الفصل الاول
كان "عصام" رجلاً يعيش على هامش الحياة، يعمل محاسباً في شركة تأمين مملة، يسكن في شقة ضيقة في بناية قديمة تفوح منها رائحة الرطوبة والذكريات المنسية. كانت حياته تسير كالساعة، روتين قاتل يبدأ من السادسة صباحاً وينتهي في العاشرة مساءً، حتى تلك الليلة التي غيرت مسار قدره للأبد. في تمام الساعة الحادية عشرة ليلاً، بينما كان المطر يقرع نافذته بعنف كأنه يطلب الدخول، طُرق باب شقته ثلاث طرقات قوية، جافة، ومنتظمة.
فتح عصام الباب ليجد صندوقاً خشبياً صغيراً ملفوفاً بقماش مخملي أسود، وبجانبه رسالة مكتوبة بماء الذهب: "إلى من أضاع وقته.. إليك الوقت كله". لم يكن هناك أثر لطارق، الممر الطويل كان خالياً تماماً إلا من ضوء المصباح المذبذب. حمل عصام الصندوق ودخل، كانت يداه ترتجفان بفضول ممزوج بخوف فطري. عندما فك القماش، وجد ساعة جيب قديمة، مصنوعة من معدن لا يشبه الذهب ولا الفضة، كانت عقاربها تتحرك عكس الاتجاه!
جلس عصام على مقعده المتهالك، والضوء الخافت يسقط على الساعة. وفجأة، شعر بأن الغرفة بدأت تتسع، وصوت عقارب الساعة صار يدوي في أذنيه كأنه ضربات مطرقة ضخمة. اكتشف عصام أن هذه الساعة ليست مجرد آلة، بل هي مفتاح لثغرة زمنية؛ فكلما ضغط على زرها العلوي، يتوقف الزمن من حوله تماماً، يتجمد البشر كالتماثيل، وتسكن الرياح، ويصبح هو الوحيد الذي يتحرك في عالم من السكون المطلق. لم يكن يدرك عصام أن امتلاك "الوقت" له ثمن باهظ، وأن الصمت الذي كان ينشده سيتحول قريباً إلى صرخة خرساء في فضاء العدم.