ابتلعت غصة حادة شعرتها تمزق حلقها وهتفت بفم مرتجف وهي تتجاهل كلماته..: اغربي..
كرر ليفانت كلماته ببطء وهو يواجه روسلين بثبات..: لن تذهب إلى أي مكان..
ابتلعت غصتها وتراجعت إلى الخلف بخطوات واهنة وهي تنظر إلى ليفانت بمقلتين تحبس الدمع فيهما بقوة .. قالت بآخر ذرة تحمل ..: حسنًا ، أنا سأذهب.. فلتهنئا ببعض..
ثم استدارت برأس مرفوع و خطوات ثابتة متقدمة نحو حقيبتها .. اخذتها و خرجت من بيتها الذي انتهكت حُرمته عشيقة زوجها..
تحرك ليفانت يريد الذهاب خلفها و لكن يد رنده تشبثت به تمنعه من التفكير بالأمر ، التفت إليها ببؤس وهو يشعر بقلبه يؤلمه من خروجها هكذا ، اومأت له رنده بمحاولة لتهدئته .. غرز اسنانه بشفتيه بعنف ثم تحرك نحو مكتبه وهو يهتف..: احتاج للبقاء بمفردي.. سأعود لأقلك لاحقًا..
اومأت وهي تعود لتجلس في مكانها السابق..
أما روسلين فقد خرجت بخطوات مشتعلة واستقلت سيارتها و تحركت مبتعدة بسرعة جنونية غير مهتمة لأي شيء و كل ما تريده هو الابتعاد قدر الإمكان عن المزرعة ، استغرقت وقتًا طويلًا حتى وصلت إلى حيث شقتها المزيفة و قد هدأت قليلًا ، ركنت سيارتها بالموقف الشاغر أمامها وبقيت فيها عدة دقائق ، لقد اكتسبت صفة الهدوء وعدم ترك مشاعرها و انفعالاتها تسيطر عليها أكثر من مهنتها ، لذلك هي قادرة على الهدوء سريعًا او تمثيل الهدوء حتى تتجاوز اللحظة.. ترجلت وهي تحمل حقيبتها و ترفع يدها و ترتب شعرها بعقدة في الخلف ثم تقدمت بخطوات متكاسلة حتى دخلت المبنى..
و في الخلف كان هُناك شخصٌ ما يراقبها و قد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لا معنى لها ..
،
في نفس الوقت و في بيت آخر..
مستلقية على سريرها و تعبث بخصلة من شعرها بشرود.. تغوص تحت اللحاف وهي تشعر ببرودة تسكنها ، تتذكر حديثها مع هيفين صباحًا.. لم تندهش أبدًا من حقارة زوج والدتها فمن تعدى على طفلة لم تبلغ العاشرة من عمرها سيتعدى على شابة مراهقة دون أي مروءة.. تنهيدة طويلة فلتت منها تحركت و استلقت على بطنها ثم اغمضت عينيها بهدوء تستجدي النوم و عوضًا عنه تتوالى عليها الذكريات بإثبات للماضي و انها مهما تناستها ستعود إليها رغمًا عنها ، شددت على عينيها تريد أن تمحوها و تفكر بأي شيء آخر و لكنها تعود فتبرز بذاكرتها أكثر .. تحركت لتعود و تستلقي على ظهرها وهي تتذكر لحظات من طفولتها البائسة.. كان اشدها وقعًا على نفسها هي أول محاولة له ، لا زالت حتى الآن تتذكر بكائها و خوفها منه وهو يحاول تهدئتها بكلمات لطيفة ولكنها بعمرها الصغير ذاك كانت تدرك بأن ما يفعله خاطئ ، من بعدها توالت عليها اللحظات ، فـ مرة كانت والدتها تطهو وهي تتابع فيلم كرتوني فـ اقترب منها و تلمس بيده القذره مفاتنها التي لم تتوضح بعد فقفزت ثم فرت هاربة إلى الأعلى واغلقت عليها باب غرفتها ، أخرى كان وقت استلام نتائج المدرسة و لا يوجد احد يذهب بها سواه ، كان تفكيرها منصب على شهادتها ولم تهتم بأنه هو من سيأخذها إلى المدرسة ، تنهدت بمرارة وهي تتذكر بعد خروجها من المدرسة و وجدته قد ركن سيارته بموقف منعزل تحت شجرة كبيرة نزلت أوراقها على السيارة مخفية لها قليلًا و عندما ركبت وهي تضحك قبلها وقد كانت تدفعه بضعف و بكاء و لم ينقذها سوى سيارة اخرى مرت بالقرب منهم ليتحرك بارتباك و يعودان إلى البيت وقد كُسرت فرحتها بنجاحها .. مرة أخرى كانت قد بلغت و توضحت معالم أنوثتها قليلًا و كانت نظراته وقحة جدًا عندما تكون أمها غير منتبهة ، لقد حبست نفسها بغرفتها حتى لا تواجهه ومع ذلك لم يكن يتركها بحالها فهي عندما خرجت من دورة المياه المرفقة بغرفتها وجدته أمامها وهي لا ترتدي سوى " منشفة " لا تستر منها الكثير.. تتذكر بأنها صرخت بخوف فاقترب و غطى فمها بيده و حذرها من رفعها لصوتها ، لقد ترجته حتى يخرج و مع ذلك اقترب منها وقبلها كعادته وهي تدفعه بضعف و بكاء كعادتها ، لم يكن يستطيع التمادي أكثر لأن أمها في البيت وهذه رحمة إلهية لها تنقذها منه ، أخرى أيضًا كانت قد بلغت الرابعة عشر من عمرها عندما حاول الإعتداء عليها بالكامل ولم تعد ترضيه القبل و بعض اللمسات المقرفة ، و كما العادة فـ امها هي المنقذة الوحيدة دائمًا و دون أن تعلم أنها تنقذها حتى ، أيضًا في الثامنة عشر كانت عائدة من حفلة تخرجها و دخولها إلى الجامعة ، في السنوات الفائته كانت قد تغيرت معاملة زوج أمها لأمها و كثرت مشاكلهم ، لم يعد يرضيه شيئًا و كانت أمها تتهمه بالخيانة و بأنه لم يتغير إلا بوجود طرف ثالث بالتأكيد ، و عندما دخل الشك بينهما لم يعد يمر يومًا بهدوء الا عندما يبيت خارجًا ، دخلت المنزل بخطوات هادئة حتى لا يستيقظان حاملة لحذائها المرتفع بيدها ، تتسلل حتى غرفتها ولم تعلم بأن هناك شيطان يتربص بها في الممر ليسحبها بقوة إلى داخل غرفة فارغة وهو يكتم أنفاسها حتى لا تصرخ و تستيقظ والدتها التي تنام براحة غير مدركة إلى نوايا زوجها الخبيثة ، لقد اقترب منها كما لم يقترب من قبل و قد صرخت بكل قوتها وهي تدفعه بعنف من فوقها ..
استقامت بعنف وهي تبعد تدفق الذكريات لرأسها ، لقد تناستها تقريبًا حتى لم تعد تأتيها ، و الآن بظهور هيفين ظهرت مجددًا .. تحركت بخطوات مرتبكة إلى المطبخ .. دخلته و اشعلت اضائته ثم فتحت الثلاجة واخرجت لها ماء بارد جدًا ، تريده أن يطفئ حرقتها من ماضيها المغدور .. احضرت الكوب وسكبت لها ثم شربته دفعة واحدة و وضعت رأسها على الثلاجة بتعب.. تشعر بعينيها حارة من برودة الماء .. ابتعدت بإرهاق لتخرج من المطبخ و توجهت إلى غرفتها مرة أخرى.. انسلت بخفة تحت اللحاف ثم مدت يدها واخذت قرصين من الدواء المصاحب للإكتئاب و الأرق لـ الليالي التي لا تستطيع النوم فيها..
،
لم تذق طعم النوم الا ساعتين قبل أن تستيقظ على صوت المنبه.. جهزت نفسها للعمل بسرعة و هي ما زالت على ملابسها فالشقة خاوية لا تحتوي على شيء.. تحتاج ان تذهب إلى الماركت لتشتري حاجيات الطبخ فهي تتضور جوعًا و لم تجد أي شيء يسد جوعها.. كانت بطريقها قاصدة المطعم عندما لاحظت سيارة تتبعها.. حتى انها دخلت إلى طرق فرعية لتتأكد اذا كانت تلاحقها لتجدها تدخل معها .. رفعت هاتفها ووضعت السماعة الخارجية وهي تضغط عدة ارقام محددة و بعد عدة ثوان وصلها صوت أحمد الهادئ فقاطعته بعجل..: هناك سيارة تتبعني..
.
.
.
انـتـهـى..