صقر العدالة - الفصل 17: وجهُ الحقيقة وظلال الغدر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 17: وجهُ الحقيقة وظلال الغدر

الفصل 17: وجهُ الحقيقة وظلال الغدر

ضيف في عُشّ الصقر: كانت الكلمة معلقة في الهواء البارد المتسلل من الباب المفتوح "أنت..." تحمل في طياتها صدمةً تامة، ودهشةً لا يمكن احتواؤها، واعترافاً بأن المستحيل قد حدث. ألفارد وقف مشلولاً للحظة، عيناه العسليتان ذات الخطوط الزرقاء تحدقان في الوجه الذي ظهر من تحت القلنسوة السوداء كما يحدق المسافر الذي ضل طريقه في الصحراء فوجد فجأة نبع ماءٍ تحت ضوء القمر. ليوس. الأمير ولي العهد، ذلك الشاب الشاحب الرفيع الذي كان يجب أن يكون محبوساً بين جدران القصر الذهبية، كان واقفاً الآن على عتبة كوخٍ خشبيٍ متواضع، برد الليل يهاجم وجهه الذي بدأ يكتسب لوناً وردياً باهتاً من البرد والمجهود. عيناه العسليتان تلك العيون التي تذكر ألفارد بشيءٍ غامضٍ عميق في داخله كانتا تحدقان فيه الآن دون قناع، دون أسيجة، مباشرةً إلى روحه العارية. "أخيراً..." همس ليوس، وصوته كان ناعماً يحمل رجفةً خفيفة، ربما من البرد، ربما من المجازفة الهائلة التي قام بها. "أرى وجهك... بدون قناع." ألفارد انتفض من جموده. عيناه التقطتا الظلام خارج الباب، تفحصتا كل ظل، كل حركة. لا أحد. فقط الليل الأسود والريح الباردة. أمسك بمعصم ليوس، كان رقيقاً، عظمياً، بارداً كعصا جليدية وجذبه إلى الداخل. "مجنون." قال ألفارد وهو يغلق الباب ويترسه بالقفل الخشبي. "أقسم أنك مجنون تماماً." ليوس لم يقاوم. سمح لنفسه بأن يُقاد إلى الداخل، حيث كانت حرارة المدفأة تضرب وجهه كصدمة دافئة بعد برودة الليل. ألقى المعطف الأسود الثقيل، وكشف عن ملابس بسيطة، قميص صوفٍ رمادي وسروال من قماش خشن، ملابس خادم، لا أمير. سيلاس وأوليفر وكاليب كانوا واقفين كتماثيل من الشمع. سيلاس، بعينيه المتسعتين، كان ينظر إلى الأمير كما ينظر إلى كائن أسطوري هبط فجأة في بيته. كاليب كان يحمل فنجان الشاي وقد تجمدت حركته. أوليفر فقط أومأ ببطء، كأنه يقول:'هذا مقدر له أن يحدث'. "اجلس." قال ألفارد، وصوته كان حاداً من التوتر. دفع كرسياً خشبياً بسيطاً نحو المدفأة. "أنت بارِد كالثلج." ليوس جلس، يداه المتشابكتان ترتجفان قليلاً. عيناه لم تفارقا وجه ألفارد. كان يدرس كل تفصيلة: الجبهة العريضة التي كانت مخبأة تحت القلنسوة، الأنف المستقيم الذي يحمل ندبة صغيرة على الجانب الأيسر، الذقن الحازم، والشفتان المضغوطتان، الآن قد كُشفت ملامحه بالكامل. "لقد علمت بما يحدث..." بدأ ليوس، لكن ألفارد قطعه. "تيرون كان هنا قبل قليل. أخبرني بكل شيء." قال ألفارد وهو يملأ إبريقاً صغيراً بالماء من الجرة. "عن التوقيع. عن الإجبار. عن فاليريان الذي يهددك أنت وأبيك." ليوس أومأ ببطء. "إذن تعلم لماذا..." "أعلم لماذا." وضع ألفارد الإبريق على النار. "ولكن لا أعلم لماذا أنت هنا. لماذا تجازف بحياتك بهذا الشكل؟ الخروج من القصر ليس آمناً لك، فاليريان يتربص بك، وعلاجك..." "علاجي آمن." قال ليوس، وابتسامة صغيرة ظهرت على شفتيه الشاحبتين. "ليوريلا تتولى أمره. والحكيم إلدريد أقنعته بالبقاء في جناحي حتى يتأكد من سلامة كل جرعة." ألفارد وقف ينظر إليه. كان مذهولاً. هذا الأمير المريض، الذي كان يظنه ضعيفاً، هشاً، كان يتحدث الآن عن إقناع الحكيم الملكي، عن خطط، عن تحركات. "لقد تغيرت، يا ليوس." "أو ربما كنتُ هكذا دوماً." قال ليوس، وعيناه تلتمعان. "لكن لم يكن لدي سبب لإظهار ما لدي. حتى قابلتك." سيلاس تقدم خطوة. "سمو الأمير... أنت هنا... لو علموا..." "لن يعلموا." قال ليوس وهو يلتفت إليه. "خرجت كخادم. وبفضل براين، الطريق كان منظماً." كاليب وضع فنجان الشاي على الطاولة الصغيرة بجانب ليوس. "لكن المخاطرة..." "تستحق." قطع عليه ليوس. "لأنني لا أستطيع البقاء في ذلك القفص الذهبي وأنا أعلم أن الرجل الوحيد الذي حاول أن يكون صديقاً ليّ، الذي أنقذ أبي، الذي... الذي نظر إليّ كإنسان وليس كأمير، أصبح الآن مطارداً بسبب أكاذيب موقعة بإسم عائلتي." كانت الكلمات صادقة لدرجة جعلت الصمت يسقط على الكوخ ثانية. فقط صوت غليان الماء في الإبريق، وصوت خشخشة النار، وصوت أنفاس سيلاس الثقيلة. ألفارد أخذ الإبريق وصب الماء في كوب خشبي. أضاف أوراق النعناع المجفف، وقليل من العسل. حركه بملعقة خشبية صغيرة. كل حركة كانت دقيقة، هادئة، وكأنها طقس مقدس. "صقر العدالة بنفسه... يصنع ليّ مشروباً." قال ليوس بإبتسامة هادئة ممتنة. ألفارد رفع عينيه. "لا يوجد صقر العدالة هنا. أحرقت قناعه. هذا أنا. ألفارد. ابن سيلاس." قدم له الكوب. "خذ. سيدفئك." ليوس أخذ الكوب بيديه المرتعشتين. دفء الخشب اخترق راحتي يديه الباردتين. رفع الكوب إلى شفتيه، وتنفس رائحة النعناع والعسل. "ألفارد..." كرر الاسم كما لو كان يتذوقه. "ألفارد. إنه اسمٌ قوي. اسم يحمل شيئاً من... الأجنحة." جلس ألفارد على الأرض بالقرب من المدفأة، ظهره إلى الحائط، ركبتاه مرفوعتان. "لماذا جئت حقاً، يا ليوس؟ ليس فقط لتعطيني تفسيراً. تيرون فعل ذلك." ليوس شرب رشفة من المشروب الساخن. الدفء انتشر في جسده كشمس الربيع الأولى. "جئت لأنني أردت أن أقول لك شيئاً وجهًا لوجه. شيء لا يمكن قوله برسالة." "ما هو؟" "أنني..." توقف ليوس، وكأن الكلمات علقت في حلقه. ثم قالها: "أنني أصدقك. وعندما يكون كل العالم يقول إنك مجرم، وعندما يكون حتى توقيع ابن عم أبي يقول ذلك... أنا أقول إنك بريء. وأقول إنني سأقف معك. ليس كأمير، بل ك ليوس، صديقك." كانت الكلمات بسيطة، لكنها كانت كصاعقة في صمت الغرفة. لأنها لم تكن وعوداً سياسية، ولا تحالفات استراتيجية. كانت إنساناً يقول لإنسان آخر:'أنا معك، بجانبك'. ألفارد حدق فيه. رأى في عيني الأمير الشاب ذلك الشيء النادر: الإخلاص الخالص، غير الملوث بالخداع، غير المحسوب بالمنفعة. "أنت لا تعرفني حقاً." "أعرف ما رأيته." رد ليوس. "أعرف الرجل الذي وقف يقاتل بجانب أبي. أعرف الرجل الذي تحدث معي في جناحي كما لو كنت إنساناً، لا منصباً. وأعرف أن عينيك..." توقف، ثم أضاف بصوت أخفض: "أعرف أن عينيك تحملان صدقاً لم أره في عيون من في القصر جميعهم." سيلاس، الذي كان صامتاً حتى الآن، قال: "ابني... رجل شريف. لم يرتكب أي جرم، يا سمو الأمير." "وأنا أعلم هذا بل أؤمن به، وأريد أن أكون شريفاً مثله." قال ليوس، وعيناه تلمعان بدموع يكافح لكبتها. "ولكن في القصر، الشرف ضعف. والصدق سذاجة. وجئت لأتعلم... كيف يكون المرء قوياً دون أن يكون قاسياً. شريفاً دون أن يكون ضعيفاً، صادقاً دون أن يكون ساذجاً." ألفارد نظر إلى النار، ثم إلى ليوس. وشعر بشيء في صدره شيء غريب، دافئ، يشبه ذلك الشعور عندما وجد إيديث، عندما تبناه سيلاس، عندما التقى بأصدقائه لأول مرة. شعور العائلة. "سأكون معك دائماً." قال أخيراً. "ولكن أولاً... يجب أن تعود. قبل أن يلاحظوا غيابك." ليوس أومأ. "أعلم. ولكن قبل أن أذهب... أريد وعداً." "ما هو؟" "أنك... أنك ستأتي إليّ مرة أخرى. من النافذة الزرقاء. لا كمطلوب، ولا كصقر. بل كألفارد. كصديق. كأخ." ألفارد نظر إلى الخاتم الفضي في جيبه، ثم إلى عيني ليوس. ورأى فيهما ليس أميراً، بل شاباً وحيداً في عالمٍ عدائي، يبحث عن صديق. "أعدك." قال. "سآتي إليك." وبينما كان ليوس يستعد للمغادرة، معطوفاً من جديد، قلنسوته تخفي وجه الأمير لتعيد وجه الخادم، كان ألفارد يعلم أن اللعبة قد تغيرت مرة أخرى. لأنه لم يعد يحارب وحده. ولم يعد المطلوب الوحيد. بل أصبح لديه أمير في القصر. وصديق في المكان الذي لم يكن يتوقع أن يجد فيه شيئاً سوى الأعداء. وكانت تلك الصداقة، المعلنة في كوخ متواضع تحت ضوء النار وخطر الموت، قد تكون السلاح الأقوى في حربٍ كانت تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. لأن بعض التحالفات لا تُكتب على ورق، بل تُنقش على القلوب. وبعض الوعود لا تُقال أمام الشهود، بل تُهمس في ظلام الليل بين رجلين يعرفان أن العالم قد يحكم عليهما كمجرمٍ ومريض، لكنهما يعرفان في داخلهما أنهما مجرد إثنين يحاولان أن يكونا شيئاً أفضل مما يقوده لهم مصيرهم. متجر الحبوب والقلوب المُختبئة: مرت أيام كالسحاب الثقيل فوق إيفرونيا. بطيئة، مكتظة بالتوتر، تحمل في طياتها صراعات الشوارع وأنفاساً محبوسة. ملصقات فاليريان الصفراء الباهتة ما زالت تُلصق في الظلام، وأخرى بيضاء صغيرة تظهر فجأة كزهور ثلجية على جدران العاصمة والقرى تحمل أسئلةً محرجة: "أين شهود الغابة؟"، "لماذا يُلاحق المدافع ويُترك الخائن؟". الشعب انقسم كجسدٍ يخون نفسه مشاجرات تندلع في الأسواق، أصوات ترتفع في الحانات، وعيون تتلفت في الخوف والغضب. في السوق القديم، حيث كانت رياح الغضب تصل مكتومة، كان متجر حبوب والد أستريا يشبه جزيرة سلام في بحرٍ هائج. رائحة القمح والشعير والشوفان، تلك الرائحة الأرضية الأمينة، كانت تملأ المكان كذكرى بأن الحياة تستمر رغم كل شيء. غبار الطحين الذهبي كان يسبح في أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة، ويستقر على كل شيء كغبار نجم من عالمٍ أكثر هدوءاً. داريو كان جالسٌ على البرميل الخشبي المعتاد، لكن اليوم كان يبدو كجبلٍ من القلق المتجسد. جسده القوي، الذي عادة ما يملأ المكان بقوته الواثقة، كان اليوم منحنياً قليلاً، كشجرة بلوط تثقلها الرياح العاتية. يداه القويتان كانتا مضمومتين بين ركبتيه، وعيناه تحدقان في الأرضية الخشبية كما لو كان يقرأ فيها أخباراً سيئة. "أشعر كأنني جرذٌ في جحره، يا أستريا." قال بصوته العميق الذي كان اليوم يحمل خشونةً غير معتادة. "أختبئ. أتجنب الشمس. أنتظر الظلام لأتحرك. هذه ليست حياة." أستريا كانت واقفة خلف المنضدة، توزع العدس الجاف في أكياس صغيرة بحركاتٍ رشيقة هادئة. شعرها الكستنائي كان مربوطاً إلى الخلف بعصابة بسيطة، لكن خصلةً صغيرة كانت قد انحدرت على جبينها فتحركتها بإصبعٍ لا يزال ملطخاً بغبار الطحين. "لكنها حياة." ردت بصوتها الناعم. "والحياة، حتى في الظلام، تظل حياة. والجرذ في جحره يظل حياً، بينما الذئب في العراء قد يصبح فريسة." رفع داريو عينيه نحوها. كانت تشعان بحيرةٍ عميقة. "لكن الذئب يدافع. يقاتل. ولا يختبئ." "وهل تعتقد أن الاختباء ليس شجاعة؟" سألته، وعيناها الخضراوان تلمعان بذكاءٍ صافٍ. "أن تبقى حياً في زمن يريد موتك، أن تنتظر في صبر حتى يأتي وقتك، أن تحمي من تحب بالبقاء معهم لا بالموت من أجلهم... هذه شجاعة أيضاً." كانت الكلمات تُقال بينما كانت يدها تتحرك باستمرار، تملأ، تزن، تربط. كل حركة كانت هادئة، واثقة، كأنها تنسج من روتين العمل تعويذةً ضد الفوضى الخارجية. "فالاندر لا يزال ضعيفاً." قال داريو، وصوته أصبح أخفض. "وإسفين يراقب القصر. وألفارد... ألفارد يخطط لشيء ما لا يقوله. وأنا هنا، جالس على برميل، بينما العالم يحترق، أشعر أنني عاجز." أستريا وضعت الكيس الأخير جانباً، وتقدمت. مشيتْ حول المنضدة وجلستْ على برميلٍ آخر قريب منه. الشمس سقطت على وجهها فجعلت عينيها الخضراوين تشبهان بحيرتين صافيتين في غابة. "أنت لست عاجزاً." قالت، ومدت يدها فوضعتها على كفه. كان تبايناً غريباً، يدها الناعمة فوق يده الخشنة المليئة بالندوب والصلابة. "أنت هنا. تحمي. تكون نقطة اتصال. تكون... مع من يحبك." نظر داريو إلى يدها فوق يده. شعر بحرارة خفيفة تنتقل منها إليه. "لكنني أريد أن أفعل شيئاً." "وأنت تفعل بالفعل." قالت وهي تضغط على يده. "تجلس هنا. تستمع. تكون الشخص الذي يمكن للآخرين العودة إليه. وهذا، في زمن الحرب، أهم من حمل مائة سيف." في تلك اللحظة، سمعوا صوت خطوات خارج المتجر. خطوات ثقيلة، منتظمة، تحمل صوت معادن خفيفة صوت دروع ونعال عسكرية. "جنود الملك." همس داريو، وجسده تصلب فجأة. أستريا لم تتردد. حركتها كانت سريعة كالبرق لكنها هادئة كالنسيم. أمسكت بذراع داريو وقادته نحو المخزن الخلفي الصغير، حيث كانت أكياس الحبوب مكدسة حتى السقف. "ابقى هنا." دفعتْه خلف برميلين ضخمين من القمح. "لا تتحرك." ثم عادت إلى المنضدة، وأخذت كيساً من العدس وبدأت تزنه كما لو لم يحدث شيء. قلبها كان يدق كطبول الحرب في صدرها، لكن يداها كانتا ثابتتين. دخل الجندي. كان شاباً في العشرين من عمره، وجهه يحمل تعبيراً متعباً، وعيناه تلمحان في كل مكان بعينَيْ المراقب الذي سئم المراقبة. درعه الأزرق الداكن كان يلمع تحت الشمس المتسللة. "صباح الخير." قال الجندي بصوت محايد. "صباح الخير." ردت أستريا، وابتسمت ابتسامة خفيفة. "كيف يمكنني مساعدتك؟" "أبحث عن بعض المشتبه بهم." قال الجندي وهو ينظر حول المتجر. عيناه مرتا على البراميل، على الأكياس، على كل زاوية. "رجال كانوا مع صقر العدالة." "هنا؟ في متجر الحبوب؟" سألت أستريا، وحافظت على نبرتها الهادئة. "أعتقد أن المجرمين يختبئون في أماكن أكثر ظلمة." الجندي نظر إليها للحظة، ثم هز رأسه. "ربما. ولكن الأوامر تأمرنا بالبحث في كل مكان." مشى ببطء في المتجر. خطواته كانت ثقيلة على الأرضية الخشبية. داريو، خلف البرميلين، كان يحبس أنفاسه. يده كانت تقبض على مقبض خنجره الخفي. لو اكتشفه... لو حاول إيذاء أستريا... الجندي توقف أمام المخزن الخلفي. نظر إلى الأكياس المكدسة. ثم، فجأة، التفت إلى أستريا. "أنتِ وحدكِ هنا؟" "والدي في المنزل. مريض قليلاً." قالت، ولم ترفع عينيها عن الميزان. "مصدر الزرق الوحيد الذي نملكه هو هذا المتجر، فيجب أن أعتني به." صمت الجندي. ثم تنهد. "حسناً. آسف على الإزعاج." وبدأ بالانصراف. ولكن عند الباب، توقف. التفت مرة أخرى. "أريدك أن تعلمي شيئاً... أن لا أحد يرغب في هذه الحرب. لا نحن الجنود، ولا أنتم الأبرياء. ولكن الأوامر... الأوامر كالسلاسل... تقيدنا، وإن لم نلتزم بها... تقتلنا." ثم خرج. بعد دقائق، عندما تأكدت من أنه ابتعد، فتحت أستريا باب المخزن. داريو خرج، وجهه شاحباً من التوتر المكبوت. "كان يمكن أن..." بدأ. "لكنه لم يفعل." قطعت عليه أستريا. "لأنه إنسان مثلك. يخاف. ويكره ما يفعله." نظر داريو إليها، وإلى يدها التي ما زالت ترتعش قليلاً رغم ثباتها التام أثناء المواجهة. وشعر بشيء في صدره، ليس خوفاً، ليس غضباً، بل شيء مختلف. شيء يشبه... الامتنان العميق. "أنتِ شجاعة." قال، وكانت الكلمات بسيطة لكنها تحمل ثقلاً من المعنى. "لستُ وحدي." ردت وهي تعود إلى المنضدة. "نحن جميعاً. في المتاجر، في الحقول، في البيوت. ننتظر. ونحلم بيوم لا نحتاج فيه للإختباء." جلس داريو على البرميل مرة أخرى. ولكن هذه المرة، كان ظهره أكثر استقامة. لأن الاختباء، كما قالت، لم يكن جبناً. بل كان صبراً. وكان حباً. حباً يجعل امرأة تقف بين جندي وحبيبها، وتصنع بثبات يديها وهدوء صوتها سداً منيعاً ضد الجنون الذي يجتاح المملكة. وكان المتجر، برائحة الحبوب وغبار الطحين، يشهد على أن بعض الحروب لا تُربح بالسيوف، بل بالصبر. وبعض الحماية لا تكون بالقتال، بل بالاختباء. وبعض الحب لا يُعلن بالكلمات الكبيرة، بل بيد صغيرة تضغط على يد كبيرة في لحظة خطر، وتقول بدون كلمات:'أنا هنا. ولن أدع أحداً يأخذك. لأنك، في هذا العالم المجنون، أنت بيتي. وأنت حبي. وأنت السبب الذي يجعل الحياة تستحق كل هذا العناء'. طينٌ وضوضاء وذاكرة ناقصة: كانت ورشة فالاندر للفخار في السوق القديم تشبه قبراً مفتوحاً يعود إليه روحه. الغبار استقر على كل شيء، على دولاب الخزّاف الصامت، على الرفوف المليئة بالأواني غير المكتملة، على النوافذ المتسخة التي حوّلت ضوء الشمس الذهبي إلى ضباب أصفر باهت. رائحة الطين الجاف كانت لا تزال معلقة في الهواء كشبحٍ لعالمٍ توقف فجأة. فالاندر وقف على العتبة، يتنفس تلك الرائحة. جرح ظهره، الذي كان يلتئم تحت الضمادات، ألمح بألمٍ خفيفٍ كنبضٍ بعيدٍ يذكّره بأنه لم يمت، لكن شيئاً فيه قد تغير إلى الأبد. يداه، اللتان كانتا دائماً ثابتتين كصخور النهر عندما تعملان بالطين، كانتا ترتجفان قليلاً اليوم. فتح الأبواب الخشبية القديمة بصوتٍ صريرٍ طويلٍ كأنين. ضوء النهار دخل كسيلٍ ذهبيٍ يغسل الغبار فجأة، ويكشف عن عالمه المتجمد. مشى ببطء، يده تلمس سطح دولاب الخزّاف البارد. خشبه الأملس كان يحمل ذكريات لا يحملها أي مكان آخر، ذكريات صنع، وإبداع، وسلام. جلس. وضع كتلةً من الطين الرطب في المنتصف. أغلق عينيه، وتنفس بعمق. ثم بدأ. الدولاب تحرك. الطين بدأ يدور. وأصابعه، تلك الأصابع الطويلة النحيلة التي تعرف كل سرّ من أسرار الطين، بدأت بالعمل. الألم في ظهره تبخّر. العالم الخارجي اختفى. لم يعد هناك جرح، لا خيانة، لا سرٌّ خطير يحمله في دمائه دون أن يعلم. كان هناك فقط: الطين الذي يدور، واليد التي تشكّل، والروح التي تتنفس في قالبٍ من تراب. "فالاندر! عدت أخيراً!" الصوت جعله يرفع عينيه. السيد مالار، تاجر التوابل المجاور، واقفٌ في المدخل، ابتسامته العريضة تظهر أسنانه الصفراء. رائحة القرنفل والزنجبيل والقرفة دخلت معه كعطر غريب في ورشة الطين. "سيد مالار." قال فالاندر، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه. "ظننتُ أنك تركتنا! أسابيع وأنت غائب!" دخل مالار، عيناه الصغيرتان تلمعان بفضولٍ ودود. "الناس يتساءلون عن أفضل صانع فخار في السوق." "كنت مسافراً." قال فالاندر، وكانت الكذبة سهلة لأنها تحمل جزءاً من الحقيقة. مالار اقترب، نظر إلى الطين الذي كان يبدأ بأخذ شكل إناءٍ طويل الرقبة. "العمل يشفيك، أليس كذلك؟ الطين لا يسأل عن الماضي، فقط عن المستقبل الذي تريده أن يكون." فالاندر أومأ. كان ذلك صحيحاً تماماً. الطين كان الصديق الوحيد الذي لا يحمل أسئلة. ثم، فجأة، سمعوا صوتاً من الخارج. صوتٌ عجوزٍ رفيعٍ كصوت عصفورٍ قلق. "فالاندر! يا ولدي!" كانت مينورين. العجوزة التي ربّته، منذ أن اشترته من سوق العبيد. كانت تمشي بصعوبة، عكازها الخشبي يقرع الأرض بحدة، وعيناها الرماديتان المغمورتان بالتجاعيد كانتا تلمعان بدموعٍ مكتومة. نهض فالاندر بسرعة كبيرة، حركة جعلت جرح ظهره يصرخ بألمٍ حاد. لكنه أخفى ذلك. مشى نحوها وأحاطها بذراعيه. "أمي..." همس في شعرها الأبيض الرقيق الذي رائحته تشبه الزعتر المجفف. "أين كنت؟! أين كنت كل هذه الفترة؟!" كانت تضربه بخفةٍ على ظهره، الضربة ولسوء حظه وقعت بالضبط على مكان الجرح، فأمسك بأنفاسه، لكنه لم يصرخ. "كنت أظن... كنت أظن أنني لن أراك مرة أخرى!" "لقد عدت، يا أمي. ولن أذهب مجدداً." قال وهو يحرر نفسه من حضنها، لكن يده بقيت ممسكة بيدها العجوزة المهتزة. نظرت إليه بعينيها الضيقتين. "أنت شاحب. وتبدو متألماً. أرى ذلك في عينيك." "مجرد تعب من السفر." كذب، وكان يكره الكذب عليها أكثر من أي شيء. جلست مينورين على كرسيٍ قديمٍ في الزاوية، وأخرجت من سلةٍ صغيرةٍ غطاءها من قماش. تحت الغطاء، كان هناك خبزٌ طازجٌ محمص، وجبنةٌ بيضاء، وتين مجفف. "تناول الطعام. أنت نحيل كعود القش، يا بني." فالاندر عاد إلى دولابه، لكن مينورين هزت رأسها. "يداك ملطختان بالطين. سأطعمك أنا. كما كنت أفعل عندما كنت طفلاً." جلست بجانبه، وكسرت قطعةً من الخبز، غمستها قليلاً بالجبن، ورفعتها إلى فمه. فالاندر، الرجل البالغ، صانع الفخار، الرجل الذي يحمل سراً قد يقلب مملكة، فتح فمه وتناول اللقمة مثل طفلٍ مطيع. "طعمه... يحمل دفء البيت وذكرياته." قال، وصوته كان هادئاً. مينورين ابتسمت، وتجاعيد وجهها تحولت إلى خريطة من الحب. "البيت ليس مجرد مكان، يا ولدي. البيت هو من تحبه وتحمله في قلبك." وهي تطعمه، وهو يعمل، والدولاب يدور، والطين يأخذ شكلاً جميلاً، كانت تلك اللحظة كفقاعة زمنية معزولة عن العالم الخارجي الهائج. لكن تلك الفقاعة انفجرت فجأة. صراخ. من السوق. ثم أصوات ارتباك. ثم ضجيج يتصاعد كموجةٍ قادمة. "ماذا يحدث؟" قالت مينورين، وعيناها اتسعتا بالخوف. فالاندر توقف. يداه غارقتان في الطين، لكن عيناه الخضراوان الزمرديتان توجهتا نحو الباب. الصوت كان يصبح أكثر عنفاً، أصوات مشاجرة، وأصوات سقوط، وأصوات غضبٍ بشريٍ جامح. "ابقِ هنا، أمي." قال وهو ينهض، يمسح يديه بقطعة قماش بسرعة. خرج إلى الشارع. المشهد كان كخلية نحلٍ أُلقى فيها حجر. في منتصف السوق، اصطدمت مجموعتان من الناس كموجتين متعارضتين. مجموعة، معظمهم رجالٌ شبابٌ بملابسٍ بسيطةٍ ولكن عيونهم تحمل غضباً ساخناً، كانوا يهتفون: "صقر العدالة بريء! تلك المؤامرة واضحة كوضوح الشمس!" والمجموعة الأخرى، بعضهم يحملون دروعاً بسيطةً كأنهم حراسٌ خاصون لأحد النبلاء، كانوا يصرخون: "إنه مجرم! لقد حاول قتل الملك! القانون يجب أن يُنفذ!" بينهما، تاجرٌ مسكينٌ كانت بضاعته قد انقلبت، فواكه وخضروات متناثرة على الأرض تُداس تحت الأقدام المتصارعة. فالاندر وقف يشاهد، قلبه ينبض بسرعة. رأى وجوهاً يعرفها، فلاحون من القرى المجاورة، حرفيون من السوق، حتى بعض النساء كنّ في الأطراف يصرخنَ داعماتٍ لفكرة البراءة. ثم رأى شيئاً آخر. في أحد الأزقة الجانبية، كان هناك رجالٌ بملابس داكنة يراقبون. لا يشاركون، فقط يراقبون، ويدونون ملاحظات. رجال فاليريان. المشاجرة تصاعدت. رفع أحد الرجال عصاً خشبية. آخر أخرج سكيناً قصيراً. الهواء أصبح مشحوناً كقبل عاصفة رعدية. مالار خرج من متجره المجاور، وجهه شاحب. "يا إلهي... سوف يقتلون بعضهم!" فالاندر نظر إلى العصا المرفوعة، إلى السكين اللامع، إلى الوجوه المحمّلة بالغضب والجهل والخوف. وشيءٌ فيه، ذلك الشيء الذي جعله يقفز أمام سهمٍ لأجل صديق، تحرك. تقدم خطوة إلى الأمام. لكن قبل أن يتكلم، قبل أن يفعل أي شيء، سمع صوتاً من خلفه. "توقفوا!" كان صوت امرأة. واضح. حازم. كبوق ينطلق في صخب المعركة. الجميع التفتوا. وكانت أستريا واقفةً على عتبة متجر الحبوب، داريو خلفها كظلٍ واقفٍ ولكن واضح. "توقفوا!" كررت، وصوتها قطع الضجيج. "هل ترون أنفسكم؟ جيران يتقاتلون! أصدقاء يصبحون أعداء! وهذا بالضبط ما يريده من زرع هذه الأكاذيب!" صمتٌ مفاجئ سقط على السوق. حتى العصا المرفوعة توقفت في الهواء. أستريا تقدمت، داريو يتبعها كحارسٍ صامت. "صقر العدالة... إن كان بريئاً فستثبت الأيام ذلك. وإن كان مذنباً فسيتلقى جزاؤه. لكننا... نحن الشعب... لماذا ندمر أنفسنا قبل أن يحكم القضاء؟... عودوا إلى أعمالكم... عار عليكم ما تفعلوه هذا، وكأنكم حيوانات مسعورة، تأكل بعضها البعض... نحن بشر، ينبغي أن نحترم أراء بعضنا، لا نتصرف بتلك الطريقة الهمجية." كانت كلماتها بسيطة، منطقية، إنسانية. وغضب الحشد بدأ يخفت كالنار عندما ينفد حطبها. فالاندر شاهد ذلك، وعيناه الخضراوان تلمعان بتقديرٍ عميق. نظر إلى أستريا، ثم إلى داريو، ثم إلى الوجوه التي بدأت تهدأ. وشعر، لأول مرة منذ أن تدخل في تلك الأمور، بأن هناك أملًا. لأن الناس، في النهاية، يريدون السلام. ويريدون الحقيقة. وقد تكون الحقيقة، عندما تأتي، قاسيةً كالشتاء. لكن الكذب... الكذب يحول الجيران إلى أعداء، والأصدقاء إلى غرباء، والمملكة إلى ساحة معركة حيث الجميع خاسر، والوحيد الرابح هو من زرع البذرة الأولى للفُرقة في تربة الثقة المسمومة. دلوُ الماء وجدرانُ الصدأ: كان كوخ إيديث في تلك الظهيرة المشمسة يتنفس بهدوءٍ خادع. أشعة الشمس المتسللة من النافذة الوحيدة كانت ترسم مربعات ذهبية على الأرضية الخشبية المتشققة، وتضيء غباراً يرقص في الهواء الراكد كجزيئات ذهب عالقة في زمن متوقف. رائحة الأعشاب المجففة المعلقة على الجدران تختلط برائحة الخشب القديم والذاكرة. ألفارد دخل بهدوء، حذاؤه الجلدي يصدر صوتاً خفيفاً على العتبة. "أمي؟" "أنا هنا، يا بني." جاء صوت إيديث من ركن المطبخ الصغير، حيث كانت جالسة تفرم بعض البصل بأصابعها الحساسة رغم عماها. "تأخرت قليلاً اليوم." "كنت في الحقل مع أبي." قال وهو يقترب، يده تلمس كتفها بلطف. ثم نظر حوله. "أين فالاندر؟" إيديث توقفت عن العمل. "خرج. قال إنه ذاهب إلى ورشته في السوق." لحظة من الصمت. ثم انفجر ألفارد. "ماذا؟! وهو لا يزال جريحاً؟! الورشة مغلقة منذ أسابيع! أي غباء هذا؟!" كلماته خرجت سريعة، حادة، محمّلة بقلقٍ يتحول إلى غضب. "هل يريد أن يلفت الانتباه؟ أن يقول للعالم: 'ها أنا ذا، صديق صقر العدالة المطلوب'؟!" "هدئ من روعك." قالت إيديث، وصوتها هادئ. "الفتى يحتاج إلى أن يعود إلى حياته. إلى ما يعرفه. والطين... الطين يشفي أكثر من أي دواء." "ولكن الخطر..." بدأ ألفارد. "والخطر موجود في كل مكان." قطعت عليه. "حتى هنا، في هذا الكوخ. وهل تظن أن إخفاءه إلى الأبد هو الحل؟" ألفارد جلس على كرسي بجانبها، يده تمر على وجهه المتعب. "أعلم. ولكن... أخشى عليه." "كما أخشى عليك." قالت إيديث، ووجهها تحوّل إليه. "وقد سمعت أن... زارك ضيفٌ ملكي." توقف ألفارد. كيف عرفت؟ ثم تذكر أن كاليب كان حاضراً. "نعم. الأمير ليوس." اسم الأمير خرج من فمه، وكان يحمل في طياته ذلك الشعور الغريب الذي لم يستطع تفسيره، مزيج من الدهشة، والامتنان، وتلك الغصة الدافئة في صدره عندما رأى الأمير الشاب وقد غامر بكل شيء ليأتيه. "ليوس..." كررت إيديث الاسم، وكان في صوتها شيء أشبه بزئيرٍ مكبوت. "ابن ثيودور..." "نعم. لكنه مختلف عنه." قال ألفارد بسرعة. "إنه... صادق. وشجاع بطريقته الخاصة. وجاء ليخبرني بنفسه أنه يؤمن ببراءتي." إيديث ضغطت على سكين التقطيع حتى أن عظام أصابعها ابيضت. "لا تثق بأيٍ منهم. الدم الملكي... ملوثاً بالغرور، وبالخيانة، وبالضعف." كانت كلماتها قاسية، حامضة كالخل. ألفارد حدّق فيها. "أمي... لماذا هذا الكره؟ ماذا فعلوا لكِ تحديداً؟" لحظة من الصمت الثقيل. إيديث تنفست بعمق، كما لو كانت تحاول كبح عاصفة داخلية. "عشت بينهم. رأيت كيف يحطمون النفوس كما تحطم الأكواب الزجاجية. والابن... لا يختلف عن الأب. الدمّ لا يتغير." لكن ألفارد لاحظ شيئاً، كلما جاء ذكر ثيودور أو أيٍ من عائلته، كانت إيديث تتحول إلى حجر ساخن. وكان هناك ألم في صوتها يتجاوز مجرد الاستياء العام. كان ألماً شخصياً، عميقاً، كجرحٍ نازفٍ تحت ضمادات قديمة. "حسناً." قال، وقرر تغيير الموضوع. لا يريد إثارة عواطفٍ قديمة الآن. "على أي حال... لقد رأيت داريو في السوق. مع أستريا." ابتسم. كانت الابتسامة الأولى الحقيقية منذ دخوله. "الرجل العملاق جالس في متجر الحبوب كجروٍ ضالٍ تبحث عنه سيدته. وهو يحاول أن يبدو قوياً، لكن عيناه كانتا تتبعانها في كل حركة كما يتبع القمر مد البحار." إيديث استرخَت قليلاً. "هو يحبها." "أكثر من ذلك." ضحك ألفارد. "هو مُتيّم بها. ومع ذلك، كلما حاول التحدث معها، تتحول كلماته إلى حجارة تسقط من فمه. والمرة الماضية، عندما أراد أن يقول لها إن عينيها تشبهان بحيرتين..." توقف، لأن نافذة الكوخ الصغيرة فُتحت فجأة. ولم يكن ذلك كل شيء. دلو ماء كامل، ماء بارد، نظيف، كان يلمع تحت الشمس، طار من النافذة المفتوحة واصطدم بوجه ألفارد تماماً. الصدمة كانت كاملة. الماء البارد غمر وجهه، شعره، قميصه. وقف مذهولاً لثانية، يلهث من البرد والمفاجأة. ثم سمع صوت ضحك عميق كدوي الرعد يأتي من خارج النافذة. "داريــو!" صرخ ألفارد وهو يمسح الماء من عينيه. الباب انفتح بعنف. داريو واقفٌ هناك، جسده الضخم يملأ المدخل، ووجهه يحمل ابتسامةً عريضة تظهر أسنانه البيضاء. "بحيرتين هـا؟! عينيها تشبهان بحيرتين؟! ومن قال لك أن تتجسس على محادثاتنا، أيها الجرذ المتسلل؟!" ألفارد حاول أن يبتسم رغم أنه كان مبللاً كقطعة قماش مُغسلة. "كنت أروي لأمي قصة حبك العظيمة!" "قصصي أنا أرويها بنفسي!" قال داريو وهو يتقدم، يداه المفتولتان تبدوان وكأنهما تريدان أن تلتقطا ألفارد كدُمْية. "والآن سأروي لك قصة رجلاً أصبح يشبه الفطيرة بعدما سحقه صديقه!" ألفارد لم ينتظر. في حركة سريعة كالبرق، قفز نحو النافذة الصغيرة. كانت قفزةً مرنة، رشيقة، جعلت جسده ينزلق عبر الفتحة بسهولة مذهلة رغم حجمه. سمع صوت ضحك إيديث المجلجل من الداخل، أول ضحك حقيقي يسمعه منها منذ أسابيع. "هربت، أيها الجبان!" صرخ داريو وهو يندفع نحو الباب للخروج. خارج الكوخ، في الشمس الدافئة، كان ألفارد قد وقف بالفعل وبدأ بالركض. ليس بخوف، بل بمرحٍ طفولي. داريو خلفه، خطواته الثقيلة تصدر صوتاً على الأرض. "لن تستطيع الإمساك بي! أنت ثقيل وبطيء!" صرخ ألفارد وهو يلتفت بخفة. "سأمسكك وأغرقك في البئر، أيها الغبي!" رد داريو وهو يسرع. وكان المشهد، رجلان بالغان يلعبان كالأطفال خارج كوخٍ متواضع، وأصوات ضحكهم تملأ الهواء، وماء يقطر من شعرٍ وشعرٍ آخر يلمع في الشمس، كان ذلك المشهد كتنفسٍ عميق بعد غوصٍ طويل تحت الماء. لأنه في خضم كل ذلك الخطر، كل الخيانات، كل الأسرار الثقيلة، كانت هناك هذه اللحظة: لحظة ماء بارد على وجه ساخن من القلق، وملاحقة صديق في وضح النهار، وضحك أمٍّ عمياء تنسى للحظة كراهيتها القديمة وتتذكر أن ابنها ما زال شاباً يمكن أن يلعب، ويركض، ويضحك. وكانت هذه اللحظة، البسيطة، الإنسانية، الكوميدية، تذكيراً لهم جميعاً بأنهم ما زالوا بشراً. وما زالوا أصدقاء. وما زالوا يستطيعون أن يضحكوا حتى في ظل العاصفة. لأن الضحك، مثل الماء البارد على الوجه، يوقظك من كابوس، ويذكرك بأن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تستحق أن تُعاش. تستحق أن تضحك و أنت تفر من صديقٍ عملاق يحمل دلو ماء وذاكرة طويلة للمحادثات المسروقة عن عيون تشبه البحيرات في غابة بعيدة. خيوطُ العنكبوت السامّة: كان جناح فاليريان في ذلك المساء المتأخر يشبه عُشّ عنكبوتٍ منحوتٍ من رخامٍ أسود وظلامٍ مُركّز. الستائر الثقيلة كانت مسدولة بإحكام، تبتلع حتى أدنى تسللٍ للقمر الذي حاول بلا جدوى أن يرسل خيوطاً فضية عبر الزجاج. في وسط الغرفة، على الطاولة العريضة التي تلمع كمرآة للماء الراكد، انتشرت خرائط وورقٌ جلديٌ محمّلٌ بكلماتٍ مكتوبة بخطٍ صغيرٍ دقيق، كحشراتٍ محنطةٍ في عنبر مؤامرة. كان واقفٌ بجانب المدفأة الخامدة، ظهره مستقيم كسيفٍ مسلول، يداه متشابكتان خلف ظهره. على خده الأيسر، الخطوط الثلاثة، تذكار صقر العدالة، كانت قد تحولت إلى ندوبٍ بُنيةٍ قاتمة تحت ضوء المصابيح الزيتية، كل ندبةٍ تشبه جرحاً صغيراً في تمثالٍ من الشمع. عيناه الخضراوان، اللتان كانتا دائماً تحملان برودة الجليد في أعماق البحار، كانتا الآن تشبهان فتحتين في جبلٍ بركاني، تلمعان من الداخل بحرارةٍ حمضية، مستعدةٌ للانفجار. فاروس وهيليوس كانا واقفان على بعد خطوات، ككلبين مُدربين ينتظران الإشارة. فاروس كان يحدق في الخرائط بعينيه الضيقتين، بينما هيليوس كان يلمس مكان ندوب مخالب الصقر على وجهه، وكأنما الندوب الجديدة على وجه سيده تذكره بماضيه المؤلم. "الوقت ينفد." قال فاليريان، وصوته كان هادئاً لكنه مقطوع، كل كلمةٍ تسقط كقطرة سمٍ في كأس. "ثيودور تعافى. وإدموند تعافى. وليوس... ليوس أصبح جرذاً صغيراً يتعلم حفر جحوره في جدراننا." "لكن الشعب..." بدأ هيليوس. "الشعب نَهرٌ متقلب." قطع عليه فاليريان، والتفت نحوه. عيناه الخضراوان التقتا بعيني هيليوس في نظرةٍ جعلت الرجل الأخر يرتجف قليلاً. "والأنهار يمكن توجيهها. بسدٍ هنا. بقناةٍ هناك. وبفيضانٍ مفاجئٍ يغسل كل شيء." مشى نحو الطاولة. إصبعه الطويل النحيل، وضع على نقطةٍ في الخريطة، غابةٌ شرق العاصمة. "سيكون هنا. جولة ملكية. أب وابنه. صورة جميلة للوفاء الأسري." فاروس اقترب. "لكن الحراس..." "سيُستبدلون." قال فاليريان دون أن يرفع عينيه عن الخريطة. "برجالنا. متنكرين بزي حراس الملك بالطبع. وعند المنعطف الحاد، حيث الأشجار الكثيفة تبتلع الضوء... سيحدث الأمر." "قتل مباشر؟" سأل هيليوس، وصوته يحمل شيئاً من التردد. فاليريان رفع عينيه. ابتسامةٌ باردةٌ ظهرت على شفتيه، جعلت الندوب على خده تتحرك كثعابين حية. "ليس قتلاً. بل ذبح. بوحشية. بأسلوبٍ لا يمكن أن يكون إلا لعصابةٍ همجية. لعصابةٍ يقودها... صقر العدالة." ساد الصمت. حتى تنفس الرجلين أصبح مسموعاً. فاليريان استمر، وكلماته كانت تنسج خيوط المؤامرة. "ولكن أولاً... يجب أن يظهر الصقر. يجب أن يخرج من عشه." مشى نحو النافذة، دفع الستارة جانباً قليلاً. في الخارج، كانت أضواء القصر تتلألأ كعيون وحوشٍ نائمة. "وهنا يأتي دور... ذلك الحِرفي." "الحِرفي؟" كرر فاروس. "صانع الفخار." قال فاليريان، وعيناه تلتمعان بذكاءٍ شيطاني. "ذلك الشاب ذو العيون الخضراء... الذي قفز أمام السهم. والذي، كما اكتشفنا، أنه عاد إلى ورشته بإنتظام الآن." هيليوس فهم. "سنأخذه." "سنحتجزه. في مكانٍ يسهل على الصقر الوصول إليه." أكمل فاليريان. "وسنترك له رسالة واضحة. إما أن يُسلم نفسه... وإما أن يجد جثة صديقه معلقة في السوق." كانت الخطة تنسج نفسها الآن، كل خيطٍ يؤدي إلى الآخر، كل حركة تحقق هدفين. فاليريان عاد إلى الطاولة. "عندما يظهر الصقر لإنقاذ صديقه... في نفس الوقت بالضبط، في الغابة، سيُقتل الملك والأمير. والتوقيت... التوقيت سيكون دقيقاً. ظهور الصقر في مكان، ومقتل العائلة المالكة في مكان آخر... لكن من سيربط بينهما؟" فاروس ابتسم. ابتسامةً ضيقةً قبيحة. "الشهود. شهودنا. الذين سيشهدون أنهم سمعوا الصقر يهدد العائلة المالكة. ورأوا رجاله في الغابة." "بالضبط." قال فاليريان. "وسيكون هناك... دليلٌ مادي. شيءٌ يثبت أن إدموند كان متآمراً مع الصقر." أخرج من جيبه شيئاً صغيراً. كان خاتماً. ختم الأمير إدموند الشخصي، من الفضة، عليه شعار العائلة المالكة. "سيُوجد هذا في مكان الحادث. بين جثث الملك وابنه." "ولكن كيف؟" سأل هيليوس. فاليريان حدق فيه. "سيكون مع أحد الحراس، يضعه بين الجثث عندما يتم الأمر." ثم أضاف، وصوته أصبح أكثر حدة: "وعندما تُكتشف الجريمة، وعندما يُوجد الختم كدليل، وعندما يظهر الصقر في نفس الوقت لإنقاذ صديقه... من سيكون المشتبه به؟" "إدموند." همس فاروس. "نعم." قال فاليريان، ويداه انطبقتا على حافة الطاولة. "الأمير الطموح. الذي يريد العرش لنفسه. والذي تحالف مع الخارجين عن القانون لتحقيق ذلك. وفاليريان... فاليريان سيكون المستشار المخلص. الذي يكتشف المؤامرة. الذي يقبض على الخونة. والذي... في فراغ السلطة الناتج عن موت العائلة المالكة... سيضطر، بضغطٍ من الشعب والنبلاء، إلى تولي مقاليد الحكم مؤقتاً." كانت الكلمات الأخيرة تعلّق في الهواء كسحابةٍ سامة. الخطة كانت كاملة. دموية. ذكية. خبيثة. تخلط الحقائق بالأكاذيب، وتستخدم أصدقاء ضد بعضهم، وتجعل الضحية يبدو جلاداً، والجلاد يبدو منقذاً. "ولكن الحِرفي..." قال هيليوس. "إن لم يأتِ الصقر لإنقاذه..." "سيأتي." قطع عليه فاليريان بثقةٍ قاطعة. "لأن الصقر لديه نقطة ضعف. يسمونها 'الولاء'. يسمونها 'الصداقة'. وهي أقفاصهم الذهبية. وهو سيأتي. وسيسقط في الفخ. وسيكون وجوده في تلك اللحظة هو الدليل الأخير على تورطه." ثم نظر إليهم واحداً تلو الآخر. "التحضيرات ستبدأ من الآن. هيليوس، أنت ستتولى اختطاف الحِرفي بعناية. دون ضجة. فاروس، أنت ستتولى استبدال حراس الملك برجالنا. والتأكد من أن الجولة الملكية ستكون في الوقت والمكان المحددين." توقف. الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخيانة والمكيدة. "ويتذكّر كلٌ منكم... أن الفشل ليس خياراً. لأن هذه المرة، إما أن ننتصر كلياً... وإما أن نموت جميعاً. والعنكبوت الذي يفشل في نسج شبكته... يُسحق تحت قدم من كان يفترسه." وبينما كان الرجلان ينحنيان ويخرجان كظلالٍ منسحبة، بقي فاليريان واقفاً في غرفته المظلمة. نظر إلى انعكاسه في النافذة المعتمة. رأى الندوب على خده. ورأى العيون الخضراء التي تحمل الآن بريقاً مختلفاً، بريق الرجل الذي يعرف أنه يلعب اللعبة الأخيرة، الأكثر خطورة، والأكثر دموية. ولم يكن يعلم، وهو يقف هناك يخطط لدماء ملك وأمير وصقر وصانع فخار، أن بعض الخيوط في شبكة العنكبوت قد تكون أضعف مما يظن. وأن بعض الصداقات قد تكون أقوى من أي فخ. وأن الحقيقة، مهما حاول دفنها تحت أكاذيبٍ مصقولة، قد تخرج فجأة كالنباتات الشائكة تخترق الخرسانة، وتكشف أن الأرض التي يقف عليها ليست صلبة كما يتصور، بل هي رمال متحركة تبتلع من يحاول أن يبني عليها إمبراطوريةً من الخيانة والدم. وكانت الليلة خارج النافذة تتنفس ببطء، حاملة في طياتها نذر العاصفة القادمة. العاصفة التي ستغسل إيفرونيا ليس بمطرٍ من الماء، بل بمطرٍ من دماء وحقائق وأسئلة قد تكلف الجميع ثمناً باهظاً، لكنها قد تكشف أخيراً من هو البطل الحقيقي، ومن هو الخائن الحقيقي، ومن هو ذلك الصانع الهادئ الذي يحمل في عينيه الخضراوين سراً قد يغير كل شيء. سرٌ حتى فاليريان نفسه لا يعلم كامل أبعاده. لكنه على وشك أن يكتشف أن بعض الأسرار، مثل الطين على دولاب الخزاف، تأخذ شكلها النهائي ليس بيد من يصنعها فقط، بل بقوة الدوران الذي لا يمكن التحكم فيه تماماً.