صقر العدالة - الفصل الثامن عشر: مرايا في الظلام - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثامن عشر: مرايا في الظلام

الفصل الثامن عشر: مرايا في الظلام

الجبل يتنفس في الصباح الباكر: كان جبل الصدى الصامت في ذلك الفجر يتنفس أبخرة بيضاء، زفرات برد تتسلل من شقوق صخوره العتيقة كأرواح الجبال التي تستيقظ من سبات طويل. الهواء كان قاطعاً كشفرة سكين مُبرّدة، كل نفس يتحول إلى سحابة صغيرة تذوب في الضوء الخجول الذي كان يلمع خلف القمم كجمرة تحت رماد السماء الرمادية. ألفارد كان يتحرك بين الصقور العملاقة الثلاثة ليس كإنسان بين طيور، بل كموجة عنيفة بين صخور ساحلية. جسده، الذي كان يرتدي ملابس تدريب بسيطة من الكتان السميك، كان مشدوداً كوتر قوس جاهز للانطلاق. عضلات ظهره، التي كانت تنقبض وتنبسط تحت الجلد المبلول بالعرق البارد، كانت ترسم خريطة من التوتر المحكم. كل ضربة سيف، كل قفزة، كل دوران كان يُخرج منه زفيراً حاداً كصافرة ريح عاصفة. "يبدو وكأنه يحاول هزم شيطان ما بداخله، لا أن يتدرب." قال كاليب وهو يجلس على صخرة منبسطة، يداه تمسكان بحجراً ناعماً بأصابع قلقة. عيناه كانتا تتبعان ألفارد بعمق، كما يتبع الرسّام خطوط لوحته الناقصة. داريو، الجالس القرفصاء كتمثال من البرونز المتجهم، لم يقل شيئاً. كان يراقب فقط، وعيناه العسليتان الغامقتان تحملان ثقلاً أشبه بجذع شجرة مقطوع يطفو على نهر هادئ المظهر، مضطرب الأعماق. يداه القويتان كانتا تضغطان على ركبتيه حتى اصطكت العظام تحت الجلد. توقف ألفارد فجأة. سيفه توقف في منتصف ضربة كانت ستشق جمجمة خصم وهمي. صدره كان يعلو ويهبط بسرعة. عرقه كان يتساقط على جسده كقطرات الندى. التفت نحو صديقيه، وعيناه العسليتان بتلك الخطوط الزرقاء كانتا تشعان بتعبٍ خامد، كجمر مطفأ لا يزال يحتفظ بحرارته المدمرة في قلبه. "لن يشفيك هذا." قال داريو فجأة بصوتٍ عميق. "التدريب لا يطرد الأشباح. فقط يرهق الجسد حتى لا يسمع صراخها." ألفارد رمى السيف جانباً. صوت ارتطامه بالصخر كان جافاً. جلس على الأرض بقربهم، ظهره يستند إلى صخرة باردة. رائحة عرقه الممزوجة برائحة التراب الرطب والندى علقت في الهواء بينهم كحاجز شفاف. "الأشباح... لا تموت." قال ألفارد، وصوته كان أجشاً من اللهاث. "تختبئ في زوايا الذاكرة، وتخرج عندما تظلم العينان." كاليب توقف عن لف الحجر. "ما الذي تطارده اليوم بالتحديد؟ صوت كالوم وهو يموت؟ أم ندوب فالاندر؟ أم... ذلك الأمير الذي جاء وكأنه حلم في كوخك؟" ألفارد أغمض عينيه. رأى في الظلام خلف جفنيه مشاهد متقطعة: ليوس وهو يخلع قلنسوته في ضوء القمر، عيناه العسليتان، تلك العيون التي كانت تشبه عينيه بحيرتين من العسل المتجمد تجعله يشعر بشيء غريب داخل صدره. رأى إيديث وهي تغضب كلما سمعت اسم "ثيودور". رأى فالاندر الجريح، الدم على شفتيه كزهرة شيطانية. "كل شيء." همس. "كل شيء يتحرك، وكل شيء يثقل وزنه. وكأنني أحمل جبلين: أحدهما على ظهري، والآخر في صدري." في تلك اللحظة، سمعوا صوت أقدام سريعة، خفيفة تقترب. إسفين ظهر من بين الصخور، يتنفس وكأنه في سباق ضد الزمن نفسه. وجهه النحيل كان شاحباً، وعيناه الواسعتان كانتا تلمعان بمزيج من الانتصار والرعب. "عرفته!" صرخ وهو يلهث. "عرفت مكان كورفن! ليس في حانة، ولا في ميناء... بل في مقبرة السفن القديمة! هناك، حيث هياكل السفن المتحطمة تتعفن! يقيم في كابينة سفينة محطمة، كجرذ ملكي بين رفات من كانوا أسياده!" الصمت سقط عليهم كغطاء ثقيل. حتى صوت ريح الجبل توقف كما لو كانت تسمع. ألفارد فتح عينيه. شيء ما تغير فيه. التعب ذاب كالجليد تحت الشمس. نهض، وحركته كانت الآن هادئة، مقصودة، كالنمر الذي حدد فريسته أخيراً. "الليلة." قال، وصوته كان الآن صافياً، بارداً. "منتصف الليل، عندما يختبئ القمر خلف السحب، وعندما تصبح الظلال أصدقاء للحركة... سأذهب إليه." نظر إلى إسفين. "سترشدني إلى المكان، ثم تذهب." ثم نظر إلى داريو وكاليب. "وأنتما... لن تأتيا." "ألفارد..." بدأ كاليب. "لا." قطع عليه ألفارد، ونظرة في عينيه جعلت الاحتجاج يموت على شفاه كاليب. "هذه ليست معركة. هذه... مقابلة بين شبحين. وأنا وحدي من يجب أن يسمع ما سيقوله هذا الشبح. لأنه... قد يكون يحمل مفتاحاً لقفصٍ أكبر بكثير من قفصه." وكانت كلماته الأخيرة معلّقة في هواء الفجر البارد، وعداً، وتهديداً، واعترافاً بأن بعض الأسرار يجب مواجهتها في الظلام، وبعض الحقائق لا يمكن سماعها إلا عندما يكون العالم نائماً، وبعض الوحوش لا يمكن ملاقاتها إلا عندما تكون أنت الوحيد الذي يحمل المصباح، والمخالب، للدخول إلى عرينها. حكاية العراف في قاع الكأس: كانت حانة "المرسى الغارق" تنضح برائحة خليطة من الجعة المنسكبة والخشب العتيق والعرق البشري المختمر تحت وطأة الأيام الثقيلة. الضوء المتسرب من المصابيح الزيتية المُعلقة بالسقف المنخفض كان أصفرَ كاليرقان، يلطخ الوجوه بلون المرض والقِدم. في زاوية بعيدة، حيث الظلّان يتشابكان كعشاق خائنين، جلس براين على مقعد خشبي تآكلت أطرافه، وكأن الجلوس عليه كان عقاباً بحد ذاته. يده اليمنى، التي تفتقد ثلاث أصابع، كانت تضغط على كأس من الفخار الداكن، الأصابع الباقية تلتف حوله كجذور شجرة ممسكة بصخرة على حافة الهاوية. عيناه، العتيقتان كحصى النهر الملساء من طول المراقبة، كانتا تمسحان الحانة في حركة بطيئة منتظمة، كمن يفحص أوراق لعنة قبل قلبها. جاء الرجل كظلّ منساب بين الطاولات. ملابس خادم قصرية بسيطة، ولكن مشيته كانت هادئة أكثر من اللازم، ونظراته السريعة الجانبية كانت حادة كإبرة مخبأة في ثوب حريري. انزلق على المقعد المقابل لبراين دون صوت. "سيد براين." همس الرجل، وصوته كان رفيعاً. "ثيوبالد."رد براين دون أن يرفع عينيه عن كأسه. "الليل يخفي أكثر مما يظهر... تحدث." ثيوبالد، حارس البوابة الصامت الذي كان ينقل رسائل ليوريلا، التفت حوله كحيوان مطارد. رائحة الخوف الخفية تنبعث منه كعرق بارد. "الرياح في القصر تحولت إلى عاصفة سوداء." بدأ، وانحنى للأمام حتى أصبحت كلماته همساً لا يسمعه سوى صدى الكأس بين يدي براين. "فاليريان... نسج خيطين من الشر، وكلاهما مسموم." براين رفع عينيه أخيراً. النظرة التي ألقاها على ثيوبالد كانت كملقط جليد يلتقط فراشة. "أكمل." "الخيط الأول... للحِرفي." قال ثيوبالد، وابتلع ريقه بصعوبة. "الشاب أخضر العينين. فالاندر. سيمسكون به الليلة أو غداً... لاستخدامه طُعماً. سيجعلونه في قفص مكشوف، ويتركون رسالة للصقر: 'سلم نفسك لتنقذه، وإذا امتنعت سأريك دماء صديقك وهي تغسل الأرض الحجرية التي لم تروَ منذ زمن'." براين لم يتحرك، لكن عروق يديه التي على الكأس انتفخت. "والخيط الثاني؟" "الخيط الثاني..." توقف ثيوبالد، وكأن الكلمات علقت في حلقه كعظام سمك. "هو للعرش نفسه. جولة ملكية. غداً. ستمر عبر غابة البلوط الشرقية. الملك وولي العهد...سيظنون أنهم في سلام." هنا ابتسم ثيوبالد، ولكنها كانت ابتسامة حزينة، مشوهة بالرعب. "لكن السلام سيكون من صنع فاروس وهيليوس. حراس الملك... سيُستبدلون. برجال فاليريان. متنكرين." الصمت سقط بينهم كستار ثقيل. براين أغمض عينيه للحظة، ورأى في الظلام مشهداً: ثيودور وليوس، يضحكان تحت أشجار البلوط، والحراس من حولهم يتحولون فجأة إلى ذئاب تنتظر إشارة. "وفي المنعطف، حيث الأشجار كثيفة كحجاب أسود..." تابع ثيوبالد، وصوته أصبح أكثر رفعةً من شدة الهمس، "سيحدث الذبح. سيذبحونهم بطريقة وحشية. سكاكين، فؤوس... شيء يترك جروحاً كأنها عمل وحوش برية. كأنها عمل... عصابة." براين فتح عينيه. "عصابة من؟" "من سيُلام على ذلك؟!" قال ثيوبالد، وعيناه تلمعان بدموع ذهول مختلطة بالغضب. "الصقر بالطبع. ولكن ليس وحده. سيكون هناك دليل ضد الأمير إدموند. ختمه سيُوجد بين الجثث. وسيكون هناك شهود، ناس من القرية، سيشهدون أنهم سمعوا الصقر يهدد العائلة المالكة. ورأوا رجاله يتجولون في الغابة." كانت الخطة تنسج نفسها في رأس براين كشبكة عنكبوت سامة، كل خيط يؤدي إلى فخ أكبر. "فيصبح إدموند هو العقل المدبر، والصقر هو السيف الذي نفذ. وكلاهما سقط في شباك الخائن الحقيقي." "نعم." همس ثيوبالد. "وعندما تُكتشف الجريمة، وعندما يُعلن عن المؤامرة... من سيبقى ليحكم المملكة؟ من سيكون البطل الذي كشف المؤامرة وانتقم للملك أمام الناس؟" "فاليريان." قال براين، والاسم خرج من فمه كبصقة مرّة. "سيمثل التضحية والإجبار على تولي منصب الحكم مؤقتاً." "ليس مؤقتاً... بل إلى الأبد." أكد ثيوبالد، وانحنى أكثر. "التوقيت هو كل شيء. خطف الحِرفي، وظهور الصقر لإنقاذه... سيكون في نفس ليلة الجولة الملكية. أو قريباً جداً منها. الصقر سيكون مشغولاً بإنقاذ صديقه، أو سيكون حاضراً في مكان الخطف... بينما الملك يُذبح في مكان آخر. وهذا سيكون الدليل القاطع على تورطه." براين رفع كأسه أخيراً، وشرب جرعة طويلة. الجعة كانت مرة كالعلقم، لكن مرارتها كانت لا شيء مقارنة بطعم الخيانة التي كانت تملأ ذهنه الآن. وضع الكأس، وصوته عندما خرج كان هادئاً، خطيراً، كهدوء البحر قبل الإعصار. "معلوماتك... قطع ثمينة في لعبة الموت هذه. ولكن كيف تعلم كل هذا؟" ثيوبالد ارتعش. "كنت واقفاً تحت نافذة جناحه، وسمعت كل شيء." ابتسم براين ابتسامة ضيقة، باردة. "أفضل أنواع الجواسيس: أولئك الذين يظنهم أعداؤهم غير مرئيين." ثم مد يده تحت الطاولة، ووضع كيساً صغيراً من الجلد في يد ثيوبالد. "خذ هذا. وارحل من الحانة من الباب الخلفي. ولا تعد إلى القصر إلا عندما تستقر الامور." ثيوبالد أمسك الكيس، شعر بثقل العملات داخله. لكن ثقله كان خفيفاً أمام ثقل السر الذي يحمله. انسحب من المقعد كظلّ يذوب. بقي براين جالساً وحيداً في الزاوية المظلمة. نظر إلى كأسه الفارغ، ورأى في قعره انعكاساً مشوهاً لوجهه العجوز في بقايا الجعة. رأى الندوب القديمة، والتعب، والذكريات. ثم رأى شيئاً آخر: صورتين، صورة ألفارد وهو يحارب وحيداً، وصورة ثيودور وليوس وهما يمشيان نحو مصيرهما. رفع الكأس مرة أخرى، ولكن ليس للشرب. ضغط عليه حتى كاد الفخار المتين يتشقق. كان يعلم الآن أن الوقت لم يعد للترقب، ولا للتخطيط البطيء. فاليريان كان يلعب لعبة الشطرنج الأخيرة، وكان يحرك قطعته الأقوى: الزمن نفسه. وكان على براين أن يتحرك، ليس كجاسوس، ولا كمرسال، بل كقوة مضادة تقطع خيوط الشبكة قبل أن تُغلق على رقاب من يحاول إنقاذ المملكة من ظلامها نفسه. جدال تحت شمس القمح الذهبية: كان حقل القمح خلف كوخ سيلاس يمتد كبحر ذهبي هائج، تموجاته الذهبية تصطدم ببعضها تحت ريح ظهيرة دافئة تحمل رائحة النضج والغبار. كل سنبلة كانت تحمل ثقلاً من الحياة، منحنية بتواضع أمام ثقل المصير الذي ينتظرها. سيلاس وألفارد كانا واقفين في قلب هذا البحر، منفصلين ببضع أذرع من الصمت الثقيل كجدار غير مرئي. سيلاس كان يحمل منجلاً، لكن يده العجوزة كانت ترتجف عليه كغصن في عاصفة هوجاء. لم يكن يرتجف من العمر، بل من الغضب المكبوت الذي كان يغلي في عروقه كزيت ساخن. "تقول أنك ستذهب وحيداً؟ إلى وحشٍ يعرف بأسوأ الأسرار؟ هذه ليست شجاعة، يا بني. هذا غباءٌ يُشبه الانتحار البطيء!" ألفارد، واقفاً وقد علقت في شعره البني الداكن بعض حبوب القمح الذهبية، كان يشبه تمثالاً من البرونز المصبوب في اللهيب. عيناه العسليتان كانتا تحدقان في الأفق حيث تلتقي الحقول بالغابة، كأنه يرى هناك شيئاً لا يراه الآخرون. "كورفن ليس وحشاً. هو عقرب. يعيش تحت الصخور. وأنا أعرف كيف أرفع الصخرة دون أن يلدغني." "العقرب تحت الصخرة قد يكون متصل بثعبان في جحر أعمق!" صاح سيلاس، وصوته اخترق هدوء الحقل كصرخة بلبل جريح. "ماذا لو كان فخاً؟ ماذا لو كان فاليريان يعلم أنك ستذهب؟" ألفارد التفت نحوه أخيراً. "هو لا يعلم من الأساس أنني ابحث عن كورفن، ف كيف سينصب ليّ فخاً!" في تلك اللحظة، ظهر أوليفر وكاليب من بين سنابل القمح، كبحارين يخترقان موجات ذهبية. أوليفر كان وجهه يعكس قلقاً عميقاً كبركة ماء راكدة أُلقيت فيها حجر، أما كاليب فكان يحمل في عينيه ذلك التحدي الصامت الذي تعلمه من ألفارد نفسه. "الأب يقلق أكثر من الابن." قال أوليفر وهو يقترب، صوته هادئ لكنه يحمل صلابة شديدة. "ولقلقنا سبب، يا ألفارد. أنت ذاهب إلى عرين مجرم يعرف أنك قادم. حتى الذئب لا يدخل جحر الثعلب وحيداً." ألفارد ضغط على اسنانه. "أنا لست ذئباً. أنا صقر. والصقور لا تدخل الجحور. تنتظر فوقها، ثم تنقض." "وما الذي ستنتظره؟" تدخل كاليب، وكانت كلماته سريعة، حادة. "حتى الصقر يحتاج إلى عيون على الأرض. عيون تراقب الظلال التي لا يراها من علوٍ. دع داريو أو إسفين يكونان قريبين. خارج المقبرة. لمجرد المراقبة." "لا." كانت كلمة ألفارد صلبة، لا تقبل الجدل. "لقد قُلتها. هذه مقابلة يجب أن تتم بيني وبينه. لأن الأسرار التي يحملها كورفن قد تكون سامة لمن يسمعها دون أن يكون مستعداً." سيلاس أطلق المنجل من يده. سقط على الأرض بثقل، مقطعاً بعض سنابل القمح تحت نصله البارد. "إن كنت تخاف من سماع الأسرار، فأنت تخاف من الحقيقة نفسها! وإذا كانت الحقيقة سامة فربما نحتاج إلى من يشاركنا حمل هذا السم!" كانت الكلمات معلقة في الهواء الحار. أوليفر تقدم خطوة، وكأنه يحاول أن يكون جسراً بين حزمتين متفجرتين. "فكّر بطريقة أخرى، ألفارد. لو أن كورفن قرر ألا يتحدث؟ لو قرر أن يهاجم؟ ماذا لو كان معه رجال؟ ستحتاج إلى ظهر يحميك. ظهر صديق لك." ألفارد نظر إلى الثلاثة: إلى أبيه الذي كان عيناه تلمعان بدموع الغضب والخوف، إلى أوليفر الذي كان وجهه يحمل حكمة الأرض الصابورة، إلى كاليب الذي كان يقف مستقيمًا كسنبلة قمح ترفض الانحناء للريح. وشعر بثقل حبهم كدروع من ذهب تريد أن تحيطه، لكنها قد تثقل تحركاته. "حسناً." قال أخيراً، وكانت الكلمة تخرج منه كأنها حجر يخرج من حلقه. "لكن ليس داريو أو إسفين. داريو سيلفت الأنتباه. وإسفين يراقب القصر." "إذن من؟" سأل سيلاس، والرجاء بدأ يلمع في عينيه كشمعة في نفق مظلم. ألفارد التفت نحو كاليب. نظر إلى صديقه، إلى يديه النحيلتين التي تعرف النحت، إلى عينيه الواسعتين اللتين رأتا سرّه ذات ليلة في الغابة. "كاليب. لكن من بعيد. خارج مقبرة السفن. وإذا سمعت صوت صفير... فقط إذا سمعت... تأتي. لا قبل ذلك." ابتسم كاليب، ولكنها كانت ابتسامة خالية من الفرح، مليئة بالمسؤولية الثقيلة. "كما تقول، أيها القائد." أوليفر وضع يده على كتف ألفارد. كانت يده خشنة، دافئة، تحمل ذكرى كل الأيام التي رآه فيها ينمو من طفل إلى رجل. "خذ هذا معك." أخرج من جيبه سكيناً صغيراً، مقبضه من قرون الوعل، نصلته لامعة كعين حيوان ليلي. "ليس للقتل. بل ليذكرك بأن حتى الصقر يحتاج مخلباً احتياطياً." أخذ ألفارد السكين، شعر ببرود المعدن تحت أصابعه. ثم نظر إلى سيلاس، الذي كان يحدق فيه بعينين تحملان كل السنوات التي قضاها خائفاً عليه، محاولاً حمايته من عالم أراده أن يكون أكثر قسوة مما هو عليه. "سأعود." قال ألفارد. "أعلم ذلك." رد سيلاس، وصوته كان مخنوقاً. "ولكنني أتمنى أن تعود وأنت تحمل أسراراً يمكن أن تطلق سراحك، لا أن تقيدك أكثر." وبينما كانوا يقفون تحت الشمس الذهبية، محاطين ببحر من القمح الذي سينحني قريباً تحت المنجل، كان كل منهم يحمل في قلبه صورة مختلفة للمعركة القادمة. وكانوا جميعاً يجهلون أن الخطر الحقيقي لم يكن في مقبرة السفن مع كورفن، بل في شبكة أخرى تُنسج في الظلال، شبكة تخطط لاختطاف ليس فقط صانع فخار، بل مستقبل مملكة بأكملها. وكان ألفارد، بتركيزه على شبح الماضي، قد أغفل ظل الخطر الذي كان يقترب من حاضر أصدقائه ومستقبل وطنه. اعترافات على حافة الهاوية الملكية: كان جناح الأمير ليوس في ذلك المساء يشبه صندوقاً من خشب الأبنوس الثمين يحوي جسداً شاحباً من الشموع. الضوء الخافت كان يرقص على صفحات التقرير المفتوح أمامه، أرقام المحاصيل تتحول إلى خطوط متعرجة بلا معنى تحت عينيه المتعبتين. أصابعه النحيلة كانت تتبع سطوراً عن محصول القمح في قرية وودلاند، لكن عقله كان في مكان آخر: في كوخ خشبي بسيط، ووجه فارس بلا قناع، ووعد بصداقة في الظلام. الباب انفتح بهدوء، دون طرق. ليوس لم يرفع رأسه، ظاناً أنها ليوريلا بالمشروب الدوائي. لكن خطوات الرجل التي دخلت كانت ثقيلة، متوترة، تحمل صدى سنوات من القرارات الخاطئة وأحذية مصقولة تسير على أرضية من زجاجٍ مكسور. رفع ليوس عينيه. الملك ثيودور واقفٌ في منتصف الغرفة، وكأنه تائه في مكانٍ يعرفه جيداً. لم يكن يرتدي رداءه الملكي، بل سترة بسيطة من الصوف الداكن، مما جعله يبدو أصغر سناً، وأكثر هشاشة، كشجرة عظيمة تخلعت أوراقها فظهرت أغصانها العارية. "أبي." قال ليوس بصوت هادئ. "ليوس." رد ثيودور، وكلمة واحدة حملت ثقلاً من التعب. "هل أزعجتك؟" "لا أبداً." أغلق ليوس التقرير. حركته كانت بطيئة، متعمدة، كمن يعدّ الأرضية لحديث يعرف أنه سيكون صعباً. جلس ثيودور على الكرسي المقابل، ليس كملك على عرش، بل كرجل منهك على حافة سريره. يداه كانتا متشابكتين بين ركبتيه، وكأنه يحاول أن يمسك بشيء غير مرئي يتهرب منه. "غداً... سنخرج في جولة." بدأ ثيودور، وعيناه كانتا تحدقان في الشمعة التي تذوب على المنضدة. "إلى قرية وودلاند. نظهر للشعب أننا أسرة واحدة. أننا أقوياء. وأن الخطر الخارجي لن يفرقنا ويشتت اهدافنا." "الخطر الخارجي." كرر ليوس، وكان في صوته سؤال لم يُطرح. ثيودور تنهد، تنهداً طويلاً عميقاً خرج من أعماقه كصوت ريح في كهف مهجور. "لقد رتبت كل شيء. الحراس مخلصون، والطريق آمن." توقف، ثم رفع عينيه. وعيناه العسليتان، التي تشبهان عيني ابنه بشكلٍ مؤلم، كانتا تلمعان برطوبة غريبة. "ولكن هذا ليس سبب قدومي لك... لقد أتيت لأقول لك شيء يجب أن تعرفه. شيء أخفيته عنك، وعن العالم، لمدة ستة وعشرين عاماً." ساد صمتٌ ثقيل، يمكن خلاله سماع صوت الشمعة وهي تذرف دموعاً من شمع على المنضدة. "عندما كنت في سنك تقريباً..." استأنف ثيودور، وصوته أصبح هامساً، مكسوراً، "وقعت في الحب. ليس حباً سياسياً. ليس تحالفاً. بل حب حقيقي، يحرق القلب كالنار الأولى في الشتاء. كانت خادمة في القصر... اسمها إيديث." ليوس لم يتحرك، لكن عينيه اتسعتا قليلاً. اسم "إيديث" علق في الهواء كرائحة زهرة من عالم آخر تسللت إلى هذه الغرفة المغلقة. "تزوجنا سراً. لأن أمي الملكة أورسولا لم توافق على الزواج علناً. رأت في الأمر وصمة عار." كلمات ثيودور كانت تسقط كحصى ثقيل على أرضية الصمت. "ثم... حملت إيديث، أنجبت طفلاً، صبياً، سميناه رايدن." هنا ارتعشت يد ثيودور. "أمي أمرتني بتركهما. و بالزواج من أمك، ديجينا، لتحالف سياسي سيقوي مملكتنا. وأنا... أنا الضعيف... وافقت. لكنني طلبت من فاليريان... أن يأخذهما إلى مكان آمن. بعيداً. حيث يمكن أن يعيشا بسلام." صمتٌ آخر، ممتد، مؤلم. ثم خرجت الكلمات التالية وكأنها تنزف منه: "لكن أمي... أمرت فاليريان بقتلهما. فاليريان نفذ أمرها. وقتل إيديث... وطفلي رايدن." لم يكن هناك صوت في الغرفة سوى أنفاس ليوس التي أصبحت سطحية، سريعة، كعصفور يحاول الهرب من قفص. وجهه الشاحب أصبح أشبه بقناع من الشمع. "لم أرَ وجهه قط، يا ليوس." همس ثيودور، ودموعٌ حقيقية بدأت تتساقط على خديه، مسارات لامعة على جلد ملك لم يبكِ أمام أحد من قبل. "لم أحضنه. لم أعرف لون عينيه عندما يفتحهما. كل ما لدي... هو صورة في رأسي لطفل وُلد ولم تسنح ليّ الفرصة برؤيته، لكنه عاش ومات بسبب خوفي." ليوس كان يشعر بأن الأرض تتحرك تحت قدميه. أبوه، الملك الصلب، كان ينهار أمامه كتمثال من طين تحت المطر. وكل كلمة كانت تكشف عالماً موازياً من الألم والذنب. "أخي... وأمه... قتلوا؟" سأل ليوس، وصوته كان أجشاً. "فاليريان هو من نفذ. لكن الأمر... كان من أمي." قال ثيودور، ورفع عينيه الدامعتين نحو ابنه. "وأنا... أنا الذي أعطيته إياهم ظناً مني أنه سيرسلهم إلى مكان آمن. لأنني كنت خائفاً. خائفاً من أمي. خائفاً على العرش. خائفاً على سُمعتي." سقط الصمت مرة أخرى، لكنه كان مختلفاً الآن. مشحوناً بشيء جديد: ليس فقط بالصدمة، بل برغبة غريبة في الفهم. "لماذا... لماذا تخبرني بهذا الآن؟" سأل ليوس أخيراً. ثيودور نظر إليه، ونظرة في عينيه كانت تحمل شيئاً من الرجاء، من التطهير. "لأنني لا أريد أن أخفي عنك شيئاً آخر. لأنني أريد أن تعرف أن أباك... ليس فقط ملكاً. هو رجل فاشل. خائن لمن أحب. لكنه يحاول... أن لا يخونك أنت بخوفه... وأن يصلح شيئاً مما أفسده." "وأمي ديجينا..." "كانت ضحية أخرى." قطع عليها ثيودور بصوت مكسور. "زواجنا كان بلا حب. حياتها كانت قفصاً ذهبياً كما كانت حياتي. وأنت... أنت كنت النور الوحيد فيها. وفي حياتي." نهض ثيودور، مشيته كانت مترنحة. توقف أمام ليوس، ثم فعل شيئاً لم يفعله منذ سنوات: مد يديه، وأحاط بها وجه ابنه. كانت يداه دافئتين، مرتعشتين، تحملان ذكريات كل الأحضان التي منعها لنفسه. "غداً، عندما نخرج... سأحميك، وسأكون بجانبك. ليس كملك يحمي وريثه. بل كأب يحاول أن يمحي خطيئته القديمة بحماية ابنه الوحيد الباقي له." ليوس نظر إلى عيني أبيه، ورأى فيهما شيئاً لم يره من قبل: الحقيقة العارية. المؤلمة. وشعر، رغم الصدمة، ورغم الألم، بشيء يشبه الغفران يبدأ في النمو في قلبه كبرعم أخضر في تربة موحلة. لأن بعض الاعترافات، رغم أنها تمزق صور الأبطال، إلا أنها تبني جسوراً من الصدق قد تكون أقوى من أي صورة زائفة. وكان هذا الجسر، المصنوع من الدموع والأسرار القديمة، هو ما قد يحتاجه الاثنان لمواجهة العاصفة التي كانت تلوح في الأفق، دون أن يعلما أن العاصفة كانت أقرب مما يتصوران، وأن هذا الاعتراف قد يكون آخر ما يتبادلانه في سلام. ذكريات في مقبرة السفن: كانت مقبرة السفن في منتصف الليل تشبه هيكلاً عظمياً لوحش بحري عملاق مات وحلمه بالعودة إلى الماء تحول إلى كابوس من الصدأ والخشب المتعفن. هياكل السفن المقلوبة كانت تبرز من الطين كأضلاع مكسورة. الهواء كان ثقيلاً برائحة الملح الفاسد والخشب الرطب المتحلل، كأن المكان يتنفس فساداً قديماً. في كابينة سفينة محطمة، نصفها مغمور بالماء الأسود اللامع، كان كورفن جالساً على برميل مقلوب، زجاجة خمر شبه فارغة في يده التي ترتجف كورقة في ريح خفيفة. وجهه، المليء بالندوب التي تشبه خطوط خريطة لمناطق خطرة، كان مضيئاً بضوء شمعة وحيدة وضعت على صندوق صدئ. لم يرفع رأسه عندما دخل الظل الطويل عبر المدخل المائل. "كنت أعلم أنك ستأتي." قال كورفن، وصوته كان أجشاً. "الصقر دائماً يشم رائحة الجيفة." ألفارد، بزي صقر العدالة، توقف على بعد خطوات. القناع الأسود يخفي ملامحه، لكن عينيه العسليتين بتلك الخطوط الزرقاء كانتا تلمعان في الظلام كعينَي حيوان ليلي. "جئت من أجل الحقيقة. وليس من أجل دمك." "الجميع يقول ذلك في البداية." ضحك كورفن ضحكة مكسورة، ثم أفرغ ما تبقى في الزجاجة في حلقه. "ما الذي تريده؟ شبكة رجال فاليريان؟ خططه؟" "الطفل." قال ألفارد، وكانت الكلمة تسقط كحجر في بئر ساكن. "الطفل الذي أعطاك إياه فاليريان قبل ستة وعشرين عاماً." كورفن توقف عن الشرب. الزجاجة بقيت معلقة على شفتيه للحظة. ثم وضعها ببطء على الأرض. "هذا سر سيتسبب في مقتل أناس كثيرون. ومقابله يجب أن يكون ثمناً يليق بالموت." "الفتى على قيد الحياة." قال ألفارد بصرامة. "وهو هنا. في إيفرونيا." كورفن ارتعش كله، كما لو أن صاعقة مرت في جسده. عيناه الغائرتان في وجهه المنتفخ من الخمر، اتسعتا. "على قيد الحياة؟ كيف...؟" "هذا ليس مهمّاً. المهم أنك ستخبرني بكل شيء. الآن." كورفن حدق في الشمعة. اللهب كان يرتعش، يلقي ظلالاً متشنجة على الجدران المتعفنة. "كان في ليلة عاصفة. فاليريان جاء ليّ ومعه طفل ملفوف بقطعة قماش زرقاء. قال لي: 'تخلص منه. ولا أريد أثراً'. كان طفلاً هادئاً. لا يبكي. فقط ينظر بعينين بريئتين... خضراوين." توقف، وكأن الذكرى تخنقه. "كنت سأفعلها. وضعت يدي على رقبته الصغيرة. كانت دافئة... ناعمة كجناح فراشة صغيرة. ثم... لم أستطع فعلها. وضعت خاتمي، هذا الخاتم في النار، ثم وضعته على كتفه الأيسر كختمٍ له. حتى أتذكر. حتى أعرف أنه واحد من 'الشحنات الخاصة' التي أصدرها لمن يحتاجها." أشار إلى خاتم على إصبعه، عليه نقش نجمة ثلاثية. "أعطيته لطاقم من القراصنة... كانوا أصدقائي، لكنهم يمتلكون بقايا ضمير حي. اعتنوا به. حتى بلغ السابعة من عمره. ثم... باعوه في سوق العبيد. ومنذ ذلك الوقت... لم أره مرة أخرى." الصمت كان كثيفاً، يحمل رائحة الذنب القديم. ألفارد تقدم خطوة. "أخوك كالوم كان يعرف." "كالوم... لا بد أنه ميت بعد أن وقع بين يديك." "نعم، لكن لست أنا من قتله. بل كريكور. وكريكور مات أيضاً. أنت الرابط الوحيد المتبقي." كورفن رفع عينيه، وكانتا تلمعان الآن بذكاء مفاجئ، خالٍ من السُكر. "لماذا هذا الاهتمام الكبير بذلك الطفل؟ ماذا يعني لك؟" "إنه صديقي." قال ألفارد ببساطة قاتلة. "صديق أخذ سهماً في ظهره كان موجهاً إليّ." لحظة من الصمت المطبق. ثم تحول وجه كورفن إلى اللون الرمادي. "سهم... في الغابة؟ لا تقل بأنه ذلك الشاب ذو العيون الخضراء؟" ألفارد لم يجب. لكن صمته كان إجابة. كورفن قام فجأة. البرميل وقع خلفه بضجة. "إنه هو! يا إلهي! إنه هو حقاً!" ثم وجه نظره المفاجئ، الحاد، إلى ألفارد. "يجب أن تذهب! الآن!" "لماذا؟" "لأن فاليريان يعلم أنه عاد إلى عمله!" صرخ كورفن، وصوته كان مكتوماً بالرعب. "لقد علمت بخطته هو وفاروس وهيليوس! يخططون لخطفه! الليلة! سيستخدمونه كطعم لك لتقع بفخهم! سيأخذوه إلى مكان معزول، وينتظرونك أن تأتي لإنقاذه! وإن لم تأتِ... سيقتلونه أمام الجميع! وإن أتيت... فسيقتلونكما معاً!" كانت الكلمات تضرب ألفارد كالمطرقة. فالاندر. الطعم. الليلة. كل قطع اللغز بدأت تتجمع فجأة في صورة واحدة مرعبة. "أين؟" سأل ألفارد، وصوته كان الآن حاداً كالشفرة. "لا أعرف المكان! لكنهم سيفعلونها الليلة! ربما الآن هو تحت قبضتهم!" كورفن تقدم، يداه ترتجفان. "أنقذه! لأنني... لأنني أخاف أن أنظر إلى عينيه الخضراوين مرة أخرى، وأرى ذلك الطفل الذي لم أقتله، وأعلم أنني سلمته لمصير أسوأ من الموت!" ألفارد كان يشعر بأن الوقت ينزلق بين أصابعه كالرمال. خطته كلها، استجواب كورفن، معرفة شبكة فاليريان... كلها تبخرت أمام خطر حقيقي، مباشر، يهدد صديقاً. "إن كنت تكذب..." بدأ ألفارد. "اذهب! ليس هناك وقت!" صرخ كورفن، ودموع حقيقية بدأت تنساب على خديه المنتفخين. "أنا رجل ميت على أي حال. لكنه هو... لديه فرصة ليعيش! أنقذه من أبيه! من ذلك الوحش الذي أراد التخلص منه منذ اليوم الأول له في هذه الدنيا!" لم ينتظر ألفارد أكثر. انقلب على عقبيه واندفع خارج الكابينة، ظله يبتلع الظلام. خطواته على الخشب المتعفن كانت صامتة كخفق جناحي البومة. كورفن بقى واقفاً في الكابينة المهتزة، ينظر إلى المكان الذي كان فيه الصقر. ثم نظر إلى خاتمه، إلى النجمة الثلاثية. ورأى في لهب الشمعة صورة طفل أخضر العينين، ثم صورة شاب أخضر العينين يحتضر بسهم في ظهره. وشعر بأن ذنبه القديم، الذي ظن أنه دفنه في أعماق البحر، قد عاد إليه كشبح يطلبه أخيراً. أما ألفارد، فقد كان يركض عبر مقبرة السفن نحو مكان كاليب. كل خطوة كانت تحمل في طياتها صرخة صامتة: فالاندر. لقد استخدموه من قبل. وسيستخدمونه الآن. والفخ كان يُنصب، ليس فقط لفالاندر، ولا له، بل لمستقبل المملكة كلها. وكان عليه أن يتحرك بسرعة البرق، لأن بعض الإنقاذات إذا تأخرت ثوانٍ قليلة، تتحول إلى مراثي تُتلى على جثث أصدقاء كان من المفترض أن يحميهم، لا أن يقودهم إلى حتفهم بيديه.