عند المغيب - الفصل 7 - بقلم طعون - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عند المغيب
المؤلف / الكاتب: طعون
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 7

الفصل 7

الفصل السابع.. جلست على المقعد وبيدها كوب ماء ترتشف منه ببطء لتهدئ به أنفاسها الذاهلة وما زالت الرجفة تسكن أناملها الرقيقة ، رفعت يدها لتبعد خصلة وهمية من أمام عينيها ، لا زالت حتى الآن لا تستوعب الملامح التي رأتها و كأن الماضي يعود أمامها ، انتبهت على صوت سرمد وهو يسألها بهدوء..: ماذا حدث سلافا.. هل تعرفين الفتاة ..؟ زفرت بربكة وحركت رأسها تنفي معرفتها بها بصمت ورفعت كوب الماء و ارتشفت منه مجددا كي تشتت ارتباكها ، حينها قال سرمد يختبر ردة فعلها..: لقد طلبتك بالاسم.. احتبست أنفاسها وفي لمحة بصر شهقت بقوة مختنقة بالماء ، اقترب سرمد سريعًا ووقف خلفها وضرب براحة يده بين كتفيها حتى استعادت أنفاسها.. وقفت تسحب الهواء لصدرها جرعات وتدور حول نفسها باضطراب و خوف وهي تردد بخفوت..: لا .. ليس هو مجددًا ، ليس مجددًا.. وقد كانت هذه هي كلماتها عندما دخلا عليها هو و كرم ليجدا الفتاة قد بهتت بمكانها من الصدمة وفي الجهة الأخرى كانت سلافا قد التصقت بالجدار تصرخ بأنه لن يحدث مجددًا.. نظر إليها وقد بدأت بالبكاء بصمت وكانت عينيها فقط التي تذرف الدموع وما زالت على نفس كلماتها ، اقترب منها يريد أن يفهم ما يحدث معها لكنها أوقفته بحركة من يدها لتمسح بعدها دموعها بقسوة .. اتجهت لمعطفها و لبسته ثم أخذت حقيبتها وبدأت بجمع أغراضها باضطراب وكأنها لا تعي ما تفعل ، اقترب منها وأمسك يدها لتنفضها بعنف وهي تقول..: اقسم لن اجعله يحدث مجددًا.. أبدا.. ثم لبست حقيبتها بشكل معاكس لتخرج بخطوات واسعة تحت أنظار سرمد المتفاجئ من حالتها.. ، تمشي بخطوات واثقة بالرواق المؤدي لمكتب أحمد و صوت كعب حذائها العالي يطرق في الأرضية ، عندما اقتربت من باب مكتبها استنكرت وجود شخص يبدو كأنه حارس ، وصلت إليه لتتفاجئ وهي ترى أحد حراسها يقف أمامها ، تحية بسيطة من رأسه مع ابتسامة صغيرة جعلتها ترفع حاجبيها باندهاش ، نظرت إلى الرواق الخالي ثم إليه باستنكار وعندما أرادت أن تسأله عما يفعله هنا أشار لها بيده على شفتيه علامة السكوت ثم بإيماءة من رأسه جهة مكتب أحمد جعلتها تصمت وتتقدم لتدخل مكتبها ، طرقت على الباب ودخلت بعدما سمعت صوته يأذن لها بالدخول ، وقفت أمامه وسألته إذا كان يحتاج شيئًا وبعدما انتهى ما يريده منها لفظت بهدوء..: عند دخولي وجدت شخصًا يقف أمام الباب و يبدو لي كحارس شخصي.. أومأ وهو يؤكد لها ما استنتجته..: انه شخص تقدم للعمل ومؤهلاته جيدة ولكني لا أحتاجه فعرضت عليه أن يكون سائقي و حارس شخصي بنفس الوقت فوافق.. حبست ابتسامتها فقد أصبح الموضوع واضحًا لها فكرم قد أرسل الحارس ليحرسها هي وليس أحمد كما يظن ، قالت بلطف وهي تتوجه للخروج:.. بالخير لكما إذًا.. , كان في مقهى الشركة حيث الطاولات الموزعة بعشوائية تضج بالموظفين المتلهفين لاستراحة الغداء وجميعهم في صخب وحديث مستمر عداه هو كان جالسًا بضجر .. مرر أصابعه في مقدمة شعره ساحبًا له للخلف وهو يتأفف بشدة ونظره قد استقر على بخار القهوة التي وضعها النادل أمامه قبل ثوانٍ فقط ، ارتشفها وهو يشعر بمرارتها وكأنها شفرة حادة تجرح حلقه وهكذا ستكون حياته بدون روسي ، تنهد بضيق من أفكاره التي أصبحت تلازمه مؤخرًا فالتهديدات لم تتوقف وإن تفاوتت أوقاتُها، يهددونه بها لأنهم يدركون جيدا أن أقسى شيء على المرء أن يصيب مكروهٌ ما أحد أحبائه ، شردت نظراته وهو يتذكر ذلك اليوم الكئيب .. ، قبل شهرين من الأحداث الحالية .. كانت روسي قد أخبرته بأن لديها مناوبة ليلية و كعادته لا يحب الذهاب إلى لمنزل وهي ليست فيه فقرر أن يذهب للنادي الرياضي خاصته وعندما وصل هناك و حالما ترجل من سيارته سمع صوت احتكاك عجلات سيارة قادمة من الجهة الأخرى وكأن صاحبها قد توقف فجأة ، لم يسعفه الوقت ليستوعب ما يحدث فقد انهالت طلقات الرصاص على سيارته فقفز بخفة وسرعة متجاوزًا صدمته واختبئ خلفها وبعد دقيقة لم يعد يسمع شيئًا وقد عمّ الهدوء المكان ، رفع جسده بخفة ليقف على ركبتيه ينظر بقلق من نافذة سيارته المحطمة فلم يجد السيارة التي غادرت ولم يتبقى في المكان سواه ، عاد لجلسته على الأرض وهو يزفر أنفاسه المتوترة بحدة ، بقي على نفس وضعيته لما يقارب العشر دقائق وهو يستوعب ما حدث ..!! في التجارة سيكون لديه أعداء وهذا أمر طبيعي لكن لم يتمادى أحدهم من قبل لهذا الحد ! فتح الباب جهة مقعد السائق وهو ما زال جالسًا على الأرض ليخرج هاتفه من جيب الباب ، رفعه بعد أن حدد اسم من يعلم أنه سيساعده وقد وصله الرد خلال بضع ثوان وصوت الرجل في الطرف الآخر يقول بسخرية ..: لقد تنازل حضرة الوسيم ليسمعني صوته .. أتمنى أن يكون ما ورائك مهمًا وأنتَ تتصل في هذا الوقت المتأخر مقاطعًا لأعمالي ، آه .. بالمناسبة .. أنا لا أعلم مكان زوجتك.. كز على أسنانه بغيظ و كلماته تستفزه فقال بحدة ..: ليس وقت استظرافك أبدًا .. ثم تنهد ليضيف..: أحتاجك ولكن لا استطيع القدوم إليك.. عقد كرم حاجبيه وهو يستغرب نبرة ليفانت الغريبة ، لم يطِل الحديث وهو يسأله مكانه بينما يخرج مسرعا لسيارته.. بعد نصف ساعة أوقف كرم السيارة في ذات الشارع فاستقام ليفانت واقفًا وهو يتقدم إليه ، ترجل كرم وصافحه وهو ينظر لسيارته بدهشة ليهتف بقلق..: ماذا حدث..؟ هل أنتَ بخير..؟ هز ليفانت رأسه ثم هتف بانفعال ..: لقد تعرضت لإطلاق نار كما ترى .. اقترب كرم من سيارة ليفانت واستدار حولها متفحصًا لها وهو يسأله ..: هل رأيت السيارة أو الرجل الذي أطلق النار..؟ وضع ليفانت يده على سقف السيارة وهتف بضيق ..: كانت سيارة رباعية الدفع لكني لم أرى الرجل ولا أعلم حتى إن كان واحدًا أو أكثر.. وقف كرم ووضع يده على سقف السيارة أيضا واقفًا من الجهة المقابلة له وبعد لحظات من التفكير العميق بنظرة شاردة للفراغ قال بعد ان نقل عينيه إليه ..: بما أنك واقف أمامي بكامل أعضائك سليمًا فهذا يعني أنه أراد إخافتك فقط .. اطرق ليفانت برأسه متكئًا على يديه بنفس وقفته ثم رفع نظره قائلًا بصوت مكتوم ..: أريد أن أعرف من يكون..! تحرك كرم بخطوات رجولية واثقة حتى وصل إليه ليربت على كتفه وهو يقول ..: سأعلم من يكون وماذا يريد.. وإذا تعرض لك من جديد أخبرني.. "ثم أردف وهو يزفر بقوة ناظرًا للسيارة التي ملأتها الثقوب" تعالَ معي.. سوف أقلّك إلى منزلك.. ابتعد ليفانت عن السيارة وهو يرمقها بنظراته للمرة الأخيرة ثم استدار ولحق بكرم .. حالما استوى بمقعد الراكب سمع كرم يتكلم مع أحد رجاله وكل ما كان يفكران به أن التهديد يتعلق بليفانت لكونه رجل أعمال .. ليلتها وحالما وصل منزله اتصل بروسلين ليطمئن عليها.. وكان ثمة ما ينتظره أيضا وهي تخبره بأنها تحتاجه فتحرك بعجلة وتحدث مع مساعده ليأتي إليه بسيارة من الشركة ، كان الوقت يقارب الواحدة بعد منتصف الليل عندما وصل إليها ليجد المفاجأة الحقيقية بانتظاره .. غرفة وكأنها مقطوعة من صورة منزل مرمية وحدها في مكان خال تماما ... فارغة رثة وزوجته واقفة وعلى وجهها ابتسامة انتصار واضحة و كأنها قد نالت مرادها أخيرا و يقبع أمامها بالضبط رجل مقيد إلى كرسي خشبي و شخيره يعلو في صمت المكان ، قلّب نظراته في المكان حوله مجعدًا ملامحه باستغراب و تقزز ، اقتربت منه وقبلت خده فأبقاها قربه يحتضن كتفيها بذراعه ونظراته مصوبة على المقيد في المقعد أمامه وقال بهدوء..: ماذا يحدث هنا..؟ لفظت بسخرية وهي تبتعد عنه..: كما ترى عزيزي.. رجل مقيد ثمل يثير الاشمئزاز.. انتهيت من استجوابه منذ قليل والآن سألف حبلي حول عنق رئيسه.. كان ما يزال مصوبًا بنظراته عليه وهو يسأل بهدوء..: كيف استطعتِ جلبه إلى هنا..؟ قالها مشيرًا بيده إلى جسد الرجل المليء بالعضلات نسبيًا.. ابتلعت ريقها وهي تشتت حدقتيها فها قد حانت لحظة الحقيقة والتي تعلم أنها لن تعجبه إطلاقا.. حين طال صمتها نظر إليها وهو يزم حاجبيه ينتظر ردًا منها ، رطبت شفتيها وهربت بنظراتها من عينيه قائلة باعتراف وتردد خالطه بعض التوتر وهي مدركة لوقاحة ما فعلته ..: لقد جعلته يثمل ثم طلبت من رجلين مساعدتي بحمله إلى السيارة مدعية بأنه زوجي.. قبض ليفانت يديه والمعنى قد وصله واضحًا لا يحتاج لأي توضيح ، اقترب منها بسرعة وقبض على فكها بأصابعه القوية الطويلة تلفح بشرتها أنفاسه الحارة المتسارعة لافظًا بنبرة مشدودة كصفير رياح هوجاء..: جعلته يثمل روسي.. جعلته يثمل.. هل الآن أدركت شناعة فعلك..؟ أضاف كلماته الأخيرة بصراخ جعلها تجفل بتوتر وهي تحاول إبعاد قبضته عن فكها الذي تشعر بأنه تفتت من قوة يده ، ضغط عليها بحدة أكثر ثم نفضها بعصبية جعلتها تتراجع خطوتين للخلف وهي تمسد فكها بأصابعها الرقيقة ولازالت حتى الآن لا تنظر إليه ، زفر بقوة وهو يشعر بأنه يرزح تحت ضغط هائل من التوتر ، أغمض عينيه بشدة ممررا أصابعه في شعره يحاول استعادة بعض هدوءه وقال بعد مرور عدة دقائق ..: هل يعرف من تكونين..؟ نظرت إلى وقفته المنتصبة ورأسه الذي يرفعه عاليًا يحاول تنظيم أنفاسه وهمست بخفوت ..: لا .. انزل رأسه وهو يميل بوجهه جانبًا و نظراته مركزة على الرجل أمامه .. صور مختلفة لزوجته وهي تغوي هذا الرجل لتجعله يثمل ، صور أخرى وهي تحمله لهذه الغرفة الصغيرة وهو يستند عليها ، وصور أخرى ترتسم أمامه تصور له اقتراب هذا الرجل من زوجته بكل حرية ومع انه يثق بها وبأنها لن تسمح له بلمسها لكن ما يثير حنقه هو طرقها الملتوية لتصل إلى ما تريد ، التفت إليها لتواجهه بنظرات قوية يدرك بأن ورائها توجس وخوف منه وخير دليل على ذلك هو حركة حلقها ، استقرت عيناه على نحرها وهو يقول بصوت متصلب..: هل انتهيتِ منه..؟ غرزت أسنانها بزاوية شفتيها وهي تومئ بصمت.. أضاف بحدة ناظرًا لعينيها ..: ما المطلوب مني الآن ..؟ مسدت رقبتها وهي تهرب من نظراته التي تشعر بأنها ستحرقها وواثقة من أنه يتمنى ضربها الآن بقسوة وهذا فعلًا ما كان يريده ، لقد توتر اليوم بما يكفيه لأيام ولا يريد أن تكون كبش الفداء خاصته مع أنها تستحق ذلك ، لعقت شفتيها لتلفظ أخيرًا بخفوت ..: أريد أن تحمله لنضعه في مكان بالقرب من رئيسه.. و بتوضيح..: أريد أن أرسل له عن طريق هذا الرجل رسالة سيفهم محتواها .. سيتصرف بدون حذر وأنا سألتقط ثغراته التي سيخلفها بحمق.. فتح عينيه بدهشة مما سمع وهو يعيد ما حدث له اليوم.. هل كان الرجل الذي اعترض له يفكر هكذا..؟ أنه سيرتبك وسيفلت الثغرات بحمق..؟ تبًا تبًا.. عندما طال صمته واجهته بنظرات متوترة .. تستغرب من الدهشة التي احتلت ملامحه ، غضنت جبينها بريبه وهي ترى نظراته التي اشتعلت فجأة وصدره الذي أصبح يرتفع ويهبط بانفعالٍ واضح .. سألته بشك ..: ماذا.. ! هل حدث شيء..؟ أغمض عينيه ونفض رأسه و كأنه يخرج أحداث اليوم جميعها منه ثم قال بهدوء وهو يتجاهل الرد عليها ويتحرك نحو الرجل..: اذهبي لتفتحي مقعد سيارتك الخلفي.. تحركت بسرعة وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة ، قربت سيارتها لباب الغرفة ثم ترجلت منها ودخلت فوجدت ليفانت قد فك رباط الرجل و يحاول أن يجعله يستند عليه ، اقتربت قائلة بهدوء ..: هل أساعدك..؟ ابتلعت باقي كلماتها وهي تواجه شرارات النار المندلعة من عينيه الواسعة لتتراجع ببطء للخلف متابعة بعينيها ليفانت وغضبه الصارخ منها .. وضعه بسيارتها ثم أمرها أن تقود سيارته و غادرا المكان.. هي أمامه لتدله على موقع رئيس الرجل وهو خلفها يشتم بعنف وغضب و تمتمات الرجل غير المفهومة تصيبه بالغثيان.. عاد لواقعه وهو يشعر بأنه مراقب لترتفع عيناه غريزيا بحدة تواجه عينا الشخص أمامه لا تفصل بينهما إلا طاولتين.. عينين بنظرات وقحة متحدية له ، نظر إليه بتحدٍ مماثل فارتفعت زاوية فم ذلك الرجل بسخرية ثم وقف وتحرك لخارج المقهى وقد أوصل له رسالة محددة تلقاها ليفانت بغضب.. فإن كان قد تجرأ ودخل إلى مكان عمله فهو قادر على أن يدخل ذات يوم إلى منزله ويجده قابعًا أمامه.. ، طرقت على الباب ودخلت بعد أن سمعته يأذن لها بالدخول ، تقدمت نحوه حتى وقفت بجانبه وهي تمد إليه ببضع ملفات تحتاج إلى توقيعه ، أخذها ليوقع و حالما انتهى سألها ..: هل يوجد غيرها.. أجابت برقة ..: نعم يوجد.. ولكني أردت أن توقعها أولًا بأول حتى لا تتراكم فوق مكتبي وتصيبني باكتئاب حاد.. رفع نظراته بسخرية قائلًا ..: ما دمتِ لا تحبين عمل المكاتب لماذا اشترطتِ عدم خروجك للميدان.. أجابت ببساطة ..: لأنني أحب نفسي ..: عفوًا ..!! قالها باستغراب فأوضحت له بصراحة.. بما أنني قبلت العمل وتحسبًا لأي طارئ فقد يقبضون عليكما يومًا وأنا لا أريد أن اقضي حياتي المتبقية في السجن .. لذلك اشترطت عمل المكتب حتى لو كنت ابغضه.. كي لا أتورط بالأمر.. حبست ضحكتها من ملامح وجهه التي اعتلتها دهشة حقيقية من صراحتها وقد قال بتعجب..: ألا تهتمين إن طردتكِ من العمل بسبب صراحتكِ هذه ؟ قالت بثقة ..: أنا وأنتما لن نستطيع ترك بعضنا.. فـ لو طردتني مثلًا لن تضمنا أني لن أذهب لأبلغ عنكما لذلك ستتصرفان بشأني ، و في المقابل أنا لا استطيع الذهاب للحفاظ على حياتي.. رفع حاجبه بسخرية وهو موقن من صحة قولها ..: حسنًا .. لنغلق الموضوع ، إذا انتهيتِ من باقي العمل أنا بانتظاركِ مجددًا .. باستفزاز رقيق هتفت بسخرية ..: بالمناسبة ، أعمالكم الخيرية كثيرة ، يبدو بأنكما تحبان الخير.. كان قد عاد إلى ما بين يديه عندما وصلته سخريتها ، رفع عينيه بتحدي مدركًا لمعنى سخريتها ليقول ببرود ولا مبالاة ..: و نحن كذلك فعلًا.. فلتت منها ضحكة رقيقة متهكمة وهي ترتب الملفات وتخرج وحالما أغلقت الباب اتسعت ابتسامة احمد من سخريتها لتتحول لضحكة خفيفة ، إنها جريئة حقًا وواثقة من نفسها .. وتدب فيه حماسة العمل منذ بدأت بصخبها المحبب.. , بتهور تقود سيارتها متجاوزة للسيارات حتى أصبحت على الطريق السريع وما زالت بذات سرعتها ، وصلت إلى وجهتها لتوقف السيارة بحدة ، ترجلت بغضب و أغلقت الباب بعصبية ، وقفت تستنشق هواء البحر شاعرة به يدخل رئتيها باردًا وتزفره مشتعلًا ، صرخت بمرارة و بصوت عالٍ جدًا عندما مرّت من أمامها ملامح تلك الفتاة ، تبًا حتى وهي مغمضة لعينيها لا زالت تظهر صورتها أمامها وكأنها تسخر منها ، صرخت بانفعال شديد وتكررت صرخاتها وهي تركل مقدمة سيارتها و بهمهمة غاضبة ..: اللعنة ، اللعنة ، انه هو بملامحها ، استطيع أن أدرك هذا دون جهد ، اللعنة عليك .. جثت على ركبتيها بعد أن تعبت و أسندت رأسها على السيارة وهي تلهث من فرط انفعالها ، أغمضت عينيها بهدوء زافرة هواءً حارًا ليدخل إلى سمعها صوت أمواج البحر والهواء القوي يلطمها لتصدر صوتًا معترضًا ، شعرت ببرودة الهواء تطفئها وكأنها ماء بارد انسكب على رأسها .. بقيت على نفس وضعيتها حتى استعادت صفاء ذهنها ، ابتعدت عن السيارة وهي تعيد ترتيب شعرها بهدوء ثم استقامت تنفض من ملابسها التراب العالق فيها ، أعادت ترتيب نفسها وتقدمت بخطوات واهنة حتى وصلت إلى منحدر الهاوية ، نظرت إلى الأسفل غارقة بتأمل الأمواج وشعرها يتطاير حول وجهها وتفكيرها كان بعيدًا عن البحر أميالًا ، ماذا تريد منها تلك الفتاة..؟ هي حتى لا تعرف اسمها.. ؟ لن تجعل ماضيها يرتبط بحاضرها أبدا فهي قد تخلصت منه منذ زمنٍ بعيد بكل ما فيه ، ولكنها أيضًا مدركة بأن تلك الفتاة ستعاود المجيء ما دامت تعلم مكان عملها ، عليها أن تذهب للمركز لتجري تحرياتها حول ذلك ، و لكن سرمد... ؟ أغمضت عينيها بشدة عندما تذكرت حالتها الهستيرية أمامه منذ ساعات فقط.. لا بد بأنه قلق عليها ولديه فضول لمعرفة من تكون تلك الفتاة.. فتحت عينيها بنظرة مصممة ، فهي تعلم ما يجب فعله.. عادت بخطواتها إلى سيارتها لتستقلها وتعود بحال غير الذي وصلت فيه .. عندما وصلت إلى المركز دخلت بهدوء إلى غرفتهم المشتركة ، وجدت سرمد واقفًا أمام اللوحة التي يحللان فوقها الجرائم مستغرقًا بحل قضية بين يديه ، التفت إليها عندما سمعها تناديه ، اقترب مسرعًا واحتضنها بقلق فتمسكت هي بحضنه في المقابل وكأنها تبحث عن الأمان فيه من كل مخاوفها وماضيها .. أبعدها عنه ونظر إلى ملامحها الشاحبة ومرر نظراته عليها كاملة ليقول بقلق ..: هل أنتِ بخير..؟ أومأت وهي تقول بنبرة مرهقة مبحوحة ..: أريد مساعدتك.. ساعدها للوصول إلى المقعد مع أنها ليست بحاجة للمساعدة ولكنه قلق عليها فقط .. فتح زجاجة ماء وقدمها إليها وهو يهتف بعزم ..: سأساعدك سلافا ، مهما كان الأمر ، سأساعدك.. ابتسمت له بلطف وهي تشكره ونظراتها مصوبة لمكتب روسلين باحتياج ، نظر إليه هو الآخر وسأل بهمس ..: هل تفتقدينها..؟ باحتياج باحَت ..: احتاج لطرقها الملتوية لنيل ما تريد.. ربت على كتفها وهو يؤكد ..: تعلمين أنها ستلبي لكِ احتياجك ، كل ما يلزمك هو اتصال .. بلطف ..: أعلم ذلك.. سأكلمها اليوم.. ثم التفت إليه وهي تطلب منه معلومات خاصة ستفيدها بما تريد فعله.. , مساءً.. كانتا عائدتين من دورات المياه بعد أن تناولتا الطعام وكانتا على وشك الخروج عندما دخل رجلان للمطعم و صخب ضحكاتهما يصلهن بوضوح ، تجمدت روسلين وهي تتعرف على صاحب الضحكات من قبل أن تراه والذي لم يكن سوى ليفانت لتتسع عيناها بصدمة حالما رأت الواقف معه سحبتها سلافا بسرعة لدورات المياه مجددًا قبل أن ينتبها عليهما وصدمتها تساوي صدمة روسلين التي أخذت تتأتئ وتشير بحركات خرقاء للخارج وهي تحاول أن تنطق اسم ليفانت بصدمة ، كلاهما لديهما نفس الاستفهام ..؟ لماذا يتواجد أحمد وليفانت مع بعضهما وصوت ضحكاتهما الصاخب يملأ صالة الطعام ، وما مدى علاقتهما ببعض..؟ أما في صالة الطعام فقد جذبته الحركة عند دورات المياه للنساء حالما دخلا و هو منذ ذلك الوقت ينظر كل حين إلى هناك علّه يجد سبب اهتمامه الغير معروف ، وكلما مر الوقت ولم يخرج أحد من تلك الجهة يكبر الشك لديه إن كانت قد حدثت حقًا جلبة هناك أم لا .؟ عادت نظراته إلى ليفانت بعد أن جذبه لموضوع يناقشه فيه .. ، بعد ساعة .. زفرت روسلين وهي لا زالت لا تستوعب وجودهما مع بعض ، سألت سلافا للمرة الألف ..: هل رأيت ما رأيته أم أنا أتخيل..؟ وهي تجيب عليها بذات الكلمات ..: نعم لقد رأيت ذلك.. روسلين..: تبًا.. من أين يعرفان بعضهما.. يجب أن أعرف.. وافقتها سلافا بحركة من رأسها ثم قالت لتطمئنها وهي تعلم اتجاه أفكار روسلين والتي هي نفسها تفكر بالمثل: لا تحكمي عليه سريعًا روسي ، لنفهم الوضع أولًا .. قد تكون مجرد معرفة أو شراكة بأعمالهم الخيرية.. بتشتت هتفت روسلين..: أنا واثقة من ليفانت ، لكن وجودهما معًا وبهذه الطريقة دون كلفة أثارت ريبتي.. فلنأمل أنه كما تقولين.. احتضنتها سلافا مهدئة لها وهي تقول ..: يجب أن نخرج.. لا أظنهما لازالا في الخارج..قد مضت ساعة على كل حال.. لكن يجب أن تبقي هنا لأتأكد أولاً.. همست روسلين بهدوء وهي محتضنة لنفسها..: حسنًا.. وبعد لحظات عادت إليها لتخبرها بأنهما قد غادرا.. خرجتا من باب المطعم بعد أن ارتديتا معاطفهما ووضعت روسلين وشاحها حول عنقها مخفية فكها وشفتيها تحته.. حينها كان أحمد يستعد للمغادرة فلفت نظره هيئة يعرفها ، لم يتبين ملامح صاحبتها و لكنه رفع حاجبه بحدة وهو ليس مطمئنًا أبدًا ، التفت إليه ليفانت باستغراب عندما وجده لم يتحرك ونظراته شاردة للأمام ، نظر لنفس وجهته ليقابله الفراغ ولا شيء آخر.. ناداه مبتسما وملوحا بيده أمام وجهه مخرجا له من شروده فتحرك ولازال نظره على السيارة التي ركبتها المرأتان قبل دقائق ولم تتحركا حتى الآن. ، ، ، انــتــهـــى..