صدى الصمت - الفصل الثاني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صدى الصمت
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

مرت الأيام على منصور في قصره وكأنها دهور. القصر الذي كان يعج بالحياة والحركة حين كان صوته يملأ أركانه، أصبح الآن يشبه المقبرة الرخامية. كان منصور يتنقل بين الغرف مثل الشبح، لا أحد يلقي له بالاً، فالجميع افترضوا أنه بما أنه فقد "لسانه" فقد فقد "عقله" و"سمعه" أيضاً. ​في ليلة شديدة البرودة، كان منصور يجلس في الصالة الكبرى خلف ستارة مخملية ثقيلة، يراقب المطر وهو يضرب النوافذ. فجأة، دخلت زوجته نجلاء ومعها ابنه خالد، كانا يضحكان بصوت خفيض لم يسمعه منصور منهما منذ سنوات. جلس خالد على المقعد الوثير الذي كان ملكاً لوالده، وقال بلهجة ساخرة: "أخيراً سكت الرعد يا أمي! لم أكن أتخيل أن حياتنا ستصبح بهذه السهولة. لا أوامر، لا صراخ، ولا محاسبة على كل قرش نصرفه". ​ردت نجلاء وهي ترتشف قهوتها ببرود: "المهم الآن هو التوقيع يا خالد. والدك جسد بلا روح الآن، والمحامون يقولون إن حالته الصحية قد تتدهور. يجب أن نجد طريقة لجعله يوقع على تنازل عن الإدارة التنفيذية للشركة قبل أن يستفيق المحاسبون القانونيون من صدمتهم. تخيل.. كل تلك العقارات والأسهم ستصبح تحت تصرفنا، لن نحتاج لسؤاله بعد اليوم عن ثمن حقيبة أو سفرة". ​كان منصور خلف الستارة يشعر بنبضات قلبه تطرق صدره مثل الطبول. لم تكن الصدمة في رغبتهم في المال، بل في "الشماتة" التي لمسها في أصواتهم. وفي تلك اللحظة، دخل الخادم العجوز "جابر" الغرفة وهو يحمل معطفاً ثقيلاً، نادى بصوت حزين: "سيدي منصور؟ هل أنت هنا؟ الجو بارد وأخشى عليك". التفتت نجلاء إليه وقالت بنهر: "اخرج يا جابر! سيدك لا يسمعك ولا يحتاج إليك، اذهب ونظف الممرات الجانبية واتركنا وشأننا". ​خرج جابر مطأطأ الرأس، وهو يتمتم: "الله يشفيك يا أبا خالد، كنت جباراً لكنك كنت كريماً". بكى منصور لأول مرة في حياته، لم يبكِ على ملكه الضائع، بل بكى لأن الرجل الذي كان يوبخه ليل نهار هو الوحيد الذي كان يحمل له ذرة من الوفاء.