الفصل الثاني
استيقظ يحيى في اليوم التالي وهو يشعر بخفة غريبة، كأنه تخلص من صخرة كانت تجثم على صدره لسنوات. نظر في المرآة، لم يجد ملامح الحزن التي اعتاد عليها، لكنه وجد شيئاً آخر.. وجد "فراغاً". خرج إلى الشارع، كانت السماء صافية، والناس يضحكون، لكن يحيى لم يشعر بشيء. لم يعد يتذكر لماذا كان يحب هذا المقهى، أو لماذا كان يبكي عند سماع تلك الأغنية.
بدأ يحيى يكتشف الثمن الباهظ للنسيان. حين التقى بصديقه القديم، كان الصديق يتحدث بلهفة عن مغامراتهما المشتركة، لكن يحيى كان ينظر إليه بجمود، كأنه غريب تماماً. لم تكن الذكرى التي باعها مجرد حادث أليم، بل كانت "خيطاً" يربطه بكل ما حوله. اكتشف يحيى أن آلامنا هي التي تصقل مشاعرنا، وأننا بدون أحزاننا نصبح كالدمى البلاستيكية التي لا تشعر بحرارة الشمس ولا ببرودة الشتاء.
مرت الأيام، وأصبح يحيى يتردد على دكان إدريس مرة أخرى، ليس ليبيع ذكريات جديدة، بل ليراقب الزجاجة التي تحتوي على "وجعه". كان يرى الطيف النوراني داخل الزجاجة يضطرب، وكأن الذكرى تريد العودة إلى صاحبها. صار يحيى يقضي ساعات طويلة يصف لإدريس كيف أصبح يشعر بالخواء، وكيف أن حياته الهادئة أصبحت أكثر رعباً من ماضيه المؤلم. كان الحوار بينهما يمتد لساعات، يناقشان فيه فلسفة الألم والوجود، وتفاصيل الروح البشرية التي لا تكتمل إلا بجروحها.