الفصل الاول
كان منصور يجلس خلف مكتبه المصنوع من خشب الأبنوس النادر، في الطابق الخمسين من برج "المنصور" الذي يعانق سحاب العاصمة. كانت الإضاءة خافتة إلا من مصباح مكتب ذهبي يسلط ضوءه على أوراق الصفقات المليارية. كان منصور رجلاً في الخمسين من عمره، شعره اشتعل شيباً لكن ملامحه كانت حادة كالسيف، وعيناه لا تعرفان الرحمة حين يتعلق الأمر بالعمل.
في تلك اللحظة، كان يصرخ في وجه مدير حساباته، صوتاً كان يزلزل المكاتب بالخارج: "كيف تجرؤ على إخباري بأننا خسرنا تلك المناقصة؟ أنا المنصور! أنا من لا يعرف الهزيمة!". كان يلوح بيده في الهواء، وعروق رقبته قد برزت بشكل مخيف، ووجهه تحول إلى اللون الأحمر القاني. وفجأة، في منتصف صرخته التي كانت ستملأ الغرفة، شعر بشيء غريب. كأن يداً خفية قبضت على حنجرته بشدة، أحس بطعم معدني غريب في فمه، ثم ساد صمت مفاجئ.
حاول منصور أن يكمل جملته: "اخرج من هنا!"، لكن لم يخرج شيء. فتح فمه على وسعه، وبدأ يتنفس بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط كالمنفاخ، لكن صوته الذي كان يرعب المئات اختفى تماماً. سقط القلم من يده، واختل توازنه ليرتطم بكرسيه الجلدي الفخم، بينما وقف المدير بذهول وهو يرى "الأسد" يتهاوى أمامه صامتاً.
استيقظ منصور بعد ساعات في غرفة المستشفى البيضاء الباردة. رائحة المعقمات كانت تخنق أنفاسه، وصوت الأجهزة الطبية الرتيب (طيط.. طيط..) كان هو الصوت الوحيد الذي يكسر هدوء الغرفة. حاول أن ينادي الممرضة، حاول أن يصرخ باسم زوجته "نجلاء"، لكنه اكتشف الرعب الحقيقي؛ حنجرته أصبحت قبراً لصوته.
دخل الطبيب بملامحه الجامدة، وخلفه عائلة منصور: زوجته نجلاء بملابسها الفاخرة التي لا تليق بزيارة مستشفى، وابنه الأكبر خالد الذي كان ينظر في ساعته بملل، وابنته سارة التي كانت مشغولة بهاتفها. قال الطبيب وهو يتفحص التقارير: "سيد منصور، لقد تعرضت لجلطة نادرة أثرت على الأحبال الصوتية بشكل مباشر نتيجة ضغط دم انفجاري. من الناحية الطبية، أنت سليم، لكن صوتك.. قد لا يعود أبداً. الصمت هو رفيقك الجديد".
نظر منصور إلى وجوه عائلته، كان يتوقع أن يرى دموعاً، صدمة، أو حتى صرخة ألم. لكنه رأى شيئاً أرعب قلبه أكثر من فقدان صوته. رأى نظرة خاطفة تبادلتها نجلاء مع ابنه خالد، نظرة فيها بريق من "الراحة" وكأن عبئاً ثقيلاً قد انزاح عن كواهلهم. لم يتكلم أحد منهم بكلمة مواساة حقيقية، بل بدأوا يتحدثون عن "ترتيبات القصر" وكأنه لم يعد موجوداً بينهم. في تلك اللحظة، وسط الأجهزة الطبية، أدرك منصور أن رحلته مع الصمت ليست مجرد مرض، بل هي بداية لاكتشاف حقيقة القصر الزجاجي الذي عاش فيه لسنوات.