وهم الحياه - الفصل الثالث - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وهم الحياه
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

*ـ ࢪواية. وهم الحياه🥳🥀↻≯🍒⸙•♡»»)) 11/12/13/14/15 ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ غرام الروايات ‏تابع قناة غـ͓̽ـرٍآمـ͓̽ـ آلَرٍوٌآيـ͓̽ـآتـ͓̽ـ 🧚‍♀️📚💅💫 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029VakuN1aHwXbJf5jj7w0J #وهم_الحياه البارت الحداشر فجر مسكت الفون واتصلت بيعقوب. لاني معرفتش اتصل بيه من زين اللي جه فجأه .... اتفقنا على مكان نتقابل فيه. قعدنا في كافيه هادي. طلبت قهوة، وهو طلب قهوة زيي. قعد قدامي، وأنا أخدت رشفة صغيرة واتنهدت، بحاول أرتّب أفكاري قبل ما أتكلم. بس هدوئي كان مستفز له. قال بعصبية مكبوتة: — وبعدين؟! عرفت إنها بتخوني… وبعد كده؟! بصيت له، وسرحت لحظة، وبعدين سألته فجأة: — هو… إنت حسيت بإيه لما عرفت إنها بتخونك؟ ضحك ضحكة قصيرة فيها سخرية ووجع: — هكون حسيت بإيه يعني؟ حزن… وجع… غضب. كنت حاسس إني عايز أحرق كل حاجة حواليا. مكنتش متخيل أبداً إنها ممكن تعمل كده. قلت بهدوء، وأنا راقبة تعبير وشه: — كنت شايف إنها بتحبك؟ ولا… بتسلكلك وخلاص؟ بصلي باستغراب: — بتسلكلي إزاي يعني؟ قربت الكوباية مني، وقلت بهدوء قاتل: — يعني… إنتوا اتخطبتوا عشان رغبة باباك، عشان صاحب باباها قوي. إنت وافقت… بس عمرك سألت نفسك هي كانت موافقة؟ ولا اتغصبت؟ اتشد في قعدته وقال بحدة: — أنا مش فاهم. وبعدين… إنتِ عرفتي الكلام ده منين أصلاً؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت: — يعقوب… أنا ملكة اللعبة. ينفع أدخل لعبة وأنا مش عارفة أحداثها؟ سكت. وبصته اتغيّر. في عينيه قلق… ريبة. حسيت إنه ابتدى يخاف مني. حاولت أهدّي الوضع، فقلت بهدوء: — متخافش. أنا لا يمكن أؤذيك ولا أعمل حاجة تضرك، طول ما إنت مأذتنيش. لكن بدل ما أطمنه… واضح إني خوّفته أكتر. قال بصوت متحشرج، محاول يبان ثابت: — أنا مش بخاف… بس أنا مش مستريحلك. يعني فجر الرفاعي، صاحبة أكبر شركات إنشاءات في الشرق الأوسط، تسيب شغلها وكل اللي وراها وتقرر تنتقم؟ بصيت له، وقلت بسخرية موجوعة: — لما يكون الوجع سببه حد عزيز، حد عمرك ما تخيلت إنه في يوم من الأيام يعمل فيك كده… ولما تتخان وتشوف الخيانة بعينك، ساعتها… مفيش حاجة بتسيطر عليك غير روح الانتقام. يعقوب سكت شوية. كان باصص في فنجان القهوة كأنه بيحاول يلاقي فيه إجابة. إيده كانت مشدودة، وأعصابه باينة رغم محاولته يبان ثابت. رفع عينه وبصلي وقال بصوت واطي، بس حاسم: — يعني إيه؟ لو دخلت اللعبة دي… مفيش رجوع، صح؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة، مش فيها أي طمأنة: — مفيش لعب من غير تمن. بس في نهاية… يا إنت تطلع كسبان، يا الحقيقة تطلع كاملة. اتنهد، ومسح وشه بإيده، كأنه بيشيل حمل تقيل: — أنا عمري ما كنت إنسان انتقامي… بس اللي حصل ده كسرني. وأنا مش قادر أكمّل وأنا أعمى. سكت لحظة، وبعدين قال وهو بيرفع عينه ليّا: — قولي هنعمل إيه… وأنا معاكِ. في اللحظة دي، حسيت إن القطعة الأخيرة دخلت مكانها. مش حماس… ولا غضب. قرار. قربت شوية وقلت بهدوء: — أول قاعدة في لعبتنا… إنك متحبّش، ومتصدقش، ومتواجهش. رفع حاجبه وقال بسخرية مرّة: — سهل الكلام… صعب التنفيذ. ردّيت وأنا ببصله بثبات: — عشان كده مش هتكون لوحدك. بس من اللحظة دي… إنت مش ضحية. إنت لاعب. هز راسه ببطء، وقال: — تمام… خلّينا نلعب. ردّيت عليه بهدوء، كأني بتكلم عن حاجة عادية: — دلوقتي هقولك إيه الخطة. قربت الكوباية مني، وكمّلت بصوت واطي: — إنت هتكمّل طبيعي… ولا كإنك عرفت حاجة، ولا تغيّر كلمة، ولا نظرة. رفع عينه وقال بقلق: — يعني أمثّل؟ هزّيت راسي: — لأ… تعيش الحقيقة اللي هي فاكرة إنها ماشية. سكت شوية فكمّلت: — مفيش مواجهة، ولا أسئلة مباشرة، ولا انفعال. أي غلطة منك هتخلّيهم يقفلوا دايرة الخيانة، وأنا عايزاها تفضل مفتوحة. قلت بثبات، من غير ما أرفع صوتي: — دورك إنك تسمع… وتشوف… وتعيشها في نعيم. رفع حاجبه باستغراب، فكملت: — تجيبلها هدايا، تعامِلها أحسن معاملة، تحسّسها إنها كسبت الدنيا كلها. قربت شوية وقلت بهدوء تقيل: — خليها تطمّن… وتغلط وهي مرتاحة. سكت، وبصلي نظرة طويلة، واضح إنه فهم إن الوجع الحقيقي مش في المواجهة… الوجع في إنك تسيب اللي قدامك يطمّن ويتمادى وهو فاكر نفسه آمن. اتنهد وقال: — طب وإنتِ؟ ابتسمت ابتسامة هادية، فيها معنى أكتر ما فيها فرح: — أنا دوري أقرّب… وأضيّق الخناق واحدة واحدة، من غير ما حد يحس. سكت، وبعدين قال: — يعني نهايتهم مش قريبة؟ بصّيت له بثقة: — قريبة… بس لازم تيجي في وقتها. وساعتها… لا حد هيقدر ينكر، ولا حد هيطلع بريء. _______________ نواره اليوم كان خفيف ولطيف أوي. اتعرفت على الشغل، وفهمت شويه حاجات فيه. تميم ومنى ساعدوني كتير، وبسرعة حسّيت إننا بقينا صحاب. بعد الشغل، اقترح تميم إننا نروح نتغدى كلنا مع بعض… وبما إن قلبي كان مرتاح، ما اعترضتش. روحنا، وقعدنا، وبدأنا ناكل مع بعض. حسيت بسعادة بسيطة… الضحك معاهم، الحضور الجميل، كل حاجة كانت مليانة دفء… كنت مبسوطة أوي بقعدتهم، وعارفه قد إيه هم لطاف وحضورهم حلو. بس فجأة… كل الفرح ده اتبدل لحزن. اول ما لقيت Notification على الفون. مسكته، وفجأة قلبت عيني على الاستوري… الصدمة وقعت عليا: __مراد… كاتب إنه خطوبته بعد يومين بالضبط! قلبى اتقفل، الإحساس بالسعادة اللي كنت حاسّاها قبل لحظات… ذابت في لمحة. حسّيت برعشة في إيدي، وده كان أول ما خلاني أفكر: هو ده حقيقي؟ اتصدمت… حسّيت وشي بيغيّر ألوانه من غير ما آخد بالي. عيوني لمعت، والدموع بدأت تتجمع غصب عني. مسكت شنطتي بسرعة وقومت، وقلت وأنا بحاول أطلع صوتي ثابت: — أنا ماشيه… لما منى تخرج من الحمام عرفها إني تعبت فجأة وروحت. بس هو ما سابنيش. قام ورايا وقال بقلق: — تعبانه؟ مالك بس؟ طب أوديكي المستشفى؟ ماكنتش سامعاه. كنت ماشية بسرعة، وكأني بهرب… بحارب دموعي، بحاول أتماسك، بحاول ما أبانش ضعيفة قدّام حد. قربت من الطريق عشان أعدّي… وفجأة— نور العربية ضرب عيني، وصوت الفرامل شق وداني. ثانية واحدة كانت كفيلة تخلص كل حاجة. بس إيد شدتني فجأة، قوية… مفاجئة… رجعتني لورا قبل ما العربية تعدّي من قدامي بشبر. شدّني بقوة… واتلخبطت ووقعت عليه. كان تميم. حسّيت بنَفَسه السريع، وبإيده اللي ماسكاني وكأنها آخر حاجة واقفة بيني وبين الأرض. صوته كان مهزوز وهو بيقول: — كنتي هتموتي! ماكنتش قادرة أرد… ولا حتى أقف على رجلي. في اللحظة دي، حسّيت إني عاجزة بجد. كل القوة اللي كنت متداريه وراها سابتني مرة واحدة. دموعي نزلت… مش واحدة ولا اتنين، عيطت بهستيريا، كأني كنت مستنية اللحظة دي من زمان. كل حصوني وقعت، وكل اللي كنت مخبياه جوه صدري اتعرّى فجأة. قومني بهدوء، مسكني من دراعي، وصوته حاول يكون مطمّن: — خلاص… اهدي، متخافيش، انتي بخير. بس مكنتش قادرة أهدى. فضلت أعيّط. وهو… كان بيطبطب عليا في حيرة، واقف مش عارف يعمل إيه، غير إنه يفضل جنبي… وكأنه خايف يسيبني أوقع تاني. قعد جمبي، وصوته كان واطي وهادي بشكل غريب… كإنه بيحاول يلم شتاتي وقال: __خدي نفس… واحدة واحدة، مفيش حاجة هتحصل، أنا ماسكك أهو. الكلمة دي كسرتني. "ماسكك" حسستني إني فعلًا كنت واقعة… ومش بس في الشارع، واقعة من جوايا. حسيت بدراعه حواليا، مش ضاغط، مش متملك، مجرد أمان. أمان كنت محتاجاه ومش عارفة أطلبه. عيطت أكتر. مكنتش بعيط ع العربية، ولا ع الخضة… كنت بعيط ع خبر شوفته، ع وجع كنت فاكرة إني دفنته، ع اسم رجع فجأة كإنه لسه عايش جوا قلبي. هو مكنش مستعجلني أهدى، ولا بيقولي “خلاص”، سابني أطلع كل اللي كنت كاتماه وقال بهدوء: __إنتي قوية… بس حتى القوي بيضعف، ومش عيب. قوتي؟ أنا اللي طول عمري بضحك وبقول تمام؟ أنا اللي فاكرة إن النسيان شفا؟ ساعتها فهمت… إن الذاكرة ممكن تنسى الأشخاص، بس القلب… عمره ما بينسى الوجع. وبعدين أتكلم تاني صوته طلع واطي، هادي زيادة عن اللزوم: — بصّي… خدي نفس كده، واحدة واحدة، أنا معاكي. حاولت أعمل اللي قاله بس صدري كان مقفول. قرب شوية، من غير ما يلمسني، كإنه خايف يضغط عليا أكتر، وكمل: — مفيش حاجة مستاهلة تمشي لوحدك بالحالة دي… حتى الزعل محتاج حد يقف جنبه. رفعت عيني ليه، دموعي كانت مغرقة وشي، قلت بصوت متكسر: — أنا تعبانة قوي. هز راسه بهدوء وقال: — باين… ومش غلط. بس الغلط إنك تفضلي شايلة لوحدك. الكلمة دي وجعتني وريحتني في نفس الوقت. حسيت إني مش مطالبـة أشرح، ولا أبرر، ولا أبقى قوية. واقف قدامي حد مش بيحاول يضغط عليا، ولا يسألني مالك؟ بس بيقولي: انا فاهمك خدني واكلني على آيس كريم كأنه بيحاول يخفف عني حاجة بسيطة… بس بالنسبالي كانت حاجة كبيرة جدًا، كأنها لمسة أمان وسط كل الفوضى اللي جوايا. وقفنا وإحنا بناكل الآيس كريم سوا. بصلي بتساؤل بسيط: — حلو؟ ابتسمت وقلت له بصدق: — آه… أوي . بصلي برضا، وحسيت قلبي لسه بيعصره شوية الحزن اللي فات. قلت وأنا ببصله: — شكرا. رد عليا بتساؤل، زي ما لو حابب يعرف سبب الابتسامة اللي ظهرت على وشي: — عايزة تقولي شكرا… على إيه بالظبط؟ كل دا عشان آيس كريم؟ ضحكت بخفة، والابتسامة لسه على وشي: — لأ… مش بس عشان الآيس كريم. عشان إنك هنا… وعشان مضغطش عليا ومسألتش كتير. ساعتها بصلي نظرة طويلة… كأن صمته بيقول كل اللي مش قادر يقوله الكلام. وفجأة، فونه رن … بصيت له بسرعة وقلت: — رد براحتك… أنا هقف بعيد هناك. رد عليا بتسرع، كإنه خايف: — لا… دي منى، بس متعصبة إننا سبناها ومشينا. حطيت إيدي على وجهي، وقلت بصدمة: — يلهوي… إحنا إزاي نسيناها؟ أكيد زعلت. هو قرب مني، بصلي بهدوء وحاول يطمني: — متقلقيش… أنا هعرف اتصرف. وبص للساعه وقال: — طيب… يلا، أوصلك عشان متروحيش لوحدك. اتنهدت وهزيت راسي بهدوء ومشيت جمبه عشان نوصل للعربيه ... _______________ تميم اتصلت بيها عشان أحاول أصالحها، لأنها كانت متعصبة جدًا. سمعت صوتها غاضب وهي بتقول: — بقى كده؟ يعني دي واحدة لسه جايه جديد تخرج معاها وتسيبني؟ رديت بهدوء، بحاول أهدّيها: — يا ست منى… والله الموضوع مش زي ما أنتي فاهمة. كانت منهارة، فانا رحت وراها أعرف مالها. ضحكت بسخرية وقالت: — وعرفت مالها يا خفيف؟ تنهدت وزهقت وقلت: — لا… محكيتش حاجة. ردت بغضب: — خليها تنفعك يا تميم، وأنا اللي صاحبتك بقالي قد كده… معملتش معايا زي ما عملت معاها! نفد صبري وقلت: — عملت معاها إيه يا بنتي؟ لكن ملقتش رد… سكتت. وقفل الفون في وشي. ساعات كتير بحس إن منى بتحبني، مش حب أصدقاء… لا، الحب التاني ده. بس كنت بكذب على نفسي… مش عايز أصدق عشان ما أخسرهاش، لأنها صاحبة غالية عليا جدًا. تميم فضلت ماسك الفون ثواني بعد ما قفلت في وشي، مبحبش الإحساس ده… إحساس إنك عملت حاجة من غير ما تقصد تزعل حد، وبرضه الزعل حصل. تنهدت وأنا بحط الفون في جيبي، وكلامها بيلف في دماغي. «خليها تنفعك» الكلمة كانت تقيلة… مش هزار، ومش عتاب خفيف. ساعات كتير كنت بحس إن منى نظرتها ليا مختلفة، اهتمامها زايد، غيرتها مش بريئة قوي. بس كنت دايمًا أضحك على نفسي وأقول: دي صاحبتي، عِشرة شغل، أخوّة. الحقيقة؟ كنت بخاف أواجه الفكرة. مش عايز أصدق إن في مشاعر بالشكل ده، لأني لو اعترفت بيها—even بيني وبين نفسي— هخسرها… أو أجرحها. رفعت عيني لنوارة، كانت واقفة بعيد شوية، ماسكة الآيس كريم وبتحاول تبتسم، بس عيونها لسه متقلّمة. في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة: أنا مش غلطان إني وقفت جنب حد محتاج، بس برضه… مش كل القلوب بتستحمل تشوفك بتعمل كده مع غيرها. وخدت نفس عميق، وقلت في سري: الدنيا معقدة أكتر مما كنت فاكر… وأنا شكلي داخل على حاجات مش سهلة خالص. ________________ زين روحت البيت ولقيت فجر قاعدة قدام التلفزيون، ماسكة السكينة وبتقشر فاكهة، ومش واخدة بالها مني. حمحمت فابتسمت، بس الابتسامة كانت مجهدة: — حمدلله على السلامة… اتأخرت النهارده كده ليه؟ قعدت جمبها، نفسي أبان هادي… لكن قلبي كان بيخبط جامد، وكل تفكيري كان على نوارة. قلت بهدوء: — كان عندي ضغط شغل جامد أوي. شربت كباية مية قدامي، بس حاسس إن كل حركة عيني عليها بتشدني أكتر. وقولت بتساؤل : — صحيح… أنا روحت الشركة عشان آخدك معايا، ملقتكيش… ولمحت نوارة هناك. ردت كأن الموضوع عادي، بدون أي إحساس: — آه… أصلها اتعينت النهارده فالشركة. قلبي وقع فجأة… شعور غريب بين الغضب والغيرة. قلت بصوت متحشرج وأنا بحاول اسيطر على نفسي: — هتشتغل معاكي يعني؟ هزت راسها بكل برود… وأنا حسيت إن جوف قلبي اتجمد. حاولت أبين إني عادي، لكن كل حرف خرج منّي كان مش قادر أخفي التوتر: — غريبة… مقولتليش يعني؟ ردت بعدم فهم: — هو أنا قبل كده كنت بقولك على كل حاجة؟ قلت بكل منطق، وقلبي بيتقطع: — أيوة. وبدا عليها الحزن وقالت: — معلش… بجد… مكنتش أعرف انت عارف إني لسه مش فاكرة علاقتنا كانت عاملة إزاي. هزيت راسي… مش عارف أصدقها ولا أكذبها. عقلي كان بيصرخ: “هي فاكرة… أكيد فاكرة!” بس قلبي كان متحجر من الغيرة، من الخوف، من شعور إن كل اللي خططتله ممكن يتغير بين يوم وليلة. ومكنش في حاجة شاغلة بالي غير نوارة اللي هتشتغل فالشركة… كده هيكوشوا على كل حاجة! ومش بعيد تلعب ف دماغها من ناحيتي! عمري ما حبيت نوارة… وعمرها ما نزلتلي من زور… بس دلوقتي… وأنا شايفها جنب فجر، كل حاجه جوايا بتتقلب. مش قادر أقبل إنها خلاص هتشتغل مع فجر… وأنا… أنا اللي ممكن أتركن على الرف بسبب تجمع الأخوات دول! قلبي كان بيتوجع، عيوني مش عارفه تمسك نفسها… وإحساس الخوف والغضب والغيرة كله متجمع جوايا… وكأني داخل على معركة مش فاهم نهايتها. فجأة دماغي صدعت… صداع تقيل كأن حد بيضغط على مخي بإيده، والدوخة شدتني لتحت واحدة واحدة. مش فاهم جايه منين… ولا ليه دلوقتي. سمعت صوت فجر، صوتها كان قريب أوي، قلقان: — حبيبي… إنت بخير؟ حاولت أرد… لساني تقيل، صوتي محبوس جوه صدري. الدنيا حواليا بدأت تتهز، الصورة بتطشّش، والأصوات بعيدة كأنها طالعة من آخر نفق. وفجأة… ضحكتها. ضحكة واطية، مش عالية… ضحكة ما بين الهزار والحاجة اللي تخوّف. رفعت عيني بالعافية، وشوفتها واقفة… في إيدها السكينة اللي كانت بتقشر بيها الفاكهة، الضوء ضارب فيها، والملامح مش واضحة… ولا أنا اللي عيني خانتني؟ قلبي وقع. حاولت أتكلم، الصوت طلع متقطع، مهزوز: — ف… فجر؟ — إنتي… إنتي هتعملي إيه؟ خطوة… خطوة تانية قربت. حاولت أرجع لورا، جسمي مكنش سامعلي. رجلي خانتني، واتزحلقت… وقعت على الأرض وأنا مش قادر أوازن نفسي، ولا حتى أرفع إيدي. الدنيا كانت بتلف، ووشها قدامي بيتبدل… مرة فجر اللي بعرفها، ومرة ملامح غريبة، باردة، مش مطمّنة. سمعت صوتها تاني، بس المرة دي أوضح شوية: — اهدي يا زين… — متخافش… بس الخوف كان أكبر من أي كلمة. نفسي بيتقطع، صدري مولّع، وعقلي بيصرخ: في حاجة غلط… في حاجة غلط قوي! وفجأة… الدنيا ضلمت. مش فاكر غير إحساس واحد بس إني وقعت في حفرة ومش عارف هطلع منها إزاي… ولا حتى لو هطلع. يتبععععععع#وهم_الحياه البارت الاتناش فجر جبت الدكتور، كنت واقفة جمبه وأنا من جوايا بضحك… ضحك مكتوم على خوفه، على ارتباكه، على إن كل اللي كان فاكره ثابت ابتدى يتخلخل. بعد شوية، حالته اتقلبت. بقى يبص حواليه بقلق، عينه بتجري في المكان كأنه شايف حاجات محدش شايفها غيره. نفسه بقى تقيل، وصوته مهزوز… واضح إن عقله دخل في دوّامة هو مش فاهمها. مش عارفة هو شاف إيه بالظبط، بس اللي كنت متأكدة منه… إنه مرعوب. مرعوب بجد. عدت دقائق، وابتدى يفوق واحدة واحدة، إيده ماسكة راسه كأنها هتنفجر. أول ما عينه وقعت عليّ، وشه جاب ألوان… واتنفض من على السرير كأنه شاف شبح. قربت منه خطوة، ورسمت على وشي قلق متقن، وقلت بصوت هادي: — مالك بس؟ — وشك مخضوض كده ليه؟ بصّيت له وهو متكعبل في كلامه، عينيه بتلف في المكان كأنه لسه مش واثق إن اللي حواليه حقيقي. عرفت من نظرته… هو شاف حاجة. حاجة هتفضل معاه حتى لو حاول يقنع نفسه إنها وهم. قال: — مفيش… مفيش حاجة. بس صوته فضحه. كان مكسور، مهزوز، مش صوته اللي متعودة أسمعه. قربت منه خطوة واحدة بس، مش أكتر. كنت عايزاه يحس بقربي، يحس إن مفيش مهرب: — زين… قولتها بهدوء، الهدوء اللي يخوّف أكتر من أي عصبية: — إنت شكلك مرهق أوي. — عينك مش ثابتة. شافني، وبسرعة رجع بعينيه بعيد، كأنه خايف يبصلي زيادة. قال وهو بيحاول يضحك: — شوفت حاجه بس اكيد ضغط شغل… ضغط شغل.! ابتسمت. مش ابتسامة فرح… ولا شفقة. ابتسامة حد متأكد إن اللي حصل دخل جوّه دماغه ومش هيطلع. قربت أكتر، وحطيت إيدي على كتفه بخفة: — مفيش حاجة تخوف، صح؟ — اللي شوفته… كان مجرد إحساس. شد كتفه من تحت إيدي، الحركة الصغيرة دي قالتلي كل حاجة. عرفت إن الشك زرع، وإنه من اللحظة دي مش هيعرف يثق في نفسه، ولا فيّ. وساعتها، وأنا باخد نفسي بهدوء، قلت في سري: دي بس البداية يا زين… واللي جاي، هيخليك تتمنى إن اللي شوفته النهارده كان حلم وعدّى. _______________ يعقوب بدأت أنفّذ اللي اتقالّي عليه بالحرف. جبت علبة هدايا كبيرة، ورحت بيتها وأنا قلبي متقل ومشدود. فتحلي والدها… راجل ذوق ومحترم، بس للأسف معرفش يربي بنته صح. دخلني وقعدت أستناها لحد ما خرجت. أول ما شافتني، وشها اتغير… صدمة واضحة، كإنها مكنتش متوقعة تشوفني خالص. قعدت قدامي وقالت باستغراب: — مقولتش يعني إنك جاي؟ ابتسمت وقلت بهدوء متصنّع: — حبيت أعملك مفاجأة. وشاورت على البوكس الكبير: — دي حاجة بسيطة. بصّت للعلبة باستغراب، نظرة واحدة حسستني إني عمري ما جبتلها هدية قبل كده، وقالت: — بمناسبة إيه؟ ميلت بضهري شوية وقلت: — ممكن تعتبرّيها عربون محبة. ابتسمت… بس ابتسامة متوترة، ابتسامة واحدة مش واثقة، ولا مطمّنة. بصّيت في عينيها وسألت فجأة: — مريم… — إنتِ بتحبيني زي ما بحبك؟ سكتت لحظة، وقالَت بنبرة ملهاش طعم: — اشمعنى السؤال ده دلوقتي؟ قلت وأنا بحاول أبرر: — عمري ما سألتك قبل كده… — وحابب أعرف. اتلخبطت، وبعد تردد قالت: — آه… أكيد يا يعقوب. بصّيت لها كويس، للملامح الهادية، للشكل البريء اللي عمري ما تخيلت إنه ممكن يخون. قلت وأنا موجوع: — إنتِ عمرك ما دلعتيني. ضحكت ضحكة مصطنعة، واضح إنها بتحاول تلطف الجو: — عايزني أدلعك يعني؟ — أقولك إيه؟ سكت. مش قادر أكمّل. ولا قادر أصدّق إن الوش ده ممكن يكون مليان كذب. قومت فجأة وأنا بمسك فوني: — لازم أمشي، ورايا شغل. اتجهت للباب، وهي جريت ورايا بسرعة: — إنت ملحقتش تقعد! ردّيت وأنا ماشي من غير ما أبصّ لها: — معلش… تتعوّض. ومشيت. وسبتها ورايا. أنا شخص ما بعرفش أخبي مشاعري، ولو فضلت دقيقة كمان، كنت هفضح نفسي، وأفضح إحساسي بالخيانه… من أقرب إنسانة لقلبي. قفلت باب العربية بعنف أكتر مما كنت ناوي، وشغّلت الموتور قبل ما أدي لنفسي فرصة أفكّر. إيدي كانت بتترعش على الدريكسيون، وصدرى كان تقيل كإن حد قاعد فوقه. بصّيت قدامي… الطريق كان باين، بس أنا مش شايف غير صورتها. صورتها وهي بتبصلي، وهي بتضحك ضحكة مش طالعة من القلب، وهي بتقول أكيد من غير ما تحس. ضحكت بسخرية، ضحكة مكسورة طلعت غصب عني: — أكيد… دست على البنزين، ..مش عارف أنا رايح فين ، ولا عايز أوصل لإيه. كل اللي جوايا غضب، ..غضب ممزوج بوجع وجرح مش راضي يتقفل ضربت بإيدي على الدريكسيون: — إزاي؟ — إزاي تعملي فيّا كده؟ افتكرت كلام فجر… اسمع، شوف، متتسرعش. كنت فاكر نفسي قوي، بس الحقيقة؟ أنا كنت بتفتّت. مسحت وشي بإيدي، حاولت أتنفس، أهدي النار اللي جوايا قبل ما تحرقني. أنا مش همشي ورا قلبي، ولا همواجه دلوقتي. مش قبل ما أعرف الحقيقة كاملة. رفعت الفون وبصّيت على اسمها، بس مقربتش ألمسه. همست لنفسي: — لسه بدري يا مريم… — ولسه اللعبة مخلصتش. وسقت. سايق العربية، بس في الحقيقة كنت سايق نفسي على حافة وجع لسه في أوله .. _______________ نواره من ساعة ما عرفت إن خطوبة مراد بعد يومين، وقلبي مش ساكت. وجع ثابت… مش بيزيد، بس مش بيروح. سرحانة طول الوقت، مش مركزة، حاسّة إني تايهة في مكان مش مكاني. كنت في الشركة، قاعدة على مكتبي، بس الحقيقة إني مكنتش بشتغل. قدامي شاشة، وأفكاري في حتة تانية خالص. دخلت فجر… ومخدتش بالي بوجودها غير لما نادت على اسمي كذا مرة. رفعت عيني وبصّتلها بتوهان. محدش يعرف إنّي أنا وفجر أخوات. أنا اللي طلبت كده. مبحبش المعاملة الخاصة، ولا المجاملات اللي بتيجي لمجرد إني “أخت فجر”. ومحدش يعرف برضه إني شريكه ف الشركة دي. بصّتلي… نظرتها كانت حادة، واضح الغضب فيها، غضب حد شايف حد قدامه مش حاضر. قالت ببرود: — على مكتبي يا نواره. وخرجت. بصّيت لتميم ومنى، نظراتهم كانت مليانة شفقة. قالت منى: — إحنا من الصبح بننادي عليك ونصفرلك… — ولا هنا. نزلت عيني بضيق، وقمت من غير ما أرد. خرجت بسرعة ألحق فجر، وأنا عارفة كويس… إنها المرة دي مش هتسيبني في حالي. قعدت قدامها، ظهري مفرود بالعافية، مستنية التوبيخ اللي كنت متأكدة إنه جاي. وفعلًا… انفجرت. قالت بعصبية وهي ساندة بإيديها على المكتب: — يعني إنتِ اللي قولتي عايزة تشتغلي،وأنا عينتك، ....وفي الآخر تقعدي سرحانة ومش مؤدية شغلك؟ يبقى بلاها أحسن. بصّيت لها بصدمة. الحدة دي… النبرة دي… الثقة دي… دي مش فجر اللي فاقدة الذاكرة. دي فجر اللي حافظاها حرف حرف. دي واحدة فاكرة… فاكرة كل حاجة. ضحكت ضحكة قصيرة، سخيفة، وقلت بسخرية: — إنتِ مش ناسية يا فجر. كل حاجة فيكي بتقول إنك فاكرة. ابتسمت… ابتسامة جانبية باردة، وقالت: — إنتِ ذكية يا نوارة ....وأنا عارفة من أول لحظة رجعتلي فيها الذاكرة إنك حاسة. بس كنتِ بتكدبي نفسك. قمت من مكاني بعصبية، قلبي كان بيدق بعنف، وصوتي طلع أعلى منّي: — طب ليه؟! ليه مقولتيش؟ ليه مقولتيش ليا؟ قربت منها خطوة، وعيني كانت مليانة وجع: — ليه مقولتيش لماما؟ اللي بتبكي صبح وليل على حالك، وبتدعي لك في كل صلاة إن ربنا يرجّعلك ذاكرتك؟ صوتي اتكسر وأنا بكمل: — ليه الأنانية دي كلها يا فجر؟ ليه تخبي حاجة زي دي؟ ليه؟ وسكت. مستنية رد… أو حتى ملامح ندم. بس اللي شوفته في عينيها خلاني أعرف إن اللي جاي أقسى بكتير. سابتني أخلص كلامي… وسكوتها كان أطول من الطبيعي. طول لدرجة إن قلبي بدأ يدق بسرعة، كإني داخلة امتحان وأنا مش مستعدة. ولما اتكلمت صوتها كان هادي… النوع اللي يخوّف أكتر من العصبية: — لأن ماما لو عرفت… كانت هتخليني أرجع أضعف. رفعت عينيها وبصّتلي بثبات: — وأنا ضعفي مش اختيار دلوقتي. الجملة دي خبّطت في صدري. ضعف؟ هو الحضن ضعف؟ ولا الرجوع للبيت ضعف؟ ولا إنك تكوني بنت محتاجة أمها ضعف؟ قربت من المكتب شوية، وسندت بإيديها عليه: — أنا عمري ما كنت أنانية، أنا كنت دايمًا اللي بشيل، اللي يسامح، اللي يعدّي. افتكرت كل المرات اللي كانت فعلًا كده. افتكرت قد إيه كنت معتمدة عليها، قد إيه كنت شايفاها الأقوى دايمًا. بس لما صوتها علي سنة من غير زعيق عرفت إن الوجع عندها وصل لمرحلة أخطر. صوتها علي سنة، بس من غير ما تزعق: — بس لما افتكرت…افتكرت كل حاجة، افتكرت الوجع، والخيانة، ... والخذلان. الكلمات دي دخلت في قلبي زي سكينة بطيئة. كنت سامعة، بس حاسة إني بتتسحب لجوه عالم مش بتاعي… عالم فجر لوحدها. بصّتلي بحدة وقالت: — ساعتها عرفت إن الحقيقة مش لازم تتقال لكل الناس. في حاجات لو خرجت بدري… بتبوّظ كل حاجة. وقالت وهي راجعه تقعد مكانها: — ماما بتحبني، بس حبها عمره ما حماني. ولما قالت إن الحقيقة مش لازم تتقال لكل الناس حسيت نفسي اتشالت من خانة أختها واتحطّيت في خانة الناس. دي أكتر حاجة وجعتني. ولما ذكرت ماما وقالت إن حبها ما حماهاش حسيت دموعي قربت تنزل بس كبّرتها جوايا. ماما اللي أنا وفجر بنتخبّى في حضنها طلعت فجأة مش كفاية.!! رفعت عينيها ليا تاني وقالت ببرود قاتل: — اللي أنا بعمله دلوقتي… ده مش أنانية يا نوارة. ده بقاء. عرفت إن النقاش خلص. مش لأنها صح ولا لأني اقتنعت… لكن لأنها قررت. وسكتت. وسابتني واقفة قدام أختي بس مش فجر اللي كنت أعرفها. واقفـة قدام واحدة نجت… بس خسرت اعز الناس ليها في الطريق. بس صوتي مكنش صوتي. كان مكسور، متشرخ، كإنه طالع من صدري بالعافية. قلت لها وأنا حاسة إني بخسرها قدام عيني: — الكلام معاكي ملهوش لازمة… اعملي اللي يريحك يا فجر الجملة دي وجعتني وأنا بقولها، لأني عمري ما كنت في صف بعيد عنها. بلعت ريقي بالعافية، وكملت وأنا بحاول أبان ثابتة بس رجلي كانت بترتعش: — وأنا عن نفسي… هقول لماما كل حاجة. مش هقدر أخبي… زي ما انتي خبيتي. آخر كلمة خرجت مش اتهام قد ما هي اعتراف بعجزي. أنا مش قوية زيها. مش بعرف أعيش بنص حقيقة ولا بعرف أكمّل ..وأنا شايلة سر بيوجّع حد بحبه. وقفت قدامها مستنية أي رد… غضب، صراخ، حتى إنكار. بس اللي وجعني بجد إنها كانت هادية. بصّيت لها… والنظرة دي كانت تقيلة تقيلة أوي. خيبة أمل مش بس فيها، في كل اللي حصل، وفي إن الأخت ممكن تبقى أبعد من الغريب. ما قلتش ولا كلمة ...لأن أي كلمة زيادة كانت هتطلعني أضعف أو أظلمها ...وأنا مش عايزة أعمل ولا دي ولا دي. لفّيت واديتها ضهري وخرجت. الهدوء اللي سيبته ورايا كان خانق ... هدوء يخوّف كإن المكان نفسه ماسك في النفس. كنت عارفة لو فضلت ثانية كمان كنت هتخنق، كنت هعيّط، كنت هقع. قفلت الباب ورايا مش بقوة ولا بهدوء… قفلتُه زي اللي بيقفل على نفسه حاجة مش عارف هيفتحها إمتى. ومشيت وأنا لأول مرة حاسّة إن الأخت ممكن تمشي وتسيب وراها فراغ أكتر من الوجع ___________ تميم كنت قاعد بتابع شغلي، وفجأة دخلت منى، قعدت قدامي وهي بتقول بانفعال: — مش هتصدق إيه اللي حصل… ولا إيه اللي عرفته! بصّتلها باستغراب وقلت: — في إيه يا بنتي؟ اتكلمي. قرّبت مني شوية، وصوتها واطي كأنها خايفة الحيطان نفسها تسمع: — نوارة… طلعت أخت فجر! يتبعععع#وهم_الحياه البارت التلتاشر تميم الكلام نزل عليّ زي الطوبة. مش مجرد خبر… لا، ده زلزال. فضلت باصصلها ثانيتين من غير ما أنطق، كأني بحاول أفهم الجملة وأرتّبها جوا دماغي وكل مرة تطلعلي بنفس السخافة. قلت وأنا بضحك ضحكة ناشفة: — نعم؟! أخت فجر إزاي يعني؟! منى قرّبت أكتر، وصوتها واطي ومتوتر: — والله زي ما بقولك،أختها من أمها وأبوها، وطلبوا محدش يعرف في الشغل. حسّيت قلبي بيشد مش وجع… لا قلق. رجّعت ضهري على الكرسي، ومرّرت إيدي على وشي: __عرفتي منين؟ هزّت راسها: — صوتهم كان عالي وشكلهم كانوا بيتخانقوا مش عارفه ليه بس الموضوع باين إنه مش بسيط. سكت. وسكوتي كان مليان أسئلة. نوارة أخت فجر؟ يعني وجودها في الشركة مش صدفة. يعني كل نظرات فجر، كل برودها، كل سيطرتها وتعاملها مع نواراه…بقى ليه تفسير. وأكتر حاجة ضايقتني مش إنهم أخوات… قد ما إني حسّيت ...إني الوحيد اللي واقف في النص من غير أي أوراق. رفعت عيني لمنى وقلت بهدوء مش شبه اللي جوايا: — ماشي… متتكلميش مع حد في الموضوع ده. وقفت، وأنا حاسس إن الأرض مش ثابتة: — واضح إن في حاجات بتحصل وأنا آخر واحد بيعرف. وأنا خارج من المكتب كان في اسم واحد بس بيزنّ في دماغي .. نواره .. وأنا خارج من المكتب شُفتها وهي بتطلع، وشّها متشدّد ومليان عصبية. ماوقفتهاش، ولا حتى حاولت أسأل أو أستفسر. الصدمة كانت أكبر من أي كلام… إزاي قدرت تخبّي علينا حاجة زي دي؟ وكأننا ولا حاجة في حياتها. ________________ فجر معرفش إذا اللي قولته ده كان المفروض أقوله ولا لأ. معرفش إذا ده أنانية مني ولا لأ. هل غلطت فعلاً إني مقولتش؟ ولا ده الصح أصلاً؟ كانت دماغي هتفرقع من التفكير. وف وسط كل ده اتصل بيا يعقوب وقال إنه محتاج يقابلني ضروري. وافقت، لأني كمان محتاجة أقوله أي خطوة جايه. قومت وأنا بتنهد وركبت العربية عشان أقابله. وصلت المكان ولقيته قاعد مستنيني. قعدت ولقيته طلبلي القهوة اللي بشربها. اتكلمت وأنا باخد الفنجان وقلت: _قولت عايز تقابلني لعله خير. رد عليا وهو بيبصلي بحزن وقال: __غرقتها هدايا واهتمام وحب فوق حبي… وبعدين؟ أنا مش هقدر أستمر أمثل كتير. بيني وبينكم، مكنتش مركزة معاه. كل اللي كان في بالي نواره، وإنها هتروح تحكي لماما إني رجعتلي الذاكرة. هزيت راسي على كلامه، وأنا أصلاً مكنتش فاهمة هو قال إيه. فوقت على صوته وهو بيطرقع صوابعه قدام وشي وقال: __روحتي فين بكلمك؟ حمحمت وأنا بقول: __معاك يا يعقوب… معلش، عيد تاني كنت بتقول إيه؟ رد عليا وهو بيتنهد وقال: __أقول إيه تاني… بس شكلك مش مركزة معايا خالص، ودماغك مشغولة. فيه حاجة ولا إيه؟ ابتسمت بسخرية وقلت: __متشتغلش بالك، خلينا في المهم. وبدأت أحكيله عن الخطة خطوة خطوة. وبعد ما خلصت كلامي… لقيته بيبصلي بصدمه وقال: __إنت جبتي التخطيط والشر ده كله منين؟ إنت إزاي كده؟ ابتسمت بسخرية صغيرة وقلت: __مش معقول… ده كله مجرد خطة، ما تستغربش كده. بص فيا بعينيه اللي مليانة استغراب وحزن، وقال: __بس… إزاي دماغك بتشتغل كده؟ إزاي تقدري تحطي كل ده في بالك؟ حسيت قلبي بيتسارع، وكأن كلامه قرب قلبي. قلتله بهدوء: __يعقوب… ساعات الواحد بيضطر يكون أقوى من نفسه… عشان يحمي نفسه او حتى اللي بيحبهم. سكتنا شوية… العالم حواليه كأنه وقف، بس نظراته كانت بتكسر الصمت، مليانة دهشة وقلق، وأنا حسيت بنقطة ضعف صغيرة جوانا احنا الاتنين… استأذنت، خدت شنطتي ومشيت. كنت مرهقة من اليوم كله، ومحتاجة أروح أستريح شوية. سيبت العربية مكانها، ماكانش ليّا نفس أسوق. وكلامه كان لسه بيتردد في وداني: "إنتي جبتي الشر ده كله منين؟" للدرجة دي أنا شريرة؟ هو لما الواحد ياخد حقه يبقى كده شرير؟ ولما أبين كل واحد على حقيقته، وأواجهه بيها، أبقى وحشة؟ لازم أدوس على نفسي، وكرامتي، ومشاعري… عشان أبان طيبة؟ عمر الطيبة ما كانت كده. عمرها ما كانت ذل، ولا ضغط، ولا وجع. الطيبة إنك تسامح… وأنت قادر. وأنا؟ أنا عمري ما هقدر أسامح على كسرة قلبي، ولا على الوجع اللي زين كان سببه. وفي وسط تفكيري، وقفني شخص عجوز… باين على التجاعيد اللي في وشه الشقى. مدّ إيده بوردة وقال: "الورد للورد يا آنسة… تحبي تاخدي؟" ابتسمت بسخرية، أخدت منه الوردة وقلت: __أنا وردة دبلانة والله. رد عليا بحنية أب: __ليه كده بس يا بنتي؟ والله إنتِ قمر أهو. بصيت له وأنا ببلع ريقي وقلت: __من برّه يمكن… إنما من جوّه مش أحسن حاجة يا حج. قال بهدوء وهو بيبصلي بنظرة فاهمة: __شكلك شايلة كتير يا بنتي. هزّيت راسي بابتسامة باهتة، طلّعت من شنطتي مبلغ واديتهوله، ودّعته ومشيت… وهو بيدعيلي ويقول: __ربنا يهوّن عليكي يا بنتي، ويخفف عنك. قد إيه افتقدت إحساس الأب ده… بابا مات من سنين، وساب فراغ محدش قدر يملاه غير زين. شوفت فيه بابا… حنّيته، وطيبته، وأمانه. شوفت فيه كل حاجة كنت مفتقداها. بس كل ده اتبخر. بقى ذكرى. مبقتش أحس معاه نفس الإحساس، ومبقتش أشوفه غير شخص خاين وبس. نفسي بابا يكون موجود… أحضنه، وأحكيله قد إيه الدنيا جت عليا. كنت عايزة أبكي في حضنه، وأقوله إنه كان دهري، ومن بعده مبقاش ليّا دهر. كان عندي كلام كتير قوي أقوله، كنت عايزة أشبع منه… بس الوقت سبقني. مسحت الدمعة اللي نزلت من عيني، ومسكت الوردة من تاني… ولقيت جواها رسالة مكتوبة: الوجع مش بيضيع… ربنا شايف." ضمّيت الوردة على صدري، وحسّيت إن الرسالة دي مش صدفة… كأنها جاية في وقتها بالظبط. قررت أروح لماما… وأحكيلها كل حاجة، من غير لف ولا دوران. قررت أواجه الحقيقة، وأتصالح مع نواره، اللي زعلت مني وبطّلت تيجي الشغل. يمكن المواجهة توجع، بس السكوت بيوجع أكتر. وأنا تعبت من الهروب، وجّه وقت أرجّع اللي اتكسر… حتى لو اتكسر جوايا الأول. وقفت قدام باب الشقه شوية قبل ما أخبط. إيدي كانت بتترعش، ومعدتي معقودة… مش خوف، قد ما هو ثِقَل الكلام اللي هيتقال. أول ما فتحت، بصّتلي نظرة طويلة، نظرة أم حاسة إن في بنتها حاجة تقيلة. دخلت وقعدت قصادها من غير ما أتكلم. قالت بهدوء: __مالك يا فجر؟ شكلك بهتان كدا ليه؟ بلعت ريقي وقلت بصوت واطي: __يا ماما… أنا تعبانة قوي. قربت مني وسابتني أكمّل. ولا سؤال زيادة… ولا ضغط. حكيت عن الذاكرة اللي رجعت، عن اللخبطة، عن الوجع اللي مش راضي يهدى، من غير ما أجيب سيرة زين… ولا الخيانة. قلت إني تايهة، وإني حاسة إني لوحدي، وإني محتاجة أهدى شوية. ماما مسكت إيدي وقالت: __مش لازم كل حاجة تتقال، بس اللي جواكي تقيل… وأنا حاسة بيه. حضنتني، حضن أم مش محتاج تفاصيل. قالت وهي بتمسح على شعري: __خدي وقتك يا فجر، واللي مش قادرة تقوليه دلوقتي… قوليّه لما قلبك يستحمل طلعت من عندها وأنا لسه شايلة الوجع، بس على الأقل… ماكنتش شايلاه لوحدي. قربت من باب أوضة نواره وخبطت، وقلبي كان بيدق بسرعة غريبة… مش خوف، قد ما هو إحساس إني داخلة معركة وأنا مش عايزة أكسبها، عايزة بس أطلع منها سليمة. سمعت صوتها من جوه، بارد: __ادخلي يا فجر. فتحت الباب، لقيتها قاعدة على السرير، ماسكة الموبايل، عينيها معلّقة في الشاشة كأنها بتستمد منها القوة اللي بتتجاهلني بيها. قعدت جنبها، والمسافة اللي بينا كانت أقصر من كده بكتير… بس الإحساس كان أوسع من أوضة كاملة. قلت وأنا بحاول أتماسك: __يعني كنتِ عارفة إني موجودة… ومخرجتيش؟ ما ردّتش. ولا حتى رفعت عينها. التجاهل وجع أكتر من أي كلمة. مدّيت إيدي وأخدت منها الموبايل. نفخت بضيق، وبصّتلي بنظرة مليانة تحدّي وقالت: __فجر، أنا مش صغيرة عشان تعملي معايا الحركات دي. لو سمحتي هاتي الموبايل. رجّعت الموبايل وحطّيته جنبها، وبصّيت لها بهدوء مقصود، الهدوء اللي وراه تعب مش باين. قلت: __هفضل شايفاكي بنتي يا نواره… مش أختي. وأنا جاية النهارده مش أعاتبك… جاية أصالحك. ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية، وبصّتلي وقالت: __تصالحيني؟ رديت عليها وأنا بهز راسي بهدوء، وقلبي بيتقطع كل مرة أفكر فيها باللي حصل: __انا عارفة… مكنش المفروض أخبي، بس كل ده كان غصب عني. حاولت أتماسك، وكملت وقولت بصوت مكسور: __نواره… لو عرفتي اللي أنا عرفته وحصللي… هتعذريني؟ قربت مني، وبنظرة مليانة سخرية، كأنها مش مصدقة، وقالت: __وايه اللي حصللك يا فجر؟ قلبي اتزنق، وحسيت بضيق في صدري… كأن الكلام اللي عايزة أقوله مكتوم، والضحكة اللي خرجت من نواره جواها… بتجرح أكتر من أي صراحة كنت هاقولها. كنت خايفة… بس في نفس الوقت، حاسة بقوة غريبة جوايا… جرأة إنّي أواجهها، وإنّي أفتح قلبي… حتى لو هتوجع أكتر اتكلمت، وصوتي كان تقيل كأني بسحبه من جوا صدري: __في رقم غريب بعتلي صورة لزين… هو والسكرتيرة بتاعته. بلعت ريقي وكملت، وأنا بحاول أفتكر إحساسي ساعتها: __ما صدقتش. ولا حتى اهتميت. أنا شخصية معروفة، وقلت أكيد في حد عايز يوقع بيني وبين جوزي. رفعت عيني ليها وقلت بمرارة: __ما شكّتش ولا لحظة… ولا حاولت حتى أتأكد من الصور. لحد ما شوفته بعيني. صوتي وِطي، بس الوجع كان أعلى: __شوفته وهو قريب منها قوي… قرب مكنش محتاج تفسير. حسّيت جسمي كله بيخونّي وأنا بحكي: __ما قدرتش أتماسك… الدنيا لفت بيا، ووقعت مغمى عليّا .... وده كان السبب إني أدخل في الغيبوبة… وأفقد ذاكرتي. __________________ نواره أول ما سمعت الكلام منها، اتصدمت. قلبي دق بسرعة، والخوف سيطر عليّا مرة واحدة، وكأن الأرض اتحركت من تحت رجلي. من غير ما أحس، انفجرت في العياط. صوتي طلع متقطع وأنا بقول: __أنا… أنا اللي بعت الصورة. بصّتلي بعدم فهم، أو يمكن كانت بتحاول تكذّب اللي عقلها استوعبه، وقالت: __صورة إيه؟ صورة زين ومريم؟ هزّيت راسي، ودموعي كانت بتنزل بغزارة، فكمّلت هي بصوت مكسور وغضبان في نفس الوقت: __ومقولتليش ليه؟ ليه سيبتيني أكتشف ده لوحدي؟ ردّيت وأنا بحاول أبرر، وكأن الخوف بيتكلم مكاني: __خوفت… خوفت ما تصدقيش. خوفت تفتكري إني بعمل كده عشان أوقع بينكم، زي اللي حصل زمان. بصّيتلها وكمّلت بوجع: __نسيتيه يا فجر؟ لما زين قالك إني بقصد أوقع بينكم، وإنك تاخدي بالك مني بعد كده؟ لما اتخانقتي معايا، وقعدنا سنة كاملة ما بنتكلمش؟ صوتي واطي، بس الكلمة كانت تقيلة: __مكنتش عايزة الموضوع يتكرر. بعتلك الصورة على أمل إنك تفهمي… لكن حتى بعد ده كله، لا بعدتي عنه، ولا مشيتي. سكتّت. وسكوتها كان تقيل، كأنها بتحاول تجمع قطع الصورة اللي اتكسرت فجأة قدامها. بصّتلي شوية… نظرة تايهة، مليانة تفكير، يمكن بتدور جواها على كلام ما يجرحش أكتر، ولا يكسر اللي فاضل. وبعد لحظة صمت، اتكلمت بصوت واطي، صادق، ومليان تعب: __يمكن فعلًا حبي لزين عمّاني. بلعت ريقها وكملت، كأن كل كلمة __بتطلع بتاخد معاها حتة من قلبها: يمكن خسرت حاجات كتير بسببه… ولسه بخسر. عينيها دمعت، بس حاولت تسيطر على نفسها، وقالت وهي باصة في الأرض: __بس أنا مش جاهزة خالص… ولا عايزة أخسر أختي، وبنتي الوحيدة. الكلمة الأخيرة خرجت مكسورة… بس فيها تمسّك، وفيها خوف من خسارة ما ينفعش تتعوّض. رفعت عيني عليّها ونظره المرة دي كانت مختلفة… مش دفاع، مش هجوم، نظرة واحدة بتحاول تمسك اللي بيقع منها. اتكلمت، وصوتي كان أهدى من وجعي: __أنا عارفة إني غلطت… وعارفة إن طريقتي كانت غلط. تنهدت، وكأن النفس اللي طلع شال حمل سنين: __مكنتش قادرة أواجهك بالحقيقة في وشك… خفت أوجعك، وخفت أكتر تخسريني زي زمان. قربت خطوة، وقولت بصدق موجع: __افتكرت إن الصورة هتخليكي تشوفي لوحدك… من غير ما أكون أنا السبب المباشر في كسرة قلبك. صوتي اتكسر وانا بكمّل: __بس الظاهر إن السكوت وجع أكتر من الكلام .... أنا آسفة يا فجر… مش لأني وريتك الحقيقة، لكن لأني سيبتك تواجهّيها لوحدك. والكلام لما خلص، فضل الوجع واقف في الأوضة… بس المرة دي، ماكانش وجع بيبعد، كان وجع بيقرّب. فتحتلي حضنها… وانا اترميت فيه من غير أي مقاومة. قعدت تحضني جامد… وكنت حاسة كل ده بيوصلني من قلبها. سمعت صوتها متكسّر، مليان صدق وندم: __أنا آسفة يا نواره… آسفة إني حبي عمّاني عن الحقيقة… حسيت قلبي بيتوجع… بس حضنها كان بيهديني، وبيطمني… خرجت من حضنها بعد شوية… وبصّتلي بجدية وحنية: __أوعي تزعلي… ولا تشيلي مني تاني… فاهمة؟ هزيت راسي بابتسامة صغيرة… حاسة بشوية راحة بعد حضنها وكلامها… بس بعد ثواني، رنّ الفون برسالة. مسكت الفون وأنا قلبي بيدق بسرعة… حسيت بشعور غريب، بين الفضول والقلق، وفتحت الرسالة… والصدمة كانت كالصاعقة. اللي بعتهالي… مراد! قفلت نفسي للحظة… مش مصدقة… إزاي؟ و ليه هو بعتلي دلوقتي؟ كل حاجة حسيت إنها ابتدت تهدى، اتلخبطت تاني في ثانية واحدة… قلبي اتجمد، وعقلي بدأ يلف ويدور… مراد؟! بعد كل اللي حصل… ليه دلوقتي؟ يتبععع يا ترى مراد عايز منها اي؟#وهم_الحياه البارت الاربعتاشر نواره فتحت الرسالة وأنا قلبي مش مرتاح… أول ما عيني وقعت على اسمه، حسّيت قلبي اتقبض. قريت: __عايزك تكوني موجودة في يوم زي ده… يوم خطوبتي. وجودك هيفرق معايا. إيدي رعشت وأنا بمسك الفون. حسّيت الدنيا بتلف بيا… خطوبته؟! وكمان عايزني أكون موجودة؟ مش عارفة أزعل… ولا أستغرب… ولا أضحك بسخرية على قد إيه الدنيا غريبة. جوايا إحساس تقيل… إحساس حد بيشدني لورا وأنا أصلاً لسه بحاول أطلع من وجع قديم. ليه دلوقتي؟ ليه بعد ما حاولت أقفل صفحة؟ قفلت الفون وأنا بتنفس بالعافية، وبصّيت لفجر… كنت لسه في حضن الأمان، وفجأة الماضي خبط على الباب من غير استئذان. وفي اللحظة دي بس فهمت… إن في جروح، مهما حاولنا نغطيها، بتستنى الوقت الصح عشان توجعنا تاني. فجر لاحظت توتري والحزن اللي ملّى وشي… هي دايمًا كانت بتقرا وجعي من غير ما أتكلم، كأن ملامحي بتفضحني قدّامها. قالت بصوتها الحنون اللي دايمًا بيهدي: __مالك؟ وشّك قلب كده ليه؟ اتكلمت وأنا بضحك ضحكة مكسورة، سخريتها طالعة من الوجع: __تخيّلي مراد باعتلي… بيعزمني على خطوبته. شفتي بجاحة أكتر من كده؟ بصّتلي باستغراب، وبصوت هادي سألت: __هتروحي؟ هزّيت راسي بسرعة، وصوتي كان حاسم بس موجوع: __لا طبعًا مش هروح. أنا مش هستحمل… ليه أروح وأوجّع نفسي بإيدي؟ قربت مني، ومسكت إيدي بإيدها، دفّيها وصل لقلبي قبل جلدي، وقالت بثبات وحنية في نفس الوقت: __روحي… روحي وانتي رافعة راسك. روحي عافية، مش عشان هو، عشان نفسك. كملت وهي باصة في عيني: __روحي وإنتي بتقولي من غير كلام إنك اتخطّيتي، وإنه مش فارق معاكي، وإن الحياة ما بتقفش على حد… فاهمة؟ كلامها هزّني… بين خوفي من الوجع، ورغبتي إني أثبت لنفسي قبل أي حد إني أقوى مما كنت فاكرة. بصّتلي فجر بعمق… النظرة اللي بتحضنك قبل الإيدين. سابَت إيدي ثواني، وبعدين قربت أكتر وقالت بصوت واطي، ثابت، مليان احتواء: __عارفة… وعشان كده بقولك روحي مش عشان تثبتي له حاجة، روحي عشان تعترفي لنفسك بالحقيقة. وقفت قدامي، ومسكت وشي بين إيديها، وكملت وهي باصة في عيني من غير ما تهرب: __إنك لسه موجوعة مش ضعف، وإنك مش قادرة تتخطي دلوقتي ده طبيعي، الوجع مش زرار نطفيه. تنهدت وقالت بحنية موجعة: __بس الهروب مش هيشيل الوجع يا نواره… هو بس بيأجله. وأنتي متستاهليش تفضلي واقفة مكانك عشان حد قرر يكمل حياته. قربتني لحضنها تاني وهمست: __الكلام اللي جواكي مش لازم يطلع كله، مش لازم تشرحي ولا تبرري، كفاية إنك تعيشي… يوم ورا يوم… لحد ما الوجع يتعب ويمشي لوحده. __وأنا هنا… مش همشي، ولا هسيبك تغرقي لوحدك، حتى لو الغرق طول. كلامها دخل قلبي وحرك حاجة كنت فاكرة إنها ماتت… حاجة اسمها الرغبة في الوقوف تاني. فجر عندها قدرة غريبة على الإقناع، مش بالكلام قد ما بالإحساس… تحس إن وجودها لوحده بيقولك: انتي أقوى مما فاكرة. وفعلًا… قررت. بصّتلها وقلت بقوة حاولت أجمعها من بين كسري: __هروح ابتسمت ابتسامة رضا، الابتسامة اللي بتحسسك إنك خدت القرار الصح، ومسكت إيدي وقالت بحماس خفيف: __يلا بقى… نروح نجيب فستان حلو كده. اعترضت بسرعة، كأنّي بخاف أرجع خطوة: __أنا عندي فساتين كتير. وقفت، بصّتلي بنظرة حاسمة، وقالت بصوت مفيهوش نقاش: __لا. إنتي لازم تكوني أحلى واحدة في الخطوبة دي… فاهمة؟ الكلمة دخلت قلبي ضربة واحدة. مش عشان الغيرة… ولا عشان الاستعراض… لكن عشان أول مرة من وقت طويل حد شايفني مش مكسورة… شايفني واقفة، جميلة، ومستحقة. وساعتها حسّيت إن الخطوبة دي مش امتحان وجع… دي معركة كرامة. خرجنا برّه، كانت ماما قاعدة على الكنبة، ماسكة المصحف وبتقرأ فيه، وشّها منوّر بهدوء وطمأنينة تخليك تحس إن الدنيا لسه فيها خير. أول ما شافتنا، رفعت عينيها وابتسمت الابتسامة اللي بتريح القلب، وقالت بدعاء طالع من قلبها: __ربنا يخليكوا لبعض. قربت فجر منها، باست إيديها باحترام وحب، وقالت: __ويخليكي لينا يا رب. قربت أنا كمان، حضنتها الحضن اللي فيه أمان الدنيا كلها، وقلت بدلع: __إحنا خارجين شوية يا ستّ الكل. طبطبت عليا بحنية الأم اللي تشيل هم الدنيا عن ولادها، وقالت: __خدوا بالكوا من بعض… وترجعوا بالسلامة. دعوتها دخلت قلبي قبل وداني، وحسّيت إن مهما الطريق كان صعب، في دعوة أم بتسبقنا وتحاوطنا من أي وجع. _______________ مريم كنت قاعدة ماسكة الفون وبقلب فيه بزهق، النت فاصل، ومفروض أكلم السوبر ماركت يجددوا، بس مفيش نفس… ولا مزاج لأي حاجة. وأنا بقلب كده، عيني وقعت على App غريب .. أيقونته مش مألوفة… واسمه عمري ما شوفته قبل كده. اتلخبطت. أنا متأكدة إن الفون ده بإيدي طول الوقت… مين نزّل ده؟ وإمتى؟ فتحته. لقيت شاشتين موبايل قدامي .. واحدة منهم… شاشتي أنا. قلبي دق جامد. قفلته وفتحته تاني، يمكن أكون بتخيل بس لأ… هو هو. مفهمتش أي حاجة، الخوف بدأ يزحف جوا صدري بهدوء تقيل. دخلت أسأل شات GPT، كتبتله وأنا إيدي بتترعش: *“هو app فيه شاشتين موبايل ده إيه؟”* والرد نزل عليّا زي القاضية:*“ده App تجسس.”* حسّيت الدم نشف في عروقي. يعني إيه تجسس؟ يعني حد شايفني؟ سامعني؟ عارف أنا بعمل إيه وبكلم مين؟ قفلت الفون فجأة، وضمّيته على صدري كأني بحاول أستخبى منه. وفي اللحظة دي، سؤال واحد كان بيخبط في دماغي بعنف: مين؟ ومستفيد إيه؟ وأنا اتراقبت قد إيه من غير ما أحس؟ ولو اللي شوفته ده حقيقي… يبقى في أسرار ومصيبه داخله عليا ___________ زين مريم كانت قاعدة قدامي، وشّها شاحب، عينيها واسعة أكتر من الطبيعي، الرعب مرسوم في ملامحها كأنها شايفة كابوس وهي صاحية. كنت بحاول أهوّن عليها، بصوت هادي يمكن أكتر من اللازم: __امسحي التطبيق وخلاص يا مريم… مش مستاهلة كل القلق ده. بس فجأة، خبطت بإيديها على المكتب خَبطة جامدة خلتني انتبه، وصوتها طلع عالي ومهزوز في نفس الوقت: __إنت مدرك إنت بتقول إيه؟ بقولك كنت بتراقَب! يعني حد مهكّر فوني! يعني ممكن ياخد صور شخصية ليا ويهددني! إنت ليه شايف الموضوع بسيط أوي كده؟! اتنفست بعمق، حسّيت إن انفعالها زيادة عن اللزوم، وقلت وأنا بحاول أسيطر على نبرة صوتي: __عشان هو فعلًا بسيط. كملت وأنا باين عليّا الهدوء: __مش إنتي لسه واخدة بالك من الـApp دلوقتي؟ يبقى احتمال يكون متنزّل من زمان وإنتي ما خدتيش بالك برضه. رفعت كتافي شوية وقلت: __ولو كان في حد ناوي يأذيكي بجد، كان أذاكي من زمان مش دلوقتي. قربت شوية وقلت بنبرة قاطعة: __امسحي التطبيق، وكل حاجة هتبقى كويسة. بصّتلي بصدمة، كأن كلامي معدّاش ودانها أصلًا، وعينيها لمعت بدموع مكبوتة وهي بتقول بصوت عالي شوية: __لا مش بسيط… ولا عمري هشوفه بسيط! وقفت من مكانها فجأة، والكرسي عمل صوت وراها، وقالت وهي بتحرك إيديها بعصبية: __إنت مش فاهم يعني إيه حد يكون شايفك من غير ما تحس! يعني إيه كل حركة، كل رسالة، كل صورة ممكن تكون اتسجلت؟! قربت مني خطوة، وصوتها كان بيرتعش بين الغضب والخوف: __إنت بتقولي لو كان هيأذيني كان أذاني من زمان؟ هو لازم يستنى اللحظة اللي تناسبه يا زين! يمكن لسه ما قررش… يمكن لسه بيجمع! مسحت دمعة نزلت غصب عنها وكملت بوجع: __أنا مش مطمّنة… ولا هعرف أنام وأنا حاسة إني مكشوفة. وبصّتلي نظرة طويلة، فيها شك أكتر ما فيها خوف، وقالت بهدوء مرعب: __والموضوع ده بالذات… مينفعش يتاخد باستخفاف. وسكتت. بس سكوتها كان أعلى من أي صريخ. ___________________ مريم قرب مني بهدوء ومسَك إيدي بين إيديه… حاول يطمني، بس إيدي كانت ساقعة، وجسمي كله مشدود. قال وهو باصصلي بثبات: __أنا مش قاصد أقلّل من اللي بتقوليه خالص… أنا بس مش عايز أقلقك. متخافيش، أنا جنبك، وطول ما أنا جنبك محدش هيقدر يقربلك… فاهمة؟ كلامه كان المفروض يريحني… بس قلبي ما ارتاحش. بصّيت لإيده اللي ماسكة إيدي، وحسّيت تناقض غريب… جزء مني عايز يصدّق، وجزء تاني بيصرخ جوايا إن الخوف ده مش وهم. سحبت إيدي بهدوء، مش بعنف، وقلت بصوت واطي بس مليان تعب: __أنا مش خايفة عشان إنت مش جنبي… أنا خايفة عشان في حاجة بتحصل من ورايا وأنا مش فاهمها. رفعت عيني وبصّيتله، نظرة مليانة قلق وشك: __الأمان مش إن حد يقولي متخافيش… الأمان إني أفهم وأحس إني مسيطرة، مش متراقَبة. وسكت. بس جوايا كان في إحساس واحد واضح: الخوف ده لسه مراحش… والموضوع أكبر من مجرد تطبيق اتمسح. ________________ فجر كنا في محل الفساتين وبنختار لنور فستان. مسكت فستان أحمر وقالت بانبهار: – ده هيبقى تحفة عليكي! بصت لي بصدمة وقالت: – تحفة عليا إيه؟ أنا مستحيل ألبس اللون الفاقع ده، شوفيلي حاجة أهدى شوية. سبت الفستان وأنا مش مقتنعة، وبدأت أدور على فستان تاني. مسكت واحد وقلت: – أهو ده بقى جميل أوي، وهيبقى أجمل عليكي. ردت وهي بتهز رأسها بالنفي: – ده مش هيليق على بشرتي خالص، شوفي حاجة تانية. بصتلها بانزعاج وقلت: – بقولك إيه، امشي ورايا بس وهتكسبي. سبت الفستان تنفيذاً لرغبتها وبدأت أدور على غيره. وفجأة، لفت انتباهي فستان أسود شكله تحفة. قرت عليه بلهفة وقلت: – هو ده، يلا ادخلي قيسيه! دخلت نواره عشان تجرب الفستان الأسود، ولما شافته على جسمها، عيونها اتسعت بالصدمة. همست بدهشة: – ده… ده مفتوح أوي! حسيت شوية توتر وخجل على وشها، وحاولت تمسك على نفسها وتضحك. أنا ابتسمت بخفة، عارفه إنها محتاجة طمأنة: – اه بس بصي قدام المراية، حلو قوي عليكي… ولو سيبتي شعرك لقدام شوية، مش كله هيبان. وقفت قدام المراية، نظرتها مترددة بين الإعجاب والحرج كان باين ع وشها .... قلبها كان بيدق بسرعة، وعرفت إنها معجبة لكن خايفة تقول. أنا حسيت بمزيج من الفرح والانتصار الصغير، كأن اللحظة دي كانت مكافأة لكل البحث والتعب اللي عملته عشان ألاقي الفستان المناسب. أخدنا الفستان بعد ما أقنعتها، وخرجنا من المحل. ركبت العربية وهي كانت جمبي، وطلعت من التابلوه المكياج. هي مكانتش مركزة معايا، وشكلها كانت مشغولة بحاجة تانية. اتكلمت وقولت: – قربي. بصت لي بعلامات استفهام واضحة على وشها: – هو المكياج ده ليّا أنا؟ رديت وأنا ببتسم بحماس: – أمال ليك أنا؟ ليكي طبعًا، عشان تروحي الخطوبة دي وإنتي أجمل واحدة فيها. ردت باعتراض، وحسيت شوية تردد وخجل في صوتها: – لا لا، إنتي عارفة إني مش بحب أحط الحاجات دي يا فجر، أرجوكِ. بصيت لها بحزم، بس مع لمسة حنية في عيوني: – قولتلك تسمعي كلامي، وأنا هخليكي الكل يتكلم عن جمالك في الخطوبة دي… ثقي فيا. شوفت في عينيها التوتر، بس كمان حسيت إنها قررت تثق فيا وتسيب نفسها بين إيدي. قعدت أحط لها شوية ميكب خفيف، يبرز جمالها أكتر، كل حركة كنت بحاول أخليها طبيعية وناعمة، وحسيتها بدأت تسترخي شوية. _________________ فجر قالت إنها هتيجي معايا بعد ما أختار الفستان…زبعد طبعت م قعدت ازن عليها عشان تيجي معايه حسّيت بثقة غريبة لما فكرت فيها جمبي، حسّيت إن ليا ضهر، وإن لو حد ضايقني في الخطوبة دي، هي هتدافع عني زي ما دايمًا بتعمل. بس استغربت جدًا لما وقفت قدام الشركة وهي بتنزل من العربية. بصّيت لها بعدم فهم وقلت: __رايحة فين كده؟ بصّت لي من شباك العربية، ونبرة صوتها هادية… لكن فيها جدية: __بصراحة يا نوني… أنا عندي شغل قد كده ومش هقدر أجي معاكي. حسيت بخيبة أمل ضربت قلبي… قلت وأنا مش قادر أخفي وجعي: __فجر… لا بجد… متعمليش كده. ابتسمت برقة، لكن ابتسامتها كانت مليانة حكمة، وقالت: __متخافيش… أنا هخلي حد تاني يجي معاكي. مكنتش فاهمة هي بتفكر في إيه بالظبط… لكن فهمت كل حاجة لما بصيت وشوفتها بتبص لتميم، اللي واقف قدام الشركة ولبس بدلة رمادي. حدفتله مفتاح العربية بحدة، ونبرة صوتها فيها حرص وحزم: __خد بالك منها. وبعدين دخلت هي الشركة… وسابتني واقفة هناك… بين شعور بالأمان اللي كانت بتديني إياه… وبين خيبة أمل كبيرة عشان مش هتكون جمبي. تميم قرب من العربية وفتح الباب وقعد جمبي… قلبي بدأ يدق أسرع من كده… التوتر مسيطر عليا من أول لحظة شفت فيها فجر دخلت الشركة. بصيت له بارتباك وحاولت أتحكم في صوتي: __معرفش بجد… هي عملت كده ليه؟ ابتسم بحنية، وعيونه فيها ضحكة صغيرة، وقال: __شكلها بتحبك أوي. حسيت وشي سخن… حاولت أخفي ارتباكي، وقلت بصوت منخفض: __مدام فجر؟ آه… شديدة شويه… بس طيبة… وبتحب تساعد غيرها. ابتسم وتمتم لنفسه وهو بيدور بالعربية… مش فاهمة إيه اللي بيضحك! بصّيت له باستغراب وسألته: __بتضحك على إيه؟ بصّلي بنظرة فيها دهشة واكتشاف… وقال وهو مبتسم بطريقة غريبة: __أنا عرفت… إن فجر تبقى أختك! قفلت بؤي على الصدمة… قلبى بقى يدق بسرعة، ومش قادرة أصدق اللي سمعته. رديت وأنا بحاول أبرر، قلبي لسه بيدق بسرعة: __تميم… أنا مكنتش أقصد… مقولكش. رد بهدوء، صوته ثابت لكن فيه حزم: __عارف… فجر فهمتني كل حاجة. رفعت حاجبي بتساؤل وقلت: __أفهم من كده إن هي اللي قالتلك؟ هز راسه وهو بيقول بعدم اهتمام، نبرة صوته كأن الموضوع بسيط بالنسبة له: __مش مهم مين اللي قالي… المهم إني عرفت. حاولت أفهم أكتر، وقلت وأنا بحاول أخفي توتري: __وعرفت برضه… إنت جي معايا ليه وفين؟ هز راسه بتأكيد على كلامي… وفي اللحظة دي حسيت بمزيج من الصدمة والارتباك، قلبي مش قادر يستوعب كل التفاصيل… بس كان في إحساس غريب بالأمان لوجوده جمبي… رغم كل الحيرة والوجع اللي جوايا. وصلنا قدّام القاعة اللي معمول فيها الخطوبة. تميم نزل الأول، ولف وفتحلي باب العربية. نزلت… وأول ما وقفت قدّام المكان، قلبي اتقبض. الإضاءة، الناس، الأصوات اللي طالعة من جوّه… كل حاجة كانت بتفكّرني إني داخلة مواجهة، مش مناسبة فرح. الخوف مسيطر عليّا، حسّيت نفسي صغيرة قدّام الباب الكبير ده، كأني على وشك أفتح صفحة أنا مش مستعدة ليها. بصّلي تميم وابتسم ابتسامة هادية، وقال: __شكلك حلو على فكرة. حسّيت خدودي سخنوا، ابتسمت بحرج ورجّعت خصلة من شعري ورا وداني، وقلت: __وإنت كمان. ضحك بخفة وقال: __طب إيه؟ مش هندخل؟ بلعت ريقي، وهزّيت راسي بتردد، وصوتي طلع واطي بس مصمّم: __هندخل… هندخل. وأنا بخطو أول خطوة ناحية الباب، كنت حاسة إن قلبي سابقني، بس في نفس الوقت… كان في حاجة جوايا بتقولي إن الرجوع مش خيار، وإن المواجهة، مهما كانت موجعة، أهون من الهروب. دخلنا القاعة… وأول ما خطوت جواها، عيني بدأت تدوّر عليه لوحدها، كأن قلبي حافظ مكانه قبل ما عقلي يستوعب. لقيته واقف، بيتكلم مع حد، لابس بدلة خلت شكله… مؤلم. جميل أوي بالطريقة اللي بتوجع، الطريقة اللي تفتّح جرح كنت فاكرة إني غطّيته. قلبي وجعني فجأة، وجع حاد، حاسّة بيه في صدري وكأني مخنوقة، مكنتش قادرة أسيطر على نفسي ولا على نظراتي اللي اتعلّقت بيه. وفجأة… حسّيت بإيد دافية مسكت إيدي. بصّيت لتميم، لقيته باصصلي بثقة، نظرة ثابتة، كأنها بتقولي: انتي مش لوحدك. هزّيت راسي بخفة… فهمت هو قاصد إيه من غير ولا كلمة. شدّيت نفسي، فردت ضهري، رفعت راسي، وخدت نفس طويل، وبدأنا نمشي ناحية مراد عشان أسلّم عليه. كل خطوة كانت بتوجع… بس كل خطوة كانت كمان بتعلّمني إني لسه واقفة. قربت منه… وكان واقف جنب بنت قمورة أوي، ملامحها هادية وناعمة، من غير ما حد يقول، كنت عارفة إنها خطيبته. أول ما عينه جت في عيني، وشّه اتخطف… الصدمة باينة، كأنه عمره ما توقّع إني أظهر هنا. مدّيت إيدي ليه، اتلخبط لحظة، كان واضح إنه بيحاول يستوعب وجودي، وبعد ثواني مدّ إيده هو كمان. ابتسمت، ابتسامة متعبة بس متماسكة، وقلت: __ألف مبروك يا مراد… مصدّقتش بصراحة لما عرفت إنك اتخطبت. قبل ما يرد، سمعت صوت حاد جمبي. بصّيت ناحية البنت اللي كانت واقفة جنبه، وقالت بنبرة فيها سخرية واضحة: __ومصدّقتيش ليه يعني؟ ردّيت بابتسامة مستفزّة وقلت: __مكنتش أعرف إن مراد بيعرف يشيل مسؤولية… ده شايل مسؤولية نفسه بالعافية. كانت لسه هترد عليّا، لكن صوت مراد قطعها وهو بيبص لتميم بنظرة مستغربة: __مين حضرتك؟ ابتسم تميم ومدّ إيده بثبات وقال: __أنا تميم، صاحب نوّارة. ضحك مراد بسخرية وقال: __صاحب؟ من إمتى نوّارة بتصاحب ولاد؟ شدّ تميم على إيدي وهو بيرد عليه بنبرة هادية بس حادة: __هي فعلًا مكنتش بتعمل كده لما كنت إنت في حياتها، لأنها كانت بتحترمك. لكن دلوقتي؟ إنت برا الصورة… فليه لأ؟ قرّبني منه وحاوطني بإيده، وبصّلي في عيني وقال: __وكمان أنا ونوّارة هيبقى في حاجة قريبة بينا… صح يا نوري؟ كلام تميم وقع عليّا زي الصدمة… قلبي خبّط خبطة واحدة قوية، وعقلي اتشل للحظة. في حاجة بينا؟ هو قالها بسهولة مخيفة… كأنها حقيقة متقالتش غير دلوقتي. بصّيت له وأنا تايهة، بحاول أفهم هو عايز يوصل لإيه، بس نظرة عينيه كانت ثابتة، واثقة، نظرة حد قرر يلعب الدور للنهاية. هزّيت راسي بتوتر، مش عشان متأكدة، لكن عشان مش عايزة أدي لمراد فرصة يشوف ضعفي. رجّعت عيني على مراد… وشه كان متشدّد، فكه مقفول، واضح إنه بيحاول يسيطر على غضبه، بس النار كانت طالعة من عينيه. حسّيت بإيد تميم حواليا، إحساس غريب بين الأمان والارتباك، بس في اللحظة دي، وجوده جمبي كان الدرع الوحيد اللي واقف بيني وبين انكسار كنت على وشك أعيشه قدّامهم. مراد سكت… وسكوته كان أعلى من أي كلام. وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة: مش كل اللي بيغضبنا لسه فارق معانا، بس في ناس وجعهم لينا بيفضل عايش شوية قبل ما يموت. وأنا واقفة هناك، راسي مرفوعة، قلبى موجوع… بس مش مهزوم. يتبعععععع#وهم_الحياه البارت الخمستاشر فجر بدأت الخطة اللي كنت عاملاها قبل ما أروح الشغل. اتصلت بهنيّة وطلبت منها تيجي تجهّز الدنيا، علشان عاملين حفلة في البيت بمناسبة الصفقة الجديدة. جهزت نفسي، لبست فستان لونه لبني، بأكتاف، وسيبت شعري القصير زي ما هو. حطيت ميكب هادي، ورشة بيرفيوم… وكده بقيت جاهزة. نزلت لقيت هنيّة مخلّصة كل حاجة. ابتسمت لها وقلت بإعجاب: __تسلم إيدك يا هنيّة، بجد البيت بقى تحفة. ردّت بابتسامة صافية: __تسلمي يا ست هانم، ده من ذوقك… أنا عنيا ليكي. هزّيت راسي برضا، وبصّيت على الساعة اللي على الحيطة. المفروض في الوقت ده المعازيم يبدأوا يوصلوا. استنيت خمس دقايق… وبالفعل، الجرس بدأ يرن. واحد ورا التاني. صحابي. موظفين من الشركة. والبيت ابتدى يتملي دوشة وضحك… بس أنا كنت عارفه إن اللي جاي أكتر من مجرد حفلة. وثواني وكان الباب خبط تاني، المرة دي فتحت أنا بنفسي. يعقوب ومريم كانوا واقفين جنب بعض. ابتسمت أول ما شوفتها، لكن هي اتصدمت… نظرتها اتجمّدت وكأنها مش مصدقة اللي قدامها. مريم كانت واقفه مكانها مش عارفه تنطق وعيونها بتلف عليا من فوق لتحت كأنها بتتأكد إني حقيقي مش خيال يعقوب قطع الصمت وهو بيقول: __إحنا… مش متأخرين؟ ابتسمت وأنا بفتح الباب أكتر وقلت: __لا طبعًا، اتفضلوا دخلوا ومريم لسه متلخبطه واضح إن وجودها هنا مكنش ف الحسبان خالص قربت منها وقلت بهدوء: __وحشتيني يا مريم بلعت ريقها وقالت بصوت واطي: إنتي… إنتي اللي عامله الحفله؟ هزيت راسي بابتسامه: __أيوه رد يعقوب باستغراب وهو بيقول: __إيه ده؟ هو إنتوا تعرفوا بعض؟ هزيت راسي بهدوء وقلت: __دي مريم… سكرتيرة زين جوزي اللي حكيتلك عنه قبل كده. هز راسه ببطء، ونظرة عينيه قالتلي إنه فاهم كويس أنا بعمل إيه وزي ما هو فاهمني… كان عارف بالظبط هو المفروض يعمل إيه في اللحظة دي. بص يعقوب لمريم تاني بنظره أطول شوية نظره فهم… مش استغراب قال بهدوء مقصود: __آه… كدا الموضوع وضح مريم شدّت إيديها على بعض بتوتر، وصوتها حاولت تطلعه ثابت: __أنا… أنا مكنتش أعرف إن البيت دا بيتك انتي ومستر زين ابتسمت ابتسامة خفيفة، من النوع اللي بيخبي حاجات كتير: __الدنيا صغيرة يا مريوم، أكتر مما إحنا فاكرين وحاولت متوترهاش أكتر من كده، عشان التوتر الحقيقي لسه جاي. اديتها عصير، وشربت، وعيونها كانت بتلف ف كل حتة حواليها… بعد شوية ركّزت نظرها عليا وقالت بصوت واطي لكن فيه فضول: __يعني مستر زين مش هيحضر ولا إيه؟ ابتسمت لها وقلت بهدوء: __هيجي حالا… هو بس قالي إن وراه شغل وهيتأخر شوية. بصّت لي بصدمه، حاولت تخفيها وقالت: __يعني مستر زين عارف إن حضرتك عاملة حفلة؟ عرفت إنها متغاظة شوية إنه محكلهاش، فقلت لها بابتسامة خفيفة: __طبعا يا روحي… وضفت في سرّي لنفسي: _هو ولا طبعا ولا حاجة! زين ميعرفش أصلا، بس حبيت أخليها مفاجأة ليه… وليها كمان. _________________ يعقوب وزي ما اتفقت أنا وفجر، ما سيبتش مريم لحظة… عرفت إنها لو لقت فرصة تبلغ زين، ساعتها مش هيجي. حاولت تتجنب كتير، تتحرك بعيد أو تشرد، بس أنا كنت دايمًا حريص إنها تفضل جوه نظري، ما تقدرش تختفي عني. كل حركة منها كنت بتابعها، كل كلمة كانت بتطلع من عندها كنت سامعها… عشان اللحظة دي محتاجة كل حاجة تكون تحت السيطرة شفت الباب بيتفتح… عرفت اللحظة اللي كنت مستنيها. زين دخل، لابِس بدلة أنيقة، شكله واثق، بس حسيت فورًا إن الجو اتغير حواليه. مريم اتحجرت في مكانها، واضحة الصدمة على وشها… وفجر واقفة قدامها، عيونها مركّزة عليه، بس فيه هدوء مخفي وراحة ثقة. أقدر أحس كل حاجة… النظرات، التوتر، القلوب اللي بتدق بسرعة. زين مش واخد باله مني ولا من وجودي، بس أنا شايف كل تفصيلة فيه… حركة إيده، طريقة وقوفه، الابتسامة اللي تحاول تخبي أي مشاعر. في اللحظة دي، حسّيت إن كل حاجة حواليّا صارت بطيئة… والوقت بقى واقف، ________________ نواره مراد خدني بعيد عن العيون، بعيد عن خطيبته وعن الزحمة، كأن المكان فجأة بقى أضيق علينا الاتنين. بصلي وقال بنبرة فيها شك وغيرة حاول يخبيهم: __انتي… انتي فعلًا بينك وبين البني آدم ده حاجة؟ رفعت عيني ليه، وأول مرة أكلمه بالقسوة دي، قسوة طالعة من وجع مش من غضب: __أظن ده ما يفرقش معاك يا مراد، إنت دلوقتي خاطب اتنهد، وعينيه كانت مليانة أسف متأخر، وقال بصوت مهزوز: __نواره… أنا لسه بحبك. ضحكت ضحكة سخريّة، ضحكة وأنا بحاول ألم دموعي قبل ما تقع قدامه: __إنت ما بتحبنيش يا مراد، إنت حبيت حُبّي ليك… مش أكتر. وفي خلال شهر واحد بس، كنت خاطب واحدة غيري. صوتي واطي، مكسور، بس الوجع كان واضح: __كنت دايمًا تقول إنك مش معاك نتجوز، وإن اللي جاي على قد اللي رايح… وأنا صدّقتك. رفعت عيني للقاعه، للزينة، للدهب اللي لابساه خطيبته، ورجعت أبصله وأنا بكمل: __بس بعد ما شوفت القاعة، وشوفت الدهب اللي جايبه لها… فهمت. مش حكاية فلوس ولا ظروف يا مراد، الحكاية إنك كنت مستخصر فيّ، مستخصر عشان شوفت ان عيشتي مرتاحة. سكتّ. كلامي نزل عليه زي السكاكين. شاف نفسه قدامي عريان من أي مبرر، وعيونه اتكسرت… بس متأخر أوي. قرب خطوة وهو بيحاول يمسك إيدي، سحبتها بسرعة، كأني لمست نار. قال بصوت واطي مهزوز: __مش مستخصر… والله ما كنت مستخصر، أنا كنت خايف… خايف أقصّر، خايف أظلمك معايا. ضحكت ضحكة قصيرة طالعة من وجع مش من ضحك: __تظلمني؟ لا يا مراد… الظلم الحقيقي إنك سيبتني أستنى، وأحلم، وأبررلك، وفي الآخر ألاقيك واقف هنا… مع غيري، ...وبتقولّي بحبك. سكت لحظة، وحسّيت قلبي هو اللي بيتكلم مش لساني: __أكتر حاجة وجعتني مش إنك اتخطبت… اللي وجعني إني كنت هقبل بالقليل عشانك، وأنت اخترت تدّي غيري الكتير وانا حتى ما استاهلتش الحقيقة. عيونه دمعت، بس دموعه ما حرّكتش فيّ حاجة. الوجع اللي جوايا كان أقدم وأتقل من أي ندم متأخر. قربت منه شوية، مش ضعف… قوة. قلت بهدوء قاتل: __حبك جه متأخر، واعترافك جه بعد ما كل حاجة خلصت. أنا موجوعة آه… بس مش مكسورة زي ما أنت فاكر. لفّيت وشي ومشيت، وسيبت ورايا مراد واقف في نص القاعة… خاطب، وخاسر. وخرجت من القاعة، سايبة ورايا كل حاجة… الدوشة، الضحك، النور، وسايبة الإنسان الوحيد اللي حبيته بجد. كنت بهرب…منه، ومن نفسي، ومن دموعي اللي خرجت عن سيطرتي خلاص. الهواء برّه كان تقيل، ..ونفسي مخنوق، ...وعيني مش شايفة قدامي من كتر العياط. سمعت صوت خطوات ورايا، عرفت من غير ما ألف… تميم سرّعت خطوتي، مش عايزة حد يشوف ضعفي، ولا يسمع قلبي وهو بيتكسر. بس الكعب خانّي رجلي لفت، وكنت هقع… في ثانية، إيدين مسكوني قبل ما الأرض تلمسني. صوته جه قلقان، قريب أوي: __انتي كويسة؟ ما قدرتش أرد. ولا حتى أرفع عيني. كل اللي عملته إني هزّيت راسي بـ لا. قلعت الكعب بإيد مرتعشة، ورميته جوه العربية من غير ما أبص، كأني برمي معاه وجع سنين. مشيت خطوتين، وبعدين رجلي ما شالتنيش. قعدت على الرصيف، ضمّيت نفسي، وانهارت. بكيت… بكيت بحرقة، بكيت على حب صدّقته، وعلى عمر ضاع في انتظار حد ما كانش ناوي يختارني. وتميم؟ وقف قدامي ساكت، مش بيضغط، ولا بيقاطع وجعي… قعد جمبي على الرصيف، وقرّب شوية من غير ما يزاحم وجعي، إيده كانت بتطبطب على ضهري بحنية هادية كأنها بتقول أنا هنا من غير كلام. قال بصوت واطي، دافي: __بتحبيه أوي كدا؟ ما رديتش ....كنت منهارة، العياط كان ماسكني من جوايا، وكأني لو فتحت بوقي هانهار أكتر. سمعته وهو بيقول، بنبرة أهدى: __اتكلمي يا نواره… طول ما انتي كاتمة جواكي مش هترتاحي ..جربي تفتحي قلبك،وصدقيني…لا هاحكم عليكي، ولا عليه حتى. بصيت له بتردد، عيني كانت محمرة وبتحرق، وقلبي بيدق بخوف ...بس في اللحظة دي كنت محتاجة أتكلم، أطلع الوجع اللي خانق صدري. رفعت عيني وبصيت له، وصوتي طلع مكسور وأنا بقول: __مراد… مراد دا الإنسان الوحيد اللي حبيته بجد. الكلمة خرجت تقيلة، كأنها اعتراف متأخر، ومعها خرج جزء من وجعي كنت مخبياه عن الدنيا كلها. كمّلت وأنا بشهق، الهواء كان تقيل في صدري وكأن نفسي مش راضي يطلع: «كل حاجة ادمرت من يوم ما سيبته…» مسحت دموعي بإيدي، يمكن كنت بحاول أمسح الوجع مش بس الدموع، وكملت وصوتي بيرتعش: __أنا عارفة إني اللي اخترت البُعد، بس كل دا كان بسببه أول ما شوفته في الكوشة قلبي اتقبض… وجعني وجع عمري ما حسّيته قبل كدا. سكتّ لحظة، وبعدين سألت نفسي بصوت طالع من جوّه النار: __هو أنا اتنسي بالسرعة دي؟ يعني كل اللي كان بينا… يتنسي في شهر؟ سمعت صوته هادي وهو بيسألني: __والإجابة كانت إيه؟ ضحكت ضحكة مكسورة، فيها قهر أكتر ما فيها صوت، وقلت بوجع: __ملقيتش إجابة… لحد دلوقتي. شدّيت نفسي وكملت، وكل كلمة كانت بتجرّ اللي بعدها جرح: __ولما شوفته عاملها خطوبة في قاعة وجايبلها دهب قد كدا… صعبت عليّ نفسي قوي. أنا مجابليش غير دبلة لما كنا مخطوبين، وأنا والله ما اعترضتش، ولا زعلت… طول ما دا على قد مقدرته. نفسي اتقطع وأنا بختم: __بس كل دا… اتبخّر، كأني مكنتش حاجة بالنسباله ... سكتّ، والصمت كان أوجع من الكلام. صدري كان بيطلع وينزل بسرعة، وكأني لسه طالعة من معركة خسرتها لوحدي. تميم فضل ساكت شوية، سابني أطلع اللي جوايا على مهلي، وبعدين قال بصوت واطي، هادي، فيه ثِقل الرجولة مش شفقة: __اللي يسيب حد شبهك… ميبقاش كسب حاجة. هزّيت راسي بنفي، ضحكة صغيرة هربت مني من كتر الوجع: __متقولش كدا… يمكن أنا اللي كنت قليلة، يمكن حبي كان أكتر من اللازم. قاطعني بسرعة، نبرته بقت حاسمة لأول مرة: __لا إنتي كنتي صادقة… ودي مش قلة، دي قوة. بس مش كل الناس تعرف تشيل القوة دي. بصّيت له، أول مرة أحس إن في حد شايفني مش ضعيفة، شايفني مكسورة… بس لسه واقفة. قال وهو بيبص قدامه: __مراد اختار السهل، والسهل دايمًا يبان مغري… بس عمره ما بيبقى صح. بلعت ريقي، وسألت السؤال اللي كان واكل قلبي: __طب ليه لسه بيوجع؟ ليه حاسّة إني واقفة مكاني وهو كمل؟ بصّلي بهدوء، والإجابة كانت أبسط وأصدق ما سمعت: __عشان إنتي حبيتي بجد… واللي بيحب بجد، بياخد وقت عشان يقوم. مدّ إيده بهدوء وقال: __بس هيقوم… وأنا متأكد إن اليوم اللي هتقومي فيه، هتستغربي إزاي كنتي فاكرة إنك قليلة. ساعتها… مكنتش جاهزة أرد، بس لأول مرة من زمان، الوجع وجعه أقل شوية. يتبععع ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏