الفصل 2
الوزر الثـاني
شاهدت نوف خطوات ناصر تتباطئ وكأنه يتفحّص المكان خلف الزجاج.. ثم ركض فجأة وهو يصرخ: ابووووووويه
غصّت بريقها وهي تركض مباشرةً خلفه.. لحقت به برجلين هلامية، لا تعلم كيف أوصلتها إلى الشارع
المكان مزدحم.. وفوضوي.. والغبار يصعّب الأمر أكثر.. هنا عيون فضوليّة خففت من سرعتها لتشاهد الحادث، وأخرى احتدّت بغضب، على الفئة الأولى لأنها عرقلت السير
وعيونٌ أخيرة تعلّقت بالمشهد بقلق شديد.. أصحابها توقّفوا مباشرة على أكتاف الطريق ليهمّوا بالمساعدة
فالمساعدة هنا، واجبة في عرفهم.. من إنسان إلى إنسان
لا يهم أصله وفصله أو لونه، أو لهجة لسانه.. المهم أنه إنسان.. وما من مهمّة أعظم من إنقاذ إنسان على حافة الموت
كانت سيارة والدهم مصطدمة بعمود الإنارة.. وعلى بعد أمتار كانت سيارة أخرى.. سيارة المتسبب بالحادث.. ولم تكن بحالٍ افضل من حال سيارة والدها
زجاج.. حطام.. بقايا.. كانت اجزاء السيارتين مبعثرة في الشارع بشكل مفزع
سمعت ناصر وهو يتصل بالشرطة بملامح مرتعبة.. سمعته يقول بغصة: "ابويه اندعم عند المطعم"
كانت تشاهد ضيق نفسه وهو يعطيهم العناوين.. صبره.. وهو يستقبل اتصالاتٍ متكررة ومتتالية من الإسعاف، والنجدة، ودوريات الشرطة
يستفسرون عن نوعية الحادث، وحجم الضرر ليتم إرسال المساعدة اللازمة والملائمة
كان التجمّع ضخمًا حول السيارتين.. والناس تُحاول إخراج المصابين
ركض إلى المكان وهو يصرخ: لا تحركونه!
سأله أحد الشباب: من الأهل؟
رد بغصة: أبوي
هز الشاب رأسه بأسف: لا حول ولا قوة الا بالله.. الله يطلعه منها سالم
اقترب ناصر حتى شاهد والده غائبًا عن الوعي.. كان بابه مفتوحًا.. أفسح له الرجل ما أن شاهده
وضع ناصر يده مباشرةً على عنق والده.. يجسُّ نبضه.. وحمد الله ما أن شعر بالنبض، حتى ولو كان ضعيفًا
ثم حرك ناظريه على المكان.. كان الزجاج مهشّمًا ومتناثرًا في كل مكان.. والدم.. الذي طش من وجه والده.. وقطعة زجاج ضخمة قريبة من كبده.. يتسرّب منها الدم
ورغمًا عن كل شيء كان جسمه ثابتًا في مكانه مثبّتًا بحزام الأمان
شعر بدفعة خفيفة على كتفه.. قال الشاب: خلنا بنطلعه ياخوي.. اقل شي نطلع هالزجاج
ناصر: لا تحركونه.. مب زين.. الزجاج حابس الدم إن طلعته بينطش (يتسرب) كل مكان
قال أحد الرجال: يا ريال اذكر الله وخلنا نوديه بعيد عن هالزجاج والدم والخياس
أغمض ناصر عيونه بقلّة صبر: مب زين له نحركه.. بنتريا الإسعاف.. توني رمستهم
رجل: ونحن اتصلنا بالإسعاف من شفنا الحادث
رجل آخر: والله تأخروا علينا.. عنبوه الا في نص المدينة نحن مب في مقطعة (مكان منقطع)
قال الشاب: ياخوي أخاف السيارة تنفجر ولا شي لا سمح الله.. صدقني نطلعه أبرك
ناصر بنبرة حادة: قلتلك خله ما تفهم أنته شو؟
ربّت أحد الكبار على كتفه: ما عليه يا شباب خلوه على هواه.. الله يعينه على مصيبته لا تزيدونه
سمع أصواتًا حوله متكررة: لا حول ولا قوة الا بالله.. الله يصبركم.. وإن شاءالله يقوم بالسلامة
رد بصوت يكادُ لا يُسمع.. فقد تكررت عبارات المواساة هذه.. كانت فتاتًا لا يسمن ولا يُغني من جوع
وهو ضعيف جدًّا على أن يرد بما يليق بالرد
كان الحِمل ثقيلًا.. ولم يكن في النفس صبرٌ ليتعامل مع الوضع
ولكن ما من أحدٍ سواه يستلم هذه المسؤولية
كان متكئًا على إحدى ركبتيه على الرصيف، عندما شعر بلمستها بالقرب منه
التفت عليها ثم قال بقليل من الغضب: دخلي داخل.. شو تسوين في نص الرياييل؟
همست بصوت باكي: ابويه!
ناصر: ردي داخل وشوفي اختج وين.. اذا وصلت سيارة الاسعاف بشلكن وبنسير المستشفى
شاهدته بنظرة رجاء: ابوي حي؟
ناصر: حي إن شاءالله.. ردي داخل!
لا تتذكر شيئًا بعد هذه الصوت.. حملت خيبتها وعادت للمطعم كما طلب
لم تشاهد صفّوي مع الجمع الغفير المتجمهر على باب المطعم.. وحمدت الله، لأن الوضع لا يستحمل زيادةً من صراخ صفية وفوضتها
تتوقع بأنها لا زالت في مكانها لكونها تجهل هوية صاحب الحادث، ولذلك عادت إلى نفس المكان مباشرة
دخلت إلى الجناح الخاص بوجهٍ مسود.. شاهدت أختها الصغرى مستريحةً في كرسيها وتعبث بهاتفها بملل
رفعت صفية ناظريها إلى نوف باستغراب: بلاج؟ شي مستوي؟
قالت بنبرة تحاول جعلها طبيعية: مادري.. ادعي لهم
عقدت حاجبيها: الله يشفيهم ويعينهم.. أنتي شو بلاج اللي يشوفج يقول إن اللي مسوي الحادث حد من أهلج
نوف: الحادث يروّع (مرعب)
قالت بفضول: أقوم اشوف
قالت نوف بهلع: لااا
صفوي باستغراب: بلاج أنتي؟
نوف: كله شباب برع.. توه ناصر هزبني (زجرني) ورديت.. قال اتريوني (انتظروني)
وعلى كلمتها هذه، رن هاتفها فشاهدت اسم ناصر.. ردت عليه بسرعة
قال كلمة وحيدة: اطلعوا
حملت حقيبتها بسرعة ووقفت: يلا صفوي.. بنسير
ولكن صفية لم تتحرك.. بل قالت برفض: لا تستهبلين.. شو نسير؟ من متى وأنا اتريا نتيمع واتريا هالفرصة!
وما صدقت حصلت لنا حجز في المطعم.. أنتي شكلج ما تعرفين هالمطعم كيف زحمة والناس تتذابح على الحجوزات
نوف: بنيي مرة ثانية ان شاءالله تعالي
صفية: مستحيييل
نوف: ناصر بيسير صفوي ويا الناس.. شو تبينا نسوي بروحنا
صفويه: برايه.. خله يسير يفزع للناس.. نحن بنيلس ويا أبوي.. ترانا كل يوم ويا ناصر مابغي اضيع هالفرصة الحلوة ويا ابوي
نوف أغمضت عينيها بضيق: صفوي لا تطولينها وهي قصيرة.. يلا نسير
صفوي ثبّتت نفسها في الكرسي برفض لما سمعت وبعناد: وأنا أقولج مب سااااايرة.. برايكم.. بتريا أبويه وبتعشى وياه
رابطين راسكم بليّا ويع.. ناس متعورين الله يشفيهم أنتوا شو يخصكم متعبلين؟ (مجتهدين/متعبين أنفسكم)
**ملاحظة: رابط راسك بليّا ويع= مثل يُقال لمن يُرهق نفسه بلا سبب
نوف أمسكت بها من يدها: تعالي صفوي.. بفهمج.. لازم اتيين
قالت صفوي بشك: أنتي شو فيج؟ فيج شي غريب
نوف شاهدتها بصمت، وتعب.. لقد حاولت أن تطيل نفسها، وصبرها.. ولكن صفية مُرهقة جدًّا.. وصعبة أكثر
قالت صفية: شي مستوي بأبوي؟ والا ناصر؟
تنهدت نوف بتعب: تعالي.. ناصر بيخبرج
تمسكت بها برعب: لا تقولين.، ليكون أبوي فيه شي!!! لا تخوفيني
نوف: صفوي والله إني تعبانة دخيلج لا تزيديني.. خلينا نذكر الله ونسير
لم تزد بالكلام أكثر.. بل سبقتها خارجةً من المطعم.. كانت سيارة ناصر أمام الباب مباشرة.. وشكله لا يطمئن أبدًا
مشت بتوتر شديد.. تفجّر ما أن وقعت عينها على سيارة والدها، شعرت بالجنون.. صرخت: ابووووويه "ضربت نافذة شقيقها بهلع" ناصر.. شو بلاه أبوي؟ وييينه؟
تنهّد ناصر وهو يُنزل النافذة ويقول: اركبي صفوي.. نوف.. ركبي اختج.. الله يرحم حاله.. ادعوله
نزلت دموعها بغزارة وهي تشعر بشقيقتها تدخلها السيارة كما طلب ناصر: ناصر.. سيارته.. ياويلي عليه.. ناصر السيارة متدمرة! هو بخير؟
ناصر: الله يعينه ويرحمه
ردت صفية بهلع: شووووو الله يرحمه يعني مات؟
نوف: لا حول ولا قوة الا بالله.. الرحمة على الحي والميت صفوي حبيبتي.. ماندري شو حاله الحين بنسير المستشفى وبنشوفه.. ناصر الله يهديك لا تزيغها زيادة
تنهد وهو يحرك السيارة: مثل ما قالت نوف هو في المستشفى بنسير له الحين.. الله يقومه بالسلامة يارب
كان ينظر إلى الطريق متحاملًا على نفسه.. يتألم لسماع شهقات صفية العالية، وهمسات نوف لتهدئتها.. ولكن ما باليد حيلة
للأمانة.. والده شبه ميّت.. هذه حقيقة لا يستطيع إنكارها
وفي نفس الوقت يمنّي نفسه بأن الأمر كلّه بيد الله.. كان يحاول التمسك والتضرع بحبل الله.. لأن ما من باب ولا حبل يسعفه سواه
وضع ناصر قناة القرآن.. ورفع على الصوت.. لعلّه يجد في القرآن السلوى والمستراح
كانت سورة البقرة نقلًا من الحرم المكي بصوت القارئ ياسر الدوسري.. تعجّب من دقة الآيات.. وكأنها جبر وضماد لجروحهم وتسلية من الله لأرواحهم القلقة
بات يردد معه بصوت خافت، وكأنه يؤكد على نفسه أمر الله، ورحمته، وبشارته للصابرين: (ولنبْلُوَنَّكُمْ بشيءٍ من الخَوْفِ والجوعِ ونقْصٍ من الأمْوالِ والأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمةٌ وأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
دقائق.. قصيرة.. حوالي الربع ساعة.. كانت سنين ضوئية بحسابهم.. لم يكفوا عن النظر إلى الطريق، والتأفف من الازدحام، ولكنّهم وصلوا في النهاية
تقدّمهم ناصر يبحث عن والده.. وقيل بأنه دخل غرفة العمليات مباشرة
تعلّقت به صفية ما أن شاهدته عائدًا إليهن: وينه!
ناصر: دخلوه العمليات
نوف: ما قالولك كيف وضعه؟ شو استوا به؟ إصابته خطيرة والا لا؟ أي شي يعني والله قلبي مقبوض ناصر
ناصر: الله يجعله خير ويقومه بالسلامة يارب.. ماعطوني خبر والله.. قالولي اتريا حد من الدكاترة لين يطلع ويعطيك خبر
صفية: وهذيل متى بيطلعون! انزين ما يستوي يزقرونهم؟ (ينادوهم).. لين متى بنتم نتريا الا بس چي.. والله قلبي بيوقف من الخوف
ناصر: خليهم يشوفون شغلهم ويجابلون (يقابلون) أبوي أولى منا.. لا تحاتون أنتوا.. دام الله ويانا لا تحاتون ولا تخافون.. ادعوله بس
ولكن صفية لم تقتنع أبدًا.. قالت بصوت باكٍ: ناصر إذا استوا به شي والله بموت.. كيف بنعيش بدون أبوي؟ والله ما نقدر.. بنضيع.. ناصر شوفهم دخيلك
احتضنها مباشرة.. يحاول طمئنتها.. وهو بنفسه من يحتاج الطمئنة
قال: ليش كل هالصياح الله يهديج.. ابوي بخير ان شاءالله.. بيخيطون جروحه وينظفونها وان شاءالله بتشوفنّه بخير وصحة وسلامة.. اصبروا وادعوله بس
صفية برموش معلّقة بأطراف عيونها: صدق؟ تحسه بيقوم؟
تنهّد ناصر: بإذن الله سبحانه.. اوديكم البيت أحسن؟ ما ندري كم بيطول في العمليات
نوف: شو يردنا وأبونا هني؟.. بناكل بعمارنا من التوتر
خلنا بنيلس في غرفة الانتظار.. عسى ربي أن يهوّن علينا وينزل علينا بعضًا من رحمته
ناصر: آمين يالغالية.. يلا شلي أختج وسيري داخل.. أشوف رياييل هني من ربعه بسير ارمسهم
أطاعته شقيقته، وأخذت أختها الصغرى إلى غرفة انتظار النساء.. ناولتها مصحفًا وطلبت منها القراءة لغرض البحث عن الراحة فيه وفعلت هي بالمثل
عقد ناصر حاجبيه باستغراب وهو يشاهد صاحبي والده في المستشفى.. سلّم عليهما.. وقبّل رأسيهما كما كان يأمره والده دائمًا
ناصر وهو يخاشمهما بأسلوب عربي بحت: السلام عليكم.. شحالكم عمي إسماعيل وعمي بو حمد
رد العم إسماعيل: بخير ربي يسلمك.. شحالك أنته؟ وين الوالد شو صار عليه؟
ناصر: والله مادري يالعم.. دخلوه غرفة العمليات وبعدنا نتريا ما عطونا خبر عن شي
قال بو حمد (الرجل الآخر): لا حول ولا قوة الا بالله.. الله يقومه بالسلامة يارب.. ويقر عيوننا كلنا بشوفته سالم غانم
ناصر: آمين يارب.. الله المستعان "اشر على كراسي خلفه" قربوا
تبعه إسماعيل: حياك ولدي
ناصر: ماشاءالله وصلكم خبر
بو حمد: هيه يا ولدي.. شافوه عرب نعرفهم ووصلولنا خبر.. يزاهم الله خير
هز ناصر رأسه بتفهم: ماشاءالله عربكم كل مكان
بو حمد: نعم.. الطيب أحبابه كثير.. وأبوك ريال طيب وسمعته طيبة في كل مكان.. الحمدلله
إسماعيل: عاد كيف استوا الحادث ما عندك خبر؟
ناصر: والله مادري يالعم أنا كنت في المطعم متواعدين على العشا، ما وعيت الا على صوت حادث قوي ويوم طلعت الا احصل ابوي بحال ما يسر لا صديق ولا عدو.. وسيارته راحت فيها.. الله يشفيه يارب ويقومه بالسلامة
بو حمد: إنّا لله وإنا إليه راجعون.. المهم سلامته والا السيارة بدالها عشر
لا تحاتي يا ولدي.. كله بأجره ان شاءالله
حتى الشوكة يُشاكها المسلم فيها أجر ورحمة من رب العالمين.. وأبوك إنسان مسلم مصلّي يعرف ربه ولا يدعي إلا بالخير.. همه الدين والمسلمين.. بإذن الله سبحانه بيقوم بالسلامة ونفرح به كلنا أنتوا والجماعة
ناصر: يزاك الله خير.. بإذن الله سبحانه.. عاد سامحوننا ما عندنا حتى دلة قهوة نقوم بواجبكم
إسماعيل: افا عليك بس يا ناصر.. عادنّا غرب عشان تقوم بواجبنا؟.. أبوك ما نعدّه الا اخونا وأنت ولد أخونا.. ولا بيننا هالسوالف
ارتاح وادعيله ولا تفكر بشيء ثاني
أيّده بو حمد.. واستراح ناصر في مكانه.. يتبادل معهم بعض الأحاديث بين الفينة والأخرى.. إلى أن وصلهم خبر من غرفة العمليات
نهض ناصر.. وهو يرى ملامح وجه الطبيب لا تطمئن أبدًا
خرج خلفه طبيب آخر وهو ينزع ردائه
قال ناصر بالانجليزية: انتهيتوا؟ كيف حال والدي؟
أخذ الطبيب نفسًا طويلًا.. وهو ينظر إليهم: نعم.. لقد وصل إلينا المريض بحالة حرجة جدًّا
لقد انقلبت به السيارة عدّة مرات.. وتعرض جسمه لاصطدامات كثيرة قبل أن يتوقف.. إضافةً إلى دخول قطع ضخمة من الزجاج ووصولها إلى اعضائه الرئيسية
"أردف بأسف" لقد حاولنا ما بوسعنا.. توقف قلب المريض في أول ربع ساعة، وقضينا بقية الوقت نحاول إنعاشه، ولكن للأسف.. لم نستطع إنقاذه.. نعلم بأنها محنة صعبة.. ونشعر بالأسف الشديد.. اتمنى أن تبقوا اقوياء
ربّت على كتفه بضع مرات.. ورحل
هكذا وحسب.. وكأنه يعطيه نتيجة فشل في اختبار، أو خبر استقالة.. رحل وحسب.. وبقيت عيون ناصر معلّقة بظهره.. بطيفه حتى غاب
شعر بإسوداد الدنيا في عينيه.. شعر وكأنه دُفع إلى أقصى الدنيا وحيدًا.. تائهًا.. شعر بالبرود، بالسكون حوله
غشى الظلام رأسه.. هل يُعقل بأن والده قد رحل من الدّنيا فعلًا؟ هكذا وحسب؟
صديقه.. ملهمه.. ومعلّمه.. ومأمنه من الصغر
من أمسك بيده وعلّمه معاني الحياة.. من درّسه على دروبها.. وأعانه على مصاعبها
من عاقبه إذا اخطأ، ومسح على رأسه وقبّله إن أصاب
من كان له والدًا ووالدة.. وصديق، وشقيق.. بل كان له كل المعاني
يومًا بيوم.. سنةً بسنة.. حتى رفضه التام لمجاله العسكري، لم يكن مستبدًّا.. حاوره وناقشه، ويوم لم يستطع إقناع ابنه، استسلم لرغباته
كان ناصر يرى الرفض في عيون والده طيلة سنين الدراسة والتخرج والعمل، ولكنّه لم يسمع يومًا منه إساءة ولا بكلمة.. حتى بعد أن كبر وقوي عوده.. كان موجّهًا له دائمًا.. وكان عون
فكيف يرحل هذا العون فجأة؟ كيف يرحل النور؟ ويتركه فجأة لغياهب الحياة؟
شعر بشخصٍ يجرّه ويحتضنه.. لا يعلم من هو.. ولكنّه سمعه يكرر نفس الآية التي سمعها في الإذاعة.. وكأن اليوم هو يومها
قال العم بو حمد: (ولنبْلُوَنَّكُمْ بشيءٍ من الخَوْفِ والجوعِ ونقْصٍ من الأمْوالِ والأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمةٌ وأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
قال إسماعيل بتأثر، وهو يحتضنه بعد بو حمد: إنما الصبر عند الصدمة الأولى.. إنما الصبر عند الصدمة الأولى
الله يصبرنا ويهون علينا.. والله إن أبوك ما له بديل ولا مثيل وخسارتنا كلنا كبيرة.. الله يهون علينا ويصبرنا.. الله يرحمك يا صالح.. الله يرحمك برحمته الواسعة.. ويعوضنا يارب.. الله يعوضنا ويخلف علينا خير
سقطت من محجر ناصر دمعة خانته، وهو يستمع إلى كلام إسماعيل.. بالفعل ليس لوالده مثيل.. لقد كان رجلًا عن قومٍ مجتمعين.. كان فخرًا وعزة
بو حمد: أنا بتصل بالجماعة أبلغهم.. بو ناصر ريال عزيز على الكل ومكانته عالية.. لازم نخبّرهم من الحين.. الله يصبرنا ويرحمه برحمته يارب
انسحب من المكان بعد أن استأذن.. وهو يتذكّر المسؤولية التي تركها في غرفة الانتظار
توقّف بجانب الغرفة واتصل بنوف.. عدة مرات إلى أن أجابت وخرجت إليه مع صفية
مد يديه خلفهن، واحتضنهن.. الاثنتين دفعةً واحدة.. واحدة بيمناه والأخرى بيسراه
وكأنه يعيد عصافيره إلى عش حضنه.. إلى دار الأمان
كان يحتضنهن بعمق، وهو يشعر بثقل الأمانات على صدره، وذمته.. الآن ليس لهن من البشر سواه
وهذه مصيبة أخرى.. زيادةً على الألم ووجع الفقدان.. الأمر الآن أشد مع مسؤولية شقيقاته
صحيح بأنه كان يراعيهن طوال فترة غياب والده، ولكنّه لم يشعر بهذا الثقل قط.. لم يشعر بصعوبة الأمر.. كما يشعر الآن
حاولت صفية الابتعاد عن حضنه: ناصر شو استوا؟ قالولك شي؟
أعادها إلى حضنه مرةً أخرى.. وكأنه يريد أن يمدها بقليل مما آتاه الله من قوة
صمتت هي.. ودموعها تنزل بصمت.. لا تعلم بعد مالذي يحصل.. ولكن الحزن الذي تشرّب ناصر انتقل إلى صدرها
قبل رؤوسهن.. ثم قال: عظم الله أجورنا.. ابويه توفى
صرخت صفية: چذاااااب.. كيف يتوفى؟
قال ناصر بغصة وهو يؤكد الأمر لنفسه ونفسها: توفى حبيبتي.. توفى
قالت صفية بنفس الرفض.. وصوتها يرجف: مستحيل.. كيف يموت؟ ابويه بعده بصحته
ناصر: استغفري ربج.. الموت ما له عمر.. قولي إنّا لله وإنا إليه راجعون
سمع همس نوف وهي تردد بصوت متحشرج: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.. إنّا لله وإنّا إليه راجعون.. لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى
أما صفية، فدفعته بقوة وهي لا زالت على رفضها: مستحيل.. كيف يموت.. والله مستحيل
"كانت دموعها تنزل بسرعة، وغزارة" كيف يموت أبويه؟ كيف؟ كيف بنعيش بدونه؟ مب انته قلت إنه بيعيش؟.. وبنشوفه بخير؟
ترك ناصر نوف.. وأمسك بوجه صفية وهو يمسح دموعها ويقبّلها: أنا قلت.. لكن أمر الله غالب.. الله كتب له يتوفى اليوم.. الله يرحمه ويرحمنا.. صفوي حبيبتي قولي إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم لا اعتراض.. قولي اللهم لا اعتراض.. لا تعترضين على أمر الله
كتمت بكائها وشهقاتها بيدها: اللهم لا اعتراض.. اللهم لا اعتراض
ناصر وهو يتنهد: يارب وأنت الرحمن الرحيم.. اللهم أجرنا في مصيبتنا.. يارب العون.. والرحمة.. يارب
- يتبع -
في المملكة العربية السعودية
الثالثة بعد منتصف الليل
تسلل الشباب واحدًا تلوَ الآخر.. إلى مكانٍ بعيد ومعزول.. ما من شيء يقع قربه سوى خزّانات المياه
كان محاطًا بعدة جدران مهملة، بُنيت بعشوائية وتم نسيانها تمامًا
اختاروا هذه البقعة تحديدًا لأنها منزوية قليلًا وغير مكشوفة لعيون المارّة
كان المكان مظلمًا، سوى من إنارات المعسكر الأساسية على الجدران، والتي لا تتكرّم إلا بشيء بسيط من نورها على تلك البقعة المعزولة
محمد: قلنا الوعد على الثنتين.. قرب الفجر ونحن نحتريكم
سعود: صل على النبي يا ابو عبدالله.. لو إنا لقينا فرصة كان جيناكم من زمان
لكن تسلّط علينا ولد ابليس.. أبو ذا الفرّة.. كلما بغينا نطلع مع الباب شفناه مقبلن علينا
محمد: يا ساتر.. عساه بس ما لمحكم؟
سعود: لا ابشرك من بعّد شوي طلعت أنا والعيال
أومأ محمد بإيجاب والتفت على مشعل: طيب يا مشعل صلح لنا الشاهي خل السهرة تزين
مشعل: أبشر
فتح مشعل عدته وركّبها باحترافية تامة.. كانت عبارة عن مجموعة قطع حديدية.. تبدو وكأنها خردة.. ولكنّها تتحوّل إلى مقودٍ متنقل تحت يدي مشعل الميكانيكية الاحترافية
أشعل ناره باستخدام الغاز المخزن في عبوة مياه والكبريت.. ووضع أبريق الشاهي
مشعل: البضاعة وين
محمد: جبتها لا تخاف مانيب مضيّعها بعد كل هذا
التفت على زميله في الغرفة: يا ولد وين الشنطة؟
فتح تركي الحقيبة ووضعها في النص واشّر بمسرحية: اقلطوا على قل الكلافة
لم ينتهي من كلمته إلا وهجم الشباب عليها.. كل واحدٍ منهم يبحث عن ضالّته.. هذا يدفع يد ذاك.. وذاك يسرق من الآخر.. والبقاء دائمًا للأقوى
سحب سعود القطعة بعنف: والله أكسر ايديك، أنا جايبها ومخاطر بروحي
قال تركي: وأنا مخزنها عندي.. كنت بروح فيها قدام الشايب
سعود: تستاهل أكيد إنك جبت العيد وقمت تتنافض قدامه
تركي: وش أسوي له كان باقي يحلف إنه شافني وأنا اهربها هالكذوب
ضحك محمد: هههههههههههههه أساليبه قديمة مدري كيف مشت عليك
ذا الأسلوب من أيام جدي الله يرحمه.. يكذبك ويضغط عليك إلين تعترف
قضم سعود من قطعة الشوكولاتة: يووووووه يا شيخ يسلم لي هالراس على ذا الفكرة.. الحين يحس الواحد نفسه آدمي.. مهب أكل المعسكر السم
الله يعز النعمة
مشعل: لا تتبطر على النعمة يا ورع.. أحمد الله غيرك مهب لاقي لقمة
سعود: طيب ما قلنا شي.. لكن يا ساتر والله "مد يده إلى فم مشعل" ذق بالله.. جعلني أأكلك من ثمار الجنة قل آمين
مشعل: الله يحوم كبدك يا شيخ.. وأنا وش لي بك في الجنة.. اترك الحور العين واقابل وجهك؟ لا وتأكلني بعد
ضحك سعود: هههههههههههههههه والله إنك صادق.. وش لي بكم.. كفاية مقابل وجيهكم في ذا الدنيا والمعسكر الله لا يعيدها من أيام
قهقه مشعل: الله يجمعنا في الجنة يارب قولوا آمين يا شباب
أمّن الشباب جميعًا.. فأردف مشعل وهو يرفع الإبريق: يالله زان الشاهي.. اللي وده يقول عمي مشعل
محمد: ما ودك احرق وجهك بذا الشاهي يا مشعل
قهقه مشعل: اقول اسكت قدام أكبه واحرق قلبك.. والله ان تبكي تدورلك شاهي تغمس فيه بسكوتك
ضحك محمد: ههههههههههههه لا يا رجال تكفى.. كله ولا البسكوت صارلي شهرين اتحلّم به "مد كوبه" صب بس
مشعل: عنبوها عسكرية قلب حرمة ذا.. وش هالحرمان
سعود: يا رجال كنت بروح ملح على شان جالكسي وبسكوت ابو ولد.. والله إن بطني للآن يمغصني كلما تذكرت العسكري وهو يلاحقني بصفارته جعلها الكسر
محمد: الله لا يعطيه عافية ذا الشايب.. دبل كبودنا بالحراسة من يومها.. مدري وشلون صبرت ولا مديت ايديني
غمز له سعود: خايفن مني لا اقطعها لك
محمد: تخسى قال اقطعها.. الا وشلون نزلك الشايب تركض في الميدان
سعود: نشب في حلقي ذاك العريف لكن هيّن اعلمك فيه.. قال وش رجلين سعود حمر.. وش تبغي بهن رجليني يوم انك تتمقل فيهن
مشعل: وعاد ذالشايب ما لقى غير الجري.. ما يدريبك حصيني مجنون ركض اعوذ بالله
استند سعود على مركاه: اذكر الله يا ورع "ثم ارتشف شاهيه بصوت عالي" جعل ايديك ماتمسها النار يا بو سلمان صدق إن شاهيك يفك العوق
ابتسم صديقه: جعله بالعافية وأنا أخوك
محمد: غمس فيه البسكوت يا ولد والله دمار الطعم
سعود: ياخوي اشغلتنا بذا البسكويت
محمد: بلاك ماتدري بغلاه على قلبي
ان ما غمست ابو ولد في الشاهي، ما شربت شاهي
سعود: ماعليكم منه يا شباب إلا أقول سمعونا، وش قالوا في الشاهي؟
مشعل: يقولك الشاهي خمر اليتامى والفقارى والمساكين، وخمر اللي يخافون ربي
سعود: انشهد والله.. الحمدلله انه حلال.. ولا ما لقينا لنا من يسلينا في ذا البلوة
محمد: يقول الشاعر، انت زينك لو نحطه في بيالة شاهي
قامت العالم تصب الشاهي بلا سكر
**ملاحظة: ابيات محمد ومشعل مجهولة المصدر**
عقب سعود حاجبيه: اعقب وش ذا المصالة؟
مشعل: انشهد.. وش اللي زينك نحطه في بيالة
الركادة زينة وانا اخوك
ضحك محمد: وش دراكم عن الحب واهواله
سعود: اقعد بس.. قال حب.. اسمع بس وش قال سعد بن جدلان رحمة الله عليه
قال احد الشباب: اسلم
سعود: يقول أهل الفلوس تحب الشاهي المر
عشان دنياهم حلاها زيادة
وإلا الطفارى تدبغ الكاس سكر
تبي تخفف به مرار النكادة
محمد: انشهد والله اقول زيد السكر ياخوك.. لابوها عسكرية نشفوا ريقنا ولا ذقنا بعدها حلاوة
مشعل: وش يقول الحصيني طيب، والا ماله قول في الشاهي؟
ركّز سعود نظره في كوبه الورقي وهو يفكر
ثم قال: يقول
قالوا وحيد وقلت إني لاهي
والصدق قليل اللي يشد انتباهي
كلما قبلت خدعني نطقه الزاهي
الوكاد إنه رخيص ولا هو براهي
خذ علم الحكيم وأترك الساهي
يقول قلل الناس، وكثّر الشاهي
وسلامتكم
صفق الشباب بخفة وهم يتتابعون بكلمة: صح لسانك
وضربه مشعل على ظهره بفخر: صح لسانك.. وش هالأبيات الزينة
سعود: جعلك تسلم
محمد: وش الزين أنت الثاني.. قال قلل ناس وكثر شاهي
وش أبي بالشاهي وقلبي مقبرة لا خلان ولا رفاقة
سعود: الشاهي خير رفيق ياخوك
محمد: ايه هين.. إن جتك حرمة تفر راسك والله إن تترك أبوه
قهقه سعود: رايح في خرايطها ذا
محمد: ايه نعم إني صادق.. إن قلنا غزل ماعجبكم لكن المصالة هذي جايزتن لكم
مشعل: خلك رجالن ساطي.. لا تصير رخو وتروح ملح على رموش الحريم
محمد: أقول اترك حكيك الفاضي ويلا نفض المجلس قبل لا يداهمنا أبو وجه
سعود: صادق ما بقى على الفجر شيء.. يلا يا شباب خذوا اللي ودكم والباقي عند أبو عبدالله يدسه عنده بالغرفة والوعد بكره على الثنتين إن زانت والله كتبها
.
*
،
غسّلوا بدنه بالكامل.. من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه
دُهن جسمه بالطيب والكافور.. ثم لُفَّ كامل بدنه بقطعة قماشية بيضاء
لم يظهر منه شيء سوى رأسه
كان نائمًا بسلام.. خارجًا من العالم.. إلى عالم آخر.. غيبي.. لا يعلم عنه أحد سوى الله.. ولم نؤتى من العلم عنه، إلا قليلا
كان ينظر إلى وجهه الخالي من الحياة بحزن.. وجهٌ أصفر.. شفتين تميل إلى اللون البنفسجي.. أمارات لا تدل سوى على الموت
اقترب منه بشفتين ترتجف.. ودموع لم يستحي منها ودّعه.. قبّل رأسه.. ثم كرر القبلات على وجنته، أنفه.. عينيه.. وكتفه.. وما تيسّر له من وجهه
وهو يرتجف ويهمس: الله يرحمك يالغالي.. الله يرحمك.. ويجمعنا في الجنة يا أبوي
لم يكد ينتهي حتى شعر بتدافع الرجال على والده.. يقبّلون رأسه ويودعونه
وما أن انتهوا حتى حملوه جميعًا على أكتافهم.. وتقدّمهم هو بفمٍ صامت أغلب الوقت، لا يرد إلا على التعزية
كانت عيونه محمرة من الدموع.. نياط قلبه تتقطع.. وهو يُكمل مراسم الدفن
والمهمة الأصعب.. أن يترك والده لوحده في حفرة ضيّقة.. وينثر عليه التراب
يحكم إغلاق القبر ويتركه هنا
يُترك ليواجه أعماله.. ويرجو من الله أن تكون صالحة.. كاسمه
تم الدّفن.. وانتقلوا إلى منزل بو ناصر لتتم مراسم العزاء بترتيبات فاخرة.. تليق بوالده وسمعته
كانت يده مرفوعة من أي جهد.. فلقد تولّى أعمامه "اصدقاء والده" كافّة المسؤولية وأدّوها على أكمل وجه
توافد عدد ضخم من المعزّين.. من اصدقاء الوالد والجيران، ومن عمل ناصر ومعارفهم.. كان المجلس الضخم مكتملًا تمامًا
مر الوقت إلى أن غابت الشمس وأظلمت الدنيا، حتى فرغ المجلس والمنزل تقريبًا.. إلا من اصدقائه المقرّبين وزوجاتهم
حمل ناصر أباريق شاي وقهوة جدد.. ليضيّف أعمامه ويكرمهم.. فهذا اقل ما يمكنه لرد جميلهم.. والذي محالٌ أن ينساه ما حيي
لم يقصد أن يمد بإذنه على حروفهم.. ولكن وصلت إلى مسامعه كلمات أثارت استغرابه
كان العم فاخر بن سلطان يقول: ناصر بيسد عن أبوه (أي يسد النقص)
بو حمد: طويل العمر، كيف ناصر يسد عن أبوه؟ ناصر بعده صغير
فاخر بن سلطان: كبير بالعمر، لكن فعوله كبيرة
ناصر صح إنه عسكري لكنه كان تحت نظري طول هالوقت.. ريال وينشد فيه الظهر
إسماعيل: أخافه يرفض
فاخر بن سلطان: الموضوع مب اختيار يا إسماعيل.. المسؤولية تختارنا ما نختارها
والقدر مكتوب.. ونحن نمشي على كفّه
لم يحبّذ فكرة تواجده خلف الباب بهذا الشكل.. هذا التصرّف لا يليق به أبدًا
ورغم شدة فضوله لمعرفة الموضوع.. إلا أنه آثر الانتظار، وسماع الخبر بوضوح
ولذلك دخل بملامح هادئة ولم يعقّب على أي شيء سمعه
قال فاخر بن سلطان بابتسامة: يا ولدي إيلس.. ارتاح.. ليش متعبّل تبدل الدلال وتزيدنا قهوة وشاي.. "اشر على المكان الفارغ بجانبه" تعال ارتاح
قبّله ناصر على رأسه ثم جلس كما طلب: جميلكم على رقبتي يا عمي "ثم وزع نظره على من في المجلس" كلكم ما قصرتوا.. والله ونعم الصحبة اللي اختارها أبوي.. ما قصرتوا.. يزاكم الله خير
فاخر بن سلطان: هذا واجبنا يا ولدي.. أبوك كان أخونا.. وأنت ولده.. ولدنا وولد أخونا.. ولو ما يجمعنا الدم، إلا إن الخير يجمعنا بإذن الله
.
،
عند النسـاء
كنَّ جالسات، بتعب وإرهاق شديدين.. ولو لا الحياء لغادرن المجلس حالًا
كنَّ يؤدين واجب المعزّيات، كالحال في مجلس الرجال.. ولم يتبقى أحد سوى زوجات اصدقاء والدهم
كانت الأحاديث مع نوف وصفية بسيطة.. والغالب كنَّ النساء مع بعضهن البعض لسبب أساسي، وهو انعزال نوف وصفية عنهن ورغبتهنّ الواضحة بعدم الحديث.. إضافة إلى الفارق العمري الكبير
إلى أن بدأن بالمغادرة الواحدة تلو الأخرى.. وخلا لمكان فتنفّسن الصعداء واستلقين في مكانهن
علا فجأة صوت مقبض الباب ينبؤ عن الفتح، عقدن حواجبهن باستغراب.. فدخلت امرأة
كانت المرأة مغطاةً بالكامل بعباءة رأس ونقاب أسود حالك.. بجانبها شابة تُشبهها في الهيئة، ولكنّها كانت اقل سترًا.. وتبدو بهيئة أصغر وعمرٍ أصغر
سلّمت المرأة على صفية التي كانت في اليمين وعزّتها، ثم تعلّقت عيونها بنوف.. مدّت نوف يدها، وقرّبت خدّها تسلم عليها برسمية رغم أن المرأة لم تؤدي واجب العزاء لفظًا كما يجب.. ولكنّها تغاضت عن الأمر.. لتنتهي هذه الزيارة وحسب
ولكن المرأة أبت ترك يدها بغرابة تامة
عقدت نوف حاجبيها وهي تنظر إلى عيون المرأة المُسنّة، والمتلألأة.. وكأنها تكتم الدموع
قالت نوف بمجاملة وهي تحاول سحب يدها: يزاج الله خير
ولكن المرأة لم ترد.. ولم تترك يدها، ولم تقطع حتى تواصل العيون
قالت نوف: لو سمحتي.. ايدي
ولكنّها أبت وبقيت على نفس الحال
قالت صفية باستنكار وهي تحاول سحب يدها: هدي ايدها.. بسم الله.. شو فيج؟
"ثم التفتت على نوف برعب" بسم الله شو بلاها هذي ليكون هذي ساحرة؟
قالت الشابة بجانبها: وش هالكلام الله يصلحج؟ عيب هذي حرمة كبر أمج
نوف: اسمحيلنا أختي.. بس شي بلاها الوالدة؟
تنهّدت الشابة وهي تنظر إلى والدتها بحسرة.. والتي كانت وكأنها متجمدة في مكانها.. همست لها: يمه
لم ترد عليها المسنّة، ولكنها نطقت بصعوبة، وبصوت متحشرج تحادث نوف برهبة: عيوني ما تخطيتس
قالت نوف باستغراب: نعم؟
وضعت المرأة راحة يدها على وجه نوف بحنان: ايه والله إنها ما تخطي
التفتت نوف على الشابة مرة أخرى: أختي شو فيها الوالدة؟ مشبهه؟ شو يعني عيوني ما تخ…..
لم تكمل حديثها.. قطعه احتضان تلك المرأة.. بل أنها سحبتها بقوة وأحكمت القبضة عليها بين أحضانها
لم تتركها أبدًا.. لم تتركها تتنفّس أو تسمح لها بالتساؤل.. كانت تُشبع شوقًا غامضًا تفضحه تنهداتها.. وحنانها الذي يفيض من مقلتيها
سمعن صوت ناصر عند الباب: هود هود
علا صوت نوف بارتياع: دقيقة.. ناصـ.. "ولكن المرأة قاطعتها للمرة الثانية" وعلا صوتها الأخرى
المرأة: اقلط ناصر
لم يدخل ناصر.. ولم تنتظره هي من الأساس.. بل خطّت قدميها الضعيفة إلى الباب تفتحه بنفسها
ظنّها ناصر زوجة أحد اصدقاء والده.. ولذلك أخفض بصره وسلّم عليها لفظًا.. ولكنّها اقتربت منه.. بل تجرأت ومدت يدها إليه تسحبه للداخل.. ثم بدأت بتمرير يدها على وجهه.. والأدهى من كل ذلك أنها احتضنته بنفس الحرارة.. وسط صدمة الجميع
كان يحاول أن يبعدها عنه.. ويعتذر بلطف.. ولكنها أبت بل أنها تمسّكت به أكثر.. كان يحاول ألا يكون وقحًا، إلى أن ضاق ذرعه وقال بصوت غاضب: شو بلاج يا حرمة تخبلتي؟
ردت صفية تشتكي: مادري شو فيها هالحرمة من يوم يت وهي تسوي اشياء غريبة وتتلزق بنوف.. أنا زايغة (خايفة) منها والله!
أحكمت الإمساك بوجهه وأخفضته إلى مستواها لتقبل أنفه رغمًا عنه: ما تخطيكم عيوني يا حبيبي.. ما تخطيكم العين ولا يخطيكم القلب يا نظر هالعين.. يا حبيبي يا ناصر.. أنا أمك يا وليدي.. أنا أم ناصر
أبعدها ناصر بجزع: أنتي شو تقولين.. أنا أمي متوفية من زمان
قالت بعيون دامعة: قتلها أبوك وأهله.. وإلا أنا ما مت يا وليدي.. عشت على ذكراكم.. وأمسي كل ليلة وأنا أبكيكم
لم يصدّقها ناصر.. كانت عيونه معلّقة بها.. تكذّبها.. بصمت.. شعر بثقلٍ في لسانه، ماتت الحروف في جوفه، ولم يستطع التعبير إلا بالنظر
قالت المرأة بصوت باكٍ بتأكيد: أنا أمك يا وليدي
- يتبع -
Like
قصصية
,
تالا الاموره
,
ام احمد ورؤى
and
4 others
like this.
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#12 أضافة تقييم إلى تثريب تقرير بمشاركة سيئة
قديم 18-04-24, 05:55 PM
الصورة الرمزية تثريب
تثريب تثريب غير متواجد حالياً
التفت ناصر بعدم تصديق على نوف.. وكأنه يريد منها إجابة، أو وجهة نظر
ولكنها لم تكن بحالٍ أحسن منه.. كانت نوف تشعر وكأنها مصابةٌ بالحمى.. وكأنها مغيّبة.. في حالة هذيان بدون سخونة
كانت دموعها تتهاطل من محاجرها.. أكثرها مكذّب.. وجزء صغير فيها يصدّق.. أو أنه يريد التصديق
جزء نائم.. أيقظته هذه المرأة بكلامها.. وبصوتها.. ونبرتها الباكية
في قلبها ركنٌ خامل قد استيقظ للتو.. ركنٌ بالٍ لم يذُق دفئ الأم.. ولم يعرف يومًا ماهية ذاك الشعور
كانت شهقاتها تتزايد وهي ترى ناصر يتنعّم بحنانها، رغم رفضه.. وهو تحت الصدمة مثلها
حتى دفع يدها بقليل من العنف، والرعشة بادية من صوته، وحركة يده غير المستقرة
قال برفض: شو هالمصخرة؟ الله يستر عليج يا حرمة توكلي
قالت الشابة معها، وعيونها تؤازرهم بالبكاء: أمي ما تكذب
وكأنهم انتبهوا للتو إليها.. رفعت المرأة غطاء الشابة: هذي ناعمة.. سميتها بحرف النون مثلكم.. شبيهتكم.. حتى اللي ما يعرفكم ما يخطي بأخوّتكم
جبتها بعد نوف.. وهذاهي خذت كل ملامحها.. كنها تذكرني بأن لي قلبن معلّق في الامارات
"شهقت وهي ترتجيه" أنا أمك يا ناصر لا تكذبني طلبتك.. لا تحرمني منك مثل ما احرموني
تحوّلت كل الأنظار على ناعمة بتفحّص.. والتي جزمت الأمر كله.. فالتكذيب هنا مُحال.. كانت ناعمة نسخة من نوف.. بل تكاد تكون توأمها
تشابهها باللون، والملامح، والهيئة حتى
حينها قالت صفية وهي تتمسك بنوف: لا.. چذابين لا تصدقونهم.. والله چذابين مبين
يقولون هالكلام يبون ياخذونكم مني.. يبون يفرقون بينا لا تصدقهم الله يخليك
قال ناصر بجزم: مسرحية وطالت أكثر عن اللازم.. تفضلي يا حرمة وشلي بنتج وياج لو سمحتي
قالت ناعمة: ناصر اسمعها.. هذي أمك.. ما يجوز هالكلام الله يصلحك
ناصر: لا تعلميني باللي يجوز وما يجوز.. شلّي أمج والله يستر عليكم
ناعمة برجاء: ناصر طلبتك.. ما تدري أمنا وش سوّت عشان تجيكم.. طيب اسمعها اقل شي.. لا تكسر قلبها طلبتك
قال وهو يحاول التماسك والجمود: أنا اللي أعرفه أمي توفت وأنا ولد ماتعديت 4 سنين.. غير هالكلام ماعرف
تفضلي بارك الله فيج دام للحين في النفس ذرّة صبر
عقدت ناعمة عيونها بعيون ناصر.. والتي تتشابه كثيرًا مع عيونها.. ولكن ناصر لم يغيّر نظرته أبدًا.. بل زادت حدّيتها ورفضها
مما دفعها لأن تُنزل غطاء وجهها.. وتمسك ذراع والدتها وهي تقول: يالله يمه
قالت أم ناصر بنبرة متحشرجة: اسمعني طيب يا ناصر.. عطني فرصة احكي لك
ناصر: والله مادري صدقج من چذبج.. مادري كلامج صدق والا تمثلين والا تستهبلين
لكن في كل الحالات مب مرحّب بج حتى لو كنتي أمي صدق.. لأن ما ظن فيه عذر يشفع لأي حرمة إنها تهد عيالها 23 سنة
أم ناصر: كنت مجبورة يا وليدي.. يومنّي تطلقت رجعت عند أبوي وعماني.. وشلون أبجيكم؟
قال ناصر بنبرة حادة: ويوم رديتي عند ابوج ماقدرتي تزورين عيالج؟ ما بقولج كل أسبوع ولا كل شهر.. عنبوه كل سنة؟ كل سنتين؟ ما رمتي ترفعين عليهم التلفون تسألين عنهم؟
أم ناصر: امنعوني عنكم.. والله غصبًا علي.. زوجوني يمه.. المرة في قبيلتنا ما تقعد مطلقة.. زوجوني أول ما طلعت من العدة
حتى الجية هذي والله إني دفعت ثمنها كثير.. لكن قلت الكثير بحق عيالي قليل
ناصر باستهزاء: كثر الله خيرج.. زين يوم فكرتي تدفعيلنا شوي من جيبج
ليتج وفرتيه لبنتج ناعمة.. وعيالج الباقين.. أكيد يبتي درزن عقبها
بس اسمعيني عدل.. انتي ما لج عيال عندنا، ولا نعرفج.. توكلي الله يحفظج.. ولا تفكرين تمرّين علينا مرة ثانية
شاهدته يتحدّث، ولغة جسده لا تشابه حروفه أبدًا.. كانت كلماته قاسية، ولكنه يبدو ضعيفًا ومرهقًا
حاولت البحث عن قليل من الحنية في عينيه، أو أملًا بالسماح، ولكنّها لم تجد سوى السخط
حرّكت عيونها إلى عيون نوف الغارقة بالدموع
نادتها برجاء: نوف يمه
ولكن نوف لم تكن كناصر.. نوف أرق وأنعم، وأضعف من أن ترد والدتها
اختصرت المسافة وركضت إليها.. دفنت نفسها في حضنها وهي تجهش من البكاء وتختنق بشهقاتها.. وتسعل
ومع كل سعلة تشعر بيد والدتها على ظهرها تربّت وهمساتها تتكرر "بسم الله عليتس يمه"
كانت هذه الهمسات كفيلة بإسقاط كل حصونها.. بكت بصوتٍ عالٍ.. لا تستطيع حساب المدة التي قضتها بين كتفي الحنونة
رفعت نقابها ولثمت وجهها، وعباءتها، كانت تغمر أنفها في رائحتها التي تفيض دفئًا وحبًّا
كانت كالمجنونة تحاول سرقة ما يمكنها من حنان
كان المشهد مؤثرًا على الجميع.. حتى ناصر الساخط.. رقَّ قلبه وكان يعيش التناقض بصعوبة.. ويمنع نفسه من مشاركة نوف بصعوبة أكبر
الأيام هذه من الأساس صعبة.. وتواجد والدتهم في الوقت الحالي لم يزدها إلا إرهاقًا
ناداها ناصر بمحاولة للتماسك: نوف
توسّلت إليه نوف بصوت يرتعش: شوي بس.. شوي بس دخيلك
احتضنتها أكثر.. وهي تزيد بالقبلات وحرارتها.. شدّت على يديها.. خشيَت على هذه العجوز أن توجعها.. فخففت قبضتها.. ولكنها لم تبتعد ولو بقدر إصبع
حتى هدأت شهقاتها.. واستكنّت نبضاتها
أمسكت بوجهها تتأمله لبرهة من الزمن.. وكأنها تحفظ ملامحه
ثم ابتعدت ببطء شديد.. حاولت المرأة أن تمنعها وتمسك بها.. ولكنها أصرّت على الابتعاد.. حتى فارقت جسمها تمامًا
فكان هذا أصعب فراقٍ لها على الاطلاق
شعرت نوف بأنها تركت ذلك الركن المنسي في قلبها مع هذه المرأة، وبات الآن فارغًا ولا يشغل أي حيّز من الفراغ
أخذت ما يمكن أخذه من مشاعر.. وحب فائت.. لتكنزه للمستقبل.. ونهضت.. ثم التصقت بناصر مباشرة
قالت أم ناصر بضعف: يمه نوف
قالت نوف بصوت يرتجف، ودموعها لم تتوقف أبدًا: أمي الله يرحمها
وغادرت المكان مباشرة.. لانها لا تضمن بأنها ستستطيع مقاومتها أكثر.. لا تضمن الصمود أمام رغبتها الملحّة بالاختباء داخل هذه العباءة وبين طيّات هذا الثوب
كان الألم شديدًا.. خانقًا.. محكِمًا الإغلاق على حنجرتها لدرجة أنها تشعر بأنها ستلحق بوالدها حالًا
الأمر أصعب مما يمكن تخيّله.. هل يُمكن للحياة أن تصعب أكثر؟ هذا كان تساؤلها وهي تركض على الدرج
وما أن وصلت سريرها حتى انهارت من البكاء
كيف تكون لها والدة، وهي عاشت كل هذا اليتم والضياع؟ فتاة بين ذكريْن
طفلة بدون لمسة أنثوية، مراهقة تائهة.. لا تجد قبلة تسألها.. شابّة وحيدة
حتى صفية أختها جاءت متأخرة جدًّا، وتصغرها كثيرًا
عاشت كل هذا النقص بينما كانت لها والدة تغمر أخوتها بالأمومة، ولا تبخل عليهم بالحنان.. وهي هنا تقاسي كل تلك الصعوبات
صحيحٌ ما قاله ناصر.. ما من شيء يشفع لها
قد تستطيع مسامحتها لو كانت سنةً أو اثنتين.. لكن كل هذا العمر.. كثير
محالٌ أن تستطيع مسامحتها
ضربت وسادتها بغضب، وألم.. لأول مرة تشعر نوف بكل هذا السخط.. لأول مرة تشعر بهذا الكم الهائل من المشاعر
تشعر بأن قلبها انتفخ وسينفجر.. لا تظن به طاقة ليحتمل أكثر
سمعت طرقات على الباب.. وخطوات تمشي بتردد.. يد ترفع الغطاء، وتشاركها اياه.. تحتضنها وتبكي معها
كان هذا كل ما تحتاجه
مؤازرة
قالت صفوي بعد مدة: يوم سرتي حضنتيها.. تحرّيتج اخترتيهم.. وبتخليني
ابتسمت نوف وسط دموعها على غيرة شقيقتها، وتفهمتها
مسحت دموع شقيقتها وقبلت خدها: اختار منو صفوي؟ أنا ماعرف غيركم.. انتي وناصر وابوي الله يرحمه.. أنتوا كل حياتي ولا لي غيركم
صفوي بشعور قد كتمته طويلًا: لأن عندج أم.. وشكلها أم صدق.. وتحبكم مب مثل أمي
خفت تختارينها وتسيرين
نوف: للأسف أنا ما اعرف ولا جربت معنى الام الحقيقية عشان احكم.. بس صدقيني ما في أم زينة تهد عيالها صفوي.. وأنا مستحيل أخليج لو عندي خمسين أخو وأخت
صفوي: مب شرط اللي تبا عيالها بعد زينة.. أكبر مثال أمي.. مادري ليش تباني
تنهّدت نوف: صح كلامج.. خلاص صفوي حبيبتي.. أنسي.. أنا وأنتي وناصر عشنا طول عمارنا بدون أمهات وكبرنا.. والحمدلله.. الله ويانا وأبوي الله يرحمه ما قصّر ويانا.. مب محتاجينهن الحين
قالت صفوي بصدق: لو ما كنتي أختي كنت بقولج سيري لهم.. أمج تبين طيبة وشكلها تحبكم.. بس أنا ماقدر اتخلى عنج
نوف: أنسي هالكلام
صفية كانت مرتعبة.. تتحدث وكأنها لا تسمع سوى صوت افكارها: طلع عندج خوات.. بس أنا ما عندي حد غيرج نوف.. لا تخليني الله يخليج
احتضنتها تطمئنها: مستحيل أخليج.. مستحيل.. أنا وأنتي ما لنا غير بعض.. كبرنا مع بعض وتربينا مع بعض
قلتلج أنا ماعرف غيركم.. ولا ابغي اعرف غيركم
يوم إني عشت 23 سنة بدون أم.. اقدر اكمل الباقي بعد بدون أم
صفوي: فقدت أبوي أمس.. خفت أفقدكم وانجبر أرد للروسية.. والله أموت ولا ارجع لها
نوف ابتسمت: صدقيني ناصر بيدفنها ولا بيردج لها.. لا تحاتين
جلست صفوي وهي تشاهدها بأسف: آسفة.. ساعات أحس إني أنانية
أحسج وايد تعبتي اليوم وأنا بدال لا اراضيج واخفف عنج خليتج انتي تراضيني وتخففين عني
تنهّدت نوف: الليل طويل يا حبيبتي.. ولا اظن للعيون شهوة نوم
نهضت صفية من مكانها.. تناولت دفترًا فخمًا وقلمًا من المكتب.. اضاءت الاضاءة الجانبية، ومدت الدفتر والقلم لنوف: اكتبي.. ما بترتاحين إلا إذا كتبتي
حدّقت بها نوف بعين دامعة.. متى كبرت صفية لدرجة أنها بدأت تفهم احتياجاتها؟ وتؤازرها في همّها ومصابها؟
ولكنها لم تطعها.. بل وضعت نوف الدفتر على الطاولة الجانبية.. وأغلقت الاضاءة.. ثم سحبت صفية إليها: مابغي اكتب اليوم.. خلينا نرقد مثل أول، متحاضنين.. قبل لا تستوين خقاقة وتنتقلين حجرة بروحج
.
،
جالسًا في مكانه.. لم يتحرك ولا بمقدار شبر.. كان ينظر للا شيء أمامه
يفكّر بالتي غادرت منذ قليل تجرجر خيبتها معها.. بالأصح.. بالتي أُجبرت على المغادرة، من قبله هو بالتحديد
شاهد كسرة عينها، والله وحده أعلم بما في القلب
ابتسم باستهزاء.. تُقسم أشد الأقسام بأنها والدته، وهل يمكن للمرء أن ينسى أمه؟
أربع سنين قضاها بين أحضانها، كانت كفيلة بأن تحفرها في ذهنه
وجهها وإن تجعّد، عيونها ولو ضعفت، صوتها وإن تغيّر
فإن الأساس ثابتٌ في قلبه
لقد عرفها.. منذ مدّت يدها وتجرأت على وجهه
قارن فارق العمر البادي ما بينها وبين والده.. كانت وكأنها تكبر في العام، ثلاثة أعوام
وبقدر شوقه لها، وغبطته لنوف، على التنعّم بأحضانها، إلا أنه متألم لرؤيتها
لقد كان الألم أخف وهي ميّتة
كان فقدانها وجعًا مزمنًا.. ولكن معيشتها جرحٌ حارقٌ لا يزيده إلا عذابًا
يشعر بأنه أناني لرفضها ونبذها.. ولكنّها وسيلة الدفاع الوحيدة التي يمتلكها الآن عن نفسه وعن شقيقته
نعم يستطيع خداع نفسه، وخداع نوف والاستسلام لرغبته ولها.. ولكن الواقع ليس بهذه السهولة
هذه المرأة ليست والدته الحنونة التي عرفها منذ 23 سنة.. هذه امرأة متزوجة، عليها مسؤوليات والتزامات، ولديها ما يعلمه الله من ابناء وبنات، وعائلة.. باختصار لديها حياة.. وهم ليسوا سوى جزءًا مهمّشًا من تلك الحياة
ومن المحال أن تترك هذه المرأة حياتها لتختار الهامش هذا
هي أتت لنبش جروحهم وحسب، أتت لتذيقهم فتاتًا من الأمومة، وترحل.. فتاتًا لن يسمن ولن يغني من جوع
ولعلّها تريد أن تُسقط حقها عليهم أمام الله.. وتكون بريئة من ذنبهم.. وحسب
.
،
وضعت والدتها على الفراش، بعد أن حاولت عشرات المرّات أن تطعمها.. ولكنّها مصرّة على الرفض
شاهدتها تغمض عينيها، ولكن دموعها لم تنفك تهطل منها
قالت وهي تمسح دموعها: يمه تكفين.. لا تبكين.. كفاية عليك كل هالبكي قطعتي قلبي
قالت وكأنها لا زالت عالقة في ذاك المشهد: شفتي ناصر يمه؟ بسم الله عليه وش زينه
حيرني فيه هالولد.. كنه يشبه خالتس أبو عبدالله؟ والا أبو شادن؟ تشوفينه يشبه من أكثر؟
قالت ناعمة بغصة: الا هو نسخة خالي أبو عبدالله
هزت والدتها رأسها بتأييد: هذا قولي من شفته
ناعمة: يمه أنسيهم.. هم ناسينتس، وما يبونتس.. انسيهم.. طلبتتس يمه
قالت أم ناصر باستنكار: هاو وشلون أنسى عيالي مهبولة أنتي.. "ثم أردفت بحب" والا نوف وش زينها؟ قمر بسم الله عليها.. أنتي وخواتتس تشبهنها كثير
قالت ناعمة تعيدها للواقع: يمه بكره يجي خالي ويرجعتس معه.. أنسي يمه وعيشي خلاص.. كفاية عذاب.. منتيب عايشة لا هنا ولا هناك ما يصير.. اقلها عيشي مع أخواني يمه
إذا قلبتس ذابحتتس من الذنب لا تظلمين هذول بعد يمه طلبتتس
اختصرت عتابها الطويل بقليل من الكلام: لا صرتي أم تفهمين
ضحكت بسخرية: أي أم يمه وأنا كل يوم هاجة من رجّال
أم ناصر: والله مدري يا بنتي.. يقولون المرة الأولى أنت مظلوم، والثانية انت مظلوم، لكن هذا زوجتس الثالث يمه ولا أنتي بمرتاحة.. وش بلاتس ما تزين حياتتس مثل المسلمين؟
ناعمة: تكفين يمه لا تصيرين مثلهم.. أنتي أدرى بي يمه.. شوفي الساعة كم دقت ولا جا.. ولا بيجي إلين يكبر للفجر
أم ناصر: طيب علميه.. فهميه.. انصحيه.. الرجال والمرة يتناصحون مابينهم
ناعمة: ما ينفع فيه لا نصح ولا زعل.. ميت ولا به إحساس
إذا طولت بالهرج قال صخي حشرتينا
تنهّدت أم ناصر: الله يستر عليتس يمه ويصلح بيتتس
ناعمة: آمين يمه.. بس تكفين فكينا من هالسيرة وخلينا نمسي بس
،
.
ما أن شعرت بأنفاس من تجاورها تتغير وتستكن في النوم، حتى غادرت السرير.. لقد حاولت النوم كثيرًا.. ولكن الافكار لم ترحمها أبدًا، ولا الهواجيس
والصداع فتّك برأسها
نهضت بتثاقل.. وهي تمسح دموعها.. حاولت تجاهل افكارها والنوم.. ولكنّها لم تستطع
بحثت عن مسكّنات.. أخذتها وتجرعت الماء
ثم اتجهت إلى غرفة الملابس وبدأت تبحث في الأدراج.. فتحت هاتفها وسلّطت "الفلاش" على الملفّات.. وبدأت عملية البحث المُرهقة.. والتي تكللت بالفشل تمامًا
جلست في مكانها على أرضية الغرفة الباردة بيأس وتعب.. وهي تكتم شهقاتها.. وتُبعد خصلاتها المبللة عن وجهها
تفكر.. تفكر كثيرًا
ما بال تلك المرأة.. لمَ أتت فجأة.. وما قصة الشابة معها؟ ولمَ أُخفي الأمر عنهم
تساؤلات كثيرًا لم تزد صداعها إلا سوءًا
حتى طرأت ببالها فكرة جنونية
اتجهت مباشرة إلى مكتب والدها، المكان المحظور على الجميع
بدأت تفتّش في الأوراق.. تبحث عن صندوق الأوراق الثبوتية
بحثت كثيرًا إلى أن وجدت ضالّتها
سمعت صوتًا: شو تسوين؟
رفعت عيونها بخوف.. لا تعلم لمَ.. ولكنّها شعرت وكأنها سترى والدها حالًا ويزجرها كعادته
فوالدها لا يغضب أبدًا إلا إن دخلن مكتبه هذا.. ولا يزجرهن إلا إن مددن أيديهن إلى ورقة من أوراقه
ولكن المتحدّث لم يكن سوى ناصر
مسحت دموعها بظاهر كفها: ادوّر
اقترب منها وقال بهدوء، يعاكس غضبه منذ ساعات: شو تدورين فهالليل؟ ليش ما رقدتي؟
نوف: أي نومٍ والعقل يعمل بلا توقّف؟
تنهّد ناصر وجلس على أحد الكراسي: شو تدورين؟
قالت بصوت متحشرج: شهادة ميلادي
قال باستغراب: ليش؟
نوف: ناصر شو اسم أمنا؟
قال ناصر بتلقائية: عوشة عبيد
قال بخوف من فكرتها: في السعودية ما يسمون لا اسم عوشة ولا عبيد
أعاد ناصر قولها.. وهو يفكّر.. وكأنه للتو ينتبه إلى ما ترمي إليه: صح.. في السعودية ما يسموون لا عوشة ولا عبيد
نهاية الوزر الثاني