الفصل الثاني: بداية الصداقة
مرت أيام بعد لقائنا الأول، وصارت دينا تجلس بجانبي دون أن نخطط لذلك. كان الأمر يحدث تلقائيًا، كأن المقعد يعرف مكانه قبلنا. صرنا نتقاسم الأقلام، ونضحك على ملاحظات صغيرة في الدفتر، ونتبادل نظرات الفهم أثناء الحصص المملة.
دينا لم تكن كثيرة الكلام، لكن عندما تبتسم أشعر أن اليوم يصبح أخفّ. كانت ذكية، تلاحظ التفاصيل، وتعرف متى تصمت ومتى تتكلم. شيئًا فشيئًا، صرت أنتظر حضورها قبل أن يبدأ يومي حقًا.
في أحد الأيام، نسيتُ دفتري في البيت، فدفعت دينا دفترها نحوي دون تردد وقالت:
— «اكتبي معي.»
كانت جملة بسيطة، لكنها شعرتني أننا لم نعد مجرد زميلتين، بل صديقتين.
بعد المدرسة، صرنا نتمشى قليلًا قبل العودة. كانت تحكي لي عن الكتب التي تحبها، وعن أحلام صغيرة لا تشبه أحلام الآخرين. لكن كلما اقترب الحديث من حياتها الخاصة، كانت تتوقف فجأة، وتغيّر الموضوع بابتسامة سريعة.
كنت ألاحظ ذلك، لكنني لم أسأل.
الصداقة في بدايتها تشبه الزهرة؛ تحتاج إلى وقت، لا إلى أسئلة كثيرة.
في ذلك المساء، وأنا أراجع دروسي، وجدت نفسي أفكر في دينا أكثر من الدروس. شعرت أن هذه الصداقة مختلفة، وأنها تحمل في طياتها شيئًا لم يظهر بعد.
لم أكن أعلم أن الهدوء الذي يحيط بدينا لم يكن فراغًا…
بل انتظارًا للحظة مناسبة.