الفصل الرابع
مرت ما بدت وكأنها آلاف السنين على عصام وهو عالق في تلك الثانية. تعلم فيها معنى أن تكون "ناشراً للحزن" في كتاب حياتك. رأى حياته السابقة كشريط باهت، أدرك أن قيمتها كانت في "الروتين" الذي كان يكرهه، في "الانتظار" الذي كان يمله، وفي "الفقد" الذي كان يخشاه. الزمن ليس مالاً يُجمع، بل هو شعور يُعاش.
وفجأة، وبينما كان الظل الأكبر يضع يده الباردة على قلب عصام ليأخذ ما تبقى من حياته، تذكر عصام الرسالة: "إليك الوقت كله". فهم الآن أن العبرة ليست في الامتلاك، بل في العطاء. وبقوة إرادة لم يملكها من قبل، تخيل أنه يعطي ما تبقى من عمره للناس المتجمدين من حوله. تخيل أن دقات قلبه الضعيفة تتوزع عليهم ليعودوا للحياة.
في تلك اللحظة، تحطمت الساعة في يده إلى غبار ذهبي، وانفجر الضوء في كل مكان. استيقظ عصام وهو يصرخ، ليجد نفسه في فراشه، والشمس تشرق من نافذته. نظر إلى يده، لم يجد الساعة، ونظر في المرآة ليجد وجهه قد عاد كما كان، لكن بعينين تحملان حكمة ألف عام. خرج إلى الشارع، واستقبل زحام الناس بابتسامة، صار يحيي الغرباء ويستمتع بكل ثانية تمر، حتى لو كانت مملة. أصبح عصام "الناشر الأول" للفرح في حيه، يخبر الجميع أن أعظم معجزة هي أن تعيش اللحظة كما هي، لا أن تحاول إيقافها، فالوقت الذي يمر هو الوحيد الذي يجعلنا بشراً.