الفصل الثاني
جلس يونس على الرصيف المبلل، واضعاً المحفظة تحت قميصه ليحميها من المطر، وقرر الانتظار. مرت الساعة الأولى، والمطر تحول إلى سيول جارفة. بدأ الناس يختفون من الشارع، وأصحاب المحلات يغلقون أبوابهم، ويونس لا يزال مكانه، جسده يرتجف بشدة، وأسنانه تصطك ببعضها البعض.
مرّ رجل غليظ الملامح، رأى يونس وهو يخبئ شيئاً تحت قميصه، فاقترب منه وقال بسخرية: "ماذا تخبئ أيها اللص الصغير؟ هل سرقت شيئاً؟". خاف يونس وضغط على المحفظة بقوة وقال: "أنا لست لصاً، أنا أنتظر صاحب أمانة". حاول الرجل سحب يونس من يده ليرى ما معه، لكن يونس قاوم بشراسة صبي يدافع عن شرفه، حتى بصق الرجل في وجهه ومضى وهو يشتمه.
بدأ الجوع ينهش أحشاء يونس لدرجة أنه شعر بالدوار، كانت رائحة الخبز الطازج تفوح من مخبز قريب، وكان المال في حضنه يكفي لشراء المخبز بأكمله! لكنه أغمض عينيه بقوة، وراح يكرر في سره: "ستأتي يا صاحب الأمانة.. ستأتي". غرق يونس في البرد، وبدأت أطرافه تتخدر، لكنه ظل قابضاً على المحفظة كأنها طوق نجاته الأخير في بحر من الظلام.