الخاتمه
بعد مرور سنة:
مر عام كامل... عامٌ لم يكن مجرد أيام، بل كان بناءً لجسور من الأمل. القصر الآن أصبح يعج بالحياة، وصوت ضحكات الأطفال في الحديقة صار هو الموسيقى السائدة. رعد ومريم يعيشان أجمل أيام حياتهما، وقمر الصغيرة أصبحت كأنها ابنة القصر المدللة.
في صباح يومٍ مشرق، كان رعد يخطط لمفاجأة أخفاها عن مريم لشهور. كانت مريم تجلس في الشرفة، تقرأ كتاباً، فاقترب منها رعد وعلى وجهه ابتسامة غامضة مليئة بالبشرى.
رعد: "مريم.. تذكرين حين قلتِ لي أن الله يعوض الصابرين؟ اليوم جاء موعد أكبر عوض في حياتك."
مريم باستغراب: "رعد.. ماذا تقصد؟ لقد عوضني الله بك وبصلاح حالنا، ماذا بقي؟"
أمسك رعد يدها وسار بها نحو صالون القصر الكبير. كان ناصر وبدر الصغير (ابن ناصر الذي سماه تيمناً ببدر رحمه الله) هناك، والجميع في حالة ترقب. فتح رعد الباب الكبير، لتجد مريم امرأة وقوراً، ملامحها تحمل بقايا جمال عاصف، وعيناها تفيضان بدموع لم تجف منذ دهر.
تصلبت مريم في مكانها... هذا الوجه، هذه الملامح.. رأتها في أحلامها،.
المرأة بصوت يرتجف: "مريم؟... ابنتي؟"
انهارت حصون مريم في لحظة، . ارتمت في أحضان أمها، وصرخت صرخة مكتومة خرجت معها أوجاع سنين اليتم: "أمي... أنتِ حقيقة؟"
الأم وهي تشم رائحة ابنتها: "يا قلب امك .
بجانب الأم، كان يجلس ، ملامحه هادئة جداً لكن نظراته كانت شاردة قليلاً. كان هو العم محمد. اقتربت مريم منه وحضته بشوق:وحشتني ياحمودي
رعد بابتسامة حانية وضع يده على كتف محمد: "عمي محمد..
نظر محمد لمريم، وبدأت ملامحه تتجمع وكأنه يستعيد ذاكرته قطعة قطعة. سقطت دمعة من عينه وقال بصوت واهن: "انا اسف يامريم انا كان ودي احميك
أمسكت مريم يده وقبلتها: "يا عمي، لا لوم عليك. الوجع حين يفيض يسرق منا أنفسنا. أنت الآن بيننا، وفي قصر رعد السلطان، لن يمسك مكروه بعد اليوم."
............
اجتمعت العائلة كلها على مائدة الغداء الكبيرة. الأم تجلس بجانب مريم، والعم محمد يستعيد وعيه ببطء وسط رعاية ناصر وسهام. والجدة، كعادتها، لا تترك المشهد يمر دون تعليقها الخاص:
"يا ويلي! الحين صار عندنا أم وعم.. يعني القصر بيمتلي ناس! يا رعد، لازم توسع الملحق، أنا ناوية أفتح دار تحفيظ قران هنا ونسميه (مدرسة التوابين)!"
ضحك رعد من قلبه، ونظر لمريم التي كانت تطعم أمها بيديها والابتسامة لا تفارق ثغرها. همس رعد في أذن مريم:
"رأيتِ يا مريم؟ عندما أصلحتُ ما بيني وبين الله، أصلح الله لي كل شيء.. حتى أحلامي المستحيلة حققها تحت سقفي."
مريم بامتنان: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الآن يا رعد... اكتملت عائلتنا."
وفي تلك اللحظة، ركضت الطفلة قمر وهي تحمل وردة، وضعتها في حضن مريم وقالت: "مريم.. هل هذه السيدة الجميلة هي أمك؟"
مريم وهي تضم قمر وأمها معاً: "نعم يا قمر.. هذه أمي، وهذا هو العوض الجميل."
، كان صوت ضحكاتهم يعانق السماء، في قصر صار منارة للخير، ورجل صار مثالاً للتوبة، وامرأة صارت رمزاً للصبر والطهارة
......................
هذه رسالة من القلب إلى كل من يقرأ قصة "رعد ومريم"، رسالة لكل من يظن أن ذنوبه كبلته، أو أن ماضيه المظلم قد أغلق في وجهه أبواب السماء:
إلى صاحب القلب المثقل.. رسالة من نور التوبة
يا أخي.. يا أخيتي..
هل رأيت "رعد"؟ ذلك الذي تلطخت يداه بالدماء، وامتلأ صدره بالسموم، وعاش سنواته في وحل المعاصي.. أرأيت كيف قلبت "سجدة صادقة" موازين حياته؟
إن الله لا ينظر إلى ما كنت عليه، بل ينظر إلى ما صرت إليه الآن. لا يهم كم كان ماضيك مظلماً، فخلف كل ليل حالك شمسٌ تنتظر الإذن لتشرق.
تذكر دائماً:
باب الله لا يُغلق لو جئت بقراب الأرض خطايا ثم لقيته لا تشرك به شيئاً، لأتاك بقرابها مغفرة. هو الذي ينادي في جوف الليل "هل من تائب فأتوب عليه؟" وهو الغني عنك، لكنه يحب رجوعك.
التوبة تغسل الندوب لا تقل "أنا تلوثت"، فالتوبة الصادقة لا تمحو الذنب فحسب، بل تبدل السيئات حسنات. إنها العطر الذي يطهر الروح من رائحة المعاصي البشعة.
العوض بانتظارك أرأيت كيف أعاد الله لمريم أمها، وكيف أعطى لرعد السكينة بعد القلق؟ وحين اعتقد ناصر انه وحيد وهبه عائله، وحين تاب بدر اصبح شهيد في سبيل الله، حين تترك شيئاً لله، سيعطيك الله ما لم يكن في حسبانك، سيفتح لك أبواباً كنت تظنها جدراناً صماء.
نصيحة لك
لا تنتظر أن تصبح "مثالياً" لكي تتوب، بل تُب لكي تصبح أفضل. ابدأ الآن، بدمعة ندم، باستغفار من الأعماق، بقرار حاسم أنك لن تعود لذاك السجن المظلم.
إن كان "رعد السلطان" بجبروته قد خضع لله ووجد السكينة، فأنت أولى بها. لا تجعل الشيطان يقنعك أنك "بعيد جداً"، فالله أقرب إليك من حبل الوريد، ينتظر منك خطوة.. ليأتيك هرولة.
اغتسل بدمع الندم، وأقبِل على الله.. فالفجر قد بزغ، والحياة الحقيقية تبدأ بكلمة: "يا رب، تبُت إليك".
تمت الرواية
وأسأل الله أن تكون هذه الكلمات حجة لنا لا علينا، وأن يكتب لي وللقراء خيراً ويهدينا اجمعين
الكاتبة: نور انوار