عند المغيب - الفصل 6 - بقلم طعون - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عند المغيب
المؤلف / الكاتب: طعون
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 6

الفصل 6

الفصل السادس.. تقود سيارتها بسلاسة تتابع بعينيها لتطبيق الخرائط أمامها فـ يبدو بأن موقع كورت بعيدًا.. نظرت من مرآة السيارة الجانبية لتلاحظ السيارة التي تتبعها ثم زفرت بضيق مجعدة لملامحها الهادئة، يضايقها أن كرم لم يعد يثق بقدراتها كما السابق فهو قد أصر على إرسال شخصين يكونا ملازمين لها ولكن بعيدًا عن أنظار أحمد و كورت تحسبًا لحدوث أي خطر، تذكرت شروط كرم الباقية لتفلت منها ضحكة مستمتعة ، متشوقة لردة فعلهم، حتمًا سيصاب كورت بنوبة غضب عاصفة فشروط كرم ستمس كبريائه العاتي، انتبهت لصوت التطبيق الآلي وهو يرشدها للطريق و يبدو بأنها شارفت على الوصول، نظرت إلى المكان الخالي نسبيًا أمامها إلا من بعض مباني متفاوتة في البعد ، موقع كورت الذي تعرفه كان خارج استانبول من الجهة الشرقية أما الآن فالموقع من الجهة الشمالية حيث تخلو الأراضي من المباني السكنية بطريق يؤدي إلى قرى خارج استانبول ، عندها أشار التطبيق بأنها قد وصلت إلى وجهتها.. أطفأت المحرك ثم فتحت الباب لتترجل بثقة ، ارتفعت نظراتها للسماء وكان وقت الزوال وقد بدأ اللون البرتقالي يطلي زرقة السماء بوهجه المتفاوت ، أعادت نظرها للسيارة وهي تغلق الباب ثم تحركت بنفس ثقتها.. ظهرت أمامها بوابة ضخمة يقف أمامها حارسان فاقتربت منهما وقالت بهدوء..: مرحبا.. أنا دينيز.. السيد كورت بانتظاري.. أومأ الحارس باحترام وهو يفتح لها الباب وقد دخلت مقيمة المكان بنظراتها و يبدو بأنها ستحبه فهي عاشقة للطبيعة وما تراه أمامها كـ قطعة من الجنة بخضار الأرض والأشجار العالية يمثل ذلك العشق المجنون ، قاطع تأملها صوت الحارس الآخر و هو يتقدمها و يفتح لها باب المنزل الداخلي ، شكرته بهدوء وهي تكمل خطواتها إلى الداخل.. قابلتها شابة شقراء بملامح جامدة تناقض لباسها الأبيض ووجهها الملائكي وكأنها طائر وقع على رأس كورت، غرزت أسنانها بباطن خدها وهي تحبس ضحكتها عندما تخيلت صاحبة الملامح الجامدة ترفرف فوق رأس كورت ، شتت نظراتها وهي تعلم بأن عينيها تفضح ضحكها المكتوم ، أخذت نفسًا عميقًا وهي تعاود النظر للواقفة أمامها لتقابلها تلك الشرارات التي تنطلق من عينيها الحانقة فابتلعت ضحكتها ابتلاعًا وهي تلاحظ نظرتها الحادة وكأنها قد قرأت أفكارها، تقدمتها الشابة بصمت وقد لحقت بها بصمت مماثل حتى وقفت أمام باب من الخشب المحروق مزخرف بالخط العثماني زخرفة أبهرتها وكأنها لوحة فنية ، طرقت الباب ثلاث طرقات متتالية قبل أن يصلها صوت كورت بصرامة سامحًا لها بالدخول ، أغمضت عينيها إغماضة سريعة وهي تأخذ نفسًا عميقًا لتزفره ثم مدت يدها إلى مقبض الباب وفتحته بهدوء ورسمت ابتسامة بسيطة على شفتيها ، قابلتها مكتبة أثرية ضخمة وخمنت أن كورت مهتم بالتاريخ حيث لفت نظرها مجسمات عثمانية متوسطة منتشرة بترتيب أنيق في المكان، كان أحمد متواجدًا وهذا طبيعي جدًا بعد أن اختصته بتبليغه قبولها تمهيدًا لباقي الشروط حيث رد عليها باختصار بأنهما سينتظرانها اليوم ليتما عقد الاتفاق إذا ناسبتهما شروطها ، استقاما واقفين لتحيتها ، صافحتهما و شد كورت على كفها قليلًا يعبر عن استياءه فرفعت حاجبها بالمقابل وهي تسحب يدها بهدوء فإن لم يكن يراها نداً له فهو مخطئ و قد أوضحت له ، جلست بعد أن أشار لها أحمد بالجلوس.. سألها كورت إن كانت تريد شيئًا لتشربه ، رفضت بلطف و قد كان من أهم شروط كرم لها أن تكون لطيفة ولطيفة جدًا ولا تحاول استفزازهما .. حينها قال كورت..: بلغني أحمد بموافقتك ولكن لديك شروط..! كانت إيماءة بسيطة من رأسها هي ردها على سؤاله اكتفى بها كورت وطالبها بأن تبدأ.. ساد الصمت قليلًا لتقطعه وهي تركز بنظراتها على كورت قائلة بثقة..: هما شرطين فقط .. إن اتفقنا بدأت بالعمل و إن لم نتفق لن أخرج من استانبول أو تركيا أبدًا إلا بقراري... كانت نظرات أحمد مستقرة عليها وقد سكنه الفضول لشروطها تلك والسبب وراء إعلامه بقبولها متجاهلة كورت وهو من عرض عليها العمل!! بثقة أردفت بعد كلمته.." حسنًا "..: أولا.. لن انزل للميدان أبدا.. سيكون عملي مكتبي.. سكتت تنتظر تعقيبًا من أحدهما ولكنها التزما الصمت فأكملت وهي تنقل نظراتها بين ملامح كورت السمراء وملامح أحمد الشقراء المناقضة تمامًا لكورت ، بذات ثقتها التي خالطها بعض الترقب و باستفزاز لم تتعمده.: سيكون عملي مع أحمد.. ازدردت ريقها وهي ترى الوجوم الذي اعتلى وجه كورت مضيقًا عينيه يرمقها بحدة ، أما أحمد فكانت الدهشة من نصيبه فلم يتوقع بأن يكون هذا شرطها ! نظر إلى كورت فوجده متماسكًا بأعجوبة مع أسلوب دينيز الاستفزازي.. كورت يحب أن يكون هو المسيطر دائمًا ولذلك دينيز تستفزه جدًا بثقتها ومواجهتها له ، أعاد نظراته لدينيز فقابلته حينها عينيها الزرقاء الشديدة الصفاء ، غضن جبينه من غموض عينيها ، لقد أشعلت فضوله من أول لقاء جميعها أسرار وعيناها اللوزية اللامعة تبدو له سرًا لوحدها ، سمع كورت يقول بصبر ليس من صفاته..: لماذا لا تريدين العمل معي آنسة دينيز..؟ روسلين تشير ببساطة..: لأنني لا أثق بك، والثقة شيء أساسي في أي عمل.. أطبق كورت جفنيه وهو لا يتحملها إطلاقا ، ضبط نفسه على شيء ليس معتادًا عليه كالصبر يجعله يوشك على الصراخ غيظًا.. زفر بعنف وهو يقول..: ولماذا لا تثقين بي..؟ روسلين باستنكار زائف..: لقد أطلقت علي النار بحق الله.. وقبلها قتلت والدي ولا زلت تسألني لماذا لا أثق بك..! ضربة من يد كورت المقبوضة على سطح المكتب أخرستها و قطعت كلماتها.. تدخل أحمد حينها وهو يهدأ كورت..: حسنًا.. ستعملين معي ، ستكونين مساعدتي الخاصة.. نظر إليه كورت بحدة فأومئ له أحمد بصمت بحركة معناها " ثق بي".. رد له كورت إيماءته بصمت مماثل.. وكل هذا تحت أنظار روسلين الواجمة.. , نظر لها أحمد ثم أردف بهدوء..: لنذهب إلى مكتبي كي أعلمك على أساسيات العمل و نكتب عقد الاتفاق.. ستبدئين العمل في الغد.. استقامت بسكون و خرجت خلف أحمد وهي تزفر توترها.. تبًا له ، لقد أخافها الحقير .. اللعنة ، غادرت بعد حلول الظلام وبعد تعلمها أساسيات العمل وأسلوبه.. لقد كانت شروطها هي شروط كرم الباقية، فهو يريد منها معلومات شاملة عن كل شيء ولن تستطيع جلبها له إذا لم تقترب من أحمد، فأحمد هو العقل و كورت هو التنفيذ ولذلك أراد منها كرم العمل معه، مدت يدها وسط ظلام السيارة لتخرج هاتفها الأساسي من صندوقها الجانبي، ضغطت على رقم ليفانت لكنها لم تحصل على رد منه ، أعادت الاتصال ولكن هذه المرة كان على هاتف كرم، أبلغته بما حصل كما اتفقا وكان من ضمن شروط كرم أيضًا، عندما وصلت لتقاطع تقسيم إشارة من يدها جعلت سيارة الحارسان تغادر من المنعطف التالي، تابعت قيادتها حتى وصلت وجهتها وكان الوقت يقارب الـعاشرة مساءً، ترجلت لتدخل المبنى بثقة ثم وقفت أمام المصعد لينفتح ويظهر لها ليفانت، ارتفع حاجبيها بمرح عندما رأت دهشته بوجودها أمامه وهي التي قالت له بأن لديها عمل وكان لتوه يفكر بطريقة تجعلها تأتي إليه.. تقدمت منه حتى وقفت أمامه وارتفعت على رؤوس أصابع قدميها ولفت ذراعيها حول عنقه محتضنة له ، احتضنها بالمقابل وهو يهمس مبتسما ..: ماذا حدث حتى تنازلت شمسي من عليائِها و أتت إلي..؟ قبلته على خده بطريقة طفوليه جعلت ضحكة صغيرة تفلت منه ثم ابتعدت عنه ونظرت لعينيه التي تحدق في عينيها برقة وهتفت بصدق..: هل تعلم بأني أحبك..؟ قد لا أقولها كثيرًا و لكنني أحبك جدًا.. اتسعت ابتسامة ليفانت أمام اندفاعها الصريح المفاجئ وقال بعينين ضاحكتين..: ما سر هذا الاعتراف الخطير..؟ حينها ضحكت وهي تتعلق بيده متوجهان إلى خارج الشركة..: لقد حصلت على عمل التفت إليها ليفانت برأسه مغضنًا جبينه باستغراب..: لكن أنتي لديكِ عمل حبيبتي !!.. ابتسمت وهي ترفع وجهها ونظرها له و لازالت متعلقة بذراعه قائلة..: دعكَ مني.. إلى أين سنذهب..؟ وقف حينها وأدارها لتصبح أمامه ووجهها المبتسم برقة مقابلا له ومد يده متحسسًا وجنتها الباردة بسلامياته ثم مرر سبابته على ثغرها وهمس بصوت خافت عميق ..: لمكان أستطيع تقبيلك فيه دون قيود.. قال كلمته الأخيرة وهو يمرر نظراته حولهما مشيرًا بعينيه إلى موقع شركته حيث تقع وسط مجمعات تجارية قبل أن يعود بها إلى عينيها يتوغل فيهما بعمق ودفء .., أسرتها نظرته كما أسرها العمق فيها وتلك المعاني التي لن تحتاج للكثير لتفهمها ، اتكأت بطرف جبينها على كتفه ثم رفعت نظراتها إليه وابتسمت لعينيه التي تفضح شوقه لكلمة " أحبك " التي قالتها.. رفع كفها وقبله بعمق ثم انزله ممررا أصابعه لتتداخل مع أصابعها مكملين سيرهما إلى سيارته.. أجلسها في مقعدها ثم استدار متوجهًا لمقعده، ما أن جلس وأغلق الباب التفتت إليه وقالت بحلاوة..: إلى أين ستأخذني..؟ ببساطة أجاب..: إلى المنزل.. ارتفع حاجبيها بصدمة قائلة..: أنتَ تمزح أليس كذلك..؟ انطلقت ضحكته بمرح عندما رأى صدمتها ونفى بتأتأه صغيرة ، غضنت جبينها ناظرة إليه بغيظ من ضحكاته التي تتعالى وعضت طرف شفتها السفلى وهي تفكر بطريقة تجعله يندم على اختياره للمنزل.. ، صباح اليوم التالي.. وصلت إلى مقر عملها الجديد عند التاسعة صباحًا و قد مرت ساعتين ولم يظهر أحمد بعد ، رفعت معصمها ناظرة إلى ساعتها اليدوية.. كانت xxxxبها تشير إلى الحادية عشرة و النصف ، زفرت بضيق من الصداع الذي أصابها من انحنائها على الأوراق فقد كان ينتظرها عمل متراكم أنهت أغلبه ، ليست متعودة على الجلوس هكذا طويلًا ولم تجد حتى الآن أي شيء مهم وهذا أمر طبيعي فهما لن يضعا من أول يوم أوراق عملياتهم الممنوعة أمامها ، أعادت رأسها للخلف وهي تمسد صدغها برقة ، فتحت عينيها وهي ما زالت على نفس وضعيتها لم تتحرك عندما سمعت صوت خطوات ثقيلة تعبر الرواق الذي يقع فيه مكتب أحمد ليظهر لها الأشقر كما تسميه سلافا وبيده كوب قهوة شقت رائحتها انفها ، اعتدلت في جلوسها وما زالت عيناها معانقة لعينيه ، قابلها بابتسامة لطيفة وهو يحييها بإيماءة من رأسه وردت له تحيته بصمت.. اقترب منها لينظر للأوراق بين يديها ولكومة الملفات التي تضعها على جانب الطاولة في الأرض ، قال بلطف..: يبدو أنكِ أرهقتِ نفسك أومأت وهي تنظر للملفات بجانبها على الأرض ثم قالت برقة..: لقد كان العمل متراكما وفضلت إنهاءه اليوم.. جلس على حافة الطاولة مستندا بقدمه اليسرى على الأرض ليرتشف قهوته بهدوء.. وضع الكوب على الطاولة وأخذ الأوراق التي كانت أمامها ، تصفحها بتركيز وهو يسألها..: هل لدي مواعيد اليوم..؟ هزت رأسها قائلة..: لديك موعد عند الرابعة فقط.. لم يعقب على قولها وهو يكمل قراءة الأوراق ثم رفع رأسه عندما وصله صوتها قائلة بفضول..: لماذا العمل متراكم هكذا..؟ أجابها بلا مبالاة..: لأني لا أحب أن أشغل وقتي بالعمل هكذا , كما أن مساعدتي قدمت استقالتها منذ أسبوع.. هزت رأسها بتفهم وعاودت سؤاله..: تبدو لا تحب الأعمال الحسابية? .. نظر لملامحها الصافية ولخصلات الذهب التي تحيط بوجهها ثم انزلقت نظراته إلى نحرها الذي يخفيه ايشارب صوفي ، عاد بنظراته لبحر عينيها الصافي لافظًا بسخرية..: وكيف اكتشفتِ ذلك..؟ روسلين بثقة..: منكَ أنت.. بالمناسبة.. ما هو تخصصك..؟ أضافت سؤالها بلطف منتظرة إجابته مركزة على ملامحه .. لتهتف فجأة..: أنتَ تحاول الكذب.. اتسعت عيناه بدهشة وهو يتأكد مما سمع، بتعجب..: ماذا..؟ بثقة أعادت كلماتها..: أنتَ كنتَ تحاول الكذب علي.. غضن جبينه وهو مندهش حقًا.. ابتلع دهشته ليهتف بسخرية يخفي خلفها فضوله..: وكيف عرفتِ ذلك..؟ بذات ثقتها و بنبرة عملية وهي تحرك القلم بأصابعها في حركة دائرية ..: لأنني عندما سألتك نظرت إلى اليسار ، لو كنتَ محقًا فأنتَ ستنظر نحو اليمين لأن الجزء الأيمن من الدماغ يحوي الذاكرة.. أما الجزء الأيسر فمهمته هي التفكير.. رفع حاجبيه باستحسان للمعلومة التي يعرفها للمرة الأولى ثم قال..: أنت تثيرين دهشتي.. هل استطيع سؤالك من أين لكِ المعرفة بذلك..؟ زمت شفتيها تخفي سخريتها فهي قد حفظت هذه المعلومة و طبقتها على المجرمين أمثاله ، استرخت بمقعدها وهي تضرب بالقلم على فخذها بطريقة رتيبة ثم لفظت بهدوء وهي مركزة بنظراتها على ملامحه الباردة وليست تعلم لماذا دائمًا تربط الملامح الشقراء بالبرودة..: لدي شغف لمثل هذه المعلومات.. أومأ بإعجاب وهو يقول..: يبدو بأن لديكِ الكثير لأكتشفه.. ابتسمت ببرود دون أن تعقب على كلماته.. ليفاجئها عندما قال..: ستأتي معي عصرًا بما أنكِ أصبحت مساعدتي.. عقدت حاجبيها باستياء لتلفظ بضيق..: لم تخبرني بأنني سأرافقك في مواعيدك.. رفع حاجبه بتحدي وصلها من كلماته..: هل هناك مشكلة..؟ زفرت بضيق وهي تنفي بهزة من رأسها ليستقيم أحمد وهو يدخل إلى مكتبه.. ، دخل إلى منزله بعد إرهاق ساعات العمل.. رن هاتفه بجيب بنطاله ، أخرجه متنهدا وهو يفتحه و يسأل بشكل مباشر..: هل تم الأمر..؟ على الطرف الآخر و بصوت غليظ..: تم الأمر سيدي.. ، صباح اليوم التالي.. جالسة خلف مكتبها ومنهمكة تماما في الأوراق بين يديها وكعادتها تنسجم في عملها درجة أن تصل للانفصال عما حولها ... إلا أن الظل الذي انعكس على المكتب أمامها والأنفاس التي شاركتها المكان جعلتها ترفع نظراتها ببطء وتوجس مرورا من منتصف جسد الواقف أمامها وقلبها ينبض بقوة حتى وصلت لملامحه ، صرخت بفزع وهي تقف على قدميها وصوت صرختها المدوية النافية قد جلبتهم إليها قائلة بخوف..: . . . . . . . انتهى..