نصفي الذي في السماء - :الفصل الاول :زائر المساء - بقلم KIRA-SH | روايتك

اسم الرواية: نصفي الذي في السماء
المؤلف / الكاتب: KIRA-SH
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: :الفصل الاول :زائر المساء

:الفصل الاول :زائر المساء

لم أكن يوماً من أولئك الذين تستوقفهم الوجوه، أو تُربكهم العطور العابرة. كنت أعيش حياتي خلف جدارٍ سميكٍ من البرود، أرى الحب "خرافة" تليق بالضعفاء فقط، وأمرُّ بممرات الأيام وكأنني أعبر فراغاً ممتداً؛ لا عينٌ تلتفت، ولا قلبٌ يضطرب. كنتُ أظنني سيداً لمشاعري، وأن قلبي حصنٌ منيع لن يطأه بشر.. لكن الأقدار لا تستأذن أحداً حين تقرر الانقضاض. ثم.. جاءت هي. لم يكن حضورها في دارنا مجرد زيارة عابرة، كان زلزالاً هادئاً بدأ يفتت صخور جداري حجراً تلو الآخر. في البداية، كنت اراقب بفضولٍ حذر؛ ما الذي تملكه هذه الفتاة ليشرق المكان بحضورها؟ لماذا تنبسط أسارير "كبيرتي" حين تراها؟ ولماذا يتسابق من في الدار نحو العتبة وكأنهم ينتظرون عيداً مصغراً كلما طرقت الباب؟ رأيتُ مَن حولي—أولئك الذين لم يكن إرضاؤهم سهلاً—ينسجمون معها ويذوبون في تفاصيلها. رأيتُ الألفة في ضحكتها، والسكينة في حركاتها، وهناك.. في تلك اللحظات الفاصلة، بدأت قناعاتي بالانهيار. لم يأتِ الحب كصاعقة، بل جاء كنسيمٍ تسلل من تحت الأبواب الموصدة؛ وجدتُ نفسي أستكين إليها لأنني رأيت "روحي" تستريح في المكان الذي يستريح فيه الجميع. أحببتها بصمتٍ يشبه السكون؛ صمتٍ كنتُ أظنه يحفظ كرامتي ويحمي سري. كنتُ أجلس بعيداً، أسرقُ النظر إليها وهي تمنح عطفها للصغار، وأتساءل بمرارة: "كيف لهذا القلب الذي سخر من الحب سنين طويلة، أن يسقط هكذا أمام رقةٍ لم تلمس يده حتى؟". كنتُ موقناً أنني وحيد في هذا الشوق، وأنها لا تلمح وجودي في زاوية المكان المظلمة. لكنني كنت أحمق.. لم أدرك أن العيون تتحدث لغة لا يفهمها إلا الغرقى. في كل مرة كانت ترفع فيها عينيها نحوي، كنت أشعر بكهرباء تسري في الجدران. كان هناك حوار خفي يدور في الفراغ بيننا؛ صمتٌ ممتلئ بالاعترافات التي لم نجرؤ على نطقها. كنا نحترق ونغرق ونبني أحلاماً.. كل ذلك في صمتٍ مهيب. مع مرور الأيام، صارت زياراتها طقساً يومياً لا يتبدل. رأيت كيف اعتاد عليها الجميع في الدار، وكيف تحولت في وقت قصير من زائرة إلى ركنٍ أساسي من أركان المنزل، كأنها فرد من العائلة وُجد ليكون بيننا منذ البداية. لقد كسبت قلوب من حولي بجمال روحها الهادئ، وبذاك القبول العفوي الذي لا يحتاج إلى جهد. بالنسبة لي، لم يكن الأمر يتطلب مواجهة مباشرة أو أحاديث طويلة. كنت أكتفي أحياناً بكونها "هنا". لم يكن شرطاً أن تقع عيناي عليها لأعلم أنها حضرت، فوجودها في المنزل كان يغير كيمياء المكان بالكامل. كنت أشعر بارتياحٍ غريب يسري في أرجاء البيت، وكأن حضورها يطرد التوتر ويجلب السكينة إلى الزوايا. أنا الذي اعتدتُ دائماً أن أبقى مسافة كافية بيني وبين الآخرين، وجدت نفسي ولأول مرة أستكين لهذا القرب. كانت "تحلّي" أجواء البيت بمجرد وجودها؛ سعادة هادئة لا ضجيج فيها، تجعلك تشعر أن كل شيء على ما يرام. وفي لحظات الصمت التي تجمعنا بالدار، كنت أشعر بشيء لم أختبره من قبل؛ كأن روحي التي طال انتظارها، قد التقت أخيراً بنصفها الذي يكمل هدوءها. لم يكن حباً متسرعاً، بل كان شعوراً بالانتماء لشيء حقيقي وجدته فيها. كانت ليالينا في الدار تكتسب صبغة خاصة بوجودها، مشاهد صغيرة كانت تمرُّ أمام عيني لتثبت لي أن الجمال يكمن في التفاصيل لا في الصخب. أتذكر كيف كانت تجلس مع "كبيرتي"، تتبادلان أحاديث هادئة، وكيف كان وجه الدار يلين في حضورها. كانت تشاركنا تفاصيل يومنا وكأنها ولدت بين هذه الجدران. لم تكن متكلفة، بل كانت عفوية لدرجة تجعل كل ركن في البيت يبدو مبهجاً. كانت أحياناً تساعد في ترتيب أشياء بسيطة، أو تضع لمستها على طاولة القهوة، فتبدو الأشياء العادية وكأنها اكتسبت قيمة جديدة فقط لأن يديها لمستها. أجمل تلك المشاهد كانت تكمن في "الألفة" التي خلقتها. كنتُ أتأملها وهي تضحك مع إخوتي، ورغم برودي، كنتُ أجد نفسي غارقاً في مراقبة هذا التناغم. كان حضورها يبعث فيَّ سعادةً صامتة؛ سعادة أن أرى من أحبهم في قمة راحتهم بوجود الروح التي بدأتُ أؤمن أنها "نصفي الآخر" . لم نكن بحاجة لموسيقى أو ضجيج، فصوت وجودها كان يكفي. كانت تجول في الدار بخفة، تنثر البهجة في الزوايا المظلمة، وتجعلني أشعر –بينما أنا جالس في مكاني– أن روحي التي كانت تائهة قد وجدت مستقرها أخيراً تحت سقف واحد معها. كانت تلك الساعات هي "الجنة المصغرة" التي نعيشها يومياً، حيث كل شيء جميل، هادئ، ومنساب كالنهر. هناك، وسط ذلك الذهول الهادئ، شعرتُ بشيءٍ بداخلي يتداعى. لم يكن انهياراً مخيفاً، بل كان يشبه ذوبان الجليد تحت شمسٍ لم أكن أؤمن بوجودها. أدركتُ حينها أن كل تلك الأسوار التي بنيتها حول نفسي، وكل ذاك البرود الذي تذرّعتُ به، لم يكن إلا "سجناً" اختيارياً كنت أسميه—زوراً—حريّة. لقد بدأتُ أستسلم. كان استسلاماً يشبه هدنةً طويلة بعد حربٍ عبثية مع الذات. أيقنتُ في تلك اللحظة أن القلوب، مهما أوغلت في ظلمة وحدتها، ومهما تماهت مع صمتها الموحش، تظلُّ كجمرةٍ تحت الرماد، تنتظر ذاك "الضوء" الذي لا يطرق الأبواب، بل يتخللها. لقد كانت هي ذلك الضوء؛ لم تأتِ لتحررني بكلامٍ منمق، بل جاءت لتريني أن "العدم" الذي كنت أعتنقه ليس حتمياً، وأن الحياة يمكن أن تُختصر في حضور شخصٍ واحد. ومن هنا، من تلك النقطة الفاصلة حيث توقف عقلي عن التساؤل وبدأ قلبي في الشعور، بدأت قصتنا. لقد أدركتُ أن هذا الحب لم يكن مجرد عاطفة عابرة، بل كان المفتاح الذي صدأت أسنانُه في قفل سجني، حتى جاءت هي وأدارته بخفة، لتخرجني إلى رحابةِ وجودٍ لم أكن أتخيله. بدأتُ أحبها، لكنني أودعتُ ذلك الحب في أعمق ركنٍ بقلبي، وأحكمتُ عليه الإغلاق؛ لا خوفاً منه، بل تقديساً له. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فلطالما آمنتُ أن الحروف تفتت الشعور وتجرده من دهشته. كنا نمضي الوقت في حيزٍ واحد، يغلفنا صمتٌ لم يكن يوماً ثقيلاً أو موحشاً، بل كان صمتاً "ممتلئاً" بكل ما عجزنا –أو ترفعنا– عن قوله. لقد كان حبنا ينمو في العتمة، بعيداً عن صخب الاعترافات. كنتُ أكتفي بأن تكون "هنا"، وأن يجمعنا هذا الصمت البليغ الذي كان يخبرني، في كل مرة، أن ما بيننا أعمق بكثير من مجرد كلامٍ يُقال ويُنسى. كانت تلك النظرات العابرة هي الحقيقة الوحيدة في عالمٍ من الأوهام؛ الحقيقة التي جعلتني أدرك أن القلوب حين تتحدث، تصبح الألسنة عبئاً لا داعي له. كانت الدار تعجُّ بحركةٍ خفيفة، وصوت الصغار يملأ الممرات كأنه نبضٌ غريب لحياةٍ لم أعتد الانخراط في تفاصيلها. كنتُ أقفُ عند حافة الظل، أركنُ بجسدي إلى ركني المعتاد، وأرصدُ بذهولٍ صامت كيف يتبدل سكون المكان في حضورها، وكيف تصبح الأشياء العادية تحت ضوء وجودها استثنائية. كنتُ أظن أن وقوفي في تلك العتمة يجعلني بمنأى عن الانكشاف، وأن تلك المسافة التي تفصل غرفتي عن الصخب ما زالت تحمي سري. كنتُ أختلسُ النظر إلى ذلك الأثر الذي تتركه في الزوايا، بقلبٍ بدأ يستسلم لهذا الانهزام الجميل، غافلاً عن أن هناك في عمق المكان، بصيرةً لا تقرأ الوجوه فحسب، بل تنفذُ إلى ما وراء الصدور. لم أكن أعلم أن تلك الثواني التي أطلتُ فيها النظر سهواً، كانت كفيلة بأن تضع حداً لأسطورة العزلة التي أحكمتُ بناءها. كنتُ غارقاً في تأمل ذلك الضوء، بينما كانت هناك عينٌ أخرى فيَّ هذا التحول المفاجئ، وتقرأ في سكوني قصةً كنتُ أعتقد أنني لم أكتب منها سطراً واحداً بعد. بقدر ما كان صمتي حصيناً، وبقدر ما اجتهدتُ في إبقاء تلك المشاعر حبيسةً خلف أسوار رزانتي، كنتُ أغفلُ عن حقيقةٍ أزلية؛ أن هناك قلوباً لا تحتاجُ لترجمة الحروف كي تفهم ما يدور في خلجاتنا. كنتُ أظن أن غرفتي الموصدة، ونظراتي التي كنتُ أختلسها بـ بصمت وحذر، كفيلةٌ بحماية سري عن عيون العالم. لكنني كنتُ واهماً حين اعتقدتُ أن الاختباء خلف البرود ينجي من الانكشاف. ففي تلك المكان، كان هناك كيانٌ يقرأ الصمت كما يقرأ الكلمات، ويلمحُ في ارتباك نظرتي ما عجزتُ أنا عن الاعتراف به لنفسي. لقد كان الحب كعطرٍ لا يمكن إخفاؤه في علبةٍ مغلقة، سرعان ما كشفتة أنفاس المكان. لكن بصيرة "الأم" لا تخطئ.. وأمي كانت تملك عيناً تخترق حجب قلبي. ذات مساء، وبعد أن غادرت هي وتركت خلفها عطرها المعتاد، شعرت بنظرات أمي تطاردني. كان الصمت ثقيلاً، خانقاً، يشي بعاصفة تقترب. التفتت إليّ، ولم تكن ملامحها تشي باللين، بل كانت جامدة كصخرة قديمة، وقالت ببرودٍ بتر كل حبال أحلامي: "ابتعد عنها". لم تكن جملة استفهامية، كانت أمراً قاطعاً. رأت الارتباك في عيني، والشرود الذي يسكنني، فكانت كلماتها كالسكين التي غُرست في لحظة تجلّي، لتذكرني أن هذا الطريق الذي بدأ لتوه، مسدود بجدران من الخلفيات والمنع. وقفتُ عاجزاً، فالمرأة التي أحببتها لأن قلبي اهتدى بها، هي نفسها التي يُؤمر بقلبي الآن أن يعدمها. في المساء التالي، حدث ما كنت أخشاه؛ حلّ موعد حضورها المعتاد، مالت الشمس للغروب، وبدأت ظلال الأشجار تتمدد على الشرفات، لكن النداء الذي كنت أنتظره ظل صامتاً. لأول مرة، شعرت بـ "ثقب" في صدري، فراغ مفاجئ ابتلع كل السكينة. كان المساء باهتاً، ناقصاً، كلوحة فُقد لونها الأساسي. مرّ اليوم الأول كأنه دهر، وحين جاءت في اليوم الذي يليه، حدث الانفجار الصامت في أعماقي. من الخارج، كنت أبدو كعادتي؛ رزيناً محاطاً بهالة من البرود التي أتقن تمثيلها. لكنني، وبمجرد أن عبر صوتها المداخل، شعرتُ بتصدعٍ في ذاك الصمت الذي شيدتُه حول نفسي. بدأ ثباتي يتلاشى أمام إيقاعٍ داخلي متسارع؛ نبضاتٌ كانت تعلنُ تمرّدها بحدة، حتى خِلتُ أن هذا الارتباك الخفي سيتجاوز حدودي، ويصبح معلناً لكل من في الدار." لم أعد أرى نفسي إلا غارقاً في أدق تفاصيلها، أحفظ ملامحها كمن يحفظ وصية أخيرة. كنت في صراع مرير؛ عقلي يردد "ابتعد عنها"، وقلبي يصرخ مع كل شهيق: "كيف أبتعد، وهي الوحيدة التي جعلت لهذا المساء معنى؟". كانت تملأ المكان بصخبها الجميل مع الصغار، وكنت أنا—الذي يمقت الضجيج—أجدني مستمتعاً بهذا الصخب ما دامت هي في قلبه. كنت أفتعل مواقفاً مرحة فقط من أجل هدف واحد: أن أسمع رنين ضحكتها. كانت ضحكتها هي الجائزة، واللحظة التي أشعر فيها بانتصاري على برودي القديم. وفي غمرة ذلك الزحام، حدث ما جعل الزمن يتوقف.. تقابلت أعيننا في صمتٍ مباغت. لم تكن مجرد نظرة؛ كانت اشتباكاً بين روحين. لبضع ثوانٍ، شعرت بأن الجدران قد تلاشت، وأن العالم بأسره قد اختفى، ولم يعد هناك سوى عينيها، وسحرٍ سحبني إلى عمقٍ لم أره من قبل. لكن الواقع كان أسرع من أحلامنا. انكسر الرابط حين ناداها أحد الصغار، أشاحت بنظرها سريعاً، وعدتُ أنا إلى قناعي البارد، لكن قلبي ظل هناك.. عالقاً في تلك الثواني. لقد كانت تعرف، وأنا أصبحت أعرف أنها تعرف، وهذا هو الخطر الذي بدأت ملامحه تلوح في أفق أيامنا القادمة. بعد تلك النظرة التي فضحت كل مستور، لم يعد الصمت بيننا آمناً. صار الصمتُ ممتلئاً بضجيج الأسئلة. كانت تغادر الدار، لكن حضورها يبقى عالقاً في ستائر الذاكرة، وكلمة أمي "ابتعد عنها" تبقى كطنينٍ مزعج لا يهدأ في أذني. في تلك الليلة، وقفتُ عند النافذة أراقب السكون الذي خيّم على الخارج. أدركتُ أنني لم أعد ذلك الرجل الذي كان يكتفي بنفسه؛ لقد حدث ثقبٌ في سفينتي، وبدأت مياه حبها تغمرني ببطءٍ عذبٍ ومهيب. كنتُ أتساءل: هل تشعر هي بنفس الثقل الذي يسكن صدري؟ هل تعيد في رأسها ترتيب تفاصيل نظرتنا المسروقة كما أفعل أنا؟ لم يكن حباً عادياً، كان أشبه بـ مخاطرةٍ كبرى. كنتُ أعرف أن كل خطوة أخطوها نحوها هي خطوة نحو حافة الهاوية، ومع ذلك، لم أكن أرغب في التراجع. فليكن ما يكون، فالحياة التي بدأت في عينيها تستحق أن تُعاش، حتى لو انتهت بـ عزلةٍ أبدية. أغلقتُ عينيّ لأستحضر ملامحها للمرة الألف، وفي تلك اللحظة، اتخذتُ قراري الصامت: لن أبتعد. سأواجه هذا القدر بأعماقي المجردة من كل دفاع، حتى لو كانت النتيجة هي انكساري الأخير. كانت الأجواء في الدار تزداد ثقلاً؛ لم يعد الصمتُ بيننا مجرد سكوت، بل صار عهداً سرياً نوقعه بالعيون في كل مساء. أما نظرات أمي، فلم تعد مجرد نصيحة، بل تحولت إلى رقابة صارمة ترصد أدق إيماءاتي، حتى خُيل لي أن جدران المكان تهمس محذرة: "احذر.. فالعينُ بصيرة والقلبُ مكشوف". وفي ليلةٍ كادت أن تفضح ما أخفيه.. كنتُ أعتصمُ بزاويتي المعتادة، متظاهراً بالغرق في تفاصيل بعض الأوراق بين يدي، وكأنني أبحثُ في السطور عن ثباتٍ بدأتُ أفتقده. كنتُ أجتهدُ في إبقاء ملامحي بمنأى عن أي ترقب، محاولاً صون تلك المسافة التي تفصل كبريائي عن رغباتي. وفجأة، وبينما كنتُ أعيدُ ترتيب عالمي الصغير في ذلك الركن، تقاطعت رؤيتي بحضورها وهي تهمُّ بالمغادرة. لم يكن لقاءً مرتباً بوعي، بل كانت لحظةً خرجت عن سيطرة الإرادة؛ "صدفةٌ" بدت في عمقها كأنها ترتيبٌ خفي من القدر، وضع صمتي وجهاً لوجه أمام حقيقتها . في تلك الثواني، تجمد الزمان والمكان. لم نتحرك، ولم ننطق بحرف، لكن المسافة التي كانت تفصل بيننا تلاشت تماماً في تلك النظرة المباغتة. رأيتُ في عينيها لمعةً غريبة؛ مزيجاً من الانكسار واللهفة، وكأن عينيها ترسلان لي في ذلك الصمت رسالة مشفرة تقول: "أنا معك.. لكنني أرتجفُ خوفاً من هذا القدر". قطعت أمي ذلك الحبل السري بنظرةٍ حادة وجهتها نحوي، وكأنها استشعرت ذلك الرنين الخفي في الهواء. ارتبكتْ هي، وأشاحت بوجهها سريعاً وهي تغادر بخطواتٍ متسارعة، بينما شعرتُ أنا بغصةٍ مريرة تخنق أنفاسي. غادرتْ المكان والسكينة ترحلُ معها، وبقيتُ أنا واقفاً مكاني، أتنفسُ بقايا حضورها، وأدركُ تماماً أننا دخلنا منطقةً لا عودة منها؛ منطقةً يكون فيها الحذرُ هو أقسى أنواع الوجع. وقفتُ طويلاً خلف الباب الموصد، أستعيد صدى كلمات أمي وتحذيراتها التي لا تنتهي. شعرتُ بضيقٍ ينهش صدري، وتساءلتُ بمرارة: لماذا كل هذا الوجس الذي يحيط بنا؟ ما هو ذنبي إن كنتُ قد أحببتُ بصدق؟ لم أختر هذا الطريق بمحض إرادتي، ولم أبحث عن العناء لألقي بنفسي فيه. أردتُ أن أصرخ في وجه هذا الصمت المحيط بي: "المشاعر ليست بيدي، والموضوع كله بيد القلب.. فهل يُحاسب المرءُ على نبضه؟". ليس ذنبي أن روحي اهتدت إليها في وقتٍ يخشى فيه الجميع من عواقب هذا الانتماء، وليس ذنبي أن قلبي الذي صمد سنين أمام الجميع، انهار أمام عينيها في لحظة لم أحسب لها حساباً. لقد وضعوني في قفص الاتهام لمجرد أنني شعرت، وكأن الصدق في هذا الزمان يحتاج إلى اعتذار. أغمضتُ عينيّ وأنا أردد في سري: "ليت القلوب تُطاع، وليت هذا العالم يدرك أن الحب لا يُستأذن.. إنه يقتحم". ومع هذه الغصة، انتهى يومي، وبدأ التيه في ليلٍ لا أعرف كيف سيكون فجره ثمة لحظة في الوجود لا ينفع فيها التحصّن، لحظة تتداعى فيها كلُّ المفاهيم التي شيدناها حول ذواتنا، لنقف وجهاً لوجه أمام حقيقتنا الأولى. لم يكن الأمر في جوهره لقاءً بين شخصين، بل كان صداماً بين "عزلةٍ" استطالت، و"نورٍ" لم يكن يملك إلا أن يشع. إنَّ الوقوف خلف الأبواب الموصدة لا يعني النجاة، فالمكامن التي ظننا أنها تحرسنا من عواصف الشعور، هي ذاتها التي جعلتْ أثر النبض فيها عميقاً ومزلزلاً. لقد علمتني تلك اللحظة أنَّ الصمت ليس غياباً للضجيج، بل هو وعاءٌ يمتلئ ببطء حتى يفيض، وأنَّ محاولة ترويض الروح بالمنطق تشبه محاولة حبس الريح في راحة اليد. ليس الذنب ذنب القلب الذي اهتدى، بل هو "قدَرُ الالتفات" حين تأتي الإشارة في وقتٍ توقفت فيه النفسُ عن الانتظار. إننا لا نختار انكسارنا، لكننا نختار الكيفية التي نتقبل بها هذا الحطام الجميل، مدركين أنَّ الجمال لا ينفذ إلى الداخل إلا عبر الشقوق. ومع انطفاء آخر أنفاس النهار، أدركتُ أنَّ المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد؛ فالحب حين يقتحمُ القلاع، لا يستهدفُ الجدران، بل يستهدفُ "السكون" الذي كان يسكنها. أغمضتُ عينيَّ على شتاتٍ لا يجمعه قول، مُسلماً نفسي لليلٍ غامض، حيث يبدأ هناك، في المساحات المظلمة من الروح، بناءُ عالمٍ جديد.. تماماً خلف جدار الصمت.