الفصل 8
الفصل الثامن..
بعد عدة أيام..
وضعت الهاتف بين خدها و كتفها لتتصفح أوراق كانت على سطح مكتبها اليوم.. تهاتف سلافا بخفوت و قلق ، وصلها صوت سلافا بقلق مماثل ..: هل أنتِ متأكدة..؟
زفرت بربكة وهي تنقل نظراتها بين الباب و الأوراق بيدها وهي تأكد..: انا انظر إليها الآن.. اوراق عمل تحمل اسم ليفانت و أحمد ولكنها لم توقع بعد..
سلافا بتعقل ..: لذلك يجب أن تهدئي.. قد يكون أحمد يفكر باتفاق عمل مع ليفانت..
روسلين بتساؤل و ريبة..: اذا كانا حتى الآن لا يوجد بينهما أي عمل فماذا كانا يفعلان هناك..؟
هتفت سلافا و بذاتِ ريبة روسلين و مع أنها حاولت اخفائها ..: قد يكون لقاء تعارف..
تحركت روسلين بعصبية وهي تقف و تهتف بحدة ..: بحق الله سلافا ، لقد رأيتهما مثلي.. لم يكن لقاء تعارف اطلاقًا..
سلافا برقة تحاول أن تهدئ روسلين و هي متفهمة لحالتها ..: أعلم و لكن..
قاطعتها روسلين بانفعال وهي تتحرك لنافذة المكتب ناظرة للأرض الخضراء أمامها .. همست بعصبية..: لكن ماذا .. ماذا.. اللعنة .. أنا ابحث منذ أيام و لم أتوصل لأي شيء.. لقد بدأت اشك به حقًا .. تبًا لهم..
قاطعتها حركة عند الباب و لمحت من طارف عينها حذاء رجولي لامع لتحبس أنفاسها و يدها الممسكة للهاتف قد تجمدت ، اغمضت عينيها لتقول بخفوت..: وداعًا ، سأهاتفك لاحقًا..
ثم استدارت بتوتر إلى أحمد المائل بجسده على الباب و يديه مستقرة بجيوب بنطاله له الكتاني ، ابتلعت ريقها لتستقر نظرات أحمد هناك ثم رفعها لتعانق ملامحها الشاحبة جدًا و أنفها الأحمر من الهواء البارد القادم من النافذة ، بقي ينظر إليها بهدوء حتى أوشكت على الاختناق بأنفاسها ثم تجاهلها تمامًا و أكمل خطواته إلى مكتبه ، حالما اغلق الباب زفرت انفاسها متكئة على الجدار خلفها ، وضعت يدها على صدرها جهة قلبها وهي تكاد تشعر به يضرب اضلاعها بقوة ، بقيت على حالتها لثوان حتى اعادت هدوءها النسبي ليفزعها من جديد رنين الهاتف المكتبي ، عقدت حاجبيها و هي تنظر إليه ثم تقدمت حتى وصلت له ، رطبت شفتيها الجافة من الهواء ورفعت السماعة لتجيب .. وصلها صوته البارد على غير العادة قائلًا ..: أجلي مواعيدي اليوم حتى الغد..
بخفوت..: حسنًا..
اغلق الخط دون أي اضافة لتجعد ملامحها باستغراب ، أما في الداخل فقد اتكأ على مرفقيه على المكتب مريحًا رأسه لراحة يديه ، تفكيره منحصرًا على ما حدث قبل أيام ، الفتاة في المطعم أثارت ريبته ولا يعلم لماذا ولكنه يشعر بأنها مرتبطة به بطريقةٍ ما ، زفر انفاسه ورفع رأسه ناظرًا لمساحة المكتب أمامه ، انه واسع جدًا ، نقل نظراته و لأول مرة يشعر بالوحدة منذ شهور ، لا يعلم لماذا انفاسه تختنق بصدره ولا يستطيع زفرها ، شيء ما يجثم عليه وهو مستسلم له بكل إرادته.. يحتاج لشيء يعيد له حيويته ، استقام بضيق ولم يعد يتحمل جو المكتب الخانق ، تحرك بخطوات واسعة خارجًا من المكان ، كان مكتب دينيز خاليًا و لم يلقِ لها بالًا ، تجاهل المصعد و هو ينزل السلم بذات السرعة ، يد تحمل معطفه باصبعين على كتفه و الأخرى واضعًا لها على الدرابزين ، وصل للأسفل و فتح الباب ليستقبله الهواء البارد الذي اصطدم بوجهه بشده ، اغمض عينيه وهو يستنشق بهدوء ، يشعر بالهواء البارد يدخل إلى رئتيه منتشرًا لكل أوردته و يبعد عنه الضيق ، فتح عينيه بهدوء وقابلته الأشجار أمامه ، نقل نظراته باستغراب للجهة اليسرى عندما وصلته ضحكات عالية لرجل و فتاة ، شده الصوت ليتحرك ناحيته بفضول وهو يبحث بعينيه عن صاحبيه ، تقدم بخطوات قليلة ليقف بدهشة وهو يرى دينيز تضحك و يقف معها كمال..
في الجهة المقابلة..
واقفة مع كمال و هو الحارس الذي ارسله كرم .. لقد وجدته في المطبخ يحضّر له قهوة لتطلب منه أن يعمل لها واحدة ثم خرجا ليتناقشا بعدة أمور و منها السياسة التي و بعد جهد استسلمت بأنهما لا يتفقان بأي رأي ، صمتا قليلًا عندما لم يستطيعا اقناع بعضهما ليقطع كمال الصمت قائلًا ..: سيدة روسلين..
قاطعته بتأتأة نافية وهي تقول بسخرية ..: آنسة دينيز لو سمحت..
ضحك بخفة على سخريتها ثم تنهد لتنظر إليه بصمت تنتظره ليكمل كلامه .. هتف كاشفًا لمخاوفه ..: السيد أحمد ذكي جدًا .. وهو يشك بالوضع و لكنه لا يستطيع أن يتقين..
زمت شفتيها بضيق ثم فتحتها لتخرج هواءً باردًا من بينها ، لفظت بغيظ..: هل لا زال يسألك عني..
اومأ بصمت ثم قال بضيق و بصوت مشدود ..: لقد سألني اذا كان لديكِ اقارب هُنا ما عدا زوجة والدك..
ضحكت بسخرية ثم ارتفعت ضحكاتها ليضحك كمال بالمقابل
فكما يقال " شر البلية ما يضحك " .. صوت من خلفهما جعلهما يستديران بسرعة ، ازدردت ريقها بارتباك من أن يكون سمع شيئًا ، نظرت لكمال نظرة خاطفة لتجد ملامحه واجمة لا تشي بشيء ، حوّلت نظراتها لأحمد الذي رفع حاجبه بشك و بصوت بارد ..: لم أكن أعلم أن بينكما معرفة..
رفعت روسلين كتفيها بعدم اهتمام و أجابت ببرود ..: لا يوجد بيننا شيء ، فقط تناقشنا قليلًا..
أحمد و نظراته على أنفها المتورد من البرودة و خديها الشاحبة قليلًا و يكاد يجزم بأنها باردة جدًا، سأل بهدوء..: هل استطيع معرفة نوع النقاش..؟
روسلين بتبرم ..: سياسي.. ثم اشارت على كمال وهي تردف ..: رأسه كالصوان لم يقتنع بأي رأي لي..
احمد باستخفاف ..: نحن الرجال غالبًا لا نتفق مع المرأة..
زمت شفتيها بملل ثم هتفت ..: ارجوك ، لا داعي للبدء بحديث عن المرأة و الرجل..
ثم رفعت كوب القهوة حتى استقر امام فكها بمسافة قليلة قائلة ..: انا سأعود للداخل لقد تجمدت من البرد..
تحركت دون أن تسمع رأيهما لتزفر انفاسها.. يبدو بأنها ستبذل جهدًا أكبر حتى يثق بها أحمد.. ستتوقف عن اللقاء بـ سلافا الا بمكان منعزل و عند الضرورة فقط.. هي بغنى تام عن اثارة شكوكه بالوقت الحالي ، و مع ذلك هي مصرة على معرفة علاقته بليفانت..
عندما غابت عن انظارهما التفت أحمد إلى كمال مستفسرًا ..: هل توصلت لأي شيء آخر؟
بثقة ..: لا سيدي.. لم أتوصل لشيء..
ربت أحمد على كتفه ليلفظ ..: و مع ذلك استمر بمراقبتك لها لأطمئن..
هزة بسيطة من رأس كمال اكتفى بها أحمد ليقول كمال بهدوء ..: بالإذن سيدي..
ثم تحرك بخطوات واسعة تاركًا احمد ورائه غارقًا بأحضان الطبيعة و يشعر بأن الهواء قد هدأ بعضًا من ضيق صدره ..
،
بمقعد أمام المركز تجلس سلافا شاردة و جوارها سرمد الذي قاطع شرودها قائلًا..: بماذا تفكرين..؟
دون أن تلتفت إليه و لا زالت على نظراتها الشاردة و كأنها تحادث نفسها ..: سألتقي بها.. يجب أن أعرف ماذا كانت تريد..
عقد حاجبيه لوهله ثم ارتفعت وهو يدرك عمن تتحدث.. سألها بهدوء ..: هل استطيع معرفة ما يحدث لكِ..؟ أم أنني لست أهلًا لثقتك..!
استدارت نحوه لتقول ببساطة ناظرة لعينيه العسلية الجذابة ..: هل تتذكر عندما التجأت إليك بالماضي و أنتَ ساعدتني..؟
غضن جبينه مستغربًا.. لقد مضى أكثر من عقد كامل على ذلك اليوم ، أردفت دون أن تنتظر رده لتنطق بخفوت ..: انه نفس الموضوع.. الفتاة التي رأيتها كانت تشبهه جدًا وكأني أراه واقفًا أمامي..
التزم الصمت ناظرًا للأمام ثم قال ببحة و شعور غريب يسكنه ..: من هو..؟
بحقد دفين ..: زوج والدتي
نظر إليها بصدمة و الحروف تتلعثم على اطراف شفتيه .. ليقول أخيرًا..: هل .. هل هو من كان يؤذيكِ..؟ اذكر جيدًا عندما قلتِ بأنكِ تحتاجين للحماية لأن هناك من يريد أذيتكِ..
وقعت نظراتها بجمود باهت على يده المرتجفة ثم نقلتها إلى ملامحه التي بين طياتها تسكن الصدمة ، اقترب منها باندفاع و احتضنها بشدة ، اغمضت عينيها و جسدها الذي كان متصلبًا من احتضانه المفاجئ تراخى ببطء .. وصلها صوته بهمس موجوع ..: لماذا لم تخبريني سلافا.. لماذا..؟
لم تسعفها الكلمات لترد عليه و عوضًا عن ذلك ارتفعت يدها لتربت على ظهره بخفه ثم ابتعدت عنه ناظرة إلى الثلج الذي بدأ يتساقط بخفة ، السماء شاحبة كئيبة تفتقد لدفء الشمس كروحها التي عادت للشحوب مجددًا.. تسللت يد سرمد إلى كفها ليقبض عليها بلطف و هو يتابع عيناها المرتفعة للسماء ، ضغط على راحتها بخفة لتنظر إليه و ترسم ابتسامة باهتة على شفتيها ثم هتفت بوجع و غصة تشعر بأنها تطبق على أنفاسها .. : أنت لم تسأل كيف كان يؤذيني..
شد قبضته عليها و لفظ بتردد ..: بماذا كان يؤذيك الحقير..؟
جذبت يدها منه لتمسك بها عضد الأخرى مشتتة نظراتها عنه و بنبرة لم يخطئ الألم فيها ..: لقد حاول اغتصابي..
،
الـتاسعة مساءً..
اوصلها كمال للمبنى الذي يوجد به الشقة المزيفة كما دأبت أن تفعل منذ اخباره لها بشكوك أحمد ، رفعت نظراتها للطابق الذي تقع شقتها فيه قائلة بتذمر ..: لقد اصبحت اشعر بالملل ولا طاقة لي للصعود ثم النزول مرة أخرى..
لم يلقي بالًا لتذمرها وهو يقول ..: لا فائدة من الكلام الآن ، انزلي ثم اغلقي الباب خلفك بهدوء..
اخذت حقيبة يدها ثم التفت للباب و فتحته لتترجل بهدوء جعل كمال يرفع حاجبه بريبة من خضوعها الغريب ليصرخ بقهر عندما اطبقت الباب بكل ما لديها من قوة ، تمتم بسباب مقهور وهو يراها تمشي بهدوء وكأن العالم كله متوقف على خطواتها ، ضغط على دواسة السرعة لتحتك عجلات السيارة بحدة مصدرة صريرًا جعلها تجفل و تقفز إلى درجات المبنى التي كانت أمامها ، التفت إليه بحقد لتراه يؤشر لها بيده و ابتسامة انتصار احتلت شفتيه ، كشرت بغيظ ثم اخذت نفسًا عميقًا لتضع يدها على صدرها و ترتب انفاسها ، و استدارت لتستقل المصعد إلى شقتها
،
وضعت رأسها بين كفيها المسندة إلى طاولة المقهى مبهوتة من هول ما سمعت .. تجلس أمامها هيفين بانكماش من ردة فعلها .. اقترب منها سرمد بعد أن نهض من الطاولة الأخرى تاركًا لها الخصوصية بالحديث مع الفتاة التي استطاعا ايجاد رقم هاتفها بسهولة وقد كان يتابع تقاسيمها منتبهًا لشحوبها الذي يزداد مع كل دقيقة تمر و الفتاة تتكلم بارتباك و تردد واضحان له من بعيد.. وضع يده على كتف سلافا بقلق ناظرًا للفتاة التي زاد انكماشها على المقعد ، بهمس متوتر ..: هل أنتِ بخير..؟
رفعت إليه عينان مرهقتان و على ملامحها ترتسم المرارة بأقسى صورها ، ربت بيده الأخرى بخفة على خدها وهو يعيد سؤاله بقلق أكبر حالما رأى فكها المشدود من ضغطها عليه و كأنها تكتم صرخة روحها المظلومة..: هل أنتِ بخير..؟
عند نبرة الإهتمام بصوته لم تستطع التحكم بعبراتها التي تقافزت لمقلتيها مكونة طبقة شفافة منعت عنها رؤية ألمها الذي انعكس على حدقتيه ، جلس على المقعد جانبها ليجذبها إلى صدره ، تشبثت بمعطفه الصوفي دافنة وجعها بين طيات صدره العريض ، مرّت عدة دقائق حتى سمع همهمة صادرة منها ليبعدها عنه قليلًا و يقول مستفسرًا ..: ماذا قلتِ؟
بخفوت ورجاء مس أعماقه ..: اشعر بالضيق سرمد ، أريد أن ابتعد عن هُنا سريعًا.. أرجوك..
استقام ليوقفها معه وما زال محتفظًا بها قريبة منه ثم نظر للفتاة المراهقة أمامه قائلًا بصوت غليظ ..: هيا لأعيدك إلى المنزل..
وصلته اجابتان جعلته يرفع حاجبيه بعدم فهم لـ اللا التي لفظتاها بوقت واحد.. هيفين بخوف جلي أما سلافا فنبرتها كانت قاطعة.. ثوانٍ فقط حتى استطاع فهم رفضهما ، تنهد بخفوت ماسحًا بكفيه على وجهه قبل أن يقول ..: حسنًا .. سأوصلك إلى مكان قريب .. ولا أريد اعتراض.. اردف كلمته الأخيرة عندما رأى الرفض على ملامحهن..
ثم تحرك بهدوء ترافقه سلافا متشبثه به و كأنها تطلب أمانه و خلفهما كانت هيفين تنظر إليهما بحزن سنواتها المهدورة على يد ظالم كان من المفترض أنه حاميها..
،
مستلقية على الاريكة بوضعية الجنين و رأسها يستقر بأريحية على فخذ ليفانت ، يده تمشط شعرها بتموجاته الطبيعية بحنان ، انحنى بجسده ليقبل صدغها بحب ثم ارتفع مع ارتفاع جفنيها إليه كاشفة عن لون عينيها الصافي ، ابتسم بهدوء ليضع أنامله على جفنيها يمنع نظرتها الفاتنة أن تؤثر فيه أكثر ، رفعت يدها لتبعد كفه و تحتفظ بها قريبة من قلبها.. أخيرًا قطع الصمت قائلًا بخفوت عميق..: مضى وقت طويل لم تنامي بحضني هكذا..
رفعت كفه إلى ثغرها و قبلته بعمق أرجفه و عبث بنبضاته ثم اعادتها لموضعها السابق قرب نبضاتها.. رفعت حدقتيها و قبل أن تنطق قاطعها صوت هاتفه يشي بوصول رسالة .. عقدة تكونت ما بين حاجبيها وهي تستشعر توتر جسده و العِرق النابض بصدغه يفضحه ، اعتدلت بجلوسها لتستفسر بتعجب ..: ماذا حدث ؟
رطب شفتيه وهو يقول بثقة واهنة يريد أن يلهيها عن الموضوع ..: لم يحدث شيئًا حبيبتي.. عودي للإستلقاء..
أضاف جملته وهو يأشر لها على مكانها السابق ، وافقته لتعود إلى مكانها وهي تقول..: لماذا إذًا توترت هكذا..؟ هل تعرف المرسل..؟
ابتسم بلطف وهو يمسد جبينها بلطف لترتخي ملامحها و قال ..: وكيف لي أن أعرف وانتِ تحتجزينني هكذا..؟
لفظت بممازحة وهي تحرك حاجبيها طلوعًا و نزولًا ..: لا أعلم.. قد تكون اصطدت لك فريسة مع غيابي المتكرر و تخاف الآن من انكشافك..
ضربها بخفة على جبينها قائلًا بحنق ..: أي قول هذا..!
ضحكت بخفة لتستدير وهي تضع يدها حوله و تقول بنبرة ناعسة..: امزح فقط حبيبي ، لا يوجد داعٍ لتستخدم يدك بحجمها الكبير..
اعاد الكرة وهو يضرب بخفة على رأسها لتصمت متنعمة بقربه ، أما هو فقد أعاد رأسه للخلف مسدًلا جفنيه وهو يكاد يجزم على محتوى الرسالة و تهديد جديد.. أعاد رأسه إليها عندما جذبه سكون حركتها أخيرًا ليجدها قد غرقت بالنوم .. ابعدها بلطف ليستقيم ثم ينحني عليها ليقطف منها قبلة صغيرة قبل أن يبتعد قليلًا و يقول بهمس حنون على بشرتها الصافية..: يبدو بأن قدري قد كتب علي أن أحملك من هنا و هناك ، وهذا أحب على قلبي مني..
ثم رفعها بخفة ليستدير قاصدًا غرفة نومهما..
،
يلفهما الصمت منذ ترجلت هيفين في مكان قريب من منزلها .. يقود بسلاسة حتى وصل إلى منزل سلافا .. اطفأ محرك السيارة وهو يتلفت إليها مستفسرًا عما حدث بصمت.. شعرت بنظراته تخترق درع صمتها فقررت أن تبوح علها تنفض وجع حديث هيفين.. وصله صوتها ببحة موجعة ..: انه يعيد نفس الكرة معها..
بصدمة فتح عينيه على وسعها ، ألجمته الصدمة لبضع دقائق و عندما وجد صوته لفظ بكره عميق تولد لديه منذ ساعات .: يا إلهي .. إنه منحرف حقًا..
قبضت يدها بعنف لترفعها إلى مستوى عينيها وهي تتخيل عنق ذلك الحقير بينها و بنبرة حاقدة ..: لقد قال لها بأنني كنت راضية..
اغمض عينيه بشدة يمنع انفعاله عنها ووقع كلماتها تصيبه بشدة .. يدرك كم هو مؤلم لها ما حدث ، لم تمهله وهي تنهال بقبضتها على مقدمة السيارة و تردد بعنف ..: الحقير.. يقول لها كوني مطيعة كسلافا.. لقد كنت طفلة .. طفلة .. و مع ذلك كنت اشعر بأن ما يحدث غير طبيعي ، لم أكن مطيعة.. اقسم أني لم أرضَ أبدًا..
جذب يدها بقوة كي لا تؤذيها وهي ما زالت على حالتها الهستيرية و تقاومه ، اخذت تضربه بيدها الأخرى ليقبض عليها و تصبح مقاومتها واهنة ، اخيرًا وضعت رأسها على صدره لتبكي بصوت عال هذه المرة و لم تكتفي ببضع دمعات ، ربت على كتفها بمواساة صامتة وهو لا يجد ما يسعفه من الكلمات ليواسيها بها ، وقد كان ذلك أفضل فما تعانيه يعجز عن مواساته الكلام..
بعد مضي الوقت هدأت لتبتعد عنه وهي تمسح على وجهها بأطراف أناملها و قد تضرج بالإحمرار.. اعتدلت بجلوسها بصمت ليسأل بهدوء..: بماذا تفكرين..؟
بعزم و قرار لا نقاش فيه ..: سأواجهه.. على كل حال أنا لم أعد تلك الفتاة الخائفة التي تهرب من هنا لهناك خوفًا من غدر قد يأتيها خفية..
قابل عزمها بإصرار ..: سأكون معك..
لم تعترض فهي تحتاجه بجانبها.. فهي لا تضمن بأن ذلك الحقير لن يتجاوز حدوده..
،
صباح اليوم التالي..
دخلت بصخبها المعتاد لغرفة المكتب التي يستخدمها ليفانت عندما يحضر عمله للبيت.. لم تجده هناك ، رفعت صوتها لتنادي عليه و لكن أجابها الصمت .. وقع نظرها على هاتفه الذي كان يومض طيلة افطارهم و نزق ليفانت الواضح من إصرار الطرف الآخر ، تقدمت بفضول لتستكشف ما يخبئ عنها ، مدت يدها لترفع الهاتف و عندما استقر بكفها فتحته بخفة ليصل حينها اشعار جديد ، جذبها اسم المرسل فقد كان ايموجيات مختلفة .. لمست على الاشعار ليدخلها إلى البرنامج الشهير لمواقع التواصل.. اتسعت عينيها بذهول وهي ترى محتوى الرسائل ، لا تصدق ابدًا .. بأصابع مرتجفة ونبضات مرتبكة لمست على الشاشة لتصل إلى بداية المحادثة ثم تنزل ببطء وهي تقرأ كل حرف فيها و تشعر بألم حارق في قلبها ، وضعت يدها على صدرها تمسد يساره و تحاول تخفيف انقباضه ، التفتت بعيون دامعة عندما سمعت صوت ليفانت لتجده واقفًا عند باب المكتب و نظراته مستقرة على هاتفه الذي تقبض عليه بشدة ، وصله صوتها باختناق و يدها ترتعش..: هل ما قرأته صحيح..؟
حول نظراته إلى عينيها الباكية وهو يشعر بألم حاد سكن صدره من بكائها فهي نادرًا ما تبكي.. قمع شعوره ليتقدم ببطء حتى لم يعد يفصله عنها الا مسافة بسيطة ليقول بصوت بارد..: من سمح لكِ بتفتيش هاتفي..؟
نظرت إليه بعدم استيعاب لنبرته الباردة و سؤاله الغريب.. لم يمنعها يومًا من هاتفه.. فما باله الآن..؟
مد يده ليأخذ هاتفه و هو يعيد سؤاله بنبرة أشد..: من سمح لكِ روسي..؟
مسحت بظاهر يدها عينيها لتراه واقفًا بجمود ينتظر ردها.. تراجعت للخلف ببطء وكل ما كان يجول ببالها أنه ليس ليفانت.. ترجم عقلها الكلمات لتصله بهمس مرتجف و خيبة سكنت ملامحها..: لست أنت.. لست ليفانت الذي أعرفه..
ثم تقدمت بخطوات سريعة متجاوزة له حتى خرجت من المكتب ، حينها ترك لمشاعره العنان وهو يقبض كفيه بشدة ثم ارتفعت يده لترمي بالهاتف إلى الجدار و من سخرية الموقف فالهاتف لم يصبه سوى خدش بسيط.. جلس على الأريكة ليضع كفيه على وجهه و يتنفس بضيق.. لم يكن لديه حل آخر..
.
.
.
انتـهـى..