زوجتُ ابنتي… وبقيتُ أنا
كبرت ياسمين، ابنةُ زوجها، فأحسنت علا تربيتها أيّما إحسان، حتى جعلت منها فخرًا وشرفًا لوالدها. علّمتها، وأدّبتها، وغرست فيها الأخلاق والقيم، ولم تترك جانبًا من حياتها إلا وكان لها فيه أثرٌ واضح.
تخرّجت ياسمين من جامعة مرموقة، وكانت أنيقة في مظهرها، عصرية في لباسها، مهذبة في حديثها، محبوبة في صفاتها. فتاة جعل منها لطفها ورقّتها محطَّ أنظار وإعجاب.
وأصرّت علا ألا تزوّجها إلا لمن يستحقها. فرفضت ابن الجار خوفًا من تقلبات الحياة، واعتذرت لابن العم قائلة: الأقارب عقارب. حتى وجدت لها مهندسًا كفؤًا، حسن الخلق والسلوك، لم يبخل عليها بعطف أو اهتمام. إن مرضت حضر، وإن فرحت شاركها، وكانت هداياه دليل محبته واهتمامه.
رضيت ياسمين بما اختارته لها علا، وتمّ الزواج.
وكانت فرحة علا عامرة وهي ترى الفتاة التي ربّتها عشرين عامًا عروسًا أمامها. لكنها بكت حين غادرت قاعة الحفلات، تاركةً إياها بين أهلها الجدد.
قالت بحزن:
— كيف يهون عليّ فراقها، وأنا من ربّيتها منذ كانت طفلة صغيرة؟
نظر إليها حسام، زوجها، بنظرته الجافة التي اعتادت عليها، وقال بقسوة:
— أهون الأمور أن تغادر من ربّتها. فهي ابنة أمّها، لا تظنّي أنها لكِ إلى الأبد.
صمتت علا…
ليس لأنها لا تستطيع الرد، بل لأنها سئمت النقاش معه.
عاشت معه سنوات طويلة وكأنه غريب عنها. لم تعرف معه دفء الزوجية ولا معنى المشاركة. هو في عالمه، وهي في عالمها. انشغل هو بعمله، لا يعود إلا في أنصاف الليالي، وانشغلت هي بالمنزل وتربية ياسمين… حتى صارت حياتها تدور حولها وحدها.
---
وبعد شهر من انتقال العروس إلى بيتها الجديد، وجدت علا نفسها أمام فراغٍ كبير.
لم تعد تعرف ماذا تفعل.
أصبحت تقضي معظم وقتها ممسكةً بهاتفها، تتصفح صفحات لا تعرف أصحابها، تقرأ قصص الغرباء وتجاربهم. وكانت تبتسم أحيانًا حين يكتب أحدهم: حظي سيئ في هذه الدنيا.
لم تكن تضحك سخريةً منهم…
بل لأن آلامهم بدت لها أقلّ مما خبأته هي داخلها من صمتٍ طويل.
وذات يوم، قرأت قصة امرأة اكتشفت خيانة زوجها عبر الإنترنت. فأنشأت حسابًا مزيفًا، وتواصلت معه حتى أوهمته بأنها امرأة غامضة تعرف أسراره، وهددته حتى قطع علاقاته المشبوهة.
أغلقت علا الهاتف… لكنها بقيت تفكر.
هل يمكن أن تُعيد زوجها إليها بهذه الطريقة؟
وبدافع الفضول… وربما بدافع الوحدة… أنشأت حسابًا مزيفًا.
وبدأت المحادثات.
لم تكن قصيرة.
تحدثت مع شبان، ومع كهول… مع رجال لا تعرفهم ولا يعرفونها.
في البداية كان الأمر تسليةً… ثم هروبًا… ثم شيئًا آخر.
لكن في أعماقها، كانت تشعر بشيءٍ غريب…
لم تكن تبحث عن رجل.
لم تكن تبحث عن حب.
كانت تبحث عن إحساسٍ واحد فقط…
أنها ما زالت موجودة.
وفي إحدى الليالي، أغلقت الهاتف، ونظرت إلى المرآة طويلًا.
وقالت لنفسها بصوتٍ خافت:
أنا لم أخن أحدًا…
أنا فقط كنت وحيدة.
ثم ابتسمت بمرارة، وأضافت:
وسط كل هذا الفراغ…
وسط زواجٍ بلا روح…
وحياةٍ بلا مشاعر…
أدركت حقيقة واحدة فقط…
أنني عشت عمرًا كاملًا زوجةً بالاسم…
لكنني… لازلت عذراء