الفصل 23
الفصل التاسع
الجزء الثاني
بدر : غيره ؟ ايش الاسباب اللي ممكن تخلي فيه بينك وبينها غيره مثلاً ؟
ارجوان : ما اعرف يمكن لأنها جريئة وتسوي اللي تبغاه بدون خوف وما تهتم بالعواقب !! او يمكن لانها تشوف امي وانا لا !
بدر : طيب ليش ماكنتي تروحي معاها !
ارجوان : مدري .. تتوقع ليش ؟
بدر : الجواب عندك !
ارجوان بتفكير : مدري يمكن .. يمكن خوف !
بدر : ايش اللي كان يخوفك ؟
ارجوان : الضرب !! او اخاف انحرم من المصروف او انحبس بالبيت بالويكند ! اشياء كثيره ممكن تخوفني .
بدر : وارجوان ؟
:هي جريئة ماتخاف من شيء ، لا عقاب ولا حرمان ، ماكان يهمها الا اللي بتسويه هي .
بدر طأطأ رأسه بتفكير ، ثم عاد للنظر إلى ارجوان التي سندت رأسها على الكرسي ونظراتها توحي بأنها تبحر بفضاء افكارها ..
مازال بدر لا يفهم هي من تكون بالضبطت في هذه القصة ؟ اهي ارجوان ام اخت ارجوان ؟ لمَ لا يشعر بالراحه من طريقة سردها للقصة ؟ ، قطعت هذه الافكار ارجوان : ما حتسألني عن شيء ؟
بدر : انتِ يسليك اسلوبك بالسرد بذي الطريقة ؟
ارجوان : مافهمت !
بدر : انتِ مين فيهم ؟ ارجوان ولا اخت ارجوان ؟
ارجوان تنفست بعمق ثم قالت : ما ادري .. تدري اني ماصرت افرق اذا كانت حياتي حقيقيه ولا حلم ؟ ، انا مو مستوعبه كيف صار كذا بغضون يوم .. من شخص لشخص ثاني !!
بدر جلس صامتاً ينظر إلى الحيره الواضحة بعينيها , لا يبدو أنها تكذب كما توقع أو انها تخترع هذه القصة للتسلية , كما أنه لا يملك الحق بإعتبارها تمتلك شخصية مزدوجة لأنه لا يملك التفاصيل الكافيه عن قصتها .. لكن لمَ الحزن بادٍ عليها دائماً ؟؟
بدر : ارجوان .
نظرت إليه ليلمح الدموع بعينيها , تحدث بهدوء : ابوك ليش كان يمنعكم من أمكم ؟
ارجوان : حب تسلط يمكن ! او فرض رأي ؟ ما اعرف بس اتوقع اني كنت اصغر من اني افهم المشاكل اللي حولي !
بدر : طيب ما كان عندكم أهل يزوروكم ؟ شخص يقرب لامك على الأقل يحاول يخليكم تتواصلوا معها ؟
ارجوان : اللي أعرفه ان عندي عمه وحده بس اما امي عندها اخوان لكن ما ندري عنهم لأنهم مستقرين برا السعوديه .. وعمتي بحياتي كلها ماشفتها إلا ثلاث مرات وانا صغيره مرة بعدها صارت بينها وبين ابوي مشاكل كبيرة لدرجة انهم تقاطعوا وماعاد شفتها .
بدر : معليش عالتطفل بس ايش سبب المشكله ؟
ارجوان عقدت حاجبيها تحاول التذكر : حسب اللي فهمته لما كبرت إن جدي لما توفى ترك ورث بس ابوي اخذ كامل الورث له وجحد عمتي .
بدر عقد حاجبيه : عمتك مارفعت قضية تطالب بحقها ؟
ارجوان ابتسمت بمرارة : ما اعرف بس حسب ما عرفت ان عمتي انسانه ضعيفه مرة .
بدر : طيب , ارجوان ايش صار عليها ؟ لما زارت امك وقلتوا انها طلعت مع ولد .
بكت ارجوان دون سابق إنذار تعض على شفتيها بألم .. غطت وجهها وظلت تبكي ..
مد لها بدر علبة المناديل قائلاً : خذي نفس عميق وتنفسي بشويش لين تهدي ..
مسحت دموعها وظلت تحاول العودة لهدوئها ولكن كان من الواضح عليها جداً أنها تجاهد نفسها لكتم بكائها المُر .. قامت بسرعة وأخذت حقيبتها قائلة : انا لازم أمشي .. أمي ماتدري اني جايه هنا .
اسرعت بالخروج قبل أن يصرّ بدر على بقائها , لكنه بنهاية المطاف قال : أبغى اشوفك مرة ثانية ارجوان .
نظرت إليه بسرعة وهزت رأسها بإيجاب وأغلقت الباب خلفها , ليضع بدر يديه المتعاقدين تحت ذقنه هناك حلقة وصل ناقصه بهذه القصة او ربما .. حلقاااات .
أطفأ المسجل الصغير الذي كان يسجل حوارهم وعاد ليستمع إليه ممسكاً بقلمه ويدوّن ملاحظاته واسئلته والفراغات الناقصه بهذه القصه .. مستخدماً علامات التعجب والإستفهام بشكل كبير جداً .
*****
عصر يوم الجمعة , بالواجهه البحريه ..
نظرت إلى هاتفها ، مرت أيام كثيرة دون اي اتصالات ، الوضع هادئ بشكل مخيف ، لا تشعر بالخير بل هناك خطب ما ..
ليست من العادة ان يبقى الهاتف صامتاً اكثر من يومين دون احداث تذكر او مشورات ، خصوصاً ان امر ذلك المكبل لم ينتهي ، لكن لم تتلقى الاوامر وهذا مُريب ..
هل ستُترك في منتصف الطريق ام ماذا ! وضعت هاتفها بالحقيبة وتنهدت ..
وأخيراً وقفت امام دورات المياه العموميه الخاصه بالرجال ، ودخلت .
ليخرج بعدها شخص يرتدي ملابس رياضية يحمل بيده حقيبه كبيره على الظهر .. مرتدي نظارات شمسية ويخفي خصلات شعره بقبعه ..
وقف بجانب دراجة نارية اخرج من جيبه محفظة جلدية سوداء اللون .. ليتفقد محتواها وبعد ذلك بدل قبعته بالخوذة وركب الدراجة النارية ليمضي بسرعة جنونية بين زحام السيارات ..
مر من جانب شرطة المرور الذي اوقفه وهو ينظر إليه بتمعن , الشرطي : الرخصة والإستمارة .
امسك بحقيبته وأخرج رخصته واستمارة الدراجة النارية واعطاه للشرطي , نظر الشرطي إليهما وهو يقرأ الإسم : فيصل .. نزّل الخوذه .
خلع الخوذه ونظر للشرطي .. ظل الشرطي ينظر إلى الصورة الموجودة بالبطاقة ووجهه لثوان طويلة وبعدها اعاد له اثباتاته قائلاً : خفف السرعة وتوكل .
حرك دراجته بسرعة دون ان يتفوه بكلمة محكم بقبضته بقوة راص على ثناياه عاقداً حاجبيه ونظراته حاده جداً وافكاره متربصه .. أنفاسه متبعثره جداً .. أوقف دراجته النارية بقوة حين وصل إلى وجهته نزل من الدراجة ووضع خوذته عليها , أغمض عينيه وأخذ يزفر بقوة , مشى بخطوات غاضبه قاصداً هذا المكان الشبهه مهجور .
\\
بالداخل كان التعب قد تمكن منه وجسده منهك جداً يظن أن ظهره قد تكسر من فرط الألم والأيام التي بقي فيها على حاله .. المكان اصبح برائحة لا تطاق بسبب أنه اصبح يقضي حاجته بدلو موجود بالغرفه .. لم يعد يطيق نفسه أيضاً .. يريد الإستحمام وتبديل ملابسه التي بدأ يتغير لونها .. شعره الذي طال وذقنه ووجهه الشاحب ..
يشعر بأن جسده يتآكل لكنه لا يستطيع الحراك .. مكتف ومربوط على كرسي لعين ..
سمع صوت الباب يفتح , حاول الصراخ .. الإستنجاد .. التحدث والحراك .. حاول تحريك نفسه بالكرسي .. اصدار أي صوت ليُعلِم عن وجوده , دموعه تواترت بمحاجره , أصبح يبكي بلا حولٍ له ولا قوة .. مازال يقاوم , يحاول .. لم يستسلم أبداً ولكن الخوف يسيطر عليه من وحشة المكان ..
فُتح باب الغرفة التي كان يجلس فيها .. لكنه سرعان ما انغلق , المدعو بفيصل لم يستطع تحمل الرائحة بمجرد ان دخل المكان اقفله مجدداً يحاول استيعاب الرائحة .. وأخيراً عاد ليفتح الباب وهو يرتدي كمامه , وهو ينظر إليه بعينيه الدامعتين ..
اقترب منه نظر إليه بإبتسامة انتصار بدت بعينيه : تعبت من الجلسه ؟ تبي اطلعك من هنا ؟
هز رأسه بألم , جلس فيصل امامه على الكرسي : مع ان ماصدرت اوامر بشيء يخصك بس تدري ؟ ودي اتسلى فيك لين اشفي غليلي ..
اقترب منه قليلاً : راح نلعب لعبة واذا جاوبتني الجواب الصح راح افكك , لو جاوبت الجواب الخطأ "صوب بأصابعه على رأسه واطلق صوت يقلد صوت طلق الرصاص" بتلحق اخوياك .
جلس هو يصدر أصواتاً ليفتح اللاصق عن شفتيه لكن فيصل لم يكترث به بل استند على الكرسي عاقداً يديه قائلاً : تعرف سبب وجودك هنا ؟
هز رأسه بالنفي .. فيصل بضحكة : خطأ , مافي شخص مايعرف ذنوبه , طيب تعرف مين انا ؟
اومأ رأسه بإيجاب , ارتفعت إحدى حاجبي فيصل : والله ؟ طيب مين انا ؟
اغمض عينيه ودموعه تسيل يحاول التحدث لكن اللاصق يعيقه ..
فيصل ببرود : إي إي ابكي دم يمكن أحن عليك .
وبعد لحظات عقد فيصل حاجبيه وصغر عينيه ينظر إليه ثم قال بحذر : جد تعرفني ؟
هز رأسه بالإيجاب مجدداً وهو يحاول اصدار الأصوات .. فيصل : مين انا ؟
حاول التحدث مرة أخرى , فيصل : لالا مستحيل كيف تعرفني (ثم اخذ يحدّث نفسه) لو يعرفني انا ما اقدر اخليه .. آه ايش اسوي ؟
ثم عاد ينظر إليه بغضب .. ليش تطلع اصوات غبيه ليش ماتجاوبني زي الاوادم ؟؟ ليش تلعب بأعصابي !!
سحب اللاصق بقوة لدرجة جعلته يصرخ بألم , ليسكته فيصل بصفعه ويقف بعصبية وبتهديد وضع المسدس على رأسه قائلاً : وربي لو صرخت ثاني اموتك !
ليتحدث بألم : وش تبين مني انتِ حرام عليك والله العظيم مالي ذنب باللي تسوينه !
وقفت بصدمه تنظر إليه قائله : انا ولد ماتشوف ؟
هو : انا اعرف مين انتِ بس تكفين وش تبين مني ؟ ليش انا بهالمكان ؟
تكتفت بلا مبالاة : اوك طالما تعرفني مين انا ؟
هو نظر إليها : خطيبة بدر .
وضعت المسدس على رأسه مجدداً : كيف عرفت ؟
هو : ايش اللي يخليك تسوي فينا كذا ؟
هي غرزت فوهة المسدس برأسه أكثر : ولك وجهه تسأل ؟؟ ليش ما تذكر اللي سويتوه انتو فيا وفيه !! قتلتوه قدام عيني ! قهرتوني فيه .. بدر كان اول شخص احبه بحياتي واخذتوه مني !! ناسي انكم خليتوني بوسط صحرا لحالي ؟ ابكي لين حسيت دموعي تحولت دم وتجي ببرود تقول ايش ذنبك وليش انت هنا ؟؟ صح ليش انت هنا المفروض تكون بالقبر بس ..
جلست وهي تبكي بألم .. ليش سويتو كذا ؟
قاطعها بإنفعال : انتِ غبيــــه ..
صعفته بقوة لكنه لم يكتفي بل أخذ يصرخ قائلاً والدموع تنهمر من عينيه : بدر ما مات ما مات , بدر يازفته هو السبب هو اللي مايبيك بس مو عارف كيف يقولك .. انتِ تحبينه بس هو يكرهك ! ما يبيك مايبي وحدة ناقصه مايبي وحدة مشوهه , مسخ وغبيه ..
ظلت تصفعه وهو يصرخ ويبكي ويشتم , مكملاً حديثه : بدر مايبيك احنا اصحابه والله العظيم اصحابه الله ياخذه وياخذك يا متخلفه يا مجنونه يا مريضــــه .
بهذه اللحظة قامت هي بسرعة وبدون وعي اطلقت رصاصه قطعت كل هذا الحوار وهذا الصراخ .. رصاصة وبعدها عم الهدوء على اطراف المكان .. ارتخى جسده الهالك على الكرسي والدم بدأ يسيل من رأسه نزولاً إلى أطراف يده بعدها للأرض ..
اتسعت عينيها بصدمه وجلست على الكرسي بعد ان خارت قواها واخذت تبكي بألم : كذاااب إنت كذاب , تحسب كلامك هذا راح يغير شيء !! راح يرجع لي بدر ؟؟؟ ليش سااااكت ؟ ليش اختفى صوتك ؟ قوم ليش ناايم قوم جاوبننني ليش يكرهني ايش السبب اللي يخليه يكرهني , قوم جاوبني !!
أما هو فقد فارق الحياة بسبب طلقتها الطائشة .
*****
يوم الجمعة مساءً في فيلا فجر ..
فيلا مزينه بالانوار ، من الخارج ، باركيه ممتد على الارض الى درج الفيلا ..
وعلى جوانبه ارض سيراميك بلون بني من شدة لمعانه يعكس السماء بنجومها .. النخل ايضاً ممتد على طول الطريق من كلا الجانبين ، لأول مرة منذ زمن طويل تعود الحياة بأطراف هذه الفيلا الكبيرة وحديقتها ، لتثبت بكفاءة أنها افخم فيلا على ارض جدة الحبيبه ..
ناهيك عن المجسمات المنحوته بطريقه مرتبه ، ليبدو وكأن ما خلف هذا الباب متحف وليس مجرد فيلا ..
ظلت ميهاف تتجول بإنبهار من المكان ، دهشة طغت على دهشتها الاولى منذ اللحظة الاولى التي دخلت فيها الى هذا المكان ، لم تكن تتوقع ان الفيلا ستكون اجمل مما هي عليه بكثيـر .. ظلت رند تتحدث ولكن ميهاف لم تكن تستمع من شدة الاعجاب والتأمل بالأرجاء
تخصرت رند بقلة صبر : كأنك اول مرة تشوفي الفيلا ؟
ميهاف : اول مرة ادري انها حلوة لهالدرجة وربي ، لا إله الا الله رند والله لو هذا بيتي ما احزن .
ابتسمت رند وهي تنظر حولها : انتِ ماشفتي جزئي المفضل بهالمكان .
ميهاف عقدت حاجبها : وينه ؟
رند امسكت بيد ميهاف لتمشي معها لداخل الفيلا : مو دحين اوريكِ ، دحين انا بعرفك على امي .
خفق قلب ميهاف بشدة وتصلبت بمكانها وهي تجر يدها من يد رند ، توقفت رند ونظرت اليها : اشبك ؟
ميهاف بقلق واضح : لالالا مابواجهها دحين ، لازم اقول لامي اول .
رند : امي ماحتاكلك بقولها انك صحبتي .
ميهاف : ابداً لاتجيبيلها سيرة اني جيت بدل امي .
رند : طبعاً ما حقول ، بس تعالي .
بداخل الفيلا وفجر تمشي بين ضيوفها تتحدث وتضحك وتنتقل من مكان لآخر تحاول مجاراة الجميع وكسب مودتهم كالعادة ، والظهور بأبهى صورة .. وصلت واخيراً عند احدى الصديقات والتي تُدعى سميرة التي كانت تقف وهي تشرب الموهيتو ، امسكتها فجر من معصمها قائلة بهمس : المربية اللي جبتيها لي ليش ماعاد ترد على اتصالاتي ؟
سميرة بلا اكتراث : حتى انا لي فترة اتصل ولا ترد ، يمكن رقمها انفصل .
فجر بتفكير : لايكون رند سوتلها شيء !!
سميرة : ماعلينا قوليلي كيف كانت كوالالمبور ؟
ابتسمت فجر ببشاشه : اخ ايش اقولك عنها بس !! اشي طبيعه اشي مناظر اشي ناس واخلاق وكل شيء حلو كل هذا كوم والكوم الثاني صفقتي نجحت فيها ، شكلو البلدة مباركه .
ضحكت سميرة ثم قالت : كأنك مخففه الفيلر ؟
فجر اشارت الى شفتيها : ايوه بدأ يضايقني وقلت اخففه عشان يكون طبيعي اكتر .
اخذوا يتحدثون بمواضيع متفرقه ، اتت رند بعد ان تكسرت قدميها بحثاً عن والدتها بين هذا الكم من الناس وهي برفقة ميهاف ، نادت والدتها : ماما ..
لم تكترث لها فجر من فرط حماسها بالتحدث .. لتحاول رند طرق يدها بخفه : يا ماما ..
نظرت فجر لرند بعجله : ها يا ماما ايش تبي ؟
رند : شوفي هذي صحبـ..
فجر بسرعة صافحت ميهاف : هلا هلا نورتي ..
ثم نظرت لرند بعدم استيعاب : طيب يا ماما روحي خلاص .
بدا على رند الاستياء من تجاهل والدتها لكلامها ، احتضنت ميهاف رند من الجانب قائلة : شكلها مشغوله ، خلينا نروح لمكان ثاني انا توترت بين هذول الناس .
رند بسخريه : لهالدرجة يخوفوك الطبقه المخملية .
ميهاف تنظر حولها : مرررره .
رند بحماس : خليني اوريكِ جزئي المفضل بالفيلا .
وبينما هم يمشون يريدون الخروج من باب الفيلا الداخلي ، لفتت نظرهم فتاة في مقتبل العمر ، تحاول الاتزان بمشيها بهذا الكعب الذي لم يكن عالياً جداً لكنه نحييل جداً .. هذبت فستانها للمرة الثالثه ومسحت على شعرها واخذت نفساً عميقاً .. علق خاتمها بخصلات شعرها ، اخذت تحاول نزع الخصلات عن الخاتم بقوة حتى بدت وكأنها تشد شعرها ، ضحكت رند اما ميهاف حاولت كتم ضحكتها ، فجأة طار الخاتم وهبط على الارض وتدحرج ، وبينما اتسعت احداق الفتاة وهي تنظر الى الارض بحثاً عن خاتمها المفقود الذي تدحرج ووصل بجانب قدم ميهاف التي تبعد عن الفتاة قرابة الاربعة امتار .. انحنت الفتاة عاقدة حاجبيها تنظر باحثةً عنه .. لتقترب منها امرأة اخرى عاقدة حاجبيها بعصبية : ياغبيه ايش واقفه تسوي ؟
الفتاة بربكة : ااا ادور خاتمي .
المرأة بزمجرة : وهذا وقت خاتم ؟ ادخلي معي لا تفشليني بحركاتك الله يفشلك وياخذك انتِ وابوك ، ليتك رايحه مع اختك وفاكتني ...
واخذت تسب ووتشتم وهي تمشي والفتاة تمشي خلفها بإنكسار ، رند بإستياء بعد ان دخلت المرأة هي والفتاة : مريضه الله يشفيها .
ميهاف انتبهت للخاتم ، انحنت والتقطته تنظر اليه ، ثم نظرت الى المكان الذي مرت منه الفتاة ..
لمَ تشعر ان ملامح الفتاة ليست غريبة عليها ؟
رند : يلا ميهاف .
وضعت ميهاف الخاتم عند مدخل الفيلا وخرجت مع رند ، مشت ومشت حتى وصلوا للجزء الخلفي من الفيلا .. لتجد درج يوصل للاسفل ..
توقفت لتقول رند وهي تستقل الدرج : تعالي ليش وقفتي ؟
ميهاف : اول مرة اشوف هالمكان .
ابتسمت رند : بيعجبك .
نزلتا الاثنتان من الدرج القصير لتفتح رند بعدها الباب الزجاجي المؤدي الى غرفة واااسعة جداً ، بإضاءات خاافته ، كراسي جلدية سوداء تشبه .. شاشة بلازما كبيرة .. اضاءات زرقاء موزعة بطريقه فنية ، بوسط الغرفة الارضيه بلوريه بشكل غريب مذهل ..والسقف يشبه السماء بالليل بالنجرم التي تزينه .
ميهاف : واو واو واو ماشاء الله , لي ثلاثة شهور بالفيلا واول مرة اشوف هالمكان .
جلست رند على احدى الكراسي قائلة : كنا أنا ونهى نجلس فيه دايماً .
جلست ميهاف تحاول تغيير مجرى الحديث : ماقلتيلي كيف كانت المدرسة ؟
تحولت ملامحها للإستياء وبعدها اعتلت ابتسامة واسعة على شفتيها : نفس وصفك وأحلى بكثيــــــــر .
ميهاف بحماس : يعني جد فيها مكان يشبه السينما ؟ ونوادي ؟ والات الماشين ؟
رند : إيوه بس ما شفت المكان اللي يشبه السينما .. وكمان البنات مرة قليل ينعدو على الأصابع والمدرسة مرة كبيرة ..
ميهاف : أكيد لأنها جديدة .
سكتت رند وهي تتذكر الفتاة صاحبة الورقة , ميهاف : ماتعرفتي على أحد ؟
رند هزت رأسها بالنفي : من الحصة الأولى مطروده وباقي الحصص يعني رداً لإعتباري ما دخلتهم .
ميهاف بتعجب : هههههههههههههههه لا يا شيخه ؟ رندوه تراك آخر سنة ليش مو ماخذه السنة هذي بجدية ؟
رند : والله معليش ماكفتني حصة وحدة الفلف بالمدرسة .
قطع هذا الحديث وصول رسالة الى هاتف رند , نظرت الى الشاشة تقرأ الرسالة وماهي الا ثواني قليلة حتى رن الهاتف .. ظلت تنظر إلى الشاشة بحيرة أتُجيب أم لأ ؟
وبالنهاية أجابت بهدوء : هلا بابا .
والد رند : كيفك حبيبتي رند ؟
رند : كويسه الحمدلله (وبعد لحظة من الصمت) وانت ؟
والدها : بخير الله يسلمك ياقلبي , وصلك مصروفك ؟
رند : إيوه .
والدها : يلا اصرفيهم بالعافيه , كيف حالك وكيف حال زياد ؟
رند : الحمدلله .
والدها : رندي لسه ما لك نفس تجي تشوفيني ؟ مره وحشتيني انا ماوحشتك ؟
سكتت رند , ليكمل قائلاً : تدري انك حبيبتي ومافي احد بالدنيا بياخذ مكانك .. حتى لو انا وامك بيننا شوية مشاكل بس انتِ لا تقطعيني .
رند : زياد امس طلع من المستشفى وراح جلس عند ام رشاد .
والد رند بفزع : ليش اشبه ايش صايرله ؟
رند : عشان شوية المشاكل اللي بينك وبين ماما .. عشان ماما تعبت مننا ماتدري كيف تتصرف معانا .. عشان شوية مشاكل بينك وبينها .. انت لو تحبنا كان ما رحت .
اغلقت رند الخط وتنهدت تودّ لو تستطيع كتم هذه الأصوات .. الإنعزال لفترة .. ترتيب افكارها , الانتشال من كل هذه السلبية المُحيطة .. تودّ لو أنها تستطيع تجاوز الأمر بالرغم من مرور سنوات عليه لكنها إلى الآن تشعر بمرارة انفصالهم .. وتشعر أن كل هذا السوء المحيط لم يكن ليصبح إذا لم تصل الأمور للإنفصال .
ميهاف تنهدت هي الأخرى حين شعرت أن حالة رند ازدادت سوءاً .. سندت رأسها على الأريكة ثم قالت : البنت اللي شفناها قبل شوي .. تشبه أحد بس مو قادرة اتذكّر مين !
اشاحت رند بوجهها تنظر إلى ميهاف : امك برضو ماترد على مكالماتك ؟
ميهاف بأسف : لا , ابغى اروح الشرقيه بس ما اعرف عنوانها .
رند : مو لازم تروحي الشرقيه بكلم رشاد او زياد يدورو عليها ويسألو عنها من هنا شرايك ؟
ميهاف : ويقدروا ؟
رند بتفكير : أظن إيوه لأن هما عندهم صاحب مدري ايش وظيفته بالضبط ودايماً اذا بيسألو عن أحد بس يعطوه إسم الشخص ويطلع عنوانه ومكانه ومعلومات كثيرة ..
ميهاف : بس زياد دوبه طالع من المستشفى ما ابغى ..
قاطعتها رند : رشاد فاضي .
ميهاف ابتسمت : بعتمد عليك طيب .
*****
امسك مؤخرة رأسه بحيره وهو يدور بالغرفة الافكار اكلت رأسه ، لايستطيع مقاومة تلك الافكار خصوصاً انها باتت وبشكل واضح جداً تحاول إغراءه بطريقه او بأخرى .. يعلم انها تحبه ولكن هذا ما يخشاه بالضبط انها حاولت التصرف بهذه الطريقه لأنها تحبه وبالتالي سيتآكل شكاً بطبيعه علاقتها بمازن سابقاً ..
بعد عدة أيام ..
بدأت تشعر بتهربه الغريب ، يجيب على مكالماتها بطريقه بارده جداً وكأنه لا يود التحدّث ، كلما اقترحت عليه الخروج سوياً لأي مكان يتعذر بإنشغاله ..
هذا مازاد ريبتها وخوفها من ان تكون فكرتها صحيحه "انتهت العدة فعلاً"
بمكتبة الجامعه تمشي بخطوات بطيئة جداً تحرك سبابتها على الكتب ، تودّ ان تختار كتاباً لتقرأه ، لكن لا تدري اي كتاب تختار .. انتقلت من رف الكتب العلميه للكتب الطبيه التي كانت غالبيتها العظمه باللغة السائدة بالنرويج والتي لا تجيدها هي ..
ظلت تنتقل بين الارفف حتى وضعت اصبعها على كتاب ما .. توقفت فجأة وهي تشعر بالدوار ذكرى سريعه مرت بها
.. "
بنفس المكان امام هذا الرف تحديداً اخرجت كتاب وعلى مايبدو انها رواية " Gone with the wind" رواية عاطفيه بحته للكاتبة مارغريت ميتشل اخذت تقرأ مختصر الكتاب من الخلف ثم بدأت بتقليب الصفحات لإلقاء نظرة سريعة ..
قطع عليها صوته قائلاً وهو ينظر للرف المقابل لها : روايات عاطفيه ( ابتسم ونظر إليها ) ماهي عادتك .
نظرت إليه وضحكت : يمكن بدخل على موجه عاطفيه ، واحتاج اقرأ هالكتب .
رفع حاجبيه بإندهاش : واو ، وان شاء الله هالموجه تخص احد غيري ؟
اعادت الكتاب واقتربت منه بنظرة عميقه : وليش متأكد انه انت ؟
حرك يديه بثقه وبنبره مرحه : لأني ما حسمح لاحد غيري ياخذك مني .
نظر الى الكتاب الذي اعادته قائلاً : قد قرأتها بس لو تقرئي هذي افضل .. Pride and Prejudice رواية إنجليزية للكاتبة جاين أوستن ، اسمها العربي كبرياء وتحامل ، اظنها تناسبك اكثر
ضحك وضحكت تبعاً له واخذت الكتاب قائلة : بقراها وبقولك رأيي .
هو بمراوغه : بالكتاب ولا فيّا ؟ "
عادت لوعيها بفزع حين سقط الكتاب من يدها .. التقطته بسرعة واعادته للرف ، هل هذا يعني انها كانت تجيد القراءة بلغة النرويج السائدة ؟ ، كم مر من الوقت على بقائها بالنرويج إذاً ؟ اذا كانت تعرف القراءة بلغتهم هذا يعني انها درست لغتهم ..
لكن من الشخص الذي كان يتحدث معها ؟؟ لمَ لا تستطيع تذكر وجهه ؟ اذا كان خالد لا تشعر ان الاسلوب يشبه اسلوب خالد !
اخذت كتاب اخر وذهبت لتجلس على إحدى الطاولات تحاول تشتيت افكارها الى ان يحين الوقت لرؤية خالد !
بينما هي تقلب صفحات الكتاب وتقرأ بتركيز شعرت بجلوس أحدٍ ما بجانبها لكنها لم تكترث ، إلى أن تحدثت الجالسة : التركيز الفين عندك !!
رفعت بيان رأسها لتجد فلك ، رحبت بلا مبالاة : هلا فلك .
ثم عادت لتقرأ ، فلك رفعت حاجبيها بإندهاش : افاا بس كذا ؟ ما بتاخذيني بحضنك وتسلمي علي ما وحشتك ؟
ابتسمت بيان واغلقت الكتاب ونظرت الى فلك ، فلك وضعت يدها تحت خدها واتكأت على الطاولة تنظر لبيان بتأمل: وانا اقول وجهك ليش مو غريب علي ، اخيراً تذكرت فين شفتك .
بيان : امم لما اجي للمكتبه ؟
ضحكت فلك وقالت : لا ، لما كنت اصادفك وانا رايحه لمحاضراتي قبل ثلاثة سنوات !
بيان عقدت حاجبيها : وقتها كنتي مستوى اول ؟
فلك هزت رأسها بالنفي واعتدلت بجلستها : مستوى ثالث ، بس لما خلصت هذيك السنه وقفت دراسة وهالسنه رجعت اكمل .
بيان عقدت حاجبها : ليش ؟
فلك بملل : لان ولد عمي فارس احلام كل الفتيات بإستثنائي قال بيتقدم لي ، طبعاً هو بجدة ف لان حضرة جنابه كان مستثقل انه يجي يخطبني بالنرويج ، اهلي قطعولي تذكرة اروحله جدة !
بيان بدهشه : خير ، طيب (نظرت الى يدي فلك ولم تجد دبله ) وتزوجتي ؟
فلك : امم ملّكنا بس , يع يع انا كنت مجبوره عليه ومو بيدي اني ارفض مع ان اهلي اوبن مايندد الا ان عمي مخه جاهلي واذا ما تزوجت ولده راح يقطع علاقته في ابوي واكيد انا فيني بلا لو رفضت لان سبحان الله ولده كامل مكمل ، من باب ماجاء بإن القرد بعين ابوه غزال هالمره .
بيان ضحكت على اسلوب فلك : طيب وايش صار ؟
فلك : ماااااقدرت اتحمل ولده ماقدرت حاولت والله بس اخ بيان تخيلي انا كل حياتي ودراستي بأمريكا مو متعوده عالعباية والحجاب والنقاب !! من صغري ما قد لبست عبايه حتى لما اروح لجدة زيارة لبنات خالاتي واعمامي يطقطقوا على طريقة حجابي ، وهو يبيني اتحجب واتنقب وما يطلع مني شيء مايبغى لون بشرتي تبين .. هذا غير اني لما رحت معه المطعم ، انا متعودة اتكلم مع اي احد عادي ، ويوم كنت اسولف مع الجرسون سوالي ساااالفه وتهزيء وقطاعه وزعل .. افكاره ما تشبه افكاري ، وانفصلنا ، بس تدري بيني وبينك انا ماقدرت اتقبله مو بس عشان تفكيره ! بس لان كان بحياتي شخص ثاني .. ملازم افكاري طوال الوقت لدرجة اني اكون مع ولد عمي بس ما اقدر اركز فيه .. اتخيله شخص ثاني طوال الوقت ، هذا اللي صعّب علي ..
بيان : والشخص الثاني تعرفتي عليه بامريكا ولا وين ؟
فلك نظرت لعيني بيان بتمعن : اي درسنا الثانوي سوا بأمريكا ، بعدها انا اقترحت عليه نكمل الجامعه بالنرويج لان اهلي بينقلوا للنرويج ووافق هو وجينا درسنا بالنرويج ، وقتها توقعت انه يبادلني نفس الشعور ، لان مافي شخص بالدنيا ممكن يغير طموحه لبلد ثاني عشانك بس هو سوا !! بيان عقدت حاجبها : قصدك انه ما كان يحبك !!
فلك بأسف : انا لما تركته قلتله عن موضوع الخطبه وكنت ابكي ، حاول يهديني بس ما علق عالموضوع ابد بس جلس يطالعني بنظرات حزن او شفقه ما ادري ، تمنيت انه يمنعني او يعطيني امل بس ان له نية فيّا لكنه ما نطق بشيء غير " منتي خسرانه شيء ليش تبكي ؟ " رده كان غريب ويقهر بنفس الوقت ، وحلفت اني بستفز غيرته واروح لعل وعسا يفقدني ويستوعب اني احبه ويستوعب مشاعره ويعترف .. لحد ماوصلت المطار انتظرته يجي يودعني وما جا ، تأكدت انه دخل بحالة حزن على فراقي بس المصيبه !!!
بيان : ايش ؟
فلك : بعد كل هالاوهام اللي سويتها لنفسي وعيشت نفسي فيها ، مرت سنتين بلمح البصر وصارت فيها شوفتي وملكتي ومشاكلي ، وبعد تفكيير طويل قررت ارجع اكمل دراستي هنا واشوفه ابغى اشوف ايش صار فيه بغيابي .
بيان : انتِ بعد ما سافرتي ما تواصلتي معه ؟
فلك : لا ، رقمي انفصل ولما حاولت اتواصل معه بعدها رقمه كان مقطوع .. بس كنت متأمله القاه اذا رجعت للنرويج !
بيان : ولقيتيه ؟
فلك عادت تنظر الى بيان مجدداً : لقيته بس فيه حاجه غفلت عنها طوال الثلاث سنوات اللي راحو !
بيان : ايش هي ؟
فلك : اقول بيان ، انتِ ماتتذكري اي شيء عن هالجامعه ؟
بيان هزت رأسها بالنفي : ما اتذكر اذا اصلاً درست فيها او لأ ، بس انتِ قلتي شفتيني هنا يعني اكيد كنت ادرس هنا ..
فلك : وما تتذكري خالد !
بيان بتمعن : ليش !
فلك حركت يديها بالهواء : لالا ولا شيء .
بيان : فلك ليش تسألي ؟
فلك : لأنه ماينلام فيكِ ، انتِ جميله وناعمه وراقيه كأنك طالعه من التلفزيون ، اما انا ..
قاطعتها بيان : لاتقارني احد بأحد بس جاوبيني ، ليش تسألي !
فلك تلألأت عينيها بالدموع : لأنه حتى لما كنت معه كان يكلمني عن الطالبة اللي انتدبت عندهم وكنت اشوف بعيونه كيف يحبها بس لأني كنت احبه كنت اعتبره يستفز غيرتي مو اكثر !! نظراته لك ، كلامه عنك !! سرحانه فيك !! تنهيدته اذا بس مريتي من عنده ..
بيان بلعت ريقها واغمضت عينيها قليلاً ثم نظرت لفلك : قصدك ان خالد كان يحبني ؟
عقدت فلك حاجبيها : كان ؟؟ كيف يعني انتو مو متزوجين دحين ؟
بيان ابتسمت ببلاهه ، لا تمتلك الجواب ، اما فلك ازدادت تعقيدة حاجبيها : لحظه بس هو قال انه !!
بيان : قال ايش ؟
فلك : لالا مستحيل اكون فهمت غلط (نظرت بسرعة الى بيان ) انتِ بيلا صح ؟
بيان هزت رأسها بإيجاب .
فلك : لحظه هل هذا يعني انك فقدتي ذاكرتك ونسيتي حتى خالد ؟؟
\\
خرجت بسرعة تريد اللحاق بمحاضرتها قبل ان تبدأ ، مر الوقت بسرعة دون ان تشعر وهي تتشارك الحديث مع بيان ، لم تنتبه للعيون التي ظلت تراقبها عند خروجها من المكتبه ، ثم عدل نظارته ومضى في طريقه .. بالنسبه لفلك التي ظلت تمشي بخطوات سريعة إلى ان صادفت خالد يخرج من المعمل مطأطئاً رأسه ينظر بالاوراق التي يحملها وقفت وهي على عجلة من امرها قائلة : خالـد
نظر هو بإبتسامه : هلا فلك .
فلك : مو وقت ترحيب اظن اني سويت شيء غلط .
خالد عقد حاجبه : بإيش ؟؟
فلك : انت ماقلتلي ان بيان اللي اعرفها هي نفسها زوجتك وما قلتلي انها ما تتذكرك .. انا قلتلها انك زوجها بس ..
اتسعت عيني خالد بصدمة : ايش قلتيلها ؟؟
فلك بإستعجال : مدري مدري ما اتذكر ايش قلت بالضبط بس ، اوف انا مستعجله ماعندي وقت اشرحلك بس قلت اقولك لان خفت اكون حطيتك بموقف غبي !
هز خالد رأسه بالموافقه قائلاً : فهمت ، خلاص عادي روحي لمحاضرتك ..
ذهبت فلك بعد ان نظرت الى خالد بنظرة اسف .. اما خالد اغمض عينيه بإستياء لم يخطر على باله ان الامر سيتعقد الى هذا الحد ، والسخيف بالموضوع انه قال لبيان ان فلك هي طليقته لتأتي فلك وتقول لبيان انها زوجته ماهذا الهراء ؟؟
نظر إلى هاتفه ووجد رسالة من بيان محتواها " اذا فيه مجال تجي لمكتبة الجامعه ؟ انا هناك انتظرك "
في مكتبة الجامعه وهي تنظر للفراغ بشرود متكتفه ..
انسحب الكرسي المقابل لها وجلس خالد لا يدري كيف يتدارك الأمر وهو الذي فكّر بألف كذبة ليقولها وجهز جواب لكل سؤال ..
نظرت بيان الى خالد بملامح هادئه ، ليقول خالد والتوتر بادٍ عليه : تأخرت عليك ؟
بيان : لا .
خالد : غريبة ليش بتشوفيني هنا ؟
بيان تنهدت ونظرت حولها : هالمكان مرتبط بذكريات كثيرة .. مستحيل اعدي من هنا بدون ما اتذكر شيء حتى لو بسيط .
خالد والقلق زاد : ايش تذكرتي ؟
بيان : فيه موسيقى عالقه بعقلي من زمان وكل ما مريت من المكتبه يزيد صوت الموسيقى براسي رغم هداوتها ، بس الى الآن مو قادره اتذكر لا الكلمات ولا الاغنية بس الموسيقى .. وكمان دايماً احس بنظرات احد علي حتى لو المكتبة مافيها احد وتذكرت اليوم ان فيه شخص رشحلي (زحفت بالكتاب على الطاولة لتتركها امام خالد ، قائلة ) رواية كبرياء وتحامل ، عاطفيه .
اشاحت بوجهها عنه تنظر من خلال النافذة .. اما خالد فأفكاره بدأت تتشتت ، لمَ لا تسأل اي سؤال يخص كلام فلك عن حقيقة علاقة بيان بخالد !!
لمَ تتصرف بغرابة وكأن الأمر لا يعنيها !! او كأنها لم تعرف شيء ؟ امال خالد رأسه قليلاً : بإيش تفكري ؟
بيان : بالاغنية ..
خالد : تتذكري كيف كانت الموسيقى بالضبط !!
نظرت بيان الى عينيه بجديه واقتربت من الطاوله بهمس : خالد !!!
توقف نبض خالد بهلع ، شعر انها ستباغته بسؤال لم يتوقعه !
بلع ريقه بهدوء واقترب هو الآخر بحذر شديد وريبه : ايش ؟
لتقول بيان بنفس الهمس : انا جوعانه ما فطرت .
تراجع خالد ينظر اليها بدهشه ما هذا ؟؟ ليتحدث بنبرة تميل للغضب : ايش اسويلك يعني ؟
بيان بإبتسامه : تجيبلي فطور .
خالد تنهد : ايش بتفطري ؟
هناك بداخل احدى كافتيريات الجامعه ، وهي تتناول الكعك بيدها ، ظل ينظر اليها بصمت ، يقسم انها اذا كانت بكامل ذاكرتها لم تكن لتأكل بيدها .. لأنه لا يذكر انها كانت تأكل بهذه الطريقه اطلاقاً لدرجة انها كثيراً ما كانت تحمل بحقيبتها ملاعق بلاستيكيه اضافيه تحسباً لأي وجبة طارئة ..
نظرت إليه وابتسمت بطريقه مسرحيه واكملت تناولها ، ليتحدث خالد بعد ان شعر بأن اعصابه مشدوده بشكل كبير : ليش جيتي للجامعه ؟
بيان لعقت اصابعها ثم قامت بمسحها بالمنديل : لأنك صاير مشغول طوال الوقت وانا اشتقتلك وفكرت اجيك مكان شغلك ، ليش ؟ يضايقك ؟
خالد مسح وجهه : قابلتي فلك اليوم ؟
ضحكت بيان : ايوا ، ظريفه البنت وهي معي وبغيضه وهي معك .
خالد : ليش ؟
بيان : سوالفها حلوه ، بس ما احب اشوفها معاك .
خالد تنهد مجدداً : ما قالتلك شيء غريب اليوم ؟
بيان : كل كلامها غريب كالعادة ، بس تدري ايش اغرب شيء ؟
خالد : ايش ؟
بيان : اول مرة ادري انك كنت بأمريكا ونقلت للنرويج .
خالد ابتسم : اكيد قالتلك عشانها !
بيان شربت الماء : ليش في سبب ثاني ؟
خالد : يمكن ، بس غالباً هي شجعتني ومميزات النرويج اكثر من عيوبها وهذا اللي شجعني اكثر .
بيان بجديه : تحبها ؟
خالد رمش بدهشه : نعم ؟
بيان مسحت شفتيها بالمناديل ويديها ثم قالت : سؤالي واضح ايش اللي مافهمته ؟
خالد : لا بس استغربت .. هي صحبتي من الثانوي واعزها واعتبرها اخت لي .
بيان : تدري حتى انا افكر ايش طبيعة علاقتي بمازن !! هل انا كنت اعتبره اخ لي بس هو كان يحبني نفس وضع فلك معك ؟
تغيرت ملامح خالد للغضب : ايش جاب سيرته دحين ؟
بيان : جد ابغى اعرف ايش يكون مازن ، ليش لما شفته حسيت بشعور غريب !
خالد بغيره واضحه : كيف يعني غريب .
بيان : مدري مدري .. اذا شفته مرة ثانية بوصفلك الشعور .
خالد طرق بأصابعه على الطاوله وهو يزفر بقلة صبر : تعرفين طريق الفندق ولا اوصلك له ؟
بيان : طرده يعني ؟
خالد : تقدري تقولي .
بيان : طيب انت متى ينتهي دوامك ؟
خالد : ساعة كمان واطلع .
بيان : ماينفع نتمشى شويه بعد ماتطلع ؟ (ثم بحثت عن هاتفها بحقيبتها قبل ان تسمع رده قائله ) اوه لا صح لازم اشوف مازن ..
خالد بسرعة : نتمشى ليش لأ .
بيان : خالد اخاف ما اقدر اتمشى معاك لان مازن ..
خالد : الا راح نتمشى ونتغدا عالبحر ، انا فاضي ما وراي شيء وما اضمن افضى يوم ثاني !
ابتسمت : وعد ؟ واذا اتصلت بعد ساعة ما تتهرب وتتحجج ؟
خالد : ما اتهرب ولا اتحجج انا فعلاً مو فاضي .
بيان : اوك اللي تبغاه بس راح نطلع اليوم !
خالد : ايوه .
بيان : اجل انا بضيع وقتي بالمكتبه لين تخلص .
مرت لحظات صمت بينهم هو ينظر إليها ، وهي تنظر اليه وتبتسم اما هو ظلت ملامحه بتعبير غريب .. قطع هذا الصمت سؤاله : ليش لازم تشوفي مازن ؟
بيان : لاننا تقابلنا قبل فترة وتكلمنا ووعدته اني بفكر بكلامه وارد له بأقرب فرصة .
خالد رفع كلتا حاجبيه : تقابلتوا وتكلمتوا ؟ متى ذا الكلام أخت بيان ؟ وبإيش تكلمتوا ؟
بيان : ليش تحقق معاي ؟
خالد : مو تحقيق بس يهمني اعرف .
بيان : ليش يهمك ؟
خالد : كذا يهمني وخلاص .
بيان ارتشفت كوب قهوتها ثم وضعت اغراضها بحقيبتها قائلة : الظاهر اني برجع للفندق . اذا خلصت دوامك مرني .
خالد : ليش تتهربي ؟
بيان : ما اتهرب بس انت ماجاوبتني عشان اجاوبك ؟
خالد : ايش تبغيني اقول ؟ أحبك ؟ اغار عليك ؟ يهمني اعرف كل شيء عنك ؟
بيان بإبتسامه : شيء كذا .. بس بدون كذب .
قامت وهي تلوّح له مودّعه : اشوفك بعد ساعة ..
غادرت بيان بينما هو تعقيدة حاجبيه ازدادت , هل تتلاعب به ؟ أم كانت صادقه في مقابلتها لمازن , هو حتى لا يعلم ماذا يريد من بيان بالضبط ؟
ولمَ باتت تتصرف بغرابة هكذا ؟
\\
بعد ساعة نزلت وأخيراً من الفندق مقتربة من السيارة عقد خالد حاجبيه بدهشة إلى أن جلست بجانبه مبتسمة : من اول جاي ؟
خالد بإبتسامة : لأ , عشان كذا رجعتي للفندق ؟
ابتسمت بيان : يمكن , كنت افرغ الشنطة بالدولاب وشفت المكياج وقلت بستهلكه قبل ما يمر تاريخ انتهاءه .
حاولت ربط حزام الامان ولكنها لم تستطع تثبيته ..
بيان : الحزام موراضي يدخل هنا .
خالد : غريبة ماكان فيه شيء .
بيان وهي تحاول مجدداً مطأطئة رأسها: مدري شوف (ادخلت الحزام وتركته ليخرج من جديد)
انحنى خالد وهو يمسك بالحزام ويحاول ادخاله وهي ايضاً تنظر الى ما يفعل .. حتى استطاع بعد محاولات ادخاله ..
رفع رأسه قائلاً : خـ..
بتر كلامه بإرتباك من قربها .. قريبة جداً ، يشعر بأنفاسها وتشعر باضطرابه .. عيونها تتأمل تفاصيله بشغف .. وعيونه بدأت تفيض بمشاعرحاول كتمانها طويلاً ..
وضعت باطن كفها على خده اغمض خالد عينيه ووضع باطن كفه فوق كفها الذي على خده ..
امسك بيدها وابعدها عنه واستعدل بجلسته .. تنفس بعمق ، عدل مرآته الجانبية ومضى في الطريق دون ان يتفوّه احدهما بكلمة !!
اما بيان اشاحت بوجهها الى النافذة متسائله ، لمَ لم يقترب أكثر ويقطع ثواني الصمت بقُبله ؟
وكل مرة يزداد قلقها حيال احتمالية فقدانها لخالد وطلاقه لها وانتهاء العِدة ، لأن تصرفات خالد لم تعد مندفعة كالسابق !!
على الجسر المطل على البحر المتحوّل إلى جليد وبينما هم يتبادلون اطراف الحديث بإنسجام تام ، اخرج خالد علبه مخمليه من جيبه ومدها لبيان ، حلّق قلبها فرحاً لتختفي ابتسامتها تدريجياً حين قال خالد : هذا سلسالك اللي ضيعتيه .
فتحت بيان العلبه والابتسامة الصفراء تعلو ملامحها ثم قالت : اوه شكراً ، وين لقيتها ؟
خالد : طايحه بالبيت عندي .
بيان تحاول تخفيف التوتر عن نفسها بعد ان شعرت بالاحباط : ماشاء الله طايح بعلبته ؟
ارتبك خالد ونظر إليها : لا انا حطيته بالعلبه .
لم تجب بيان بل اتكأت على السور وغاصت بأفكارها المشتته ..
كادت ان تنهار حين فقدت هذه السلسله اما الآن تشعر بالإحباط حين اعادها خالد ، ليس لأنها لم تعد ترغب بها ولكن ظنت انها هدية من خالد وتحطمت حين قال انه مجرد سلسالها الضائع ..
وضعت العلبة في جيبها وساد الصمت بين الطرفين .. ماهي الا لحظات واستدار كليهما على طفل صغير في الرابعه عشر من عمره تقريباً يبيع الزهور وقد عرض على خالد زهوره قائلاً : Will you buy this beautiful girl, flower? (الن تشتري للجميله هذه زهره ؟ )
ابتسمت بيان بوِد للطفل ..
اما خالد رفع يديه : No, no thank you (لالا شكراً .(
حاول الطفل الإصرار على خالد لكن خالد ظل رافضاً شراء وردة ، انزعجت بيان جداً وهي تشعر بالخيبة ، بالحزن ، بالاستياء .. لمَ يصرّ بهذه الطريقه المستفزه على ألا يشتري الورده ، حتى وان لم يكن ينوي ولكن مجامله على الاقل ..
اشاحت بوجهها تنظر الى الفراغ مجدداً ومزاجها قد ازداد سوءاً ، قلبها يخفق بحزن من تصرف خالد لمَ بدت تشعر وكأنه شحيح ، او لا تعلم كيف تصف شعورها ..
بعد ان ذهب الطفل ،التفت خالد قائلاً : نمشي ؟
بيان حاولت الصد عنه لكي لا يرى ملامحها التي انتكست : احس اني تعبانه ، معليش بس برجع البيت .
حاولت الذهاب بسرعة قبل ان يجيب لكنه امسك بمعصمها : بدري .
بيان ابعدت يده بهدوء وغادرت دون ان ترد ، لا تستطيع منع دموعها اكثر ولا تريد ان يراها تبكي ..
وبينما هو ظل يناديها قائلاً : لحظة انا بوصلك ..
استقلت سيارة اجرة وذهبت دون اكتراث .
*****
الساعة السابعة مساءً في محافظة جدة .. وتحديداً مركز الشرطة ..
وقف سلطان بفزع : كيف يعني ؟
الشرطي : تعال شوف ، لازم تشوف الجثه .
خرج سلطان مسرعاً ليجد الجثه ملقيه امام البوابة وكأن القاتل يستهزئ بهم ، سلطان اقترب من الجثه وجلس بمحاذاتها ينظر الى ملامح الشخص الميت ، ارتدى قفازاته قائلاً : ابغى كل تحاليل الجثه ، ابغى تعرفو هويته .
ثم نظر الى عضو من اعضاء البحث الجنائي : كم له متوفي ؟
: اكثر من 72 ساعة .
انزل سلطان رأسه بخيبه وتمتم : مو قادر اتقدم خطوة وحده عليه ! الله يطيحه بيدي والله ما ارحمه .. هلكنـــي
بمكتب رئيس القسم الذي استدعى سلطان واخذ يوبخه بعد ان عرفوا صاحب الجثه وانه احد اعضاء تلك الشلة : وبعدين يعني ياسلطان ؟ لمتى بصبر ؟ عطيتك مهله والمهله قربت تخلص وانت ما طلعتلنا بأي معلومة تفيدنا بهالقضيه !! ايش قاعد تسوي انت ، تلعب ؟ كم جثة نحتاج عشان تكتشف هالعصابه وتوصل لهم ، عطيناك كل اللي تحتاجه عشان تحل القضيه وانت ماادري وينك ؟ حتى الباقيين من الشلة طلعتهم كلهم المفروض تخليهم بالسجن حتى لو مو لانهم مجرمين ، عشان نوقف هالمهزلة ونحافظ عليهم .
سلطان : نحافظ عليهم ونسجنهم ؟
الرئيس : عندك حل ثاني عشان يكونون تحت رقابتنا ! حتى لو اننا الحين موكلين ناس تراقبهم هذا مايعني اننا ما راح نغفل عنهم .. ايش تستنى بالضبط ؟ ليش مو شايفك تتحرك وتحرك القضية ؟ ليش هالبرود ؟
سلطان ظل صامتاً .
ضرب الرئيس الطاولة امامه : خلال هالشهر لو ما طلعتلي بشيء واحد يفيدنا ، تعتبر نفسك مفصول ساامع ؟
جلس بخيبته والافكار تلج برأسه ، رئيسه محق فيما قاله ، فسلطان لم يبذل جهده بشكل كافٍ ليحل هذه القضية التي اوكلت إليه ، هو حتى لا يعلم من اين يبدأ ، يشعر انه محاط بدائرة دون زوايا او اطراف ..
ورغم كل هذا فعقله منشغل جداً بالتفكير في روان ، دون ان يأبه بأنه يشرف على قضية اكبر من قضيته العاطفيه الفارغه هذه .
وقف النادل قائلاً : ايش حاب تطلب ؟
رفع سلطان رأسه : ايس لاتيه .
بزاوية اخرى من نفس المقهى ، انتابها الفضول حيال انطفاء بريق وجهه والحيره الواضحه عليه ، تنهيداته المتكرره ..
وبدون تردد مشت بخطوات واثقه وجلست على طاولته ، رفع سلطان رأسه عاقداً حاجبيه بإستغراب
ابتسمت هي ثم اخذت تدوّن على الورقة ورفعت الورقة المكتوب فيها "عادي اشاركك بهالطاولة اذا ما يضايقك ؟"
قال تعالى : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)
كتابة : حنان عبدالله .
البارت برعاية :
instagram; @thelo7
حُرر يوم الاربعاء الموافق :
1-8-1440 هجري
6-4-2019 ميلادي