نصفي الذي في السماء - الفصل الرابع لعنةُ الدقائقِ الأخيرة - بقلم KIRA-SH | روايتك

اسم الرواية: نصفي الذي في السماء
المؤلف / الكاتب: KIRA-SH
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع لعنةُ الدقائقِ الأخيرة

الفصل الرابع لعنةُ الدقائقِ الأخيرة

يقولُ الفلاسفةُ إنَّ القدرَ أعمى، لكنني أظنُّهُ يملكُ بصيرةً حادةً في اختيارِ اللحظةِ التي يقررُ فيها أن يصفعَ أرواحنا؛ فهو لا يضربُنا ونحنُ في قاعِ بؤسنا، بل يختارُ تلك القممَ الشاهقةَ من الفرحِ التي شيدناها بصبرنا، ليكونَ السقوطُ منها مدوياً. إنَّ أقصى درجاتِ الألم ليست في الحزنِ ذاته، بل في "التناقضِ" الصارخِ بين قلبٍ يستعدُّ للعناق، وواقعٍ يُهيئُ مقصلةَ الغياب. في ذلك اليوم، كان الزمنُ يبدو وكأنه انحازَ لصفنا أخيراً، ولم أكن أعلمُ أنَّ العقاربَ التي كانت تلدغُ ثواني الانتظار، لم تكن سوى أنيابِ عاصفةٍ تستعدُّ لابتلاعِ كوني. كان كلُّ شيءٍ في ذلك اليومِ يسيرُ بمحاذاةِ البهجة، بل كان الكونُ يرتدي حلةً من الضياءِ الخادع. كانت الهديةُ التي اخترتُها لها غافيةً بين يديّ، لكنني كنتُ أشعرُ بنبضِها تحتَ أصابعي كأنها كائنٌ حيٌّ يشاركني حماسي المشتعل. كنتُ أحسبُ الدقائقَ المتبقيةَ على لحظةِ اليقين، ذلك اللقاء الذي خبأتُ له سراً يليقُ بنقاءِ ملامحها، وكأنني بذاكَ الحسابِ لا أرصدُ الوقت، بل أرصدُ اكتمالَ عُمرِ سعادتي التي طالَ انتظارُها. كانت تفصلني ساعتانِ فقط عن تلك اللحظةِ الموعودة؛ مئةٌ وعشرونَ دقيقةً من الأحلامِ اليقظة، حيثُ كنتُ أرسمُ في مخيلتي بريقَ عينيها حينَ يلامسُ هديتي، وكيف ستفيضُ روحُها بالرضا الذي يُنسينا كلَّ أيامِ الحصار. كنتُ جالساً في ركنِ منزلي، غارقاً في هدوءٍ كان يبدو مسالماً لدرجةِ الريبة، هدوءاً يشبهُ ذلك الصمتَ الذي يسبقُ انفجارَ البراكين. كانت أنفاسي هادئة، وأفكاري تُحلقُ خلفَ الأسوار، تترقبُ بزوغَ الفجرِ في وجهِ من أحب. وفجأة.. دونَ سابقِ إنذارٍ أو نذير، انشقَّ صمتُ المكانِ ومزقَ سكونَ الروحِ صوتٌ حادٌّ، صوتٌ لم يخطئهُ قلبي أبداً، ولم تجرؤ أذنايَ على تكذيبه. كان صوتاً يحملُ في نبراتهِ رائحةَ الحطام، وصدى السقوطِ المرير.. صوتٌ جاءَ ليعلنَ أنَّ الحلمَ قد اصطدمَ بصخرةِ الواقع، وأنَّ الساعتينِ اللتينِ كنتُ أنتظرُهما، قد تحولتا إلى أبديةٍ من الفجيعة هناك لحظاتٌ في العمر لا يُسمع فيها صوتُ الزمن، بل يُسمع فيها صوتُ انشطارِ الوجود. لحظاتٌ يسقط فيها اليقينُ من عليائه، ليتركنا في مواجهةٍ عارية مع صمتٍ يصرخ، وفراغٍ يبتلعُ كلَّ ما كان مألوفاً. إنَّ التفكيرَ يتوقفُ تماماً حينَ تصبحُ الحواسُّ مرتهنةً لحدثٍ يفوقُ قدرةَ النفسِ على الاحتمال، فتتحولُ الخطواتُ إلى هروبٍ من حقيقةٍ لم تتشكل ملامحُها بعد. إنه صوتُ طلقاتِ نار.. صدىً لم يكن آتياً من أفقٍ بعيد، بل كان ينبعثُ من ذلك "الحيّز" الذي تسكن فيه روحي وملاذي. في تلك اللحظة، تجمّدَ الوجودُ في عيني، وكأنَّ عقاربَ الساعةِ قد كُسرت. سمعتُ صدى الرصاصِ يخترقُ جدرانَ مأوانا، حتى "سكّانُ داري" صرخوا من هولِ المفاجأة. ركضتُ بجنونٍ لا يملكهُ إلا من يرى ثباتَهُ ينهار، لم أكن أشعرُ بقدميّ وهما تلامسانِ الأرض، بل كنتُ أطيرُ بجناحينِ مُحترقين نحو مصدرِ الفزع. وقفتُ أمامَ بابِهم، ذلك البابِ الذي لطالما كان قِبلةً لآمالي، وأخذتُ أدقُّهُ بكلِّ ما أوتيتُ من خوفٍ وقلق، فجاءني الردُّ صراخاً عالياً، عويلاً مخيفاً يخرجُ من صدورِ "عشيرتِها"؛ صراخاً لا يشبهُهُ إلا نداءُ الاستغاثةِ الأخير، وكأنَّ كارثةً قد حطتْ رحالَها فجأةً لتقتلعَ السكينةَ من جذورها. دخلتْ "منبعُ وجودي" مسرعةً لتستكشفَ ما وراءَ العويل، وبقيتُ أنا وحيداً في ذلك الممر، قلبي يغلي كمرجلٍ فوقَ نارٍ مستعرة، وأفكاري تذهبُ وتجيءُ في تيهٍ مُطبق، باحثةً عن بصيصِ تفسيرٍ وسطَ هذا السواد. كانت الثواني تمرُّ كأنها دهرٌ من العذابِ الصامت. وحين خرجتْ إليّ أخيراً، كانت ملامحُها مسكونةً بالذهول، ووجهُها شاحبٌ كأنه قناعٌ من شمع. نظرتْ إليَّ بعينينِ لم أعرفهما من قبل، وقالت بكلماتٍ مرتجفة: "لقد أطبقَ الصمتُ الأبديُّ على الدار.. ثمةَ نورٌ انطفأَ هناك.. واغتالتِ الرصاصةُ سكونَ الروح!" في لحظاتِ الذهول الكبرى، يفقدُ العقلُ قدرتَهُ على التمييز؛ تصبحُ الوجوهُ مجردَ ظلالٍ باهتة، والأصواتُ طنيناً لا ينقطع في الرأس. يكونُ المرءُ حاضراً بجسده، لكنَّ روحهُ تقفُ على حافةِ هاويةٍ سحيقة، تنتظرُ يقيناً يرفضُ القلبُ تصديقَه. لكنَّ الحقيقةَ في هذا العالمِ صلفة، لا تجاملُ أحداً، وتأتي دائماً في أكثرِ صورِها عرياً وإيلاماً. في تلك اللحظة، لم أكن أدركُ هويةَ من أصابها الرصاص؛ حتى وصلَ "كبيرُ دارِها" يهرولُ والذعرُ يسبقُ خُطاه. وفجأة، انفتحَ البابُ وانشقَّ عن مشهدٍ لا يحتملهُ بصرٌ ولا بصيرة.. خرجَ الأبُ وهو يحملُ بين ذراعيهِ نوراً مُخضباً بدمِ الوداع، جسداً كان قبل قليلٍ هو مِحورَ كوني وأماني. نعم، إنها هي. إنها تلك النسمةُ التي أحيتْ مواتَ قلبي، ورفيقة الروح التي اختصرتْ جلال الوجود في ملامحها. كانت محمولةً كغزالٍ ذبيح، والدماءُ القانيةُ تكتبُ نهايةً مأساويةً ليومٍ بدأ بالبهجة. تسمّرتُ في مكاني، وشعرتُ بروحي تُسحبُ مني قسراً، وأنا أنظرُ إلى ذلك المنظرِ الذي يخلعُ القلوبَ من مآقيها. التفتُّ إلى "منبعِ وجودي" بنظرةٍ تائهة، نظرةٍ غارقةٍ في لُجّةِ الصدمة، وقلتُ لها بصوتٍ يخرجُ من حطامِ حنجرتي: "هل هي حقاً من طالَها الرصاص؟ هل هي مَن كانت تنتظرُ هديتي؟". لم أنتظرْ منها جواباً، فالجوابُ كان يقطرُ من بينِ ذراعي والدِها. ركضتُ نحو غرفتي بجنونِ من فقدَ ظلَّه، أغلقتُ البابَ على انكساري العظيم، وهناك.. في عتمةِ غرفتي، انهرتُ تماماً. انهارَ الجبلُ الذي تظاهرتُ به، وبكيتُ كما لم يبكِ إنسانٌ من قبل؛ بكيتُ الحلمَ الذي تشظّى بطلقةِ نارٍ طائشة، وبكيتُ عمراً سُرقَ مني في اللحظةِ التي كنتُ أظنُّ فيها أنني قد ملكتهُ أخيراً. في لحظات الفجيعة، يفتشُ الغريقُ عن قشةِ يقينٍ يتمسك بها؛ إذ يتحولُ أصغرُ أملٍ إلى طوقِ نجاة، وتصبحُ الأخبارُ المبتورة هي الزاد الوحيد الذي يقتاتُ عليه القلبُ ليبقى نابضاً. إنَّ المسافةَ بين البيتِ والمستشفى ليست أميالاً تُقطع، بل هي رحلةٌ عبرَ صحراءِ الاحتمالاتِ الموحشة، حيثُ تتصارعُ في الذهنِ صورُ الفقد مع ومضاتِ الرجاء. بعد أن خفتَ دويُّ الانكسارِ الأول خلفَ بابِ غرفتي، خرجتُ مُثقلاً بالصمتِ لأستفسرَ عن الحقيقةِ من "منبع حياتي"، فجاءني الخبرُ منها كبردِ السلامِ وسطَ الحريق: "إنَّ النورَ لم ينطفئ تماماً.. الرصاصةُ تعثرت في المسيرِ بعيداً عن مكمنِ الروح". في تلك اللحظة، شعرتُ وكأنَّ يداً حانية قد مَسحت على قلبي المحروق؛ فأنْ يخطئَ الموتُ وجهتَهُ يعني أنَّ القدرَ قد تركَ لنا فسحةً للتنفس رغم فداحة الجروح. اتصلتُ برفيقي المقرّب فوراً، ولحقنا بهم كالمجاذيب الذين يبحثون عن قِبلتِهم الضائعة. في تلك الممراتِ الباهتة للمشفى، كان قلبي يغلي كمرجل، وكنتُ أريدُ فقط أنْ أطمئنَّ على وجودِها، أنْ تلامسَ عينايَ حقيقتَها لأصدقَ أنها لا تزالُ تشاركني هذا العالَم. لكنَّ الحواجزَ كانت هناك أيضاً، تقفُ بيني وبينها كجبالٍ عتيدة، أقوى من رغبتي وأشدَّ قسوةً من وجع الطلقة. عدتُ مع رفيقي إلى منزله، وجلسَ يحاولُ تهدئةَ روعي وتسكينَ فزعي، مؤكداً لي أنَّ الجراحَ لن توردَها المهالك. هدأتُ ظاهرياً، لكنَّ لُبّي ظلَّ هناك، معلقاً على حافةِ سريرها الأبيض، يتنفسُ مع كلِّ شهقةٍ توجعها. وفي سكونِ ذلك القلق، قطعتُ عهداً جديداً صاغتهُ الدموع: > "عندما تخرجين من تلك الغرفِ الباردةِ متعافية، لن أحملَ لكِ تلك القطعَ المعدنيةَ وحدها، بل سأحملُ روحي في باقةِ وردٍ وأضعُها بين يديكِ كشاهدِ وفاءٍ وشكر.. سنغسلُ غبارَ الفاجعةِ عن ثيابِنا، ونبدأُ الحياةَ من جديد، وكأنَّ الرصاصةَ لم تكن إلا صرخةَ ميلادٍ ثانية لحبنا." > غسقُ الفجيعة: حينَ يتضاعفُ النصل الليلُ في حضرةِ الألم لا يمرُّ كالساعات، بل يزحفُ كأنهُ دهرٌ مُثقلٌ بالأصفاد. وحين يسكنُ قلبُكَ في ممراتِ المستشفيات، تصبحُ جدرانُ غرفتكَ سجوناً ضيقة، ويتحولُ صمتُ المكانِ إلى وحشٍ يتربصُ بملامحكَ القلقة. كنتُ غارقاً في لُجّةِ تفكيري، والنارُ تنهشُ صدري في انتظارِ أيِّ إشارةٍ عابرة، تخبرني بأنَّ مَن أحبُّ قد استعادتْ وعيها، وأنَّ الروحَ قد عادت لتُزهرَ في جسدِها من جديد. لكنَّ المساءَ لم يحملْ لي السكينة، بل ألقى على كاهلي خبراً زلزلَ ما تبقى من أرضي؛ لقد كشرَ العدمُ عن أنيابهِ بأكثر مما احتملَ خيالنا. لم يكتفِ الغدرُ بطلقةٍ واحدةٍ في ساقِها، بل كانت رصاصتان؛ واحدةٌ نالتْ من قدمِها، والأخرى تسللتْ بغدرٍ لتسكنَ في أسفلِ ظهرِها.. هناك حيثُ تكمنُ ركيزةُ القوامِ ومحورُ الوجود. في تلك اللحظة، انهارَ كلُّ ما شيدتُهُ من صمودٍ زائف. تهاوتِ السدودُ التي حبستُ خلفها خوفي، واستوطنَ اليأسُ أركانَ قلبي كأنهُ صاحبُ الدارِ القديم. لم يكن ليلاً عادياً يطويهِ النعاس، بل كان مخاضاً عسيراً من الوجعِ المُرّ. لا أُداري خجلاً حين أقولُ إنني كنتُ أهوي بدموعي تحتَ فراشي في بكاءٍ صامتٍ يمزقُ الأحشاء؛ كنتُ أواري انكساري عن أعينِ البشر، وأسكبُ جمرَ قلبي في محرابِ السجود. كنتُ أتوسلُ اللهَ في دعائي، بقلبٍ يرتجفُ كغريقٍ يلمحُ اليابسةَ من بعيد، أنْ تمرَّ العمليةُ الجراحيةُ بسلام، وأنْ يُردَّ إليّ ذلك النورُ الذي لولاهُ لغرقَ كوني في عتمةٍ سرمدية. [وتلاقت الأرواح: في المنام حلمٌ ليته لم ينتهِ] وفي زحامِ ذلك التفكيرِ الذي لا يهدأ، وبينما كانت دموعي عالقةً على أطرافِ عينيّ كشظايا بلورٍ مكسور، غلبني النومُ من فرطِ الإعياءِ الوجداني. وهناك، في سكونِ العتمة، انفتحتْ لي نافذةٌ على عالمٍ لا يحكمُه الرصاص؛ عالمٍ وُلد من رحمِ أشواقي الضائعة. رأيتُني أمشي في ليلٍ ساكنٍ كصلاةِ العابدين، كنتُ أحملُ ثِقَلها فوقَ ظهري، لكنه لم يكن ثِقلاً، بل كان كينونةً قُدَّت من ضياء، وكأنَّ جراحاتِ الأمس قد ضُمّدت بلمسةٍ غيبية. كنا نسيرُ والسكينةُ تتدفقُ من ثنايا صمتنا، كانت ملامحُها تفيضُ بابتسامةٍ سماوية، وكأنَّ وجهَها قد تصالحَ مع الحياةِ أخيراً. دخلنا مأواي، وهناك تجلّى وجهُ "الأصلِ والمنبت"؛ لم يكن الخوفُ ثالثنا، ولم تكن قوانينُ الأرضِ والتقاليدِ حاضرةً لتُفسدَ علينا هذا الالتحام الروحي. سقطتْ جدرانُ الرهبة، وجلسنا نقتسمُ لحظاتٍ من الأُلفةِ التي تسبقُ الكلام. في تلك اللحظة، سرتْ في جسدي حرارةٌ مجهولةُ المصدر، كأنَّ تياراً من الطمأنينةِ يتدفقُ من كيانِها ليملأَ فراغَ روحي. نظرتُ إليها طويلاً، أتملّى في ذلك البريق الذي غابَ خلفَ غبارِ الفجيعة، قبل أن تتوارى ببطء كأنها طيفٌ عاد لمستقره، تاركةً خلفها أثراً من نُورٍ لا يزول. وفجأة.. استيقظتُ. كان الواقعُ يربضُ عند حافةِ السرير كجلادٍ ينتظرُ ضحيتَه. انكسرَ ذلك الدفقُ النوراني، واصطدمتُ ببرودةِ الفراغ، لتجدني اليقظةُ وحيداً في مواجهةِ الحقيقةِ الصالدة. لم يكن استيقاظي مجردَ انتباه، بل كان ارتطاماً عنيفاً بصخورِ الذاكرة؛ عادت الدماء، وعاد ثقلُ الطلقاتِ التي غدرت بظهرِها وساقِها. نهضتُ وأنا أوجهُ سؤالي المشروخ إلى جوفِ الغرفة: "هل كان ذلك الضياءُ بشارةَ بقاء، أم كان تسليماً أخيراً لسطوةِ الغياب؟". كان قلبي يغلي في صدري كمرجل، وكنتُ أنتظرُ يوماً جديداً، واجفاً بين أملٍ يصارعُ الموت، وخوفٍ يوشكُ أن يجهزَ على ما تبقى من رمادِ روحي. سُقوطُ السَّماء: حِينَ يَنطَفِئُ الكَونُ بكلمة مرَّ الوقتُ مُثقلاً بقيودٍ من حديد، كأنه دهرٌ حُكمَ علينا أن نقضيه في غرفِ الانتظارِ المظلمة. وفي مساء ذلك اليوم، كنتُ لا أزالُ أتشبثُ ببقايا ذلك الحلمِ النوراني، كغريقٍ يرفضُ أن يتركَ آخِرَ قطعةِ خشبٍ وسطَ الطوفان. لكن، وبمجرد أن وطأتْ قدمايَ عتبةَ "المستقر"، شعرتُ برعشةٍ غريبةٍ تسري في الهواء، وكأنَّ الأكسجينَ قد انسحبَ من المكان ليتركَ مكانهُ غباراً جنائزياً. كان الصمتُ هناك يملكُ صوتاً، صوتاً يهمسُ في أذني بأنَّ كُلَّ شيءٍ قد تبدّل، وأنَّ الأرضَ التي أقفُ عليها لم تعد هي الأرض. رأيتُ بابَ مأوانا مُوصداً بالأقفال، في مشهدٍ غريبٍ يبعثُ على الريبة؛ فالبابُ الذي لم يُغلق يوماً في وجهي، بدا الآن كأنهُ يسدُّ الطريقَ أمامَ عودتي للحياة. وبينما كنتُ أعبرُ الممر، انشقَّ سكونُ المكانِ عن نحيبٍ لا يُمكنُ لعقلٍ بَشريٍّ أنْ يحتملَه، عويلٍ مُرٍّ ينبعثُ من داخلِ "حَيّزِها"؛ نحيباً يمزقُ أحشاءَ الصمتِ ويُعلنُ أنَّ الكارثةَ قد نصبتْ خيامَها أخيراً. في تلك اللحظة، تجمدتْ الدماءُ في عروقي، ورفضَ لُبّي أن يُترجمَ معنى ذلك العويل. وفجأة، انفتحَ البابُ وخرجَ "أصغرُ أغصانِ عائلتي"؛ كان يحملُ مفتاحَ دارنا، لأنَّ "الأصلَ والمنبت" وكُلَّ مَن في الدارِ قد هجروا السكينةَ ليكونوا هناك، في قلبِ الوجع. نظرتُ إلى ملامحِ الصغير، فرأيتُ في عينيهِ شيخوخةً مفاجئة؛ كانت ملامحهُ هي الكتابَ الذي كُتبتْ فيه النهايةُ قبل أن ينطق. اقتربَ مني بخطىً مُتعثرة، مدَّ يدهُ بالمفتاحِ كأنهُ يُسلمني مفتاحَ عزلتي الكبرى، ثم نطقَ بالكلمةِ التي جعلتِ الأرضَ تَهوي بي في سحيقِ العدم. لم تكن كلمةً، بل كانت نَصلاً بارداً قطعَ آخِرَ خيطٍ يربطني بالحياة. ألقى إليَّ بالخبرِ الذي أطفأَ قناديلَ الوجودِ في عينيَّ إلى الأبد: «لقد انطفأَ النورُ الذي كنا نقتبسه.. لقد استردَّت السماءُ وديعتَها.. ورحلَ اليقين». هناك صدماتٌ من العظمةِ والقسوة بحيثُ لا تسعُها الدموع، صدماتٌ تُصيبُ الحواسَّ بالشلل، وتجعلُ الزمنَ يتوقفُ عند نصلِ الكلمةِ الأخيرة. في تلك اللحظة، لا يبكي المرءُ بعينيه، بل يبكي بجموده، بصمتهِ الذي يشبهُ صمتَ القبور، وببرودةِ أطرافه التي تعلنُ انسحابَ الحياةِ من جسدٍ صارَ فجأةً خاوياً من كُلِّ شيء إلا الذهول. إنها اللحظةُ التي يقفُ فيها الإنسانُ عارياً أمامَ قدرٍ لا يُرد، حيثُ ينهارُ اليقينُ ويصبحُ الغيابُ هو الحقيقةَ الوحيدةَ الصامدة وسطَ حطامِ الأحلام. لم أستوعب. لم تذرفْ عينايَ قطرةً واحدة في تلك اللحظة، بل شعرتُ ببرودةٍ غريبةٍ وجليديةٍ تجتاحُ مساماتِ جسدي. تناولتُ المفتاحَ من "أصغرِ أغصانِ الدار" بحركةٍ آلية، ودلفتُ إلى صومعتي وحيداً. ارتميتُ في عتمةِ غرفتي، وأوصدتُ البابَ على حطامي، وجلستُ في ذلك الظلامِ الدامس أحاولُ تفكيكَ شيفرةِ الفاجعة: "هل انطفأتْ حقاً؟". كيفَ لذلك الضياءِ الذي حملتُهُ في برزخِ المنام، أنْ يُوارى خلفَ حجبِ التراب؟ كيفَ ترحلُ مَن كانت ميثاقي مع الحياة؟ بدأتْ جدرانُ الغرفةِ تضيقُ وتطبقُ على أنفاسي، وكأنَّ الغرفةَ صارت تابوتاً ضيقاً، وفجأة.. انهارَ سدُّ الصمتِ وانفجرَ بركانُ القهر. سقطتُ على الأرضِ كبناءٍ نُزعتْ قواعدُه، وانهرتُ تماماً في نوبةِ بكاءٍ لم يعرفُ مَرارتَها بَشرٌ من قبل. كنتُ أصرخُ باسمِها في سري وجهري، وأرددُهُ كأنهُ "التعويذةُ" الأخيرة التي قد تشقُّ كفنَ الغيابِ وتعيدُها إليّ. كنتُ أبكي وأتوسلُ الخالقَ في سجودٍ ممزوجٍ بالنشيج أنْ تحدثَ معجزةٌ تُعيدُ ترتيبَ هذا الوجود؛ أنْ يطرقَ البابَ ويخبرني أحدهم أنَّ "أصغرَ أغصانِ الدار" قد أخطأَ الخبر، أو أنني لا أزالُ عالقاً في كابوسٍ سأفيقُ منهُ بعد قليل. بكيتُ في تلك العتمةِ بكاءً يخرجُ من أعمقِ جراحاتِ الروحِ التي انشطرتْ لنصفين. كنتُ أُكذّبُ الحقيقةَ المُرّة بكلِّ ما أوتيتُ من وَهم، وأنتظرُ معجزةً ترممُ لي "وطني" الذي سُلبَ مني بطلقتينِ غادرتين، تاركتينِ خلفهما جسداً حياً بقلبٍ ميت.. بكيتُ في خلوتي، لا اعتراضاً على مشيئةِ مَن وضعَ الروحَ واستردَّها، بل عجزاً ينهشُ النخاعَ أمامَ حُلمٍ رأيتُهُ في مَنامي يضحكُ كفجرٍ وليد، واستيقظتُ لأجدهُ في واقعي يُكفّنُ بصمتٍ جنائزيٍّ مُهيب. إنَّ المسافةَ بين ضحكتِها فوقَ ظهري في الرؤيا، وبينَ برودةِ الحقيقة، هي المسافةُ التي انكسرَ فيها ظهري إلى الأبد. أدركتُ في تلك اللحظةِ الموحشة، أنَّ أقسى أنواعِ الغُربةِ ليستْ في اجتيازِ الفيافي أو النزوحِ عن الديار، بل أنْ تسكنَ الديارَ وتألفَ ملامحَ جدرانِها، بينما يغيبُ عنها مَن كانَ هو "الدّار" وهو المأوى وهو السكينة. لقد صارَ الكونُ بأسرهِ مَنفىً ضيقاً لا يتسعُ لزفرةٍ واحدةٍ من زفراتِ قهري. لقد بقيتُ وحيداً، أواجهُ مَصيري ومعي تلكَ الرموزُ المعدنيةُ التي صِيغت لتُطوّقَ المستحيل، فصارت الآنَ شاهدةً على انكسارِ الزمنِ بين يديّ. بقيتُ مع يقينٍ مُرٍّ كالعلقم، بأنَّ المعجزاتِ لا تَطرقُ دائماً أبوابَ مَن يستحقونَها، وأنَّ بعضَ العهودِ والوعودِ لا تُكتبُ بحبرِ اللقاءِ فوقَ ورقِ الورد، بل تُحفرُ بدمعِ الفراقِ في ديوانِ الخلودِ الذي لا يمحوهُ غياب. بعد ساعاتٍ من النحيبِ الذي استنزفَ كلَّ ذراتِ طاقتي، تمالكتُ ما تبقى من حطامي ونهضت. لم أكن أملكُ وجهةً، لكنَّ روحي كانت تنجذبُ بالفطرة نحو "الركنِ الشديد"، نحو الصديقِ الذي كان مستودعاً لكلِّ نبضةِ وفاءٍ سكنت صدري تجاهها. في تلك اللحظة، لم تكن أطرافي هي مَن تحملني، بل كان الألمُ هو المحركُ الوحيد لجسدي. وفي منتصفِ الطريق، تراءى لي طيفُه قادماً؛ كان النبأُ قد سبقهُ إليّ، فجاءَ مَذعوراً يفتشُ عن بقاياي. مشينا معاً نحو مأواه، وفي تلك المسافةِ القصيرةِ الطويلة، غمرتني حالةٌ من "الذهولِ الوجودي"؛ كان صمتي أبلغَ من أيِّ رثاء. كنتُ أرمقُ الفراغَ بعينينِ ذابلتين، وأحاولُ في عبثٍ يائس أنْ أفهم: كيفَ يمكنُ لضحكةِ الحلمِ الدافئة أنْ تتحولَ إلى صمتِ القبورِ الجليديّ؟ كانت دموعي تهطلُ دونَ نَحيب، وكأنها تحاولُ يائسةً غسلَ غبارِ الفجيعةِ الذي علقَ بالذاكرةِ كنصلٍ مسموم. قطعَ صديقي حبلَ صمتي الموحش، وقال بنبرةٍ يملؤها الأسى وتغلفُها الحكمة: "هذا قدرُ اللهِ يا رفيقي.. اصبر، فإنَّ مَن كان "يقينك" في الأرض، سيظلُّ "نورك" في الأبد". ثم نظرَ إلى عينيّ المُنكسرتين، وكأنهُ يقرأُ فصولَ انهياري، وأضاف: "ومهما حدث، تذكر أنَّ الموتَ لا يطالُ الجوهر؛ الأجسادُ قد تترمد، لكنَّ ميثاقَ الأرواحِ لا تَبلى عُروته". لم تَجد كلماتُه سبيلاً لإطفاءِ الحريقِ الذي يلتهمُ أحشائي، لكنها كانت اليدَ الوحيدةَ التي امتدتْ لِتنتشلني من قاعِ بئرِ اليأسِ المظلم. كنتُ أسيرُ بجانبهِ كطيفٍ بلا وزن، أشعرُ أنَّ الأرضَ قد تبرأتْ من قدميّ، وأنَّ الجاذبيةَ لم تعد تعني لي شيئاً. في تلك اللحظة، لم أفقدها هي فحسب، بل فقدتُ كينونتي معها؛ شعرتُ بغربةٍ موحشةٍ تجتاحني، حتى كأنني صرتُ غريباً عن اسمي، وعن وجهي، وعن نفسي التي لم تعد تعرفُ طريقاً للعودة. في تلك الليلة، كان مأوى صديقي يغرقُ في سكونٍ مطبق. كنتُ في "وادٍ غيرِ ذي زرع"، غارقاً في لُجّةِ محيطٍ من الأسئلة الوجودية: "لماذا انطفأتِ الشعلةُ في ذروةِ اشتعالِها؟ وكيفَ سقطَ الهيكلُ كله في طرْفةِ عين؟". لم يكن لُبّي يصدقُ أنَّ الملحمةَ التي صُغناها بدمِ القلب وعنادِ الأرواح، يمكنُ لعَبثِ الأقدارِ أن يضعَ لها "نقطةَ غياب" في ذروةِ اشتعالِ اليقين. وقبل أن يجهزَ الوجعُ على ما تبقى من وعيي، قمتُ أتوضأُ ببرودةِ الصبر، لعلَّ الماءَ يغسلُ نيرانَ الفجيعةِ عن وجهِ روحي، ووقفتُ بين يديّ الله في ركعتين؛ لم يكن سجودي فيها انحناءً جسدياً فحسب، بل كان ارتماءً كاملاً في حضنِ الرحمةِ الإلهية، فراراً من ضيقِ الأرضِ إلى سعةِ السماء. هناك، فوقَ تلك السجادة، انفجرَ مخزنُ الدموعِ الذي حبستُه طويلاً؛ بكيتُ في سجودي بكاءَ مَن لا مَلجأ له إلا هناك. دعوتُ لها بالرحمةِ التي تليقُ بنقائها، وتوسلتُ إلى الجبارِ أنْ يجمعَ شتاتنا في "فردوسهِ" الأعلى، ما دامَ قد قدّرَ لنا اليُتمَ في هذه الدنيا. دعوتُ بقلبٍ يشتعلُ قهراً أن يربطَ على قلبي المكلوم، ويخففَ عني وطأةَ هذا الفراق الذي لم يكتفِ بجرحِ روحي، بل نهشَ كينونتي حتى آخِرِ رمق. أرشيفُ الضَّياع: حِينَ تَتجَسدُ الذِّكرى كَنَصل وعندما انقضتْ صلاتي، ألقيتُ بجسدي المنهكِ فوقَ الفراش، لكنَّ النومَ كانَ أبعدَ ما يكونُ عن أجفاني؛ فالنومُ سَكينة، وروحي كانت ساحةً لحربٍ لا تهدأ. في تلك العتمة، بدأ شريطُ الذكرياتِ ينسابُ أمامَ بصيرتي كعرضٍ سينمائيٍّ تراجيديّ، يستعرضُ فصولاً من عمرٍ ذهبَ ولن يعود. تذكرتُ كَيفَ نبتتْ حكايتنا من بينِ أشواكِ المستحيل، وتلك العهودَ التي صُغناها تحتَ سقفٍ واحدٍ كانَ يضيقُ بالخوفِ ويتسعُ بالحُب. رُحتُ أستحضرُ وجهَها الذي كان يضيءُ غسقَ أيامي، وابتسامتَها التي كانت "الملاذَ الوحيد" من وعثاءِ الطريق. فكرتُ في ذلك "الكونِ المصغر" الذي شيدناهُ بعنايةِ الفلاسفةِ وشغفِ المجاذيب، وفي المستقبلِ الذي رسمناهُ ملوّناً، فإذْ بهِ ينقلبُ إلى لوحةٍ باهتةٍ مفرغةٍ من كينونتِها. كيفَ ليقينٍ بهذا الحجم أنْ يتبدد؟ وكيفَ لركيزةِ الوجودِ أنْ تُقتلعَ من مكمنِ الروح بهذهِ الفجاءةِ الصالدة؟ لقد كانت الأصدقَ في زمنِ الزيف، والأجملَ في قبحِ الواقع. لم يكن في "قاموسِ أحلامنا" متسعٌ لكلمةِ رَحيل، فإذْ بها تُكتبُ كخاتمةٍ قسريةٍ في كتابنا المفتوح. استمررتُ في تقليبِ صفحاتِ وجعي، ومطالعةِ تفاصيلِ قصصنا التي لم يدرِ بها بشر، حتى أهلكَ التفكيرُ قواي، واستسلمَ جسدي المُنهكُ لسباتٍ عميقٍ لم يكن نوماً، بل كان "غيبوبةً" هربتْ إليها الروحُ من بؤسِ الاستيقاظ. في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتُ في منزلِ صديقي، والهدوءُ يملأ الغرفة، لكنه لم يكن هدوء السكينة، بل كان هدوءاً جنائزياً يشبه صمت القبور. ما إن فتحتُ عينيَّ حتى انقضّت "هي" على ذاكرتي؛ كنتُ أتمنى، وبكلِّ ما أوتيتُ من عجزٍ، أن يكون كلُّ ما مررتُ به مجرد ضبابٍ عابرٍ سيتبددُ أمامَ إشراقِ وجهها من جديد، وأنني سأجدها لا تزال هناك، تبتسم خلف جدارنا المعتاد. كان صديقي يستعدُّ للذهابِ إلى جامعته، ولم أكن أحتملُ فكرةَ البقاءِ وحدي، ولا فكرةَ العودةِ إلى منزلي؛ فالمكانُ هناك صار فخاً للذكريات التي تنهشُ الروح. قررتُ الذهابَ معه، لا رغبةً في رؤيةِ العالم، بل فراراً من الجغرافيا التي خذلتني. حملتُ "بطانيتي" معي، وتلفحتُ بها في السيارة وكأنني أحاول الاختباءَ داخلها من فجيعتي. وعندما وصلنا، نزلَ هو لِانشغالاتهِ، وبقيتُ أنا وحيداً في ذلك المَخبأ الحديدي. أحكمتُ إغلاقَ البطانيةِ حولي، والتمستُ الدفءَ في غمرةِ برودتي الداخلية؛ هناك، وسط ضجيج الحياة البعيد، استسلمتُ لنومٍ قسريٍّ مضطرب. نمتُ هرباً من واقعٍ لا يرحم، وغرقتُ في سباتٍ يشبه الغيبوبة، متمنياً ألا أستيقظَ على حقيقةٍ خلت من وجودها. وعند العودة، وطأت قدمايَ عتبةَ منزلي، فصفعتني كآبةُ المكانِ ببرودةٍ لم أعهدها قط؛ وكأنَّ جدرانَ البيتِ قد لَفَظت روحَها برحيلها. هنا فقط، انهارَ آخِرُ معاقلِ الإنكارِ في داخلي، وأدركتُ بيقينٍ يمزق الحشا أنَّ هذا ليس مَناماً. لم أحتمل البقاءَ ثانيةً واحدةً في سكونِ الدار، ركضتُ إلى غرفتي وأوصدتُ الباب، وانفجرتُ بنحيبٍ مروعٍ كبكاء مَن تاهَ عن ملامحِ أمانهِ في زحامِ العدم؛ كنتُ أردد اسمها بصوتٍ مشروخ، وكأنني أنادي روحاً قد تاهت عني في غياباتِ القدر. .لم تمضِ ساعةٌ حتى عدتُ لاجئاً إلى سكونِ صديقي، فراراً من جدرانِ بيتي التي تحولت إلى شواهدَ حيةٍ على وعودٍ لم تكتمل. كان المكانُ يضيقُ بي، فكلُّ زاويةٍ فيهِ كانت مرآةً تعكسُ لي وجهاً غاب، وصوتاً سكن. كان صديقي يحاولُ رتقَ ثقوبِ روحي، لكنَّ قلبي كان قد أعلنَ اعتصامَه خلفَ أسوارِ "الإنكار"؛ ففكرةُ الرحيلِ النهائي كانت زلزالاً يفوقُ قدرةَ الوعي على الاحتمال. وفي تلك الليلة، فزعتُ إلى الصلاةِ كما يفزعُ المكلومُ إلى ركنٍ شديد. وبمجردِ أن استسلمَ جسدي لِفراشِ الغربة، بدأ "الليلُ" يمارسُ طقوسَهُ الوجوديةَ في نهشِ فؤادي. تمثَّلَ أمامي شَبَحُ الغد؛ يومُ "الوداع الأخير".. اليومُ الذي ستستردُّ فيه الأرضُ وديعتَها، ويُسدلُ فيه الستارُ الترابيُّ على أجملِ حكاياتِ العمر. كنتُ أعيشُ صراعاً بينَ حقيقةٍ لا تُطاق ووهمٍ لا يرحم؛ أتمنى بكلِّ ذرةِ انكسارٍ أن يكونَ هذا القهرُ مجردَ غيمةِ كابوسٍ ستنقشعُ مع الفجر، لِأجدَها في مكانِها المعتاد. لكنَّ لُبّي كان يدركُ أنَّ هذا التمني ليس إلا دِرعاً نفسياً، وحصناً من الخيالِ شيدتُه لأتحاشى السقوطَ في هاويةِ الصدمةِ القاتلة. جلستُ مع نفسي في خلوةٍ موحشة، أُحاكمُ خوفي وقلقي: هل سيقوى قلبي، الذي لم يَرها إلا أيقونةً للنور، على رؤيتِها وقد توارتْ خلفَ بياضِ الوداع، مُسجاةً في سكونِ الأبد؟ كيفَ لي أنْ أشهدَ ملامحَ "النهار" في حياتي وهي تُحجبُ خلفَ ستائرِ الأرضِ المنيعة؟ كنتُ أتأرجحُ بين نصلين؛ شوقٌ يحثني لِلُقياها للمرةِ الأخيرةِ ولو فوقَ نعش، وعجزٌ يكبّلُ روحي عن رؤيةِ ذاك المشهدِ الذي سيختمُ كتابَ أحلامنا بمدادِ الفجيعة. كنتُ أتساءلُ بمرارة: كيفَ لِحياةٍ شيدناها بالدمعِ والصبر، أنْ تُهدمَ بطلقةٍ طائشةٍ لا تملكُ قلباً؟ وهل يكونُ لنا في دارِ البقاءِ لقاءٌ يرممُ ما هدمتْهُ يدُ الموتِ في دارِ الفناء؟ لم يكن حُبُّها لي مجرد عاطفةٍ عابرة، بل كان "مرساة الوجود" في عالمٍ متلاطم. أحبتني حُباً طاهراً، جعل من كينونتي المشتتة وطناً، ومن انكساراتي قصائدَ صمود. صراعاتنا لم تكن نزاعاتِ بشر، بل كانت "حروباً مقدسة" ضد واقعٍ يرفضُ الجمال، فكنا في كل مرةٍ نخرجُ من أتونِ المعركةِ أكثرَ التحاماً، كأنَّ الوجعَ كان "الكيمياء" التي تحوّلُ رصاصَ أيامنا إلى ذهبٍ خالص. الوعود التي قطعناها كانت "عهوداً أزلية" نُقشت على جدارِ الغيب. كنا نخططُ للمستقبل كمن يبني "مدينةً فاضلة" لا يسكنها إلا نحن. كان حباً صادقاً حدَّ الفاجعة، حباً لم يدرك أنَّ "الصدق" في عالمِ الزيفِ هو تهمةٌ عقوبتها الفراق. ثم جاء الموت.. ذلك "العدمُ العابث"، ليضعَ نقطةً سوداء في منتصفِ جملةٍ لم تكتمل. كيف للحياة أن تكون بهذه القسوة؟ كيفَ لكينونةٍ كانت تفيضُ بالوعود، أنْ تتحولَ فجأةً إلى سكونٍ أبدي؟ أدركتُ حينها أنَّ مأساتي ليست في رحيلها فحسب، بل في بقائي حياً مع نصفِ روحٍ مُعلقةٍ بين الأرض والسماء. لقد سلبني القدرُ مرآتي، فصرتُ أنظرُ إلى الحياة فلا أرى إلا فراغاً يشبهني، وغدتِ الأيامُ طيفاً مُسجىً على رصيفِ الغياب. إنَّ الحبَّ الصادق لا يموتُ بالكفن، بل يتحولُ إلى "لعنةٍ مُقدسة"؛ تطاردنا في الوجوه، في الأماكن، وفي سكونِ الليل. لقد رحلت هي، وبقيت أنا هنا.. شاهداً على قصةٍ كانت أجمل من أن يصدقها الواقع. صرتُ أسألُ الوجود: هل الحبُّ هو من صنعنا أم نحنُ من صنعنا الحب؟ وإذا كان الله قد جمع أرواحنا في ميثاقٍ لا ينفصم، فهل يكونُ القبرُ إلا بوابةً عبورٍ لنكملَ هناك ما عجزنا عن إتمامهِ هنا؟ . في تلك الليلة، لم يكن السوادُ الذي يلفني هو مجردَ انسحابِ الضوءِ من السماء، بل كان عتمةَ الروحِ التي أبصرتْ حقيقتَها العارية؛ حقيقةَ أنَّ فجرَها قد انتحرَ قبل أن يولَد. كنتُ عالقاً في "برزخِ الاختيار"؛ أمزّقُ نفسي بين رغبةٍ جامحةٍ في وداعِ وجهٍ كان هو كُلَّ ما عرفتُ من النور، وبين رُعبٍ يسكنني من أن يقتلعَ سكونُ الوداعِ الجليديّ صورةَ الابتسامةِ الدافئةِ المنقوشةِ في جدارِ ذاكرتي. ثمة نوعٌ من الوجعِ الوجوديّ لا تليقُ به الكلمات، وهو أن يرتطمَ وعيُك بحقيقةٍ صلبة: أنَّ غداً لن يكونَ امتداداً للزمن، بل سيكونُ "الهاوية" التي يبتلعُ فيها الترابُ مستقبلكَ كاملاً. لقد كانت قصتُنا عصيّةً على النسيان، أكبرَ من أن يبترَها رصاصٌ طائش، وأعمقَ من أن يطويَ سِجلَّها كفنٌ ضيق، لكنَّ القدرَ لم يترك لي من حطامي سوى صلاةٍ مخنوقةٍ في حنجرةِ القهر، وسؤالٍ يمزقُ أحشاءَ الصمتِ الكونيّ: "كيفَ أستأنفُ السيرَ فوقَ أرضٍ ابتلعتْ نِصفي، وخلّفتْ نصفي الآخرَ تائهاً في فيافي الذهول، يبحثُ عن لقاءٍ مُؤجّلٍ في رحابِ الأبديةِ التي لا تعرفُ الفراق؟" في حضرةِ العَدَمِ الصَّالد > "لقد أدركتُ الآن، وأنا أقفُ على أطلالِ يقيني المحطّم، أنَّ العدمَ ليس فراغاً موحشاً خلفَ النجوم، بل هو تلك اللحظةُ التي يسقطُ فيها "المعنى" من قبضةِ الروحِ ليتشظى فوقَ رصيفِ الواقع. العدمُ هو أن تملكُ "الكل"، ثم تكتشفَ في طرْفةِ عينٍ أنَّ "الكل" كان مُجردَ وديعةٍ استردَّها القَدَرُ بصرامةٍ مباغتة، تاركاً إياكَ غريباً في كونٍ لم يعد يُجيدُ نطقَ اسمك. > كيفَ يمكنُ لطلقةٍ لم تستغرقْ من الزمنِ سوى دقيقةٍ جائرة أن تلتهمَ دهراً من الوعود؟ وكيفَ لِثقْبٍ في الوجودِ أن يتسعَ ليصبحَ مَقبرةً لِأحلامِنا التي شيدناها فوقَ السحاب؟ إنَّ مأساتي لا تكمنُ في أنني فقدتُها، بل في أنني اكتشفتُ أنَّ هذا الوجودَ مَطويٌّ على الفجيعة؛ فهو يمنحُنا "النور" لنبصرَ جَمالَ اليقين، ثم يِحجبُ القنديلَ فجأةً لِيختبرَ قدرتنا على التيهِ في عتمةِ الغياب. > إنَّ صمتَها الآن ليس فناءً، بل هو "احتجاجٌ صوفي" ضد عالمٍ لم يستحق نقاءَها. ووقوفي هنا ليس انكساراً، بل هو "صمودٌ عدمي"؛ فإذا كان القَدَرُ قد بترَ نصَّ الحكاية، فإنَّ وفائي هو الذي سيمدُّ لها جسراً فوقَ حجبِ التراب. سأحملُ هذا النصفَ التائهَ مني، وأمشي به في منافي الحياة، حاملاً وجعي كأيقونةٍ مقدسة، ومؤمناً بيقينٍ لا يتزعزع: أنَّ الروحَ التي عَانقتني في مَنامي، هي الحقيقةُ الوحيدةُ الصامدة وسطَ هذا العَدَم، وأنَّ ما انكسرَ هنا في "دارِ الفناء"، لا بدَّ أن يلتئمَ هناك في "محرابِ الخلود"؛ حيثُ لا رصاصَ يغتالُ اللحظة، ولا دقائقَ أخيرةً تسرقُ العمر." >