آلَآرثًــ المخفي🕵🏻♀️
---
الفصل الأول: الإرث المخفي
كان الغبار يرقص في أشعة الشمس الدافئة المتسللة من النافذة العالية في مستودع "مكتبة الإسكندرية للكتب النادرة". وقفت ليان (25 عامًا) على سلم متحرك، تنتقل بين رفوف ضخمة تحوي صناديق من المخطوطات والكتب القديمة التي تنتظر التصنيف. كان عالمها هذا هادئاً ومنظماً، تطغى عليه رائحة الورق القديم وجلد الكتب، وهو كل ما أرادته بعد حياة مضطربة في صغرها.
في ذلك الصباح، وصلت إلى المكتبة شحنة خاصة من متبرع مجهول، مكتوب عليها فقط "من ممتلكات عائلة حسان". بين الصناديق الخشبية البالية، لفت انتباهها صندوق صغير مغطى بقطعة قماش مخملية بالية. فضولها المهني – أو ربما شيء آخر – دفعها لفتحه بعناية.
داخله، وجدت مجموعة من الدفاتر الجلدية مربوطة بشريط من القماش. لم تكن كتباً عادية، بل كانت يوميات. أول دفتر كان عليه اسم مكتوب بحروف لاتينية أنيقة: "إيزابيل حسان، 1872".
إيزابيل حسان. جدتها الكبرى، التي لم تعرف عنها سوى القليل. كانت أسرة والدها نادراً ما تتحدث عنها، فقط إشارات عابرة إلى أنها كانت "امرأة غير تقليدية" سافرت كثيراً قبل أن تستقر وتختفي من السجلات العائلية بشكل غامض.
جلست ليان على كرسيها الخشبي، وفتحت اليوميات بتردد. كانت الصفحات مليئة برسومات دقيقة لنباتات وحيوانات غريبة، وتسجيلات باللغتين العربية والفرنسية لرحلات في صحاري وشواطئ بعيدة. ولكن ما جذب انتباهها حقاً كان ورقة ملونة مطوية بعناية بين صفحات منتصف الدفتر الثالث.
كانت خريطة.
ليست خريطة عادية لأرض معروفة، بل رسم تخطيطي لواحة أو جزيرة، مع معالم محددة بالعربية: "صخرة النسر"، "وادي الأصداء"، وفي القلب، دائرة صغيرة مكتوب تحتها: "مكان الراحة الأخير لقلب الصحراء الأزرق".
تحت الخريطة، بخط إيزابيل المتوتر وكأنها كانت تسرع في الكتابة، كُتب:
"اليوم، 15 أكتوبر 1881. رأيتها أخيراً. الياقوتة الزرقاء... النور الذي ينبع من داخلها ليس من هذا العالم. لقد أقسم (الرجل الذي يرتدي خاتم الأفعى) أنه سيملكها، كلفاً ما كان. يجب إخفاؤها. الحقيقة مع الدفتر الأخير. احفظوها، يا أبنائي. لا تثقوا بجمعية الأفعى المجنحة."
أحست ليان بقشعريرة تسري في جسدها. كانت القصص مجرد قصص... ولكن هذا كان ملموساً. اسم العائلة. التفاصيل. ذلك التحذير الغريب. وفتحت الدفتر الأخير في الصندوق، لكن صفحاته الداخلية كانت... فارغة تماماً، باستثناء الصفحة الأولى التي كُتب عليها بيت شعر عربي:
"في عين الظلّ حقيقة تختفي.. ونور الكتمان أشد وضوحا"
وفي أسفل الصفحة، بقعة صغيرة من الحبر شكلت، عن غير قصد ربما، صورة مصغرة لعلامة غريبة: أفعى مجنحة.
هزت ليان رأسها محاولة التخلص من الشعور الغريب. "منظمة الأفعى المجنحة؟ يا إلهي، يبدو كما في روايات المغامرات الرخيصة." قررت أن تأخذ اليوميات إلى شقتها الصغيرة لفحصها بشكل أفضل بعد العمل، رغبة منها في فهم حياة جَدَّتها أكثر من أي شيء آخر.
لكنها لم تلحظ الرجل الوسيم أنيق الملبس الذي كان يتصفح الرفوف على بعد أمتار منها. السيد كيريانوس. كان يراقبها منذ أن فتحت الصندوق. وعندما رأها تطوي الخريطة وتضع اليوميات في حقيبتها الخاصة، ابتسم ابتسامة هادئة لا تخلو من برود. لمس خاتمه الفضيّ المُحفور عليه شكل حلزوني غامض – أو ربما كان جسد أفعى – ثم التفت وخرج من المكتبة بهدوء، همساً في هاتفه بلغة أجنبية: "لقد وجدتها. الإرث عاد إلى السطح. لديّ البوصلة."
في تلك الليلة، بينما كانت ليان منشغلة بفحص اليوميات تحت ضوء مصباحها، لاحظت شيئاً غريباً على الصفحة الفارغة من الدفتر الأخير. عندما مرر ضوء مصباحها بزاوية معينة على الورق المصنوع يدوياً، بدأت كتابات خفية بالظهور، كتابات لم تكن مرئية تحت الضوء العادي. كانت سطوراً قصيرة، وكأنها شيفرة أو مفتاح لشيء ما.
وفجأة، ارتجّ باب شقتها بقوة. ليس قرعاً، بل اهتزازاً عنيفاً كما لو أن شخصاً ما كان يحاول اقتحامه.
تجمّدت ليان في مكانها، وقلبها يخفق بشدة. نظرت إلى اليوميات المفتوحة على الطاولة، ثم إلى الباب المتزلزل. في تلك اللحظة، أدركت أن كلمات جَدَّتها إيزابيل لم تكن خيالاً. كان الخطر حقيقياً. وأن سر الياقوتة الزرقاء قد وجد طريقاً إليها، سواءً أرادت ذلك أم لم ترد.
نهاية الفصل الأول.
---
هل تريدني أن أتابع مع الفصل الثاني؟