الفصل 27
بعد مرور يومين، عادت مريم إلى القصر. لم تعد تلك الفتاة الهادئة التي تتجنب الصدام، بل عادت برأس مرفوع ويد ملفوفة بالبياض كأنها راية نصر. دخلت الجناح الخاص برعد دون استئذان، لتجده جالساً في الظلام، زجاجات الخمر محطمة حوله، ورائحة الندم والتبغ تملأ المكان.
وقف رعد فور دخولها، كان منظره مبعثراً، عيناه غائرتان وكأنه لم ينم منذ دهر. اقترب منها بخطوات ثقيلة، وصوته خرج مبحوحاً:
"عدتِ إذاً.. ظننتكِ تعيشين عند اخوك بدر للأبد."
مريم بسخرية لاذعة: "رجعت اخذ حقي، مو لأختبئ. عدتُ لأرى الوحش الذي يرتوي بالدماء.. قلي يا رعد السلطان، هل شبعت؟ هل ارتوت عروقك من دمي أم ما زلت متعطشاً؟"
اقترب رعد منها حتى شعرت بأنفاسه الغاضبة، همس بفحيح: "لا تتجاوزي حدودك يا مريم. ما حدث في الغرفة كان لحظة جنون.. لحظة غاب فيها عقلي."
مريم (بصرخة هزت الجدران): "كاذب! لم يغب عقلك، بل ظهرت حقيقتك! أنت لست رجلاً، أنت مسخ! رأيت في عينيك شهوة غريبة وأنت تشرب دمي.. أي نوع من البشر أنت؟ حتى الشياطين تترفع عما فعلت! هل أنت سادي؟ أم أنك مريض نفسي يحتاج للمصحة؟"
ضرب رعد بيده على الطاولة بقوة أدت إلى تحطم ما عليها، وصرخ بوجهها وعيونه تلمع بدموع محبوسة لم تلمحها مريم:
"أنتِ لا تعرفين شيئاً! لا تتحدثي عن الطهارة وأنتِ تعيشين في نعيم، أنا رأيت الجحيم قبل أن أعرف كيف ينطق اسمي! أنا شربت ما هو أمرّ من الدم لكي أعيش!"
مريم (بثبات مرعب): "ومهما كان عذرك، فهذا لا يبرر قذارتك. التاجر الذي يبيع السموم للناس ويشرب الخمر ويستبيح دماء زوجته، لا يستحق حتى أن أنظر إليه. اسمعني جيداً يا ولد السلطان.. من اليوم، أنا هنا في القصر جسداً بلا روح لك. سأعيش خلف هذه الأبواب، سأصلي، سأقرأ قرآني، وسأجعل كل ركن في هذا القصر يلفظك. أنت تخاف من النور، وأنا سأكون نورك الذي يحرقك كل يوم."
خطت خطوة للأمام وصارت هي من تتقدم وهو يتراجع، ورفعت يدها الملفوفة أمام وجهه:
"هذا الجرح سيبقى ندبة في ضميرك، إن كان لك ضمير. وكلما نظرت إليّ، تذكر أنك لم تشرب دمي، بل شربت نار جهنم التي ستأكلك!"
رعد شعر لأول مرة بالصغر.. بالهزيمة. تلك الفتاة " في نظره، كانت تملك روحاً تضاهي مئة رجل. لم يستطع الرد، لم يستطع إخبارها أنه عندما شرب دمها، كان طفلاً خائفاً في السادسة من عمره يعود إليه مشهد والده وهو يُقطع أمامه.. كان يهرب من بشاعة واقعه إلى بشاعة ماضيه.
مريم ببرود: "والآن.. اخرج من غرفتي. هذه الغرفة ستطهر بذكر الله، وأمثالك لا مكان لهم هنا."
خرج رعد من الغرفة يجر أذيال الخيبة، ولأول مرة في حياته، لم يتجه لزجاجة الخمر، بل انهار خلف الباب، واضعاً رأسه بين يديه، يهمس بكلمة واحدة هزت كيانه: "سامحني يا أبي.. لقد أصبحت مثلهم.. أصبحت وحشاً."
بينما كانت مريم تظن أنها انتصرت، كان هناك خطر يتربص بالقصر. فجأة، انطلق صوت إنذار القصر، وتحطم زجاج النوافذ السفلية. أعداء رعد القدامى، الذين يعرفون سره، قرروا الهجوم في لحظة ضعفه.
اقتحم رجال مسلحون القصر، وبدأ بدر وناصر في المقاومة بضراوة. رعد، الذي كان محطماً منذ لحظات، تحول فجأة إلى كتلة من اللهب. استل سلاحه، وعيناه عادت لتلك النظرة الشيطانية، لكن هذه المرة.. ليحمي مريم.