الفصل الاول
كان "سامر" مهندساً شاباً، يعيش في شقة أنيقة في الطابق الرابع، يحب الهدوء لدرجة الهوس، ويرى أن منزله هو مملكته الخاصة التي يجب ألا يقتحمها أي إزعاج. لكن هذه المملكة كانت تُنتهك كل ليلة من قبل الجار "العم سليم"، العجوز الذي يسكن في الشقة المقابلة.
لم يكن الإزعاج صراخاً أو حفلات صاخبة، بل كان أغرب من ذلك؛ كان صوت راديو قديم، يخرج منه صوت مذيع يتحدث عن أخبار قديمة، أو موسيقى كلاسيكية مشوشة، والأدهى من ذلك هو صوت "كرسي هزاز" يطرق الأرض بإيقاع رتيب (طرق.. طرق.. طرق) يبدأ من منتصف الليل وحتى الفجر. كان سامر يتقلب في فراشه غاضباً، يضع الوسادة فوق رأسه، ويتمتم بشتائم لجار السوء الذي لا يحترم راحة الناس.
في صباح أحد الأيام، واجه سامر العم سليم عند المصعد. كان العجوز يبدو هزيلاً، يرتدي معطفاً قديماً، وعيناه غائرتان وكأنه لم ينم منذ قرن. قال له سامر بحدة: "يا سيد سليم، نحن لسنا وحدنا في هذا المبنى! صوت الراديو والكرسي يمنعاني من النوم. ارحمنا قليلاً!". نظر إليه العجوز بنظرة مليئة بالانكسار، وقال بصوت مرتعش: "أعتذر منك يا بني.. صدقني، أنا فقط أحاول أن أطرد السكون، السكون مرعب يا سامر.. مرعب جداً". لم يهتم سامر لكلامه، ودخل المصعد وهو يغلق الباب بعنف، مقرراً أنه إذا تكرر الإزعاج، سيقدم بلاغاً رسمياً للشرطة.