الفصل الخامس: وداع بطعم الرماد
الفصل الخامس: وداعٌ بطعم الرماد
كانت أضواء القصر الخارجية مسلطة على مدخله الرخامي، تعكس بريقاً زائفاً لا يشبه الانكسار الذي يحدث في الداخل. سحب فاضل "ضحى" من يدها بعنف، لم يكن يرى فيها تلك المرأة التي شاركته عمره، بل كان يرى "خديعة" مغلفة باللحم والدم. رمى يدها عند عتبة الصالة الكبرى، فسقطت ضحى على الرخام البارد، وأطراف عباءتها متمزقة، وشعرها ثائر كحال قلبها.
لحظة المواجهة داخل الصالة:
وقف فاضل أمامها، شامخاً كجبلٍ تصدع من القمة، وعيناه تلمعان بدموعٍ رفض أن يذرفها أمامها.
* فاضل بصوتٍ هادئ لكنه يقطع كالسكين: "في هذا المكان.. في هذه الصالة، قبل عشر سنوات، عقدنا قراننا. كنتِ تلبسين الأبيض، وكنت أظن أنني ملكت الدنيا. واليوم.. أكتشف أنني كنت أربي ثعباناً في صدري."
* ضحى وهي تحاول الزحف لتقبيل قدمه: "فاضل.. أرجوك، اسمعني.. معتز هو الشيطان، هو من جرني.. أنا لم أكن بوعيي، والله يا فاضل المشروب كان فيه شيء.. صدقني!"
* فاضل (بضحكة هستيرية موجعة): "المشروب؟ والتوقيعات؟ والرسائل التي في هاتفك؟ واللقاءات التي كنتِ تخرجين لها وأنا أكدح لأجلك؟ هل كان المشروب هو من يكتبها؟"
ظهور "وليد" الصغير
في هذه اللحظة، ظهر "وليد" الصغير (ابنهما) في أعلى السلم، كان يفرك عينيه من أثر النوم، مرتديأ منامته الصغيرة. نظر إلى الأسفل، رأى أمه ملقاة على الأرض تبكي، وأباه يصرخ بوجهها.
* وليد بصوت طفولي خائف: "بابا؟ ليش ماما تبكي؟"
تجمد فاضل في مكانه. أحس وكأن طعنة أصابت رئته. نظر إلى ابنه، ثم نظر لضحى، واشتعل غضبه أكثر.
* فاضل لوليد: "ارجع لغرفتك يا بابا.. ارجع ولا تفتح الباب!"
* ضحى صرخت: "وليد! يا ولدي! ساعدني.. أبوك يريد طردي!"
فاضل لم يحتمل سماع صوتها وهي تستنجد بالطفل الذي خانت أباه. هجم على حقيبتها اليدوية، وفتحها ورمى بكل محتوياتها على الأرض؛ أحمر الشفاه، العطر، المفاتيح، والمال.
* فاضل: "اجمعي قاذوراتكِ وارحلي.. لا تأخذي معكِ شيئاً اشتريته بمالي.. حتى الثياب التي عليكِ، لولا الحياء لنزعتها عنكِ!"
بدأت ضحى تجمع أغراضها المبعثرة وهي ترتجف. كانت يداها تصطدمان بقطع الرخام. جمعت ما استطاعت، ونهضت وهي تجر أذيال الخيبة. اتجهت نحو الباب، وعندما وصلت للباب الكبير، التفتت ونظرت لفاضل نظرة أخيرة، نظرة ممزوجة بالحقد والندم.
* ضحى: "ستندم يا فاضل.. والله ستعرف يوماً أنني كنت ضحية، لكن يومها لن ينفعك الندم."
خرجت إلى الشارع المظلم، لا تملك سيارة، ولا تملك وجهة، إلا ذلك الفندق الذي ينتظرها فيه "معتز" ليكمل فصول مسرحيته.
في الجانب الآخر: "نرمين"
في تلك الأثناء، كانت نرمين في مكتبها بالشركة. لم تذهب للمنزل. كانت تدرك أن فاضل في هذه اللحظة يمر بأسوأ ساعات حياته. كانت قد أعدت له "ملاذاً".
أحضرت بخوراً من النوع النادر الذي يهدئ الأعصاب، وجهزت أوراقاً وهمية لصفقات جديدة لتشغله بها عن ألمه. كانت نرمين ذكية؛ كانت تعرف أن "رجل الأعمال" عندما ينكسر قلبه، يهرب إلى "أرقامه".
مشهد الصراع النفسي لنرمين:
كانت نرمين تمشي في المكتب ذهاباً وإياباً. عيناها الزرقاوان تراقبان شاشة هاتفها. كانت تحدث نفسها بصوت مسموع:
* نرمين: "هل أنا شريرة؟ لا.. أنا فقط أحبه. ضحى لم تقدر النعمة، وأنا سأكون النعمة التي تخرجه من النار. فاضل ملكي.. أنا تركت ألمانيا وأبي المليونير لأجله. يجب أن يرى الحقيقة الآن."
فجأة، سمعت صوت سيارة فاضل تدخل مواقف الشركة. أغلقت الإضاءة القوية، وتركت إضاءة المكتب خافتة ومريحة.
المواجهة بين فاضل ونرمين:
دخل فاضل المكتب. كان يبدو وكأنه كبر عشرين عاماً في ساعة واحدة. قميصه مجعد، وعيناه غائرتان. دخل ولم ينظر لنرمين، اتجه مباشرة إلى البار الصغير، وسكب لنفسه كأساً من الماء، وشربه دفعة واحدة حتى سالت قطرات على قميصه.
اقتربت منه نرمين بهدوء شديد. لم تتحدث. لم تسأل "ماذا حدث؟". بل فعلت شيئاً واحداً: وضعت يدها برفق على كتفه، وأسندت رأسها على ظهره.
* نرمين بهمس: "أنا هنا.. القصر قد يكون خالياً، لكن قلبي دائماً ممتلئ بك."
التفت إليها فاضل، وسقطت أول دمعة من عينيه. دمعة القهر.
* فاضل بصوت محطم: "خانتني يا نرمين.. ابنة عمي التي أمنتها على اسمي.. باعتني لمعتز!"
نرمين في تلك اللحظة، وبدلاً من أن تواسيه، قالت كلمة واحدة كانت هي المفتاح:
* نرمين: "لا تبكِ على من باعك، بل اضحك على من يظن أنه ربح بضاعةً فاسدة. أنت (فاضل للذهب).. والذهب لا يصدأ بخيانة نحاس."
نظر إليها فاضل بذهول من قوتها. في هذه اللحظة، ولدت فكرة "الارتباط" بنرمين في عقله كفعل انتقامي وتصحيحي في آن واحد.