الفصل 29
بعد أسابيع من تلك الليلة الدامية، شهد القصر تغييراً لم يكن يتخيله أحد. رعد، الذي كان "سلطان الظلام"، صار يستيقظ قبل الفجر، لا لينهي صفقة مخدرات، بل ليقف على سجادة الصلاة التي أهدتها له مريم.
في ليلة هادئة، كانت مريم تجلس في مصلاها، فدخل رعد بملامح هادئة لم تعد تحمل قسوة الماضي. جلس بعيداً عنها قليلاً وقال بصوت خاشع:
"مريم... لأول مرة في حياتي أشعر أنني طاهر. لقد تخلصتُ من كل شيء، السموم، الصفقات، وحتى تلك الزجاجات اللعينة... هل يغفر الله لمن كان مثلي؟"
ابتسمت مريم والدموع في عينيها: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً يا رعد، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}. أنت الآن ولدت من جديد."
كان مشهداً يشرح الصدر؛ رعد يتلو خلفها آيات من القرآن، وبدر يمازحهما كالعادة ليضفي روحاً على المكان، وأماني وناصر يخططان لحياة سعيدة. بدا وكأن الجرح قد اندمل... لكن القدر كان يخبئ اختباراً هو الأقسى.
...........
لم يغفر أعداء رعد القدامى له توبته وانسحابه. وفي غفلة من الجميع، تم اختطاف بدر، "روح القصر" ونبض قلب مريم.
وصلت رسالة إلى رعد: "تركتنا لتتوب؟ إذاً استلم جثة أخيك."
ركض رعد ومريم إلى المكان المهجور الذي حدده الخاطفون، كان مستودعاً قديماً يفوح برائحة الغدر. وجدوا بدراً مقيداً في المنتصف، وتحته جهاز رقمي يومض باللون الأحمر... لغم أرضي حساس.
حاول رعد التقدم، لكن بدر صرخ بصوت مبحوح: "لا تقترب يا رعد! اللغم تحت قدمي.. أي حركة سينفجر المكان كله!"
تصلبت مريم في مكانها، تجمدت الدماء في عروقها.
بدأت دموعها بالنزول... دموعها التي أبت أن تنزل يوم ماتت أمها... دموعها التي أبت أن تنزل عندما مات أبوها... نزلت الآن كالسيل...
"بدر... لا... لا... لا تعملها... لا تتركني يا أخي."
ابتسم بدر ابتسامة منشرحة، ابتسامة من يرى مقعده في الجنة، ونظر إلى مريم بعينين مليئتين بالحنان: "قولي لي شيء قبل أموت."
مريم بشهقات مزقت صدر رعد: "لا.. بسم الله عليك، ما رح يحصل لك شيء، رعد سيفعل شيئاً.. رعد أنقذه!"
صارت تحاول أن تتفلت من رعد لتركض نحو أخيها، لكن رعد الذي كان قلبه يتقطع، ضمهما بقوة إلى صدره وهو يعلم أن النهاية اقتربت، منعهما من الحركة لكي لا تنفجر العبوة قبل الأوان.
بدر بصوت هادئ: "يلا قولي.. أحبك."
مريم بصراخ: "أحبك.. يا أغلى أخ في الدنيا.. أحبك، أكيد راح تنجو، لا تودعني يا بدر!"
نظر بدر إلى السماء، وأخذ نفساً أخيراً بسلام لم يعرفه طوال حياته: "أشهد أن لا إله إلا الله.. وأن.. محمداً رسول الله."
مريم صرخت صرخة شقت السماء: "لااااااااااااااااااااا!"
في تلك اللحظة، انفجر اللغم.
دوى صوت الانفجار ليزلزل الأرض تحت أقدامهم. مريم كانت تريد أن تتوجه إليه، أن تحتضن ما تبقى منه، لكن رعد مسكها بقوة هائلة وهو مولي ظهره للانفجار، ليحميها بجسده من الشظايا والنار.
سقطت الشظايا على ظهر رعد، لكنه لم يصرخ ألمًا من جرح جسده، بل نزلت دموعه بصمت على وجنتي مريم، دموعٌ غسلت كل كبريائه القديم. لقد رحل بدر... رحل الشخص الذي كان يذكره دائماً بأنه "إنسان".