الفصل الثامن: وليمة الملح
الفصل الثامن: "وليمةُ الملحِ.. وعتبةُ القصرِ الغريبة"
كانت السيارة "الرولز رويس" تقف أمام بوابة القصر الكبيرة. استعد الحراس، وفتح "نبيل" (الخادم الخبيث) الأبواب بابتسامة صفراء لا تصل إلى عينيه. نزل فاضل بهيبته المكسورة، ونزلت خلفه نرمين، التي كانت تمشي بخطوات واثقة، كأنها تفتح بلداً جديداً.
لحظة دخول نرمين للقصر
وقفت نرمين عند العتبة. نظرت إلى الثريات الكريستالية الضخمة، وإلى السجاد الإيراني الذي يغطي الرخام. كانت تشعر بنشوة الانتصار، لكنها في ذات الوقت كانت تشعر بـ "ثقل" هذا المكان.
* نرمين في نفسها: "أخيراً.. أنا السيدة هنا. لا ضحى، ولا ذكريات قديمة. سأمسح كل أثر لها حتى من الهواء."
بينما كان فاضل يتجه نحو غرفته ليرتاح من عناء تلك الليلة الطويلة، صرخ سعدون من خلفه وهو ينزل من سيارته الـ "وانيت" القديمة التي ركنها بجانب سيارات فاضل الفارهة:
* سعدون: "يا فاضل! يا عريس! وين رايح؟ والله ما تدخل غرفتك لين ناكل ذبيحة العرس! أنا كلمت (أبو فهد) وجاب لنا قعدان وحاشي، والحين الطباخين شغالين في الحديقة!"
* فاضل (بتعب): "سعدون، اتركني يا أخي، لست في حال تسمح لي بالاحتفال."
* سعدون (بإصرار): "أبداً! والله لو ما تعشيت مع ضيوفك لأقول إنك خايف من زوجتك الألمانية! يا نرمين، قولي له يأكل، ترى اللحم يقوي القلب، والقلب الخربان يحتاج شحم!"
نرمين نظرت لسعدون بذهول، فهي لم تتعود على هذه العفوية الفجة.
* نرمين: "سيد سعدون، الوقت متأخر، وفاضل يحتاج للهدوء."
* سعدون (يقلد لهجتها): "سيد سعدون؟ قولي (يا عم سعدون) وأنا أعطيكِ مفتاح قلبه! يا بنت الناس، هذا زواج، مو جنازة! اضحكي، ترى الدنيا فانية!"
بينما كان سعدون يشرف على الطباخين في الخارج بصراخ ومزاح، كانت نرمين تتجول في الصالة. اقترب منها نبيل بهدوء مريب.
* نبيل: "أهلاً بكِ يا سيدة القصر الجديدة. هل تأمرين بشيء؟"
* نرمين (بصوت حاد وبرود): "اسمع يا نبيل.. أنا أعرف أنك كنت عين "ضحى" في هذا القصر. وأعرف أنك كنت توصل رسائل معتز. من اليوم، أنت تعمل لحسابي أنا.. وإذا شممتُ رائحة خيانة واحدة، سأرميك خلف القضبان بتهمة السرقة التي غضَّ فاضل الطرف عنها سابقاً."
سقط وجه نبيل، وارتجفت يداه. لم يتوقع أن السكرتيرة الرقيقة تملك هذه المعلومات.
* نبيل بخضوع: "أنا رهن إشارتك يا سيدة نرمين.. اعتبريني ظلك."
* نرمين: "اذهب الآن.. وأحضر لي كل "مقتنيات" السيدة السابقة، أريد حرقها في الحديقة الآن."
صعد فاضل إلى الطابق العلوي، واتجه مباشرة إلى غرفة ابنه وليد. فتح الباب ببطء. كان الصغير نائماً، لكن دموعه كانت قد جفت على وجنتيه. جلس فاضل بجانبه، ولمس شعره بحنانٍ ممزق.
* فاضل بمرارة: "سامحني يا ولدي.. أمك اختارت طريقاً آخر، وأبوك اختار أن يعيش ليحمي ما تبقى منك. سأجعلك ملكاً، لكنني لن أجعلك تعيش في ظل امرأة خانتني."
في هذه اللحظة، فتح وليد عينيه. نظر لأبيه وسأل بصوتٍ مخنوق:
* وليد: "بابا.. هل ستأتي ماما غداً؟"
صمت فاضل. كانت هذه الكلمة كخنجرٍ في صدره. لم يستطع الكذب، ولم يستطع قول الحقيقة.
* فاضل: "ماما ذهبت في رحلة طويلة يا وليد.. الآن نم، وغداً سنشتري لك كل الألعاب التي تحبها."
خرج فاضل من الغرفة، ووجد نرمين تقف عند الباب. كانت ملامحها هادئة، لكن في عينيها كان هناك "إصرار" غريب.
* نرمين: "فاضل، لا تضعف. الصغير سيعتاد. المهم الآن أن نبني مستقبلنا."
كان سعدون قد جلس في وسط الحديقة، وحوله مجموعة من عمال الشركة والحراس، وقد وضعوا صحوناً ضخمة من الأرز واللحم.
* سعدون وهو يوزع اللحم بيديه: "كلوا يا شباب! هذا زواج (فاضل الذهب) على (نرمين الألماس)! والله يا عيال إنها بيضاء كأنها قطعة جبن كيري! بس الله يعين فاضل على لسانها، أحسها تتكلم بالمسامير!"
ضحك الجميع، وكان الجو مليئاً بالفكاهة، بينما كان فاضل يراقبهم من النافذة، يشعر بالفجوة الكبيرة بين "بساطة" هؤلاء الناس، وبين "تعقيد" حياته التي بدأت تنهار وتبنى من جديد في ليلة واحدة.
بينما كان الجميع مشغولاً بالوليمة، كانت هناك سيارة سوداء تقف بعيداً عن بوابة القصر. بداخلها كانت ضحى، تراقب أضواء القصر بجمود. رأت الدخان المتصاعد من "وليمة" زواج زوجها، ورأت "نرمين" وهي تقف في الشرفة بجانبه.
قبضت ضحى على مقود السيارة بقوة حتى ابيضت مفاصيل يدها.
* ضحى بهمس: "كُلوا.. واشربوا.. وافرحوا.. فوالله لأجعلنَّ هذا القصر يغرق في سوادٍ لا يمحوه ذهبُك يا فاضل."
انطلقت السيارة بسرعة، مخلفة وراءها غبار الحقد، لتبدأ ضحى أولى خطواتها نحو "معتز" مرة أخرى، ولكن هذه المرة ليس كعاشقة.. بل كشريكة في "الجريمة".