الفصل السابع: عقد بمداد. الحقد
الفصل السابع: "عقدٌ بمدادِ الحقد"
بدأت خيوط الشمس الذهبية تلامس أبراج الرياض، لكن في مكتب "فاضل"، كانت الأجواء لا تزال غارقة في عتمة القرارات الانتقامية. الغرفة كانت تفوح برائحة القهوة المرة والبخور الذي أشعلته نرمين، ذلك البخور الذي تغلغل في ثياب فاضل وكأنه يطرد رائحة "ضحى" من مسامات جلده.
كان سعدون يجلس على الكرسي الجلدي الفخمة، يمسح شاربه بطرف غترته، وينظر تارةً لفاضل وتارةً لنرمين التي كانت تجلس بوقارٍ مصطنع، ترتدي فستاناً أسوداً بسيطاً لكنه يصرخ بالثراء، وقد وضعت خماراً خفيفاً على رأسها احتراماً لوجود "الشيخ" الذي طلبه فاضل على عجل.
* سعدون (يهمس لفاضل): "يا ولد العم، أنت متأكد؟ ترى الزواج في العجلة كأنه شراء خيل في الليل.. ما تدري وش عذاريبه!"
* فاضل (بصوت حازم وجاف): "سعدون، انتهى الكلام. الشيخ وصل، ونرمين جاهزة، وأنا.. أنا أحتاج أن أغسل عاري بهذا الزواج."
دخل الشيخ "عبد الجبار"، رجل مسن يرتدي نظارات سميكة، يحمل في يده دفتر "المأذون" الذي سيسجل نهاية قصة وبداية مأساة.
* الشيخ: "يا أبا وليد، هل أنت في كامل قواك العقلية؟ هل هناك إكراه؟"
* سعدون (مقاطعاً): "قواه العقلية؟ يا شيخنا الرجل طلق بقرة وتزوج غزال ألماني، هذا قمة العقل! سجل يا شيخنا، والقهوة على حسابي!"
* فاضل (بنظرة حادة لسعدون): "سعدون! اترك الشيخ يكمل."
بدأ الشيخ بكتابة البيانات. كان صوت قلم "الريشة" وهو يتحرك على الورق الخشن يصدر حفيفاً يوتر الأعصاب. كل حرف يكتبه الشيخ كان كأنه مسمار يُدق في نعش حياة ضحى.
وصل الشيخ إلى خانة الشروط. صمتت نرمين فجأة، ونظرت إلى فاضل بعينين زرقاوين تلمعان بدموعٍ "مظلومة".
* نرمين (بصوت مهزوز ومؤثر): "شيخنا.. سأكتب شرطي بلساني. أنا أحب فاضل، ولا أريد ماله ولا ذهبه. شرطي الوحيد أن لا ننجب أطفالاً. لا أريد أن أكون أماً لطفلٍ يرى أباه منكسراً يوماً ما، ولا أريد أن أكون سبباً في شتاتٍ جديد. أنا لفاضل، وفاضل لي.. وكفى."
ساد صمتٌ ثقيل. الشيخ رفع نظارته ونظر لفاضل بذهول، وسعدون توقف عن هزّ فنجانه.
* فاضل (بصوتٍ ميت): "اكتب يا شيخ.. موافق. لا أطفال."
في الفندق
بينما كان فاضل يوقع على عقد "الحرمان"، كانت ضحى واقفة عند النافذة الكبيرة، تراقب المدينة. كانت تشعر بأن جدران الغرفة تضيق عليها. معتز خرج وتركها، والآن بدأت الحقيقة المرة تصفع وجهها.
لحظة انكسار ضحى
التفتت ضحى إلى المرآة. رأت امرأة غريبة عنها. الكحل الذي سال جعل عينيها تبدوان كحفرتين من السواد. مسكت زجاجة العطر التي أعطاها إياها معتز ورمتها على المرآة بكل قوتها.
* ضحى بصراخ: "يا كذاااااااب! يا خاااااائن! أين وعودك؟ أين القصر الذي وعدتني به؟ أين الحب؟"
جلست على الأرض، وسط شظايا الزجاج العاكسة لملامحها المحطمة. في هذه اللحظة، رنّ هاتفها. كان اتصالاً من "نرمين"!
ترددت ضحى، ثم فتحت الخط ببرود.
* نرمين (بصوت يقطر سماً وهدوءاً): "مبروك يا ضحى.. أردتُ فقط أن أخبركِ أن الشيخ انتهى من عقد قراني على فاضل. أنا الآن في مكتبه، وهو يلبسني خاتم الذهب الذي كنتِ تحلمين به. شكراً لأنكِ كنتِ غبية وتركتِ لي هذا المكان."
* ضحى (بأنفاس متسارعة): "يا كلبة.. يا حية! سأقتلكِ!"
* نرمين (بضحكة باردة): "اقتلي نفسكِ أولاً.. فأنتِ الآن لا شيء. وداعاً يا (طليقة) العزيز."
أغلقت نرمين الخط، وسقطت ضحى في نوبة بكاء وتشنج، بينما كان قلبها يمتلئ بسوادٍ لم يعرفه بشر من قبل. بدأت تفكر: "إذا خسرني فاضل، وخسرني معتز، فليخسر الجميع!"
بعد انتهاء العقد، وقف فاضل عند النافذة، يطالع الأفق. اقتربت نرمين منه، ووضعت يدها على كتفه. كانت تشعر بانتصارٍ عظيم، لكن في داخلها خوفٌ لم تخبر به أحداً. كانت تشعر بوخزة في بطنها، وخزة غريبة، تجاهلتها وقالت: "فاضل، الآن ستبدأ إمبراطورية (فاضل ونرمين). سنجمع الذهب من كل العالم، وسننسى الماضي."
فاضل التفت إليها، ولم يبتسم، بل قال بجفاف: "أريد العمل. جهزي ملفات صفقة ألمانيا. لا أريد وقتاً للتفكير."