الفصل الرابع
*ـ ࢪواية. وهم الحياه🥳🥀↻≯🍒⸙•♡»»)) 16/17/18/19/20الاخير
غرام الروايات
تابع قناة غـ͓̽ـرٍآمـ͓̽ـ آلَرٍوٌآيـ͓̽ـآتـ͓̽ـ 🧚♀️📚💅💫 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029VakuN1aHwXbJf5jj7w0J
#وهم_الحياه
البارت الستاشر
فجر
شوفت عينه أول ما وقعت على يعقوب ومريم…
اتخطف وشّه لحظة، نظرة سريعة ما لحقش يخبّيها،
وبعدها لبس وشّ الجمود اللي حافظه كويس،
وسلّم عليهم وكأن مفيش حاجة حصلت.
اتكلمت وأنا بعرفهم على بعض وقلت:
__يعقوب زين…
زين يعقوب.
يعقوب ابتسم وهو بيمد إيده لزين وقال:
__اتشرفت بمعرفتك يا زين باشا.
زين ابتسم ابتسامة باهتة ورد:
__الشرف ليا.
بعدها لفّ لمريم،
سلّم عليها…
وهي واقفة متوترة، كتافها مشدودة،
وعينيها بتلف كأنها بتدور على مخرج.
رجع زين بصّلي.
نظرة واحدة كانت كفاية أفهم منها ألف سؤال:
ليه الحفلة؟
وليه من غير ما أقوله؟
إيه علاقة يعقوب بيا؟
وإيه اللي جاب مريم هنا أصلًا؟
وما استناش كتير.
مسكني من إيدي بهدوء وسحبني على جنب،
وسألني كل الأسئلة دي بعصبية مكتومة.
بصّيت له بهدوء وأنا بمسك إيده،
حسّيت برجفته الخفيفة تحت صوابعي،
وقلت بنبرة واطية مطمّنة:
__هفهمك كل حاجة لما يمشوا…
بس دلوقتي لازم نرجع عشان الضيوف يا زينو.
سابني ثواني،
نفسه كان تقيل،
بس في الآخر هز راسه وسكت…
يمكن لأنه حس إن في حاجة أكبر جاية،
وحاسس إنها مش هتعدّي بالساهل.
رجعنا تاني ووقفنا جنب مريم ويعقوب،
وأنا اتكلمت بنبرة هادية…
بس كل كلمة كانت محسوبة ومتقصودة:
__يعقوب اتعاقد معانا،
وبقى جزء من الشركة بتاعتي.
الصدمة كانت فورية.
وشوش اتخطفِت من غير استئذان.
مريم…
وزين.
ولا واحد فيهم عرف يخبّي.
لمحت زين وهو بيشد فكه،
ومريم عنيها وسعت للحظة قبل ما تنزلها بسرعة.
سمعت مريم وهي بتقرب من يعقوب وتقول بصوت واطي،
بس نبرته مشدودة:
__مقولتليش إنك اتعاقدت مع شركة كبيرة زي شركة مدام فجر…
ليه؟
يعقوب ابتسم بهدوء،
وطبطب على إيدها كأنه بيحاول يثبّت موقفه،
وقال بثقة:
__حبيت أعملهالك مفاجأة.
مفاجأة حلوة… مش كدا؟
مريم ابتسمت ابتسامة باهتة،
مشدودة أكتر ما هي فرحانة،
وقالت:
__آه طبعًا.
بس عينيها كانت بتقول العكس…
والجو كله كان متكهرب،
كأن كل حد فيهم حسّ إن اللعبة اتقلبت،
وإن اللي جاي مش في صالحهم.
اتكلمت وأنا بقاطع أي كلام حواليهم،
وبوجه كلامي مباشرة لزين:
__بجد يعقوب ممتاز ف الشغل،
وهيضيف للشركة كتير…
وأنا ممتنة إنك بقيت من ضمن التيم بتاعنا.
يعقوب ابتسم لي بابتسامة واثقة،
وقال بمجاملة واحترام:
__الشرف ليا… وإن شاء الله نعمل شغل يكسر الدنيا.
_________________
تميم
كانت عيونها سرحانة ولسه فيها أثر العياط،
اتنهدت ببطء وأنا بطبط عليها برفق، وبقول:
__كفاية عياط بقى…
رفعت راسي وبصيتلي بعينيها الحمر،
والحزن فيها كان تقيل على قلبي،
وهي بتشاور على قلبها وقالت بصوت واطي:
__واجعني…
وقتها حسّيت بالوجع اللي جواها،
كأن كل كلمة خرجت من قلبها بتخبط قلبي أنا كمان.
سكت شوية، حسيت بالسكينة في صمتها،
بس نفس الوقت الوجع كان ماسكها جامد.
مسكت إيديها بهدوء، ضمّيت إيديها بين إيدي،
وبصوت واطي ومليان حنية، قلت لها:
__عارف… عارف الوجع اللي جوه قلبك…
بس مش لوحدك… أنا جمبك، وكل اللي تحبيه وأنتِ محتاجاه هاحميه.
قلبها ارتجف تحت لمستي،
وهي بتمسح دمعة هربت من عينها،
ولحظة صغيرة…
حست إنها لسه ممكن تلاقي حد يفهمها ويحميها من الألم.
سكتنا سوا، بس الصمت كان أهدى شويه
بعد لحظات حسيت إنها سقعت،
وزي أي جنتل مان، خلعت جاكيت البدلة،
وحطيته على كتافها بحنية.
ابتسمت وقالت بهدوء:
__شكراً…
رديت وانا بابتسامة صغيرة:
__طب اي، مش هنروح؟
هزّت راسها موافقة وقامت،
فتحتلها باب العربية ودخلت،
وقعدت جمبها ماسك الدريكسيون،
والجو كله هادي، بس مليان إحساس بالأمان اللي كان محتاجه كل واحد فينا.
قعدنا ساكتين شوية،
الشارع نور خفيف بيعدي على وشها،
وهي بتبص من الشباك بعينيها المحمرة ولسه فيها أثر العياط.
__________________
نواره
وصلت البيت، شكرت تميم على إنه جه معايا ووقف جنبي،
وبعدها طلعت للبيت.
لقيت ماما مستنِّياني، عيونها مليانة حنية وقلق في نفس الوقت،
وبسؤال بسيط بس مليان فهم قالت:
__عملتي اي؟
قربت منها وبوست إيديها، وانا بوطي ليها بصوت واطي:
__اليوم كان حلو… وانبسطت أوي.
بصيت لها شوية، كأنها عارفة كل اللي جوه قلبي من غير ما أتكلم،
وقالت بهدوء وحنية:
__ي نور عيني… أنا عارفة إنك تعبانه، عيونك باينه فيها الوجع يا نواره…
بس زي ما إحنا متفقين، لما بنسيب حاجة… عمرنا ما بنرجع ناخدها تاني… صح؟
رديت بابتسامة مهزوزة، وانا بهز راسي، وقلت:
__صح… أنا عارفة.
عشان كدا اديتله الكلمتين اللي نهيت بيهم أي حاجة كانت بينا…
وهعمله بلوك من كل حتة عشان قلبي يستريح.
سكتت لحظة… مسكت إيدي برقة، وابتسامتها كانت دافية كنسمة في يوم شتوي.
قالت بهدوء، كأنها بتستكشف:
__قوليلي… جاكيت مين دا؟
بصيت على اللي بتشاور عليه، وقلبي اتوقف لحظة… جاكيت تميم!
حطيت إيدي على رأسي وأنا أقول، بصوت متلعثم شويّة:
__دا… بتاع تميم… نسيت أديهولوا.
ابتسمت لي، عيونها مليانة فضول وحنية، وقالت بتساؤل، خفيف على لسانيها:
__مين تميم؟
ضحكت من قلبي، وقلت بحمحمة:
__زميلي فالشغل… جه معايا الخطوبة بس.
بصت لي وهي بتغمز، صوتها كان شبه همسة:
__زميلك بس؟
رفعّت أكتافي، وقلت وأنا أتهرب بخفة:
"أيوا… بس… أنا هروح أغير هدومي وأنام."
بوستها بسرعة، وقلت وأنا أبتسم:
__تصبحي على خير.
ودخلت، والجو كله مليان حس لطيف بالحرج والدفء… كأن اللحظة عايزة تتجمد فيها.
__________________
فجر
المعازيم كلهم بدأوا يمشوا واحد ورا واحد،
ولما البيت بقى فاضي، ما فضلش غيري أنا وزين وهنيه،
اللي كانت بتنضف الدنيا بعد ما المعازيم مشيوا.
طلعت وقعدت قدام التسريحة وأنا بمسح الميكب،
وف وسط ما أنا بمسحه، لقيت زين داخل عليا…
وشه مليان علامات الغضب، وقعد على السرير وقال بصوت متحشرج:
__أنا مش فاهم…
اي اللي جاي يعقوب لشغلك؟
وليه ما قولتليش عن حاجة زي دي؟
وليه معرفتنيش إن فيه ضيوف عندنا!
حسيت بالضغط والتوتر مالي الجو حواليه،
وعيونه كانت مركزه ع كل تفصيلة صغيرة…
كنت محتاجة أهدّي نفسي قبل ما أرد عليه.
بصيتله وقالت بهدوء لكن بنبرة حازمة:
__زين… كل اللي حصل ده كان مفاجأة…
كنت عايزة أفاجئك…
ومعازيمك ما كانوش جزء من الخطة أصلاً… أنا بس حاولت أخلي كل حاجة منظمة.
زين شَدّ نفسه وعيونه متقلقة، بس بدأ يتنفّس بهدوء شويه،
قلتله وأنا بمسك إيديه:
__اعرف إن يعقوب جزء من الفريق بتاعي… وده شغل… بس مش قصدي أخبي عنك حاجة…
أنت أهم حد عندي، وعشان كده كل خطوة لازم تعرف عنها.
زين بص لي بعينين مليانة حيرة وعدم تصديق، بس شوية من الغضب اتحول لدهشة…
ابتسمت له بابتسامة صغيرة، وقلبي بدأ يهدّى شوية،
سحب إيده من إيدي وقال وهو بيحاول يمسك أعصابه:
__أنا خارج.
ما سألتوش … كنت عارفة إنه خارج رايح فين!
أكيد هيروح يقابل مريم، لأنه بدأ يشك شوية…
بس مش مهم… كل اللي محتاجاه دلوقتي خطوه واحدة.
خطوة واحدة… وهطربق الدنيا،
على دماغه… وعلى دماغها وعلى كل حاجة حواليهم.
يتبععع#وهم_الحياه
البارت السبعتاشر
فجر
بعد ما خرج، غيرت هدومي
ولبست بيجامة مريحة، وقعدت على السرير.
مسكت الفون واتصلت بتميم…
رد بعد دقايق.
بدأت كلامي وأنا بسأله بهدوء:
__نواره بقت كويسة؟
رد بصوت هادي:
__أنا عملت كل اللي أقدر عليه،
وهي شكلها اقتنعت بكلامي
وهتفتح صفحة جديدة مع نفسها.
هزّيت راسي برضا وأنا بقول:
__كويس جدًا…
كان اختياري صح لما خليتك تروح معاها.
سكت لحظة وبعدين سألني بتساؤل:
«طب حضرتك متصلتيش ليه عليها
واطمنتي بنفسك بدل ما تسأليني أنا؟»
ردّيت بثبات وثقة:
__أنا عارفة إنها دلوقتي محتاجة تقعد مع نفسها
وترتب أفكارها،
وعشان كده محبتش أشوّش عليها.
وسكت ثانية،
وبعدين كملت بحدّة خفيفة مقصودة:
__وبعدين…الأسئلة الكتير، ..بالذات معايا، ...مش في صالحك… فبلاش.
وختمت بهدوء:
__يلا سلام.
وقفلت.
__________________
زين
كنت قاعد على الكنبة، ومريم قدّامي رايحة جاية،
لفّاتها في الأوضة كانت مستفزّة،
وصوتها وهو بيعلو ويهبط كان بيخبط في دماغي.
وهي بتقول بعصبية:
__اكيد دي مش صدفة…
أكيد كل اللي حصل ده متخطط له.
مش طبيعي كل ده يحصل،
وتفهمني إنها لسه فاقدة الذاكرة!»
أعصابي فلتت.
حسّيت دماغي هتنفجر، فقومت زعقت بصوت عالي:
__إنتِ وترتيني!
اتزفّتي اقعدي عشان أعرف أفكّر!»
وقفت فجأة وبصّتلي بنظرة عمرها ما بصّتها قبل كده،
نظرة فيها خوف وغضب وعتاب،
وقالت بنبرة جدّية تقيلة:
__إنت جايب البرود كله ده منين؟
زين…
أنا خونت خطيبي عشانك،
وبيعت الدنيا كلها عشان أبقى معاك.
صوتها اتكسر وهي بتكمل:
__بس أنا مش مستعده اخسر عيلتي.
بابا لو عرف اللي بينا…
هيدبحني.
سكتت.
والكلمة الأخيرة نزلت تقيلة في الأوضة،
وأنا لأول مرة حسّيت إن الموضوع خرج من إيدي…
وإن اللي كنت فاكره لعبة،
بقى خطر حقيقي.
بصّيت لها وقلت بصوت متحفّز، حاولت أطلع فيه ثابت:
__مريم… إنتِ عملتي ده بإرادتك.
أنا ما ضربتكِش على إيدك،
كل حاجة حصلت كانت بموافقتك.
فمتجيش في الآخر وتشيليني الذنب كله.
عيونها لمعت، وصوتها طلع مخنوق وهي بترد:
__عندك حق…
بس أنا عملت كل ده عشانك،
عشان بحبك ومقدرش أعيش من غيرك.
تنهدت، وحاولت أهدّي الموقف وأنا بقول:
__وعشان كده أنا معاكي، متخافيش.
أنا هتصرف،
وهحاول أوقعها في الكلام عشان أتأكد
هي فاكرة ولا لأ.
بصّتلي بتساؤل وقالت:
__هو مش إنت بتديها الدوا اللي بيخلّي تفكيرها يتأخر؟
هزّيت راسي وقلت:
__أيوه،
بس مش متأكد…
يمكن ما جابش مفعول،
أو يمكن أصلاً ما خدتوش.
وقفت شوية قبل ما أكمل:
__هي من الأول ما كانتش واثقة فيّا،
فجايز فعلاً تكون مخدتوش…
وساعتها،
لأول مرة،
الشك دخل دماغي بجد.
رجعت البيت وكان الهدوء مالي المكان.
طلعت أوضتنا، لقيتها قاعده ماسكه الفون، وأول ما دخلت ابتسمت وقالت:
— كنت فين؟
بصّيت لها شوية، وقعدت على السرير وأنا بقلع الجزمة، وقلت:
— كنت مع واحد صاحبي.
هزّت راسها بفهم، فلفّيت لها وقلت:
— هو إنتِ من ساعة ما خرجتي من المستشفى، مفتكرتيش أي حاجة؟
هزت راسها ب "لا"
بصّيت في عيونها، بحاول ألقط أي توتر أو خوف…
لكن كانت ثابتة، زي عادتها دايمًا.
كمّلت وأنا بسأل:
— وبتاخدي الدوا في مواعيده؟
هزّت راسها مرة تانية، وفتحت درج الكومودينو وطلّعت منه علبة الدوا:
— أهو… قربت أخلصه.
هزّيت راسي برضا،
بس رغم كده…
الشك كان لسه مالي قلبي.
مدّيت إيدي أخد علبة الدوا منها، قلّبتها بين صوابعي وبصّيت على تاريخها.
كل حاجة باينة مظبوطة… بس قلبي لأ.
رفعت عيني عليها وقلت بهدوء زيادة عن اللزوم:
— حاسّة بتحسّن؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادية قوي، وقالت:
— أيوه… الصداع خف، وبقيت أنام أحسن.
الإجابة كانت جاهزة، محفوظة…
ودي أكتر حاجة قلقتني.
حطّيت العلبة مكانها وقولت وأنا بسند ضهري على السرير:
— غريبة… دكتور قال إن التحسّن بياخد وقت.
ردّت بسرعة من غير ما تفكّر:
— يمكن عشان أنا قوية شوية.
ضحكت ضحكة خفيفة، بس جوايا كان في حاجة بتشدّني.
الهدوء ده مش طبيعي…
ولا نظرتها وهي بتبصلي كإنها بتقيس كل كلمة بقولها.
قربت مني وحطّت إيديها على كتفي وقالت بنبرة ناعمة:
— إنت تعبان ليه كده؟ شكلك متوتر.
اتنهدت وقلت:
— شغل… بس.
سحبت إيديها بهدوء وقومت،
وانا رايح ناحية الحمّام قلت من غير ما ألف:
— نامي… بكرة يوم طويل.
وأنا واقف قدام المراية،
كنت متأكد من حاجة واحدة بس:
هي مش بريئة زي ما باين.
يا إمّا فاكرة كل حاجة…
يا إمّا بتمثّل تمثيل يخوّف.
واللي جاي…
هيكشف مين فينا اللي هيسبق التاني.
__________________
فجر
دخل الحمّام ياخد دُش.
كانت كل كلمة طالعة مني مقصودة،
وكل حركة، وكل نفس… كنت قاصداها.
قصدي أشككه فيّا،
أخليه مش واثق،
مهزوز، متوتر،
خايف طول الوقت.
ده بالظبط اللي أنا عايزاه.
فاكر إني باخد الدوا،
لكن الحقيقة إني لا باخده
ولا حتى بحطه في بُقي.
وعارفة كويس إنه عايزني أفضل ناسية،
بس أنا مش هديه اللي هو عايزه.
هخليه فاكر إني ناسية…
بس مش هيفضل مطمّن على طول.
خرج من الحمّام، نشّف شعره،
وقعد جنبي.
وفجأة قرب مني، وحط راسه عليّا،
وحضني من غير ولا كلمة.
جسمي كله ارتعش.
بحبه…
أيوه بحبه،
بعد كل اللي عمله.
اللي بينا مش قليل،
بس هو داس على كل ده.
وأنا غرقانة في تفكيري،
سمعته بيهمس بصوت واطي:
— بتحبيني؟
رفعت إيدي بهدوء وحطيتها على ضهره،
مسحت بإيديا على شعره ببطء،
وبصوت واطي قلت:
— بتحب الأسئلة الصعبة ليه قبل النوم؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة،
وكملت وأنا مغمضة عيني:
— لو مكنتش مهتمة…
مكنتش هفضل هنا أصلًا.
سكت شوية،
وسيبت الجملة معلّقة،
لا تأكيد كامل
ولا نفي يخوّفه.
وحسّيت بنَفَسه هدي شوية،
بس الشك…
لسه جوّه.
قرب أكتر، وحضني بشدّة كإنه بيحاول يلاقي إجابة جوّه الحضن نفسه
مش في الكلام.
سكت شوية وبعدين قال بصوت مكسور:
— أنا حاسس إنك بعيدة… مع إنك قريبة.
اتنفست بعمق،
وسيبت نفسي بين إيديه من غير ما أهرب ولا أقاوم
وقولت بهدوء محسوب:
— البُعد مش دايمًا مسافات يا زين…
أحيانًا بيبقى خوف.
شدّ على إيديا أكتر:
— خوف من إيه؟
لفّيت وشي ناحيته،
بصّيت في عينه بثبات
وقولت بنبرة صادقة نصها حقيقي ونصها تمثيل:
— من إن اللي اتكسر مايرجعش زي الأول.
سكت،
واضح إنه اتوجع
بس مقدرش يمسك عليّا حاجة.
قرب جبينه من جبيني وهمس:
— أنا مش عايز أخسرك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة مالهاش طعم
وقولت:
— محدش ضامن حاجة يا زين…
بس طول ما إحنا بنحاول
يبقى لسه فيه أمل.
غمّض عينه وهو لسه حضني
وأنا جوايا كنت عارفة
إنه دلوقتي ...لا مطمّن
ولا شاكك للآخر
وده بالظبط
المكان اللي أنا عايزاه فيه.
صحيت تاني يوم ملقتوش جنبي،
عرفت على طول إنه راح الشغل.
قومت بهدوء، جهزت نفسي،
وخرجت وأنا عقلي شغال بكل اللي جاي.
ركبت العربية ولسه بدوّر الموتور
لقيت تليفوني بيرن…
يعقوب.
ردّيت بهدوء مصطنع،
فقال بنبرة قلق:
— إيه النظام؟
إحنا دخلنا الشك فيهم…
هنعمل إيه بعد كده؟
اتنهدت وأنا بسوق،
وقلت بثبات:
— إنت مش هتعمل حاجة.
أنا اللي هعمل كل حاجة.
سكت لحظة،
وكملت بنبرة واثقة:
— خلاص، كل حاجة هتتكشف النهارده.
هكلمك وأقولك على الميعاد والمكان.
قفلت معاه وأنا شغّالة دماغي على الآخر
كل تفصيلة محسوبة
كل خطوة ليها توقيتها.
وصلت الشركة،
دخلت مكتبي وطلبت السكرتارية:
— محدش يدخل عليّا غير لما أطلب.
قعدت على الكرسي،
فتحت اللابتوب
وبعت مسدچ ليعقوب بس لرقم محفوظ من غير اسم
قفلت الموبايل
وسندت ضهري
وقلت بيني وبين نفسي:
— يا إما كله يبان…
يا إما كله يولّع.
وف وسط الدوامة اللي أنا فيها،
دخلت عليّ نواره فجأة!
لكنها كانت مختلفة…
لابسة لبس عمرها ما لبسته قبل كده،
شعرها مفروش لأول مرة، ومرسوم عليه ميكب خفيف
خلاها كأنها نسخة أقوى من نفسها، واثقة وجميلة.
ابتسمت لي وقالت بهدوء:
— ممكن أقعد؟
هزيت راسي وأنا أبادلها الابتسامة،
فكملت وهي بتبص لي بعينين صادقتين:
— أنا جيت عشان حسيت إني محتاجة أبدأ من الأول،
وأتعلم منك الشغل… لو مش هأخرك طبعا
ابتسمت لها برضا وقلت:
— طبعًا، تعالي اقعدي، مفيش أي حاجة هتزعلنا.
قعدت جمبي، وحسيت بطاقة مختلفة في حضورها… قوة وثقة أنا كنت عايزه أشوفها من زمان.
نظرتلي بعينين مليانين حماس وقالت:
— بصراحة، أنا عايزة أتعلم منك كل حاجة… مش عايزة أضيع وقت تاني، ولا أكرر أي غلطات.
ابتسمت وقلت:
— تمام… يبقى نبدأ خطوة خطوة، ومفيش أي استعجال، كل حاجة هتتعلميها صح.
حسيت إن الجو بينا اتغير… نواره دي اللي أنا عارفها، بس أقوى وأجمل من أي وقت فات.
يتبعععع
الروايه قربت تخلص😢#وهم_الحياه
البارت التمنتاشر
نواره
قعدت ساعات مع فجر، وفهمتني حاجات كتير عن الشغل… مش كل حاجة، بس الحاجات اللي لازم أي حد يعرفها عشان يقدر يساعد صح.
قالتلي: "روحي باشري الشغل وراقبي الموظفين كويس."
ففعلاً، روحت.
كنت لابسة بدلة سودا وشعري مربوط ديل حصان… حسيت إني شبه فجر أوي.
قعدت أمشي وأراقب، أشيك على كل حاجة… وبصراحة، الكل كان عامل اللي عليه وزيادة.
وفجأة، سمعت صوت بيناديني باسمي!
تميم.
قرب مني وهو مبتسم وقال:
— دا انتي شكلك بقيتي مديرة بحق وحقيقي بقى.
ضحكت وأنا باسلم عليه وقلت:
— مش أوي كده يعني.
ابتسم تميم وهو مكمّل بنبرة هزار خفيفة:
— لا لا، أوّي كده، الوقفة واللبس والحضور… كله بيقول إنك اتغيّرتي.
ابتسامتي وسعت شوية، وقلت وأنا بحاول أبان عادي:
— يمكن عشان قررت أبقى نفسي بقى، من غير خوف ولا تردد.
بصلي بنظرة فهمت منها إنه فاهم
أكتر ما بيقول، وقال بهدوء:
— وده أحسن قرار ممكن تاخديه.
سكتنا لحظة، وبعدين سألني:
— عاملة إيه؟ أقصد… بجد.
اتنفست بعمق قبل ما أرد:
— أحسن. مش تمام قوي، بس أحسن من قبل.
هز راسه بابتسامة مطمّنة:
— المهم إنك ماشيه لقدّام، والباقي هييجي لوحده.
في اللحظة دي حسيت إني واقفة على أرض ثابتة لأول مرة من زمان…
مش محتاجة أهرب، ولا أبرر، ولا أستنى حد ينقذني.
أنا هنا… وببتدي من جديد.
قاطعنا صوت منى وهي بتقرب علينا،
علامات الغضب كانت باينة على وشها بوضوح.
وقفت قدامي، وابتسمت ابتسامة صفرا وقالت:
— إزيك يا أستاذة نواره؟
ابتسمت بتوتر وقلت:
— أستاذة إيه بس يا منى؟ أنا نواره عادي.
بصّتلي من فوق لتحت بنظرة مليانة معنى، وقالت:
— مش كان أولى تقوليلنا إنك أخت مدام ليل بدل اللفة دي كلها؟
اتكلمت بسرعة وأنا بحاول أبرر:
— أنا… أنا مقولتش عشان مكنتش عايزة حد يتعامل معايا بالشوكة والسكينة لمجرد إني أختها.
حبيت أكون على طبيعتي، من غير مجاملات ولا معاملة خاصة.
ردت ببرود واضح وقالت:
— هعمل نفسي مصدقاكي.
وبعدين لفّت بنظرها لتميم، اللي كان واقف بيراقب الموقف بذهول، وقالت بنبرة آمرة:
— اتفضل، ورانا شغل كتير.
اتحركت منى قدامنا بخطوات سريعة،
واضح إنها قاصدة تسيب وراها توتر في الهوا.
بصيت لتميم بسرعة، لقيته بيبصلي بنظرة فهمت منها إنه مستغرب بس ساكت.
قرب مني خطوة وقال بصوت واطي:
— متركزيش… هي بس بتبقى صعبه ف الشغل مش أكتر
هزّيت راسي وأنا باخد نفس عميق،
مش وقت ضعف، ولا وقت إحساس زيادة.
كملت لفّتي في المكان،
وأنا بحاول أركز في كل تفصيلة:
الشغل ماشي إزاي، الناس بتتكلم إزاي،
مين بيشتغل بضمير ومين بيأدي وخلاص.
وفجأة لقيت نفسي واقفة قدام مكتب فاضي.
مكتب لسه متجهزش،
لكن حسّيت إحساس غريب…
كأن المكان دا مستنيني.
في اللحظة دي جه صوت فجر من ورايا:
— عاجبك المكتب؟
لفّيت بسرعة، ابتسمت من غير ما أحس، وقلت:
— حاسة إنه… مناسب.
ابتسمت فجر بنظرة كلها معنى وقالت:
— من النهارده دا مكتبك.
مش عشان إنك أختي،
عشان أنا شايفة فيكي حاجة حلوة، ولسه هتكبر.
قلبي دق جامد،
مش فرحة بس…
إحساس إني أخيرًا واقفة على رجلي.
ومن بعيد،
كانت منى واقفة بتراقب،
وعينيها بتلمع بحاجة مش مريحة أبدًا.
وأنا ساعتها فهمت:
اللي جاي مش سهل…
بس أنا كمان مبقتش سهلة.
________________
تميم
دخلنا المكتب،
وأخيرًا لقيت فرصة أتكلم وأفهم مالها.
قلت بصوت متحشرج وأنا بحاول أسيطر على أعصابي:
— في إيه يا منى؟ حامية على البنت كده ليه؟
بصّتلي بسخرية وهي بتقلب في الورق قدامها، وقالت ببرود:
— بجد يعني؟ أنا اللي غلطانة!
مش شايف إنك بقيت معاها طول الوقت تقريبًا؟
بصّتلها بهدوء وقلت:
— لا، مش شايف يا منى.
وحتى لو كده… فيها إيه يعني؟ دي صاحبتنا.
قفلت الملف بعصبية، ورفعت صباعها في وشي وهي بتقول بسرعة:
— عمرها ما كانت صاحبتنا.
صاحبتك إنت آه، إنما مش صاحبتي أنا، فاهم ولا لأ؟
نفد صبري، ونبرتي علت من غير ما أحس:
— أنا مش فاهم… إنتِ مش بتحبيها ليه؟
رفعت صوتها فجأة، والزعيق طلع منها من غير تفكير:
— عشان بحبك!!!!
سكتُّ.
الكلمة وقعت بينا تقيلة،
وأنا لأول مرة فهمت…
إن المشكلة عمرها ما كانت نواره.
بصيت لها بصدمة، مش عارف أرد منين ولا بإيه.
اتنهدت وقلت بهدوء حاولت أجمعه بالعافية:
— منى… إنتي بتقولي إيه؟
قربت خطوة، وعينيها فيها وجع وغضب مع بعض:
— بقول الحقيقة اللي عمري ما عرفـت أقولها.
وأهو انتي شايف… من ساعة ما دخلت نواره حياتك وانت متغير.
هزّيت راسي بنفي، ونبرة صوتي بقت أوضح وأقسى شوية:
— أنا متغيرتش،
بس يمكن إنتي اللي كنتي متوقعة مني حاجة عمري ما وعدتك بيها.
شدّت الملف اللي في إيدها ورمته على المكتب بعصبية:
— يعني إيه؟
يعني كل السنين دي ولا حاجة؟
قربت من المكتب، سندت بإيدي عليه وبصّيت لها في عينيها مباشرة:
— اللي بينا شغل وصداقة،
ولا مرة قلتلك غير كدا،
ولا مرة لمّحت بحاجة تانية.
سكت شوية، وبصّيت لها بنظرة هادية بس قاطعة، وقولت:
— منى… أنا بحترمك، وبقدّرك، بس عمري ما شوفتك غير صاحبتي وبس.
الكلام نزل عليها زي الضربة.
ضحكت ضحكة خفيفة مكسورة، وهي بتهز راسها بعدم تصديق:
— صاحبتك؟
يعني كل اللي شوفته، كل اللي حسيته، طلع وهم؟
قربت خطوة، صوتها كان بيرتعش بس لسه فيه عناد:
— طب ليه؟
ليه تسيبني أفهم غلط؟
ليه كل مرة أحتاجك ألاقيك موجود؟
تنهد وقولت بهدوء موجع:
— عمري ما وعدتك بحاجة، ولا لعبت على مشاعرك.
إنتي اللي قربتي أكتر من اللازم.
عيونها لمعت بالدموع، بس رفضت تقع.
شدّت نفسها، ووقفت مستقيمة وهي بتقول بنبرة حاولت تخليها قوية:
— تمام…
يبقى من النهارده، خليها هي صاحبتك.
وأنا… هعرف أرجع خطوة ورا
وانساك.
لفّت وشها بعيد عشان مشوفش كسرتها،
وقبل ما تخرج من المكتب قالت بصوت واطي بس حارق:
— بس افتكر كلمة واحدة يا تميم…
القلب لما بيتكسر، مش بينسى بسهولة.
وخرجت،
سايبة وراها صمت تقيل،
وانا واقف مكاني حاسس إن أول مرة افهم
إن الرفض أوقات بيوجع اللي بيرفض
قد ما بيوجع اللي اتحب.
__________________
فجر
خدت شنطتي وأنا خارجة، يعقوب كان مستنيني قدّام الشركة.
لكن قبل ما أفتح الباب، لقيت منى خارجة بسرعة، ودموعها مغرّقة وشّها.
وقفتها قبل ما تمشي، مسكت إيدها وقلت بقلق:
— مالك؟ بتعيطي ليه كده؟
مسحت دموعها بضهر إيديها، وحاولت تتماسك وهي بتقول:
— مفيش يا مدام فجر.
ابتسمت بسخرية خفيفة وأنا ببصّ لها:
— مفيش إيه بس؟
دا وشّك محمّر من كتر العياط.
بصّيت في ساعتي، الوقت كان بيجري.
طبطبت على كتفها وقلت بنبرة أهدى:
— صدقيني، مفيش حاجة في الدنيا تستاهل دموعك بالشكل ده.
شدّيت شنطتي وأنا بكمل:
— استنيني… هروح مشوار صغير وهرجع،
وساعتها هنعرف مالك بالظبط.
كله هيبقى تمام… أو على الأقل هنبقى فاهمين.
سيبتها واقفة،
ومشيت وأنا حاسة إن اللي جاي
هيقلب كل الموازين.
خرجت، وكان يعقوب فعلًا قاعد في العربية مستنيني.
اتنهدت وأنا بفتح الباب وقعدت على الكرسي اللي جنبه.
لفّيت له وبصّيت في عينه وقلت بهدوء مقصود:
— جاهز؟
رد بابتسامة واثقة:
— جاهز…
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
— إنتِ جاهزة؟
لبست نضارة الشمس، وبصّيت قدّامي بثقة وأنا بقول:
— أنا دايمًا جاهزة.
ودوّر العربية، وقال بنبرة غريبة شدّت انتباهي:
— ودايمًا برضه بتبقي واخدة الشنطة معاكي؟
لفّيت وبصّيت له بعدم فهم متعمّد…
أو يمكن كنت فاهمة، بس بستعبط:
— وضّح كلامك.
فضل باصص قدّامه، صوته هادي بس تقيل:
— إنتِ فاهماني كويس.
الشنطة اللي دايمًا معاكي في كل حتة…
اللي فيها مسدس.
وساب الطريق لحظة، وبصّلي في عيني نظرة مباشرة، وقال:
— أوضّح أكتر من كده؟
سكتُّ.
السكوت المرة دي ماكانش هروب…
كان اعتراف من غير كلام.
خدت نفس بطيء، وشيلت عيني من عليه وبصّيت قدّامي، وكأني براقب الطريق…
بس الحقيقة إني كنت براقب نفسي.
قلت بهدوء متعمّد:
— ما كنتش متخيلة إنك واخد بالك.
ابتسم ابتسامة خفيفة، مافيهاش هزار، وقال:
— اللي عايش طول عمره حذر… بيعرف يشوف.
سكت شوية، وبعدين كمّل وهو لسه سايق:
— بس اللي مش فاهمه…
إنتِ ناوية توصلي لإيه؟
لفّيت له وبصّيت في عينه المرة دي من غير لف ولا دوران:
— ناوية أوصل للحقيقة.
ضحك ضحكة قصيرة، بس فيها قلق واضح:
— والحقيقة دي مستاهلة كل اللي بتعمليه؟
اللعبة دي خطيرة يا فجر.
قربت من الشباك شوية، وصوتي نزل أكتر:
— الخطر الحقيقي إني أسكت.
إني أسيبهم فاكرين إنهم أذكى مني.
ضغط على الفرامل فجأة، العربية وقفت على جنب.
لفّ لي بجسمه كله وقال بحدة مكتومة:
— إنتِ مش لوحدك في الحكاية دي، فاهمة؟
أي خطوة غلط… هتغرق الكل.
ابتسمت، الابتسامة اللي دايمًا بتسبق العاصفة، وقلت بثقة:
— عشان كده مختارتكش غير وإنت معايا.
وعشان كده…
النهارده لازم نكمّل للآخر.
بصلي شويه وقال بتساؤل:
__معرفتش برضه ليه دايما شايله مسدس معاكي؟
اتنهدت وأنا بقول:
__بيحسسني بالأمان ..
فضل باصصلي شوية، نظرة فيها خليط بين قلق واستغراب، وبعدين رجّع عينه للطريق وقال بهدوء:
— الأمان مش دايمًا بييجي من الحديد يا فجر.
ابتسمت ابتسامة جانبية، مافيهاش فرحة، وقلت وأنا بسند راسي على الكرسي:
— يمكن…
بس لما الأمان من البشر بيخذلك، بتدور على أي حاجة تمسكك واقف.
سكتنا شوية، صوت الموتور هو الوحيد اللي مالي المكان.
وبعد لحظة قال بنبرة أخف:
— واضح إنك اتخذلتي جامد.
لفّيت له وقلت بثبات حاولت أصدّقه قبل ما يصدّقه هو:
— اتخذلت،
بس متكسرتش.
هزّ راسه كأنه اقتنع نص اقتناع، وقال:
— أهم حاجة تفضلي فاكرة إن القوة مش إنك تشيلي سلاح…
القوة إنك تعرفي إمتى تستخدمي عقلك.
بصّيت قدّامي، وضميت الشنطة أقرب لجسمي، وقلت بصوت واطي:
— ما تقلقش…
أنا طول عمري بلعب بعقلي قبل أي حاجة تانية.
كمل السواقة، والطريق كان طويل…
بس اللي جاي في آخره
كان أخطر من أي سلاح.
يتبعععع#وهم_الحياه
البارت التسعتاشر
نواره
بعد ما خلصت ألفّ على الموظفين،
لمحت تميم قاعد لوحده.
شكله كان مهموم، وملامحه باين عليها حزن تقيل.
قربت منه وحمحمت قبل ما أتكلم،
قعدت قدامه على الكرسي وبصّيتله وسألت بهدوء:
— مالك مهموم كده ليه؟
بصّلي وهو مسنّد ضهره وقال بصوت واطي:
— منى قالت إنها بتحبني.
هزّيت راسي بفهم، وسألته بتلقائية:
— وإنت… بتحبها؟
حوّل عينه على الحيطة شوية، وحط إيده على راسه وقال بتوهان:
— مش عارف.
بس بحس لما مش بتكون موجودة إني متضايق ومخنوق.
مش فاهم ده حب…
ولا مجرد عشرة وخلاص.
بصّيتله، وطبطبت على ضهره وأنا بقول بهدوء:
— واضح إنك تايه.
سكت شوية، وكإن الكلمة لمسته في حتة موجوعة.
فضل باصص قدامه، وبعدين أخد نفس طويل وقال:
— بس الغريب إني لما شوفتها بتعيط…
حسيت قلبي اتقبض.
مش عارف ليه حسيت إني أنا السبب، مع إني معملتش حاجة.
بصّيتله من غير ما أتكلم، سيباه يكمل.
كمّل وهو بيضغط صوابعه في بعض:
— أول ما مشيت من قدامي، فضلت أفكر فيها.
كنت عايز أطمن عليها…
أكتر ما كنت عايز أفهم نفسي.
رفع عينه وبصّلي بنظرة فيها اعتراف من غير كلام:
— هو طبيعي الواحد يخاف يوجع حد مش بيحبه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت بهدوء:
— لا…
اللي بيخاف على زعل حد، بيبقى مهتم.
والمهتم غالبًا بيحب، حتى لو لسه مش مستوعب ده.
.سكت شوية، وبعدين قام واقف فجأة كإنه خد قرار وهو مش متأكد منه،
لف الأوضة رايح جاي وقال بصوت واطي بس متلخبط:
— أنا عمري ما خفت من إحساسي قبل كدا…
بس المرة دي حاسس إن الموضوع أكبر مني.
قعد تاني قدامي ومسح وشه بإيده وقال:
— منى مش وحشة، بالعكس…
بس فكرة إني أكون سبب في دموعها مخوفاني.
مخوفاني أوي.
بصّيتله بهدوء وقلت:
— يمكن عشان إنت مش شخص أناني.
يمكن عشان قلبك دخل في الموضوع غصب عنك.
هز راسه بنفي خفيف، بس عينيه كانت بتقول العكس.
قال وهو بيتنفس بعمق:
— لما قالت إنها بتحبني…
محستش إني عايز أبعد.
محستش إني متضايق.
كنت متوتر بس…
توتر واحد خايف يخسر حاجة لسه ما مسكهاش بإيده.
ابتسمت وأنا باصاله، وقلت بنبرة واثقة:
— أهو ده الحب يا تميم.
مش دايمًا بييجي على شكل فرحة…
أحيانًا بييجي على شكل خوف.
سكت، وبعدين قام وهو بيقول:
— لازم أتكلم معاها.
مش عشان أدي وعد…
بس عشان أكون صادق.
وهو ماشي ناحية الباب، وقف لحظة،
لف وبصّلي وقال:
— شكراً…
لو مكنتيش موجودة، كنت هفضل هربان من نفسي.
خرج، وساب وراه إحساس واضح
إن في قلبه حاجة اتغيرت…
وإن منى، من اللحظة دي، بقت أكتر من مجرد اسم في حياته.
مش هنكر إني كنت مشدوده ليه شوية،
بس ده مش معناه إني أواجهه بالغلط،
ولا أحاول أقنعه إنه مش بيحبها
وأنا شايفة الحقيقة قدامي.
هو بس خايف…
والخوف ده ممكن يضيّع مننا حاجات كتير
من غير ما نحس ولا ناخد بالنا.
اتنهدت بهدوء وقولت ف نفسي:
__يمكن نصيبي لسه ما جاش،
وأنا مش مستعجلة عليه
_______________
زين
مريم كانت قدامي،
بتحضر هدومها،
وكلامها سابق إيديها، كله طالع مرة واحدة:
— أنا لا يمكن أقعد هنا يوم كمان،
هسافر كام يوم كده لحد ما الأوضاع تستقر.
قربت منها وأنا متعصب وقلت:
— أوضاع إيه اللي تستقر؟ مفيش حاجة أصلاً!
إنتي ليه مكبّرة الموضوع كده؟
لفّت ناحيتي، جسمها بيترعش من العصبية، وقالت:
— أنا مش هسمحلك تقلل من خوفي كل مرة.
المرّة دي قلبي مش مطمّن،
حاسّة إننا قربنا من النهاية…
وأنا مش مستعدة أبداً لحاجة زي دي.
عايز تيجي معايا أهلاً وسهلاً،
مش عايز؟ خليك جنب السنيورة.
ضحكت بسخرية وقلت:
— كنت فاكر إنك بتحبيني،
وإنك ممكن تعملي أي حاجة عشاني.
رفعت صباعها في وشي،
الحركة اللي دايماً بتستفزني، وقالت:
— إنت أكتر واحد عارف أنا بحبك قد إيه
وعملت إيه عشانك…
بس لحد هنا،
أهلي خط أحمر،
واستوب يا زين.
بصّتلها شوية، ....مش لاقي رد، ...ولا عارف أقول إيه.
قربت مني أكتر،
وبصوت مليان ترجّي قالت:
— هتيجي معايا؟
كنت لسه هرد،
وفجأة سمعت صوت خبط على الباب.
بصّتلي بعينين واسعة، وقالت بتوتر:
— إنت مستني حد؟
هزّيت راسي بـ لا،
وبلعت ريقي وقلت:
— خليكِ هنا…هشوف مين اللي بيخبط.
المفاجأة صدمتني لما فتحت الباب، ولقيت فجر واقفة قدامي ووراها يعقوب!
بلعت ريقي بصعوبة، قلبي بدأ يدق بسرعة، ومكنتش قادر أخفي صدمتي.
متكلمتش، ومكنتش لاقي كلام أقولّه، حاسس الدنيا كلها واقفة ع أطراف اصابعها ...
بصيت لفجر،
وابتسامتها الباردة كسرت أي شجاعة كانت جوايا،
ابتسامة مافيهاش ولا ذرة طمأنينة.
وقالت بصوت هادي… لكنه كان حاد زي السكينة:
— طب إيه؟ هنفضل واقفين كده عند الباب؟
سِبت جسمي على جنب من غير ولا كلمة،
وحسّيت إن قلبي بيدق أسرع من أي وقت.
فجر عدّت من جمبي بثبات،
كأن المكان مكانها،
ولا كأنها داخلة بيت حد تاني.
يعقوب دخل وراها،
نظرة واحدة منه كانت كفاية تقول إن في حاجة كبيرة جاية،
حاجة مش بسيطة ولا عابرة.
قفلت الباب وراهم بإيدي اللي كانت بتترعش غصب عني،
ولفيت أبص عليهم.
لقيت مريم واقفة مكانها،
وشّها شاحب،
وعينيها ثابتة على فجر كأنها شايفة كابوس واقف قدامها.
فجر بصّت لها من فوق لتحت،
وبنبرة هادية زيادة عن اللزوم قالت:
— مش هطوّل… بس كان لازم أجي بنفسي.
سكتت لحظة،
وبعدين بصّتلي أنا،
نظرة خلت صدري يتقفل،
وقالت:
— لأن اللي جاي ده… ما ينفعش يتقال في التليفون.
______________
فجر
قعدت على أقرب كرسي، وحطيت رجل على التانية كنوع من السيطرة والهدوء.
يعقوب قرب ووقف جمبي، إيده في جيبه، لكن كنت شايفة الغضب في عينه، مسك نفسه وضغط على إيده عشان ما ينفعلش.
زين ومريم كانوا واقفين بعيد شوية، عيونهم مليانة خوف وارتباك، واضح إنهم حاسين إن رصيد الصبر خلص، وإن دلوقتي وقت الحساب جه.
اتكلمت بصوت هادي بس فيه حدة، وأنا ببص حوالين الصالة كأني بفحص الموقف:
— لا بس زوقك مش قد كده يا مريم…
عارفة؟ لو كنتي قولتيلي من الأول إنك هتتجوزي جوزي، كنت جيت ونقيت معاكي العفش والديكور، بدل كل الهلاهيل دي.
مريم وقفت جامدة، عيونها بتلمع بالغضب والخوف مع بعض، حاولت ترد بصوت متردد:
— أنا… أنا ماكنتش أقصد…
ضحكت بسخرية بارده، وحركت راسي شويه وانا مستمتعة بتوترها:
— ماكنتيش تقصدي؟! يبقى اللي حصل كله صدفة؟ الهلاهيل اللي عاملاها هنا؟ وجودك ف شقه مع جوزي كلامكم الجميل ف التلفون كل دا صدفة؟
عيونها اتملت دموع، وقربت من يعقوب بخطوات مهزوزة.
مسكت إيده وحاولت تبوسها، صوتها طالع مكسور وهي بتترجّى:
— أبوس إيدك… أبوس إيدك استروا عليّا، وبلاش تقول لبابا.
بابا لو عرف ممكن يموت فيها.
يعقوب سحب إيده بسرعة، كأن لمستها حرقتُه، وقال باشمئزاز واضح:
— ومدام انتي عارفة كده… ليه خونتيني؟
وليه خونتي ثقته؟
ما ردّتش
قرب منها أكتر، مسك إيديها بحدّة، صوته طالع من أعصابه:
— ما تردّيــــي!
انهارت، وبكت بوجع حقيقي وهي بتقول:
— عشان هو اللي أجبرني…
أجبرني إني أتخطبلك وأنا مش بحبك .... ما قدرتش أكسر كلامه… فـ
قبل ما تكمل، قاطعها يعقوب بعصبية:
— فقولتي تغفّليني؟
وتغفّلينا كلنا؟
وتروحي تتجوزي من ورانا… صح؟
سكت لحظة، وبعدين صوته واطي لكنه موجِع:
— ليه؟
ليه ما جيتيش من الأول قولتي إنك مغصوبة؟
ليه سيبتيني متغفّل كل الوقت ده؟
ردّت وهي بتشهق، دموعها خانقاها:
— عشان… عشان كنت عارفة إنك بتحبني ......وما رضيتش أجرح مشاعرك.
ضحك ضحكة ساخرة، موجوعة، وهو بيرجّع شعره لورا، وقال بنبرة كسرت اللي باقي:
— فبدل ما تجرحي مشاعري…
قررتي تجرحي رجولتي وتخونيني؟
وقفت قدامه، دموعها نازلة من غير ما تحس، صوتها مكسور وهي بتحاول تمسك في أي أمل:
— أنا غلطت… آه غلطت، بس ماكنش عندي اختيار، والله ما كان عندي اختيار.
يعقوب قرب أكتر، صوته واطي بس نار:
— دايمًا في اختيار… بس انتي اخترتي السهل، اخترتي تكذبي، وتخوني، وتسيبيني أعيش مغيب.
هزّت راسها بنفي وهي بتنهار:
— ماكنتش عايزاك تحس إنك قليل… ولا إنك مرفوض. كنت فاكره إني كده بحميك.
ضحك ضحكة قصيرة موجوعة، وبص لها بنظرة كسرت اللي باقي فيها:
— تحميني؟!
انتي كسرتيني…
سكت لحظة، وبص حواليه، كأن المكان خانقه، وبعدين رجع لها بعينين مليانين خيبة:
— عارف أصعب حاجة إيه؟
إني كنت واثق… واثق فيكي أكتر من نفسي.
انهارت تمامًا، وقعت على الكرسي ودفنت وشها في إيديها، شهقاتها مالية المكان.
زين كان واقف مش قادر يتحرك، ومريم حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
يعقوب خد نفس عميق، حاول يلم نفسه، وقال ببرود متعب:
— اللعبة خلصت… وكل واحد لازم يتحاسب على اللي عمله.
في اللحظة دي اتدخلت، وقلّت بتمثيل:
— لا لا… حرام عليك يا يعقوب! كده هتخلّيها تعيط.
رد زين، صوته متوتر وهو بيقول:
— ناوية تعملي إيه يا فجر؟
بصيت له بحدّة وقلت:
— انت تتخرّس خالص… دورك لسه مجاش.
رد عليا بعصبية وصوته عالي:
— انتي السبب على فكرة… انتي السبب في اللي وصلناله ده كله!
بصيت له، وطلعت مني ضحكة قصيرة، ضحكة سخريّة مالهاش أي روح، وقلت وأنا بثبّت عيني في عينه:
— آه… أنا السبب.
أنا اللي مسكت إيدك وضربتك على إيدك عشان تخوني، مش كده؟
ضحكتي زادت، بس عينيا ما كانتش بتضحك خالص، كانت قاسية وباردة.
قربت منه خطوتين وقولت وانا بتبص له من فوق لتحت:
— ولا أنا اللي غمضت عينك وإنت بتكدب وتخون… ولا أنا اللي علمتك تبيع أقرب الناس ليك.
زين شد فكه، وصوته طلع أعلى:
— إنتي دايمًا بتطلعي نفسك بريئة! عمرك ما غلطتي؟
هزّت راسها ببطء، ونبرتها كانت هادية زيادة عن اللزوم:
— غلطت آه… لما صدقتك.
لما افتكرت إنك راجل يتحمل نتيجة اختياراته، مش أول ما يتحاصر يرمي البلا على غيره.
يعقوب كان واقف ساكت، عينيه رايحة جاية بيني وبينه، الغضب اتحول لتعب تقيل.
أما مريم فكانت بتبكي بصوت مكتوم، حاسة إن كل كلمة بتتقال بتفضحها أكتر.
اتكلمت بغضب، وصوتي كان بيطلع مبحوح من كتر الكتم:
— أنا اللي نضّفتك،
أنا اللي طلّعتك من ولا حاجة، وخليتك تلبس بدل وتشتغل في أكبر شركة…
وفي الآخر دي تكون جزاتي؟!
كنت كل كلمة بطلعها كأني بطلعها من قلبي،
غضب مخلوط بوجع، وخيبة تقيلة أكتر من أي شتيمة.
كملت وأنا بقرب منه خطوة، عيني في عينه من غير ما أرمش:
— ولا حتى جالك ذرة ضمير؟
ولا مرة وقفت قدام نفسك وسألتها أنا بعمل إيه؟!
زين حاول يرد، بس صوته خانُه،
يعقوب كان واقف ساكت… سكوته كان أقسى من أي كلام،
مشدود، فكه مقفول، ونظراته رايحة جاية كأنه بيحاكم الكل من غير ما ينطق.
مريم كانت منهارة، دموعها نازلة من غير صوت،
إيديها بترتعش، ووشها شاحب كأنها مستنية الحكم.
ضحكت ضحكة قصيرة، مفيهاش أي فرحة، وقلت:
— عارفين إيه أكتر حاجة توجع؟
مش الخيانة…
الوجع الحقيقي إني كنت فاكرة إنكم أضعف من كده، مش أوطى.
رد زين بصوت متقطع، وكأنه بيغرق في كلامه:
— أ… أنا بحبك غصب عني والله.
لقيتها مهتمة بيا، سامعاني، حاسّة بيا…
في وقت إنتِ فيه ما كنتيش مهتمة.
انفجرت فيه، صوتي عليّ والغضب سابق دموعي:
— مش مبرررر!
مفيش أي مبرر في الدنيا يغفرلك اللي عملته!
قربت خطوة وأنا ببصله بحدّة:
— آه، يمكن ما كنتش بعرف أقول كلام حلو،
ولا أشكرك على كل حاجة،
بس دي طبيعتي…
وإنت كنت عارفها كويس قبل ما نتجوز، ووافقت!
صوتي هدي شوية، بس الوجع كان أوضح:
— أنا ما كنتش بقصّر،
أنا كنت ببين حبي بطريقتي…
بوقوفي جنبك، بخوفي عليك، بتحمّلي ليك.
وبصيتله بكسرة حاولت اخفيها:
— بس إنت…
عمرك ما شوفت ده.
كملت وأنا صوتي بيرتعش من الغضب أكتر ما هو من الوجع:
— كنت فاكرة إنك فاهمني…
فاهم إن سكوتي مش برود، وإن قلة الكلام مش قلة حب.
كنت بحسبها في اللي بعمله، مش اللي بقوله.
قربت منه خطوة، وإيدي مضمومة وأنا بحاول أسيطر على نفسي:
— أنا كنت جنبك وإنت ولا حاجة،
وأنا اللي صدّقتك قبل ما تصدّق نفسك،
وأنا اللي شلتك لما تعبت، وسكت لما اتوجعت،
وما طلبتش مقابل غير إنك تبقى راجل وتحميني… مش توجعني.
وطّى راسه، صوته طلع واطي ومكسور:
— ما كنتش حاسس… كنت محتاج أتحب.
ضحكت بمرارة وقلت:
— لا يا زين،
إنت كنت محتاج تحس بنفسك،
مش تسرق إحساس حد تاني عشان تعوض نقصك.
سكت شوية، وبعدين كملت بهدوء موجع:
— الحب مش بس كلمة تتقال،
الحب أمان…
وأنت ضيّعت الأمان بإيدك.
بصيتله آخر بصّة، فيها خيبة أكتر من الغضب، وقلت:
— يمكن أنا قصّرت في التعبير،
بس إنت قصّرت في الوفا…
والفرق بينهم كبير قوي.
ردّ بخنقة واضحة، صوته طالع بالعافية:
— عايزاني أعمل إيه… وأنا أعمله؟
بصّيت له بسخرية، ونظري سرح للحظة كأني بدوّر على إجابة ضايعة، وبعدين اتكلمت ببطء:
— أعمل إيه… تعمل إيه؟
رجعت بصّيت له في عينه مباشرة، من غير ما أرمش، وصوتي كان حاسم:
— طلّقها.
حالا.
ارمي عليها اليمين.
تفتكروا مين اللي غلطان
فجر ولا زين؟ وليه؟
ويعقوب ومريم مين فيهم غلط؟#وهم_الحياه
البارت العشرين والاخير
فجر
لقيت وشّه اصفر فجأة.
بصّلي ثواني، وبعدها رجع يبصلها.
كان واضح عليه التردد…
يا إمّا بيفكر،
يا إمّا واخد القرار ومستني اللحظة.
رجع بصّلي تاني وقال بصوت واطي:
— إنتي طالق بالتلاتة يا مريم.
زعقت فيه بحدّة:
— أعلى!
غمّض عينه جامد، وكأنه بيقتل آخر حاجة جواه، وقال بصوت عالي ملي المكان:
— إنتي طاااالق بالتلاتة يا مرييييم!
مريم اتصدمت.
عيونها اتفتحت على آخرها،
وكأنها مش مصدّقة إنه سابها بالسهولة دي.
ضحكت ضحكة سخريّة باردة، وقلت:
— شاطر يا حبيبي.
بصّت له وهي ماسكة إيده، صوتها مكسور:
— إيييه؟
إنت قُلت إييه؟
بعد كل اللي عملته عشاااانك!
سحب إيده منها بعنف، وكأنه لمس نار، وقال وهو بيبصلها بنظرة عمري ما شوفتها قبل كده:
— اللي عملتيه عشانّي كان خيانة… وأنا مبعيش على الخيانة.
انهارت.
رجليها خانتها وقعدت على الأرض، صوت عياطها ملأ المكان.
قربت منها وبصّتلها من فوق لتحت، وقلت بهدوء يوجع أكتر من أي صوت عالي:
— هو دا تمن الاختيارات الغلط يا مريم.
محدش بيكسب وهو بيدوس على غيره.
رفعت عينيها ليا، ووشّها كله كراهية:
— انتي مبسوطه دلوقتي؟
ميلت راسي شوية وابتسمت ابتسامة هادية:
— لأ.
أنا بس رجّعت حقي.
لفّيت وشي ليعقوب وقلت ببرود:
— خلص اللي عندي هنا.
وبعدها بصّيت لزين، نظرة أخيرة:
— الحساب لسه ما خلصش…
بس دا وقته مش دلوقتي.
قربت من الباب عشان أخرج،
وصوت خطوات يعقوب ورايا.
لكن وقفت فجأة.
لفّيت على رجوعي،
ومشيت ناحيه زين خطوتين.
وقفت قدامه،
قريبة أوي…
لدرجة إنه حس بنفَسي.
وطيت صوتي وهمست:
— أنا خلعتك.
عينيه وسعت،
كأنه اتضرب في قلبه.
مدّ إيده من غير وعي،
بس أنا سبقت الحركة.
سحبت الدبلة من صباعي
ورميتها في وشه.
رنت على الأرض رنة حادة
كسرت الصمت.
قلت وأنا بلف وشي:
— دي كانت آخر حاجة ربطاني بيك.
وفتحت الباب وخرجت،
وسيبته واقف مكانه
مكسور…
لأول مرة.
كنت أنا ويعقوب خلاص نزلنا،
وفجأة لقينا أبو مريم في وشّنا.
ابتسمت ابتسامة خبيثة،
وبصّيتله بثبات وقلت:
— بنتك فوق مع جوزها.
سكت لحظة،
وبعدين كمّلت بسخرية تقيلة:
— قصدي… طليقها.
وشّه شدّ واصفر،
قبل ما أكمّل وأنا بعدّي من جنبه:
— أبقى ربي كويس قبل ما تجيبلنا الاشكال دي ع الدنيا يا حج.
عدّيت من قدامه وسيبته واقف مكانه
مصدوم…
ولا عارف يتكلم ولا يلحقني.
يعقوب كان هييجي ورايا،
بس أبو مريم مسكه من إيده فجأة
وصوته مكسور وهو بيقول:
— ده… ده بجد؟
يعقوب بصله بسخرية باردة وقال:
— اتفضل اطلع وشوف بنفسك.
سحب إيده من إيده،
ومشي ورايا
من غير ما يبص وراه.
________________
مريم
وقفت قدّامي لسه مصدومة
من كلمة
"انتي طالق بالتلاته"
زين كان قاعد، حاطط كفّه على راسه
وشكله مهموم…
ومكنتش فاهمة...مهموم علشان طلقني؟
ولا علشان فجر خلعته؟
ملحقتش ألاقي إجابة لسؤالي
لإن الباب خبط.
مسحت دموعي بسرعة
وجريت أفتح،
والصدمة لما لقيت
بابا واقف قدّامي.
أول ما شوفته اتلجلجت، ...ملحقتش أتكلم،
دخل وهو بيبص في كل حتة
كأنه بيدوّر على حاجة.
وأول ما عينه جات على زين…
وشه احمرّ وفكه اتشد.
وقف في مكانه،
صدره بيعلى وبينزل بسرعة
وصوته طلع زي الرعد:
— يعني اللي سمعته ده صح؟
بنتي... بنتي الوحيدة...
اتجوزت من ورايا؟!
مردّتش.
كنت بترعش
وببص في الأرض بخوف.
صرخ فيّا بصوت خلاني أرتعش:
— بكلمك يا مريم!
ردّي؟!!
كنت مستنية زين يتكلم…
يقول أي حاجة…
يدافع…
ينقذني.
بس ولا كلمة قاعد كأنه مش قاعد،
كأنه في دنيا غير الدنيا.
رفعت عيني لبابا بخوف
وقولت بصوت متقطع:
— هفهمك والله…
انفجر فيّا وهو بيضرب إيده في إيده:
— تفهميني إيه؟!
تفهميني إيه بالظبط يا مريم؟!
صوته ارتفع أكتر:
— إنك اتجوزتي وانتي مخطوبة؟
إنك خنتي ثقتي؟
إنك ضحكتي عليّا وعلى خطيبك؟
إنك اتجوزتي واحد متجوز
وسبتيني أمشي في الناس وأنا مرفوع الراس فيكي؟!
مسح وشه بإيده بعصبية:
— أنا كنت بفتخر بيكي!
كنت بقول للناس دي بنتي!
بنتي الوحيدة!
اللي ربيتها لوحدي بعد ما أمها راحت!
صوته اتخنق:
— دي البنت اللي سهرت الليالي عشانها؟
دي البنت اللي حرمت نفسي من كل حاجة عشان أربيها صح؟
حاولت أدافع عن نفسي
والدموع سايحة على خدودي:
— بابا… أنا وزين بنحب بعض!
بصّيت لزين
مستنية يأكّد كلامي…
لكن ماكانش باصص ناحيتي أصلًا.
بابا ضحك ضحكة مجنونة فيها مرارة:
— حب؟!
حب يا مريم؟!
قرب مني وهو بيصرخ:
— الحب يخليكي تكدبي على أبوكي؟
الحب يخليكي تتجوزي في السر؟
الحب يخليكي تتجوزي واحد
وإنتي مخطوبه لغيره؟!
صوته نزل فجأة وبقى مليان ألم:
— أنا معنديش غيرك يا مريم...
معنديش في الدنيا دي غيرك.
بصلي في عيني:
— وإنتي عملتي فيّا كده؟
ضحكتي عليّا كده؟
ثم صرخ تاني:
— أنا تعبت عمري كله عشانك!
ضحيت بكل حاجة عشان أشوفك عروسة
قدام الناس وأنا فخور بيكي!
وقرب مني أكتر:
— لكن إنتي...
إنتي ضيعتي كل حاجة.
ضيعتي نفسك.
ضيعتي سمعتك.
وضيعتيني أنا كمان.
وضربني.
قلم على وشي.
أول مرة يضربني
من ساعة ما اتولدت.
عمره ما مد إيده عليّا…
ودلوقتي بيضربني!
شاور عليّا بصباعه وهو بيترعش من الغضب:
— عمري ما هسامحك على اللي عملتيه.
عمري ما هسامح نفسي إني ربيت بنت زيك.
ليه؟
علشان حبيت؟
علشان اخترت اللي قلبي رايح له؟
علشان وافقت أتخطب لواحد مش بحبه
بس علشان هو يبقى راضي؟
مسكت خدي بإيدي
وبصّيت له وأنا منكسرة بس مش نادمة
وقولت:
— حضرتك السبب… على فكرة.
صرخ فيّا بكل قوته:
— اخرسي!
اخرسي بقى!
مسك كتافي بقوة:
— أنا السبب؟!
أنا اللي قلتلك تخونيني؟
أنا اللي قلتلك اتجوزي من وراي؟
أنا اللي جبرتك تتجوزي واحد متجوز ؟!
سابني ورجع لورا:
— متحطيش ذنبك عليّا.
أنا كل اللي عملته إني حبيتك أوي.
إني خفت عليكي من الدنيا.
إني كنت عايز أشوفك في بيت مستور
مع راجل كويس.
صوته اتكسر:
— لكن إنتي اخترتي.
اخترتي تكدبي.
اخترتي تخونيني.
اخترتي تبوظي حياتك بإيدك.
الدموع نزلت مني زي الشلال
وصرخت فيه:
— ده مش ذنبي لوحدي!
إنت اللي ضغطت عليّا!
إنت اللي خلتني أتخطب لواحد مبحبوش
بس علشان ابن صاحبك!
علشان الناس تقول إيه!
علشان صورتك قدامهم!
صوتي علا:
— إنت المذنب…
مش أنا.
بصلي بنظرة فيها كل خيبة الأمل في الدنيا:
— لو كنت فاكراني مذنب...
كان ليكي الشجاعة إنك تقوليلي.
تواجهيني.
مش تخونيني وتكدبي عليّا.
هز راسه بيأس:
— أنا خسرتك يا مريم.
خسرت البنت الوحيدة اللي كانت عندي.
وخرج وسابني واقفة
مصدومة.
الباب اتقفل وراه
وصوته كان أعلى من أي صريخ.
وقفت مكاني ..مش عارفة أتحرك
ولا حتى أعيّط ..الدموع اتحبست
كأنها قررت تعاقبني أنا كمان.
لفّيت أبص حواليّا
البيت اللي كنت فاكرة هيبقى أمان
بقى غريب خانق!
وملوش ريحة.
بصّيت لزين…كان لسه قاعد مكانه
كأنه مش معني بحاجة حصلت.
وقتها حسّيت
إني خسرت كل حاجة
في نفس اللحظة:
أبويا
وبيتي
ونفسي
وراجل عمره ما كان راجل.
قربت من الكنبة قعدت ببطء
وكأني خايفة الأرض تهرب من تحتي.
حطّيت إيدي على بطني مش علشان وجع لكن علشان أتأكد إني لسه موجودة وإن اللي حصل مش كابوس.
طلعت مني همسة مكسورة:
— كده خلاص…؟
ولا حد رد وكان الصمت ..أقسى إجابة.
رفع زين راسه أخيرًا
وكأنه كان غرقان وطلع ياخد نفس.
صوته طلع واطي
مكسور
مش شبه صوت الراجل اللي حلفت بحبه:
— مريم… أنا…
سكت.
رجع بلع كلامه
وكمل بصعوبة:
— الموضوع أكبر منكِ ومني.
ضحكت ضحكة خفيفة
بس كانت طالعة من وجع
مش هزار.
قُلت وأنا ببص له:
— أكبر؟
أكبر منك طلقتني بسهوله؟
أكبر من إني اتضربت؟
أكبر من إني خسرت أبويا؟
ولا أكبر من إنك كنت ساكت
وأنا بتدبح قدامك؟
حاول يقوم ..وقف قدامي
بس عينه مكانتش قادرة تواجهني.
— أنا خوفت…
خوفت أتكلم
خوفت أخسر الكل.
قربت خطوة
وبصيت له في عينه لأول مرة من غير حب:
— وانت كده كسبت إيه؟
سكت.
كملت وأنا صوتي بيتهز:
— أنا الوحيدة اللي دفعت التمن
وأنت اخترت أسهل طريق…
السكوت.
مدّ إيده كأنه عايز يلمسني
لكن رجعها بسرعة.
— أنا آسف يا مريم.
الهوا وقف
والكلمة وقعت تقيلة.
هزّيت راسي بهدوء:
— الآسف
بيتقال بدري
مش بعد ما كل حاجة تتحطم.
لفّيت وشي
وأخدت شنطتي.
وقبل ما أخرج
قُلت من غير ما أبص له:
— فجر خدت حقها
وأنا خدت درسي.
وسيبت المكان وأنا عارفة
إن اللي مات مش الجواز
اللي مات أنا !.
_________________
فجر
كنت قاعدة جنب يعقوب
وشّي شاحب
بس حريصة أسيطر على ملامحي
كأني لابسة قناع ثابت
مش مسموح له يقع.
بصلي وقال بهدوء غريب:
— عيطتي يا فجر
اتصدمت.
جسمي اترعش رعشة خفيفة
بس تماسكت
وطلعت ضحكة سخيفة مني وأنا بقول بسخرية باهتة:
— هو العياط بالعافية؟
ما بصليش.
فضل باصص قدامه
واتكلم بهدوء
هدوء واحد شايف كل حاجة:
— باين قوي إنك كاتمة جواكي
ومسكة الدمعة بالعافية
لو عيطتي…
العياط هيفرّغ شوية من الحزن والغضب اللي جواكي.
سكت لحظة وأنا بصّة قدامي
حاسّة قلبي بيتعصر بس عنيد!
قلت وأنا صوتي ثابت بالعافية:
— في ناس لما تعيط بتخف
وأنا…
لو عيطت هتكسر.
لف وشه وبصلي نظرة مش شفقة
نظرة فهم
— وانتي متعودة تكوني قوية
حتى على نفسك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة
بس موجوعة:
— القوة دي
هي الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي.
وسكتنا.
بس المرة دي
الصمت ماكانش مريح كان تقيل
زي دمعة محبوسة ..مش لاقية طريقها.
الطريق كان طويل
وأطول منه الصمت اللي بينا.
كنت باصة من الشباك النور بيعدّي
وأنا ثابتة… قويّة
زي ما اتعودوا يشوفوني.
فجأة
نفَسي اتلخبط.
حاولت آخد نفس عادي ما عرفتش.
إيدي بدأت ترجف ضغطت عليها جامد كأني بعاقبها.
يعقوب حسّ
من غير ما يبص:
— فجر؟
ما رديتش.
الدمعة نزلت غصب عني
واحدة
وبعدين التانية.
عضّيت شفايفي بس صوتي خانّي:
— أنا…
أنا تعبانه.
الجملة طلعت مكسورة ضعيفة مش شبهّي.
وقفت العربية على جنب
ولف ناحيتي لسه ما لمسنيش
بس حضوره لوحده كفاية:
— سيبيها
هزّيت راسي لا زي طفلة عنيدة:
— لو سيبتها…
مش هعرف ألمّ نفسي تاني.
بس ما استحملتش.
صدري وجعني
وكأني بشهق من تحت الميّه وانفجرت.
مش عياط بصوت عالي
لا
بكاء مكتوم ..مكسور
.كل دمعة فيه شايلة سنة.
غطّيت وشي بإيدي
وكتافي بيتهز
وأنا بقول بين شهقة والتانية:
— أنا عملت كل حاجة صح
ليه أنا اللي اتكسرت؟
يعقوب قرّب حط إيده على ضهري
لمسة ثابتة مش مستعجلة
ولا بتضغط:
— عيطي
انتي مش مطالبة تكوني قوية دلوقتي.
صرخت لأول مرة
صوت طالع من القلب:
— خانوني!
كلهم خانوني!
العياط قلب لنحيب وأنا حاسّة الدنيا بتقع بس المرة دي ما حاولتش أوقفها.
لأول مرة
سمحت لنفسي أضعف
من غير ما أعتذر.
وبين دموعي فهمت حاجة واحدة
أنا ما ضعفتش…
أنا أخيرًا سيبت نفسي.
العياط هدي شويةمش عشان الوجع راح لا
عشان جسمي تعب نفَسي بقى تقيل
وعيني حرقتني من كتر الدموع
وسكوتي كان أعلى من أي كلام.
يعقوب سحب مناديل
مدّها ناحيتي من غير ما يبص
كأنه عارف
إني مش عايزة شفقة مسحت وشي بسرعة
ورجعت أبص قدّامي
بس الدنيا كانت مغبشة.
قلت بصوت مبحوح:
— أنا عمري ما كنت أنانية…
كنت بس بطلب حقي.
سكت لحظة
وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة
ملهاش أي معنى:
— طلعت غلطة.
يعقوب أخد نفس طويل
واتكلم بهدوء:
— لا
الغلط إنك افتكرتي إن الحب لوحده كفاية.
الكلمة دخلت في صدري زي مسمار.
بلعت ريقي
وقلت:
— أنا حبيت بجد…
مش لعب
مش تسلية
حبيت لحد ما نسيت نفسي.
بصلي المرّة دي نظرة ثابتة
فيها وجع… بس مفيهاش شفقة.
— وانتي دلوقتي نسيتي نفسك تاني.
الجملة كانت بسيطة بس هزّتني.
سندت راسي على الكرسي
قفلت عيني
ولأول مرة من وقت طويل
الإحساس اللي جوايا مش بس حزن…
كان فراغ
واسع بس هادي.
فتحت عيني وقلت بهمس:
— أنا خايفة.
رد من غير تفكير:
— طبيعي
بس الخوف ده مش ضعف
ده بداية.
لفّ العربية تاني ومشينا.
وأنا من جوايا ..كنت عارفة
إن اللي فجر اللي خرجت من البيت ده
مش هي نفس فجر اللي هترجع…
ولا عمرها هتكون.
ف قولت بهدوء وأنا بحاول أخفي توتري:
__وديني ع الشركة
رد وهو سايق بثقة وقال:
__لا احنا رايحين مكان تاني
قلبي دق بقوة، بصيت له بطرف عيني بحذر وقولت:
__مكان تاني؟
يعني إيه!
ابتسم ابتسامة غامضة وهو بيسوق ووقف على جنب مش عارفة للمرة الكام، استدار ناحيتي بكل ثقة وقال:
أنا طلبت إيدك من ماما!
حسيت بصدمة كهربائية جت في جسمي، بصيت له ورديت بسخرية عشان أخفي ارتباكي وقولت:
__ماما مين والناس نايمين!
اعقل كلامك كده
وبعدين إنت عرفت عنوان بيتي إزاي؟
اتكلم بغرور واضح وهو بيعدل هدومه بهدوء مستفز وقال بثقة مبالغ فيها:
__سر المهنة
رديت بصوت ثابت رغم الغضب اللي بدأ يغلي جوايا وقولت:
__سر المهنة آه
ومين قالك بقى إني موافقة؟
رد وهو بيبصلي في عيني نظرة فيها تحدي واضح وقال بيقين:
هتوافقي
رديت وأنا برفع حواجبي باستنكار، الغضب بدأ يتحول لإصرار على إثبات إنه غلطان، وقولت:
والله!
طب أنا مش موافقة
حطيت إيدي على مقبض باب العربية، وأنا حاسة بحاجة بين الغضب والإحباط، لسه هفتح الباب عشان أنزل وأهرب من العبث ده، لقيته فتح تسجيل بصوتي وأنا بقول:
"لبسته وفضحته قدام كل الناس في الشركة اللي بيشتغل فيها... كل حاجة ماشية مظبوط"
دمي وقف في عروقي للحظة، حسيت بخوف حقيقي لأول مرة منه. بصيت له شوية وأنا بحاول أستوعب الموقف، وقولت بسخرية باردة رغم القلق اللي بدأ يتسلل جوايا:
__وهو ده اللي هيخليني أوافق؟
أنا ملبستش حد، إنت عارف إنه فعلاً كان بيغش في الشغل وبيختلس فلوس من وراهم
رد بنفس الابتسامة الواثقة على وشه، ابتسامة كانت مزيج من الإعجاب والتحدي:
__بس اللي اتقال في التسجيل غير
عارف إن ده مش دليل لحاجة ضدك
بس برضه لو طلع التسجيل ممكن تكون حاجة تنفع زين
والناس تفتكر إنه مظلوم!
ساعتها كل اللي عملتيه هيبقى راح على الأرض!
ابتسمت رغماً عني، إعجاب غريب بدأ يتسرب لقلبي
ابتسامتي قلبت لضحك، ضحك هستيري مليان بمشاعر متضاربة بين الإعجاب بذكائه والغضب من تلاعبه، وأنا ببصله وقولت:
__لا حركة حلوة
عجبتني، مكنتش أعرف إنك بتعرف تشغل دماغك كده
رفع كتافه ليا بثقة منتصر وقال:
__أديكي عرفتي
نطلع على المأذون؟
ابتسمت وأنا ببص قدامي، حاسة بخليط غريب من الاستسلام والفضول، وقولت:
__نطلع على ماما الأول ولا إيه؟
ابتسم ابتسامة انتصار ودفء في نفس الوقت وقال:
__عيوني يا عيوني
وأنا قاعدة جنبه والعربية ماشية في الطريق، حسيت بدوامة جوايا
أفكاري كانت متلخبطة ومش عارفة أمسك فيها
قلبي كان بيدق بسرعة، مش عارفة لو ده من التوتر ولا من حاجة تانية
بصيت من الشباك وأنا بحاول أهرب من عينيه
جوايا صوت بيقولي: إنتي بتعملي إيه يا بنتي؟
ده إنت لسه مش متأكدة من مشاعرك أصلاً
صورة زين فضلت تيجي قدام عيني
زين بابتسامته، بضحكته، بكل اللحظات اللي عدت بينا
حسيت بوجع خفيف في صدري
هو أنا فعلاً نسيته؟
ولا أنا بهرب منه وبوهم نفسي إني نسيت؟
الراجل ده جنبي... ذكي، واثق من نفسه، عارف عايز إيه
بس أنا؟
أنا عارفة عايزة إيه؟
حسيت بخوف حقيقي
مش خوف منه... خوف من نفسي
خوف إني أكون بعمل غلط كبير
خوف إني أكون بستخدمه عشان أنسى حد تاني
وده مش عدل... لا ليه ولا ليا
قولت لنفسي: لو قلبك لسه معلق بزين، إزاي هتكملي مع حد تاني؟
إزاي هتقفي قدام المأذون وإنتي مش متأكدة؟
بس في نفس الوقت... في جزء مني كان حاسس بحاجة مختلفة
حاجة جديدة
الراجل ده مش زي زين
مش بيلعب لعبة القط والفار
واضح وصريح ومش خايف يقول عايز إيه
بصيت له بطرف عيني لقيته مركز في السواقة
ملامحه هادية، واثق، مرتاح
وأنا؟ أنا تايهة جوه نفسي
حسيت بدموع بتتجمع في عيني بس رفضت أبكي
مش قدامه... مش دلوقتي
سألت نفسي بصمت: يا ترى الصح إيه؟
أمشي في طريق أنا مش متأكدة منه؟
ولا أوقف دلوقتي وأكون صريحة معاه ومع نفسي؟
قلبي كان لسه بيدق بقوة
ومش عارفة لو ده عشان خايفة من المجهول
ولا عشان جزء مني لسه متعلق بماضي مش عايز يمشي
بلعت ريقي بصعوبة وحاولت أتنفس بهدوء
الطريق لبيت ماما كان قصير
والقرار... كان لازم ياخد وقت أطول من كده بكتير
فجأة حسيت بإيده الدافية بتمسك إيدي بلطف
اترعبت من اللمسة المفاجئة وبصيتله بعيون واسعة
لقيته بيبصلي بنظرة مختلفة عن كل النظرات اللي شفتها منه قبل كده
نظرة فيها حنية... فيها فهم
قال بصوت هادي ودافي:
أنا عارف إنك خايفة
قلبي وقف للحظة، ازاي عرف؟
كمل وهو لسه ماسك إيدي:
وعارف إنك مش متأكدة من حاجة دلوقتي
وعارف إن قلبك لسه مش نسي زين
حسيت بدموعي بتنزل من غير إذني، حاولت أشيل إيدي بس مسكها أقوى شوية
قال وهو بيبصلي في عيني:
__وأنا مش هجبرك على حاجة
مش هخليكي تعملي حاجة إنتي مش مرتاحة ليها
مسح دمعتي بإيده التانية بحنية خلتني أحس بأمان غريب
كمل بهدوء:
__بس أنا عايزك تعرفي حاجة
أنا مش بلعب... أنا جاد
وأنا مستعد أستنى لحد ما تكوني متأكدة
مستعد أديكي كل الوقت اللي محتاجاه
بصيتله بدموع ودهشة، مش مصدقة الكلام اللي بسمعه
قال وابتسامة صغيرة حنينة ظهرت على وشه:
__مش لازم نروح لماما دلوقتي
مش لازم نعمل حاجة بسرعة
إحنا نقدر نتعرف على بعض أحسن
نقدر ناخد وقتنا
سكت شوية وكمل:
__أنا عايزك تختاريني وإنتي متأكدة مني
مش عايزك تيجيلي وإنتي هاربة من حد تاني
عايزك تيجيلي عشاني أنا... مش عشان تنسي حد
كلامه دخل قلبي زي سهم دافي
__حسيت براحة غريبة... حسيت إن في حد فاهمني فعلاً
قال وهو بيشغل العربية تاني:
__دلوقتي هوديكي الشركة زي ما طلبتي
ولما تبقي مستعدة... ساعتها بس كلميني
بصيتله وأنا مش عارفة أقول إيه
حسيت إن الخوف اللي كان جوايا بدأ يقل شوية
مش راح خالص... بس بقى أخف
همست بصوت واطي مليان امتنان:
__شكراً
ابتسم وقال بدفء:
__مفيش شكر يا حبيبتي
أنا بس عايزك تكوني سعيدة
حتى لو مش معايا
**بعد مرور خمس سنين**
كنت واقفة في المطبخ بحضر الفطار، صوت الأطفال العالي كان مالي البيت
صوت يزيد ويامن التوأم وهم بيتخانقوا على الريموت، وصوت لين بنتي الصغيرة وهي بتعيط عايزة حضني
ابتسمت رغم التعب
خمس سنين... خمس سنين كاملة من يوم ما قررت أكمل مع يعقوب
افتكرت أول سنة جواز
كانت صعبة... مش هكدب
كنت لسه بتعلم أعيش مع حد تاني غير زين، أشارك حياتي مع حد
وكان في أوقات شكيت في نفسي، في قراري
بس يعقوب... يعقوب كان صبور زي ما وعدني
كان بيفهم لما أكون زعلانة من غير سبب
كان بيسيبلي مساحتي لما أحتاج أكون لوحدي
وكان بيحضني لما أحتاج حد يطمني إن كل حاجة هتبقى كويسة
وبعدين جه يزيد ويامن ... التوأم اللي قلب حياتنا رأس على عقب
افتكرت يوم ما الدكتورة قالتلي "مبروك، حضرتك حامل في توأم"
يعقوب عيط من الفرحة يومها... عيط فعلاً
وبعدهم بسنتين جت لين... بنتي الصغيرة اللي شبهي في كل حاجة
حسيت بإيدين يعقوب بيلفوا حوالين خصري من ورايا وهو بيبوس رقبتي بحنان
قال بصوت لسه فيه نعاس:
__صباح الخير يا أم العيال
ضحكت وأنا بتكي على كتفه:
__صباح النور... نايم إزاي والبيت قايم على دماغي؟
ضحك وراح ناحية الصالة صارخ بصوت عالي:
__يلا يا جماعة الخير... بطلوا خناق
مامتكوا تعبت
فجأة البيت هدي كأن حد سكت الدنيا
يزيد ويامن جريوا عليه صارخين:
بابا! بابا!
ولين فضلت معايا ماسكة هدومي
بصيتله وهو شايل يزيد على كتفه ويامن ماسك إيده
حسيت بدفء غريب جوه قلبي
مين كان يصدق؟
أنا اللي كنت خايفة، تايهة، مش عارفة أختار
دلوقتي عندي عيلة كاملة... عندي بيت مليان حب
يعقوب بصلي من بعيد وغمزلي غمزة فيها شقاوة
همس بصوت واطي بس أنا سمعته:
__بحبك
ابتسمتله وقولت من غير صوت بس بحركة شفايفي:
__وأنا كمان بحبك
لين شدت هدومي وقالت بصوتها الرقيق:
__ماما... أنا جعانة
ضحكت وشلتها على إيدي:
__يلا يا حبيبتي... هنفطر كلنا مع بعض
ورحنا كلنا على السفرة
عيلتي... بيتي... حياتي
الحياة اللي استاهلت كل خوف، كل تردد، كل دمعة
لأني دلوقتي متأكدة
متأكدة إني اخترت الصح
تمت
😭💗💗💗💗