الفصل 16: أسرار تُدفن وتَنبُت
رُجوعٌ إلى قاع الهاوية:
"كفـــى!"
كانت صرخة ألفارد في كهف الموتى تتدحرج في صدى الجبل وتعود إليه كصديقة خائنة تردد ألمه. لم تكن مجرد صوت يخرج من حنجرة، بل كانت زئيراً يخرج من شقوق روحه، انفجاراً لكل الأكاذيب والخيانات والدماء التي امتلأ بها حتى فاض وطفح كيله. صرخ حتى جفت رئتاه من الهواء، حتى احترق حلقه، حتى ارتجف الجبل الصامت تحت وطأة ذلك الألم البشري الخالص.
كاليب كان أول من تحرك. اقترب بحذر كمن يقترب من حيوان بري جريح، يده الممدودة كانت ترتعش تحت ضوء القمر الشاحب الذي تسلل إلى الكهف. "ألفارد..." همس بصوت ناعم.
لكن ألفارد لم يسمعه. عيناه العسليتان ذات الخطوط الزرقاء كانتا تحدقان في الفراغ، واسعتان، زجاجيتان، كأنما روحه غادرت تاركة الجسد خلفها. دماء كالوم على يديه كانت تلمع بلون أسود تحت الضوء الخافت، وشكلت خطوطاً على جلد كفيه كخريطة مجهولة لحقيقة مروعة.
إسفين، رغم الجرح النازف على كتفه الذي كان يلون قميصه بلون النبيذ الداكن، تقدم ووضع يده على ظهر ألفارد. "أنت لست وحدك، يا ألفارد." قال، وكلماته كانت صلبة، واقعية، كصخرة تُلقى في بحيرة الأوهام لتستقر في القاع. "نحن هنا بجانبك، والأمور ستكون على ما يرام."
كانت اللمسة والكلمات كطوق نجاة ألقى لرجل يغرق في بحر من الصدمات. ألفارد ارتعش كشجرة في عاصفة، ثم انهار. ليس على الأرض، بل على ركبتيه، جسده المنحني فوق جثة كالوم كأنه يصلي لروح رجل مات ليحمي سراً لم يكن له يد فيه.
"فالاندر..." خرجت الكلمة من فمه وكأنها شوكة في حلقه. "ابن فاليريان."
كاليب جثا أمامه، عيناه الزرقاوان تشعان بتألم حقيقي. "مهما كان ابن من، فهو الرجل الذي قفز أمام السهم من أجلك. هذا هو فالاندر الذي نعرفه."
"ولكن..." ألفارد رفع عينيه، وفيها حيرة طفل ضائع في غابة مظلمة. "كل شيء... كذب. الجميع أصبحوا مجرد كذبة."
"ليس الجميع." قطع عليه إسفين بحدة، ثم أشار بإصبعه إلى صدر ألفارد حيث كان الخاتم الفضي مخبئاً. "الأمير أعطاك هذا. وهو لم يسحب ثقته. والمرسوم... ربما كان إدموند مجبراً على توقيعه."
كاليب أومأ، شعره الأشقر المتسخ بالغبار يلمع تحت ضوء القمر. "فاليريان يمسك بورقة قوية. ربما هدد إدموند بشيء... ربما بليوس ذات نفسه."
بدأ العقل الاستراتيجي لألفارد يعود، ببطء، كآلة صدئة تبدأ بالتحرك بعد توقف طويل. نظر إلى يديه الملوثتين، ثم إلى وجه كالوم الميت الذي بدأ يكتسب شحوب الرخام. "يجب أن ندفنه."
إسفين نظر إلى الجثة، ثم إلى ألفارد. "والآخر؟ كريكور سقط من الجبل."
"سنجده. وسندفنه أيضاً." قال ألفارد، وصوته عاد إلى ذلك الهدوء الخطير الذي يعرفه أصدقاؤه جيداً. "حتى المجرمون... يستحقون دفناً. خاصة إذا ماتوا بسبب أسرارٍ نحن من جلبناها إليهم."
نهض. ركبتاه ترجفان لكنه تماسك. "ساعدوني."
حملوا جثة كالوم. كانت ثقيلة، جامدة، باردة كالصخر الذي ولدت منه الجبال. خرجوا من الكهف إلى ريح الجبل القارسة التي عضّت وجوههم وعيونهم. القمر كان في منتصف السماء الآن، يلقي بضوءه الفضي القاسي على كل شيء، فكشف الحقائق القبيحة: جروح إسفين النازفة، شحوب كاليب، وعينا ألفارد المحمّلتان بعاصفة لا تهدأ.
وجدوا جثة كريكور على منحدر صخري سفلي. سقط من ارتفاع ثلاثين قدماً، وارتطامه بالصخور جعل من جسده شيئاً لا يشبه البشر. لكن ألفارد لم يبعد عينيه. نظر إليه كما ينظر المحارب إلى عدوه المهزوم باحترام مرير، وبفهم أن هذا المصير كان يمكن أن يكون مصيره هو.
حفروا قبورين في التربة اسفل الجبل بين الصخور. كانت الأرض قاسية، متجمدة، تكافح ضد محاولتهم البسيطة كما تكافح الحقيقة ضد الأكاذيب. لكنهم انتصروا في النهاية. دفنوا كريكور أولاً، بدون كلمات، بدون مراسم. كان مجرد جسد يجب أن يختفي، كَسرّ يجب أن يُدفن.
لكن عندما جاء دور كالوم، توقف ألفارد. نظر إلى الوجه الشاحب الذي حمل سراً قتل من أجله. "كان عدواً... لكنه مات وهو يحاول أن يفعل شيئاً صحيحاً للمرة الأخيرة."
"كل إنسان لديه اللحظة التي يختار فيها مصيره." قال إسفين وهو يرمي حفنة تراب على الجثة. "واختياره كان أن يموت حاملاً للحقيقة، ليس مجرد مجرم أو قاطع طريق."
غطوا القبر بالصخور كي لا تكتشفه الحيوانات الجبلية. ثم وقفوا صامتين. الريح صفرت حولهم، تحمل معها برودة الموت وحرارة الحياة المتواصلة رغم كل شيء.
"والآن." قال ألفارد، وعيناه التقتا بعيني صديقيه. "سنعود إلى الكوخ. يجب أن نجتمع... لنخطط لما هو آتٍ."
"التخطيط أصبح خطيراً." قال إسفين وهو يلمس جرح كتفه. "أنت مطلوب الآن رسمياً."
"وهذا بالضبط ما يريده فاليريان." رد ألفارد، وبدأ يمشي نحو المسار المؤدي الى الطريق. خطواته كانت ثابتة الآن. "أن أختفي. أن أصبح مجرماً مطارداً. أن أنسحب من المعركة."
توقف، والتفت إليهم. ضوء القمر سقط على وجهه فجعل الخطوط الزرقاء في عينيه العسليتين تلمع كشقوق في جليد يحترق. "ولكن هذا لن يحدث. لأنني لو اختفيت، ففاليريان سيفوز. وليوس ووالده سيبقون في خطر. وفالاندر... فالاندر سيبقى جالساً على برميل بارود وهو لا يعلم."
"ماذا ستفعل؟" سأل كاليب.
"سأفعل ما لم يتوقعه." قال ألفارد، وابتسامة باردة ظهرت على شفتيه. "سأظهر. ليس كصقر العدالة المقنع. بل كألفارد. كرجل له وجه واسم. وسأذهب إلى حيث لا يتوقعون."
"إلى أين؟"
"إلى مصدر كل الأسرار." قال وهو يستأنف المشي. "إلى كورفن. الرجل الذي يعرف كل شيء. وإذا كان فالاندر حقاً هو... ابن ذلك الاتحاد الخبيث بين فاليريان و أورسولا، فعلى كورفن أن يخبرني بالحقيقة الكاملة، وبكل أسراره مع فاليريان."
كانوا يمشون في طريقهم، الظلال تطول خلفهم كأشباح تتبعهم. وكان ألفارد يعرف أن الطريق الذي يسلكونه الآن ليس مجرد طريق من الجبل إلى الوادي. بل هو طريق من الصدمة إلى الفعل، ومن الخيانة إلى المواجهة، ومن الأسرار المدفونة إلى حقائق يجب أن تنبُت ولو على قمم الجبال المتجمدة.
وفي قلبه، بين الألم والغضب، بدأت نواة قرار تتشكل. قرار بأن الحقائق، مهما كانت مرعبة، أفضل من الأكاذيب. وأن المواجهة، مهما كانت خطيرة، أفضل من الاختباء. وأن بعض الأسرار يجب أن تموت مع من حملوها، وبعضها يجب أن يحيي من عرفوها.
نار ملكية في الجناح الطبي:
في فجر اليوم التالي، كان الجناح الطبي يغلي بغضبٍ صامت. رائحة المراهم والأعشاب الطبية امتزجت الآن برائحة الغضب المكبوت والخيانة المتعفنة. الملك ثيودور، جالساً على حافة السرير بملابس النوم البيضاء التي جعلته يبدو كشبحٍ غاضب، كان وجهه يحمل لون الرماد المتوهج تحت الجمر. جرح خصره المؤلم تحت الضمادات كان لا شيء مقارنةً بالجرح الذي أحدثه الخبر الذي سمعه للتو.
"وَقَّعت؟!" ارتفع صوت ثيودور كصاعقة في غرفة مغلقة. "وَقَّعت على مرسومٍ يُعلن أن صقر العدالة مجرماً؟! الرجل الذي وقف يقاتل بجانبي يا إدموند؟!"
إدموند واقف في منتصف الغرفة، ظهره مستقيم كالسيف لكن عيناه البنيتان تحملان ثقلاً يجعل وقفته تبدو كأنها تكلف جهداً جباراً. "كنت مُجبَراً، يا ابن عمي. فاليريان كان سيُصدر المرسوم بسلطته المتبقية على أي حال. وقعت لأتحكم في الصياغة، لأخفف..."
"تخفف ماذا؟!" قفز ثيودور واقفاً رغم الألم الذي جعله يتمايل. "لقد حولت البطل الوحيد الذي قد ينقذ هذه المملكة إلى مجرم مطارد! لقد سلمته له على طبق من ذهب!"
"بل أنقذتك أنت وابنك!" انفجر إدموند أخيراً، صوته يحمل يأساً مكتوماً طويلاً. "فاليريان كان يهددني بك أنت وليوس بشكل غير مباشر! فاليريان الآن كالكلب المسعور! لو رفضتُ لكنتُ وَقَّعت أيضاً، لكن على وثيقة وفاتك أنت وابنك!"
ثيودور تجمد. كلماته علقت في حلقه كعظام السمك. رأى في عيني إدموند ذلك الرعب الحقيقي، ليس رعب الرجل الذي يخاف على منصبه، بل رعب الأب الذي يخاف على ابنه. وتذكّر: إدموند، الذي لم ينجب أطفالاً، كان ينظر إلى ليوس كالابن الذي لم يمنحه له القدر.
"ليوس..." همس ثيودور، وصوته انكسر فجأة.
في تلك اللحظة، دق الباب ودخل تيرون. وجه الخادم الهادئ كان يحمل اليوم توتراً نادراً، عيناه تنتقلان بين الملك والأمير كطائر يحسب المسافة بين غصنين في عاصفة.
"سمو الأمير، جلالة الملك." أنحنى تيرون. "الأخبار تتفاقم. جنود فاليريان وزعوا الملصقات في كل أنحاء العاصمة والقرى حول المملكة. والناس... الناس منقسمون."
"منقسمون كيف؟" سأل إدموند، صوته عاد إلى هدوئه الحديدي.
"بعضهم يؤيد التهمة." قال تيرون، وكلماته كانت دقيقة كضربات السيف. "يتحدثون عن شهود مزعومين رأوا صقر العدالة يهاجم حراس الملك في الغابة. والبعض الآخر... وهم الأغلبية، يرفضون التصديق. يقولون إنها مؤامرة من القصر للقضاء على البطل الوحيد الذي يدافع عنهم."
ثيودور جلس مجدداً على السرير، يده تضغط على جبهته. "الناس... لا يصدقون تلك الأكاذيب. وهذا شيء جيد."
"لكن الأكاذيب إذا كُرِّرت بما يكفي..." بدأ إدموند.
"تصبح حقائق في عقول البسطاء." أكمل ثيودور الجملة بنبرة مريرة. نظر إلى إدموند. "يجب أن نتحرك. الآن قبل أنت يتفاقم الوضع."
"ماذا تقترح؟"
"أرسل رجالنا. متنكرين. ليُزيلوا كل ملصق يضعه جنود فاليريان." قال ثيودور، وعيناه العسليتان تلتمعان بذكاء استراتيجي عاد فجأة. "لعبة القط والفأر في شوارع العاصمة والقرى. هم يضعون الأكاذيب، ونحن نزيلها. ليرى الناس أن هناك قوتين تتصارعان: قوة الكذب... وقوة الحق."
إدموند أومأ ببطء، عقله بدأ يفكر. "سيكون ذلك خطراً على رجالنا. فاليريان سيعرف."
"دعه يعرف!" قال ثيودور بقوة. "دعه يعلم أننا لسنا عاجزين. وأننا سنقاتل أكاذيبه في وضح النهار كما قاتلناه في ظلام الليل."
ثم أضاف، وصوته يصبح أكثر حدة: "والأسرى؟ أولئك الذين أسرناهم في الغابة؟"
"نقلتهم." قال تيرون. "إلى المكان السري الذي اتفقنا عليه. فاليريان لن يجدهم. وقد بدأوا بالكلام. واحد منهم اعترف بالفعل أن فاليريان هو من دبر الهجوم مع رجل اسمه كورفن، وأن الرجال المتنكرين كانوا تحت قيادة هيليوس وفاروس."
ابتسم ثيودور ابتسامةً ضيقة، باردة. "حسناً. فلندفع بذلك الخبر إلى الناس أيضاً. بطريقة غير مباشرة. دع الشائعات تبدأ."
تيرون تردد للحظة، ثم أخرج من جيبه رقعة جلدية صغيرة. "وهناك شيء آخر، جلالتك. رسالة من براين."
أخذ ثيودور الرقعة. عيناه اتسعتا وهو يقرأ. الدماء انسحبت من وجهه فجأة، لتعود بعد ثوانٍ بلون أحمر قاتم من الغضب.
"ماذا؟" سأل إدموند.
"فاليريان." قال ثيودور، وكلماته تخرج باردة كالجليد السام. "يخطط للتخلص من ليوس، من خلال علاجه. يخطط لتغيير التركيبة... لجعلها أشبه بسمّ بطيء."
إدموند ضرب بقبضته على عمود السرير. الصوت صدح في الغرفة. "هذا الثعبان النجس! يلعب بأضعف نقطة لدينا!"
"ولكن..." استمر ثيودور وهو ينظر إلى الرسالة. "ليوس... يعلم. وقد أرسل ليوريلا لتخبر براين. وأنه سيتصرف في هذا الشأن."
"يتصرف؟ كيف؟"
"لا أعلم." قال ثيودور، لكن عيناه كانتا تلمعان بفخر مؤلم. "ولكن ابني... يبدو أنه لم يعد ذلك الطفل المدلل الضعيف. يبدو أنه تعلم كيف يلعب لعبة القصور أيضاً."
ساد صمت في الغرفة. خارج النافذة، كانت الشمس تشرق على عاصمة منقسمة، على ملصقات كاذبة تنتشر، وعلى رجال سيخرجون إلى الظل ليزيلوها. وعلى مؤامرة جديدة تنسج حول دواء أمير مريض.
"إذاً المعركة على ثلاث جبهات." قال إدموند، وهو يعدل سيفه في غمده. "في الشوارع، ضد الأكاذيب. في القصر، ضد السموم. وفي الظل... ضد رجل أصبح الآن مطارداً بسبب توقيعنا."
"نعم." قال ثيودور، ونظر إلى إدموند. "ولكن هذه المرة... لن نتراجع. لأنهم لم يعودوا يلعبون لعبة السُلطة فقط. بل يلعبون لعبة الدماء. ودماء عائلتي... لن تكون ثمن لعبتهم."
وكانت الغرفة، برائحة الدواء والغضب، تشهد على نقطة التحول: اللحظة التي توقف فيها الملك الضعيف عن الانحناء، وبدأ يستعد للقتال. ليس من أجل عرشه، بل من أجل ابنه. ومن أجل رجلٍ في الظل أصبح الآن مجرماً بسبب وثيقة، وبطل بسبب أفعاله، ولغز بسبب حقائق بدأت تخرج من القبور، ومن الكهوف، ومن رسائل تصل في منتصف الليل تحمل إنذارات ووعوداً وحرباً لم تعد تختبئ، بل تخرج إلى النور، وتنتظر من يختار أي جانب من الحقيقة يريد أن يؤمن به.
في الكوخ المُحاصَر:
كان كوخ إيديث في ذلك الصباح يتنفس برئة مكسورة. دخان المدفأة كان يتصاعد بثقلٍ كأنه يحمل هموم كل من في الغرفة، وضوء الشمس المتسلل من النافذة كان يرسم ظلالاً متشنجة على الوجوه المُتعبة التي تجمعت حول الطاولة الخشبية كبحارة على سفينة تتأرجح في العاصفة. رائحة الحساء الذي أعدته إيديث تختلط الآن برائحة القلق والتراب والدماء القديمة التي لم تغادر ثيابهم.
فالاندر كان جالساً على كرسي مريح بجانب المدفأة، ظهره المدعم بالوسائد، عيناه الخضراوان الزمرديتان تتابعان الحوار بتعبيرٍ هادئٍ غريبٍ بالنسبة لرجلٍ ما زال شاحباً من فقدان الدماء. إيديث جالسة بجانبه، يداها تمسكان بكفه كما لو كانت تخاف أن يغيب عنها أيضاً.
إسفين كان واقفاً عند النافذة، يراقب الخارج بعينيه الحادتين، بينما يحكي ما حدث في الجبل. كلماته كانت مقتضبة، دقيقة، كطبيب يصف جراحة موت كريكور، موت كالوم، السر الذي مات وهو يحمله. لكنه توقف قبل أن يذكر جوهر ذلك السر. نظر إلى ألفارد، الذي كان جالساً عند رأس الطاولة صامتاً، عيناه العسليتان تحدقان في لهب المدفأة كما لو كانتا ترى أشياء أخرى في النار.
"إذاً فاليريان أصدر مرسوماً." قال داريو، جالساً على برميل خشبي مقلوب، صوته العميق مهتز من الأضطراب. "ونحن الآن..."
"مطاردون." قال ألفارد فجأة، رافعاً عينيه عن النار. صوته كان هادئاً، لكن تحت هذا الهدوء كان هناك بركان يُكبَت. "لكن ليس جميعنا."
نظر إليهم واحداً تلو الآخر. "إسفين، داريو، فالاندر... عليكم أن تختفوا. نهائياً. جنود فاليريان رأوا وجوهكم في الغابة. لو تم القبض على أيٍ منكم، فسيكون ذلك نهاية كل منكم."
"وأنت؟" سأل إسفين دون أن يلتفت من النافذة.
"سأختفي أيضاً. لكن ليس بنفس الطريقة." قال ألفارد، ويده تلمس قناع صقر العدالة الملقى على الطاولة كجلد ثعبان ميت. "صقر العدالة سيختفي لفترة. ولن يظهر إلا عندما نقرر نحن، لا عندما يريدون هم."
"ماذا تقصد؟" سألت إيديث، صوتها مرتجفاً قليلاً.
"سأعود إلى ألفارد." قال وهو ينظر إليها. "ابن سيلاس الفلاح. سأذهب إلى السوق، أعمل في الحقل، أعيش حياتي علانية. من سيشك في فلاح بسيط؟"
"لكنهم يعرفون وجهك الآن!" قال كاليب، عيناه الزرقاوان واسعتان من القلق.
"يعرفون وجه صقر العدالة." صحح ألفارد. "الوجه الذي يرتدي القناع، في الظلام، في خضم المعركة. لا يعرفون ألفارد الذي يمشي في وضح النهار، الذي يتحدث مع جيرانه، الذي يعيش حياته." توقف، ثم أضاف: "وهذا بالضبط ما لم يتوقعوه. أن أختفي في العلن."
إسفين التفت أخيراً من النافذة. عيناه التقتا بعيني ألفارد في نظرة طويلة، حاملة حواراً صامتاً كاملاً. ثم أومأ ببطء. "وهناك شيء آخر، أليس كذلك؟ مكان تريد الذهاب إليه. شخص تريد مقابلته."
ألفارد لم ينكر. فقط أومأ مرة واحدة، خفيفة.
"كورفن." همس داريو، وفهم.
"ليس الآن." قطع ألفارد بسرعة، ونظرة سريعة نحو فالاندر. "ليس قبل أن نخطط لكل خطوة، لنتجنب تكرار ما حدث المرة الماضية."
فالاندر، الذي كان صامتاً طوال الوقت، قال بصوته الهادئ: "أنا لا أحتاج إلى حماية، يا ألفارد. أنا جزء من هذا الفريق."
"وأنت أهم جزء فيه." رد ألفارد، وعيناه التقتا بالعينين الخضراوين. "ولهذا يجب أن تكون في أمان. لأن بعض الحقائق... تحتاج إلى وقت لتُفهم. وإلى أصدقاء لتقف بجانبك."
كان هناك شيء في نبرة صوته، شيء يحمل ثقلاً جعل فالاندر يحدق فيه بتعبيرٍ غريب، فضول مختلط بحدس أن هناك شيئاً لا يُقال.
"وهناك أخبار أخرى." قال إسفين، وكلماته قطعت التوتر. "ليوريلا أرسلت رسالة. فاليريان يخطط لتسميم دواء ليوس. بسمّ بطيء."
ألفارد تجمد. صورة الأمير الشاحب عند النافذة، الخاتم الفضي في جيبه، عادت فجأة. "وليوس؟"
"يعلم." قال إسفين. "وسيتصرف. لكن... الخطر حقيقي ما زال حوله."
"إذاً المعركة على جبهات متعددة." قال ألفارد، ويداه انطبقتا على الطاولة. "في القصر، في الشوارع، وفي الظل. وعلينا أن نلعب على كل الجبهات."
نظر إلى إيديث، التي كانت وجهها يعكس خوفاً عميقاً كبئر مظلم. "أمي... أرى القلق في وجهك... لا تقلقي سنكون حذرين. أعدك."
"الوعود لا تحمي من السيوف، يا بني." قالت إيديث، ودموعها بدأت تنهمر بصمت على خديها. "أراكم تذهبون وأراكم تعودون مجروحين، وأسمع عن دماء وأكاذيب... وأشعر أنني أعيش الكابوس نفسه مرة أخرى."
ألفارد نهض وذهب إليها. جثا أمامها، وأخذ يديها بين يديه. "لن نكون مثلهم. لن نتخلى عنك. ولن ندعهم ينتصرون. لأننا... لأننا العائلة التي اخترناها، وليس التي ولدنا فيها. وهذا أقوى من أي دم."
كانت الكلمات صادقة لدرجة جعلت حتى داريو الصلب وجهه بدأ يلين، وإسفين ضم شفتيه بنصف ابتسامة، وكاليب يمسح عينيه بسرعة من دمعة كادت تسقط.
"والآن." قال ألفارد وهو يقف. "إسفين، داريو، ستختفيان لفترة بعيد عن الأنظار. كاليب، ستبقى مع أمي وفالاندر هنا وتراقب القصر من حين لآخر، وتبقى عيوننا في العاصمة."
"وأنت؟" سأل كاليب.
"سأبدأ بالاختفاء أيضاً." قال ألفارد، ونظر إلى قناع صقر العدالة للمرة الأخيرة. "من هذه الليلة، صقر العدالة مات. وولد شيء آخر. شيء لا يعرفه فاليريان، ولا يعرفه حتى أصدقاؤه."
ثم أخذ القناع، ووضعه في النار.
الجلد الأسود التوى، احترق، انكمش. الدخان الأسود تصاعد كروح تتحرر. والجميع شاهدوا بطلهم يحرق رمزه. وكان المشهد مؤلماً، لكنه ضروري، كقطع ذراع مسمومة لإنقاذ الجسد.
"الآن اذهبوا." قال ألفارد دون أن يرفع عينيه عن النار. "وتذكروا... أن الظلام ليس عدونا. بل هو حليفنا. لأن من يعيشون في الظلام يعرفون كيف يرون في العتمة. ويعرفون أن بعض النجوم لا تتألق في وضح النهار، بل تتوهج في الليل، صامتة، صابرة، منتظرة لحظة الانقضاض."
وكان الكوخ ممتلئ بدخان القناع المحترق ودموع الأم المخفية وقرار الرجال الذين اختاروا أن يقاتلوا من الظل، يشهد على ولادة جديدة. ولادة ليست لبطل، بل لرجل قرر أن يلعب لعبة مختلفة. لعبة الحقيقة المخفية، والأسئلة المؤجلة، والمواجهة التي ستأتي، ليس عندما يريدونها هم، بل عندما يكون مستعداً هو.
شوارع الغضب والحبر:
كان سوق العاصمة في ذلك الصباح الضبابي يشبه جسماً مريضاً تتقاتل فيه الأجسام المضادة. رائحة الخبز الطازج والخضروات اختلطت برائحة الحبر الرخيص والورق الممزق والغضب البشري الذي كان يتصاعد كبخارٍ ساخن في الهواء البارد. الضباب الأبيض الخفيف، الذي عادة ما يلف المدينة بحنانٍ صباحي، كان اليوم يشبه شاشةً شبحية تعرض عليها مسرحيةٌ من الفوضى.
براين واقفٌ في شرفة الطابق العلوي فوق حانة "المطرقة الثقيلة"، عيناه العجوزتان الحادتان، تلك التي رأت حروباً وانقلابات وأكاذيب أكثر مما تذكره كتب التاريخ، تمسحان الساحة الرئيسية بتعبيرٍ محايدٍ كصخرة في نهرٍ هائج. يده اليمنى، ذات الأصابع الثلاثة المقطوعة، كانت تضغط على درابزين الخشب البالي حتى كاد يحطمه.
في الساحة، كانت المشاهد تتغير كإطارات في مسرحية مجنونة:
هنا، مجموعة من جنود فاليريان بدروع زرقاء داكنة يلصقون ملصقاً كبيراً على على جدران متاجر السوق. الورق الأصفر الباهت كان يحمل رسماً بدائياً لصقر العدالة مقنعاً، وتحته كلماتٌ غليظة: "مطلوب للمثول أمام المحكمة الملكية
بناءً على المرسوم الملكي الصادر عن التاج، يُطلب القبض على المدعو'صقر العدالة'،
لارتكابه الجرائم الآتية:
— محاولة اغتيال الملك
— السعي لقلب نظام الحكم
— الاعتداء على مسؤولٍ رفيع المستوى
مكافأة لمن يُدلي بمعلومات أو يُسهم في القبض عليه قدرها:
خمسمائة قطعة ذهبية". الحبر الأسود كان يلمع تحت الضباب كما لو كان ينزف ظلاماً.
وهناك، قبل أن يجف الحبر، اندفع ثلاثة رجال بملابس عادية من حشد المتفرجين. وجوههم مغطاة بأوشحة، لكن حركاتهم كانت سريعة ومدروسة. واحدٌ منهم، بشعرٍ أشقر قصير وعينين زرقاوين (كان كاليب، متنكراً ببراعة)، قام بنزع الملصق بسرعةٍ وبحركة واحدة حاسمة، صوت تمزق الورق صدح كصافرة بداية معركة.
"أوقفوهم!" صرخ قائد الجنود، وسيفه يخرج من غمده بصوت معدنيٍ حاد.
لكن الحشد لم يبق صامتاً. امرأة عجوز بملابس رثة، وجهها محفور بالتجاعيد كخريطة معاناة، صرخت: "كاذبون! صقر العدالة يدافع عنا! أنتم من تريدون قتله!"
ثم انفجر كل شيء.
أصبحت الساحة كخلية نحلٍ ضُربت بعصاً. رجال من الحشد، بعضهم فلاحون بسطاء، بعضهم حرفيون، بعضهم نساءٌ يحملن أطفالاً، بدأوا يزيلون الملصقات بأيديهم العارية. البعض كان يبصق عليها، البعض كان يمزقها إلى ألف قطعة ويرميها في الهواء من الغضب.
الجنود حاولوا التدخل، لكنهم كانوا قلة. واحدٌ منهم حاول الإمساك بشابٍ كان يزيل ملصقاً، فتدخل ثلاثة رجال آخرون ودفعوه إلى الخلف. لم تكن مواجهة عنيفة بعد، فقط دفعٌ ومقاومة، لكن التوتر كان كزيتٍ يسكَب على نارٍ مستعرة.
براين شاهد كل هذا بعينيه. رأى كيف أن جندياً شاباً، وجهه شاحبٌ من الخوف، رفع سيفه لكن يده كانت ترتجف. ورأى كيف أن رجلاً مسناً، بعكازٍ خشبي، وقف بين الجندي وبين شابٍ آخر، وقال بصوته الأجش: "اقتلني أولاً. لأنني عشت طويلاً وأنا أرى الأكاذيب، وسأموت الآن لأنني أرى الحقيقة."
لكن براين رأى أيضاً شيئاً آخر. في أطراف الساحة، على الأسطح المنخفضة، في مداخل المتاجر المغلقة، كان هناك رجالٌ آخرون. ليس جنوداً، ولا ثواراً من العامة. كانوا رجالاً بملابس داكنة، وجوههم صامتة، عيونهم تتابع المشهد دون مشاركة. رجال فاليريان السريون، المراقبون، الذين يعدّون قوائم الأسماء.
"سيدي." جاء صوتٌ خلف براين. كان مساعده، رجلٌ في الأربعين من عمره، وجهه يحمل ندبة قديمة على خده الأيسر، عيناه رماديتان تحملان ذكاءً عملياً. "الوضع يزداد سوءاً. الناس لا يصدقون تلك الأكاذيب."
"لا يصدقونها بعد." رد براين دون أن يلتفت. "لكن فاليريان لن يتوقف عند تلك الملصقات فقط. سيرسل رواةً، وشهوداً مزيفين، سينشر قصصاً في الحانات. والأكاذيب إذا كُرِّرت تحت السكين... قد تصبح حقائق."
المساعد اقترب، وقف بجانبه على الشرفة. "وماذا سنفعل؟ رجالنا يزيلون الملصقات، لكنهم يعرضون أنفسهم للخطر. وقد رأيت جواسيس فاليريان يسجلون الوجوه."
"دعهم يسجلون." قال براين، وابتسم ابتسامةً ضيقة لا تصل إلى عينيه. "لأن الوجوه التي سيسجلونها... ليست كلها حقيقية."
التفت أخيراً إلى مساعده. "غير الخطة. لا يزيل رجالنا الملصقات فقط. بل يضعون أيضاً ملصقاتهم."
المساعد رفع حاجبه. "ملصقاتنا؟"
"نعم." قال براين، وانحنى قليلاً، صوته منخفضاً لكن واضحاً كصوت السهم وهو يقطع الهواء. "ملصقات صغيرة. ليست صفراء كملصقات الملك، بل بيضاء. تحمل رسالة قصيرة واحدة فقط."
"ماذا تقول؟"
براين نظر إلى الأسفل، حيث كانت العجوز تقف بعكازها كمثالٍ للشجاعة. "تقول: 'أين شهود الغابة الحقيقيون؟'. وتقول: 'لماذا الهجوم فقط على من يدافع عنا؟'. وتقول: 'العدالة لا تحتاج إلى ملصقات، بل تحتاج إلى شجاعة'."
المساعد حدق فيه، ثم بدأ يبتسم. "سيكون ذلك كالنار في حقل قش."
"بالضبط." قال براين. "دع فاليريان يلعب لعبة الأكاذيب الكبيرة. ونحن سنلعب لعبة الأسئلة الصغيرة. لأن الكذبة الكبيرة يمكن أن تقاومها الحقيقة الكبيرة. لكن الأسئلة الصغيرة... تلك تخترق كالسوس، تدخل إلى العقل، وتقضم اليقين حتى ينهار."
ثم أضاف، وعيناه تلمعان بذلك الذكاء القديم الذي جعله يدير شبكة جواسيس الملك لعقود: "وأرسل رسالة إلى الأمير إدموند. قل له: الناس معكم. لكنهم يحتاجون إلى قيادة. يحتاجون إلى صوتٍ يقول ما لا يستطيعون قوله."
"وماذا عن صقر العدالة؟"
براين نظر إلى السماء، حيث كانت الشمس تحاول اختراق الضباب فترسم أشعةً ضعيفةً ذهبية. "هو يعلم ما يحدث. وهو يخطط لشيء ما بالتأكيد. يمكنني أن أشعر به. كما يشعر الصياد بالعاصفة قبل أن تأتي."
ثم عاد ينظر إلى الساحة، حيث كانت المعركة الهادئة ما زالت مستمرة، ملصقات تُلصَق وملصقات تُنزَع، وأصوات ترتفع وأخرى تخفت، وشعبٌ بدأ يستيقظ من سبات الخوف، ويكتشف أنه عندما تقف الأجساد معاً، حتى السيوف تفقد حدتها.
"اذهب." قال براين لمساعده. "وأبدأ. لأن الحرب لم تعد بالسيوف فقط. بل بالكلمات. وبالأسئلة. وبذلك الإيمان الغريب الذي يجعل امرأة عجوزاً تقف بعكازها أمام سيف شابٍ خائف. وهذا... هذا أقوى من أي جيش، وأقسى من أي سيف، وأبقى من أي كذبة، مهما كانت كبيرة."
أبوّةٌ في زمن الخيانة:
كان كوخ سيلاس يترنح تحت ثقل أنفاسٍ ثقيلة كصخورٍ في صدر رجل عجوز. النار في المدفأة كانت تحترق بلهيبٍ منخفضٍ حزين، تضيء وجهي الرجلين الجالسين على مقعدين خشبيين متقابلين، سيلاس منحني الظهر كشجرة صفصاف تحت وطأة عاصفة، وعيناه تحملان رطوبةً لا تتحول إلى دموع فقط لأن الكبرياء العجوز ما زال يصارع. أوليفر جالسٌ أمامه، يداه تضغطان على ركبتيه، صوته هادئٌ كجدولٍ يتدفق عبر صخورٍ صلبة.
"الولد قوي، ياسيلاس." قال أوليفر، كلماته تقطر بالحكمة. "والقوة التي فيه ليست قوة السيف فقط. بل قوة القلب. وهذا القلب... لا يمكن أن تقتله أكاذيب مكتوبة على الورق."
"لكن السيوف يمكن أن تقتله، أوليفر." رد سيلاس، وصوته مكسورٌ بالإحباط والقلق. "ورجال الملك يبحثون عنه الآن. في كل مكان. كأنه ذئب هارب."
"بل هو صقر." صحح أوليفر. "والصقر لا يُصطاد بهذه السهولة، لأنه يحلق بعيداً. وهذا الفتى يحلق عالياً، شامخاً بحريته، أعلى مما تستطيع أيادي الخونة أن تصل."
لكن الطمأنينة كانت كالماء على صخرة حارة، تتبخر قبل أن تبرد. سيلاس نظر إلى يده المرتعشة، تلك اليد التي ربّت طفلاً حلق به الصقر، وغسلته، وأطعمته، وخافت عليه، والآن... الآن قد تفقده إلى الأبد بسبب لعبة ملوكٍ لا يعرفون اسمه حتى.
ثم، كما لو أن الكون أراد أن يجيب على رجاءه الصامت، فتح الباب.
دخل ألفارد وكاليب. رائحة البرد والتراب دخلت معهم كذكرى من العالم الخارجي الخطير. ألفارد، بملابسه البسيطة كأي فلاح عادي، لكن عيناه العسليتان ذات الخطوط الزرقاء كانتا تحملان ذلك اللمعان الذي لا يمكن إخفاؤه حتى تحت ثياب الفلاحين.
سيلاس قفز واقفاً. كأن عمره الستين قد تبخر. خطواته المتثاقلة تحولت إلى اندفاعة، ذراعيه انفتحتا، واحتضن ابنه بقوة جعلت عظام ألفارد تصطخ. كان حضناً يحمل ستة وعشرين عاماً من الخوف والفخر والحب الذي لا ينطق به إلا في لحظات الخطر القصوى.
"يا بني... يا حبيبي... هل أنت بخير؟" همس سيلاس، وصوته مختنق في كتف ألفارد.
"أنا بخير، يا أبي، لا تقلق." قال ألفارد، يده تمسح على ظهر أبيه العجوز. "أنا هنا. وسأبقى هنا."
بعد لحظة، أطلق سيلاس ابنه، يداه تمسكان وجه ألفارد كما لو كان يتحسس حقيقة وجوده. "سمعت عن المرسوم..."
"أكاذيب." قطع عليه ألفارد. "كل ما يقولونه مجرد افتراءات. ولن نسمح لها بأن تحدد مصيرنا."
جلسوا. كاليب أعد الشاي، يداه المرتعشتان قليلاً تخونان قلقه رغم محاولته الظهور هادئاً. وأوليفر كان يراقب ألفارد بعينيه الزرقاوين الحكيمتين، كأنه يقرأ في وجهه معركةً تدور في الداخل.
ثم دق الباب مرة أخرى.
فتح ألفارد. وكان تيرون واقفاً على العتبة، ملابسه داكنة كالليل، وعيناه تلمعان في الظلام بذكاءٍ حذر. دخوله كان كدخول نسمة باردة إلى غرفة دافئة، غير مرحب بها، لكن لا يمكن منعها.
"سيد ألفارد." قال تيرون بانحناءة خفيفة.
ألفارد لم يرد التحية. فقط تركه يدخل وأغلق الباب. الجو في الكوخ أصبح متوتراً كوتر قوس مشدود.
"جئت من قِبل الأمير إدموند." بدأ تيرون، صوته محايداً.
"أعرف." رد ألفارد، وصوته بارد كالجليد. "وجئت لتقول ليّ إنه كان مجبراً على التوقيع. وإنه نادم. وإن كل شيء سيكون على ما يرام."
تيرون لم ينزعج. فقط أومأ. "نعم. هذا صحيح. فاليريان هدده بحياة الملك وولي العهد. وكان الاختيار بين التوقيع على الورق... وبين الدماء على أرض القصر."
"فاختار الدماء على أرض الشوارع." قال ألفارد، وصوته يرتفع قليلاً. "دماء أي شخص سيحاول الآن الإمساك بيّ للحصول على المكافأة. دماء الناس الذين سيصدقون الأكاذيب بينما آخرين يعترضون ويهاجمون بعضهم البعض."
"الأمير يعلم هذا." قال تيرون بهدوء. "ولهذا أرسلني. لأخبرك أن المعركة في الشوارع تدور. وأن رجالنا يزيلون الملصقات. وأن الناس... الناس لا يصدقون ما يقال."
"ولكن الأكاذيب إذا كُرِّرت..."
"تُصبح حقائق." أكمل تيرون الجملة. "نعلم. ولهذا يجب أن تختفي. أنت وأصدقاؤك. ليس خوفاً، بل تكتيكاً."
ألفارد حدق فيه. "أنا أعرف كيف أختفي."
"ليس جيداً بما يكفي." قال تيرون. "فاليريان يدفع الأمور بإتجاه حرب أهلية. يريد أن يجعل الشعب ينقسم: مؤيد للملك، مؤيد للصقر، وكلا الطرفين يتقاتلان. ويجب ألا نعطيه هذه الفرصة."
سيلاس تدخل، صوته يرتجف من الغضب: "ابني لن يختبئ! هو لم يفعل شيئاً!"
"بالضبط." قال تيرون، والتفت إلى سيلاس. "ولهذا يجب أن يختفي. لأن البراءة في زمن الحرب ليست حصناً، بل هدفاً."
صمت ثقيل. ثم قال ألفارد: "قل للأمير إدموند... أنني أفهم. ولكنني لا أغفر. لأن الفهم عقل، والغفران قلب. وعقلي فهم، وقلبي... قلبي ما زال ينزف على مايحدث."
كانت الكلمات صادقة لدرجة جعلت حتى تيرون الصلب يخفض عينيه للحظة. "سأبلغه. وهو يعلم أن الثمن كان كبيراً. ويعلم أنك قد لا تغفر أبداً. ولكن الأهم الآن... أن تبقى حياً."
ثم أضاف: "والأمير ليوس يرسل تحياته. ويقول إن الخاتم ما زال وعداً."
الكلمات الأخيرة خففت شيئاً من الجليد في عيني ألفارد. نظر إلى جيبه حيث كان الخاتم الفضي مخبئاً. "قل له... إن الوعد ما زال قائماً."
بعد أن خرج تيرون كظلم ينسحب مع الفجر، بقي الرجال في الكوخ في صمتٍ مفعم بالتخطيط الصامت. وكان سيلاس ينظر إلى ابنه، وفيه ذلك المزيج الغريب من الخوف والفخر الذي تعرفه قلوب الآباء الذين ربّوا أبناءً أكبر من عالمهم.
ثم... دق الباب مرة أخرى.
دقّات سريعة، متوترة، مختلفة.
قام ألفارد. مشى نحو الباب بخطوات حذرة. يده تلمس مقبض السكين الخفي في حزامه. فتح الباب ببطء.
الشخص الواقف خارجاً كان ملفوفاً بمعطفٍ أسود سميك، قلنسوة سوداء تخفي الوجه، لكن القامة النحيلة، والوقفة التي تحمل شيئاً من الأناقة رغم التوتر... شيء ما كان مألوفاً.
"أنا... متأسف لأني جئت بهذا الوقت المتأخر." قال الصوت من تحت القلنسوة، وكان صوتاً شاباً، ناعماً لكنه حازم.
ألفارد حدق به. عيناه اتسعتا قليلاً. تعرف على الصوت قبل أن يرى الوجه.
الشخص رفع يديه، ودخل أصابعه تحت القلنسوة. رفعها ببطء.
الوجه الذي ظهر...
"أنت..." همس ألفارد، والكلمة خرجت من فمه كزفرة صدمة.
صدمة رؤية ذلك الوجه، وذلك اللقاء الذي لم يكن من المفترض أن يحدث، في ذلك المكان، في ذلك الوقت، بين فلاحٍ مطلوبٍ ومهمة ملكية اختارت أن تخرج من قفصها الذهبي لتأتي إلى عُش الصقر في عز الظلام.