الفصل الثاني والعشرون
المعركة في قلب قصر النور:
تحوّل قصر النور عند المغيب إلى جحيم متقد. الجدران العالية ارتجّت تحت ضربات المهاجمين، والنيران اشتعلت في أطراف الأروقة، بينما السهام تنهمر كالمطر الأسود فوق رؤوس المدافعين. صليل السيوف وصيحات الموت كانت تصنع سيمفونية حربٍ قاسية، لا ينجو من وقعها قلب ولا أذان.
في قلب الساحة، كان سليمان أو كما يذكره القدر باسم نصر الدين واقفًا كسيفٍ مغروس في الأرض. عيناه تقدحان شررًا، وذراعه يتحرك بسرعة لم يعرفها من قبل، وكأن مع كل ضربة يستحضر صرخات شعبه المسلوب في اليمامة. كان يضرب، يصد، يطعن، لا يترك لمهاجم فرصة لالتقاط أنفاسه.
وبجواره كان نزار، ذاك الظل الأمين، يقاتل كأنه وُلد لهذا اليوم فقط. عيناه لم تفارقا كتف سيده، كل حركة منه هي عهد صامت:
— لن أسمح أن تصل إليك يدٌ، ما دمت حيًّا.
جراح كثيرة أصابته، لكنه ظل يقاتل كأنه جبل ينهار عليه السيل، فلا يهتز.
أما فهد، فقد كان كملكٍ يقاتل دفاعًا عن عرشه، صوته الجهوري يتعالى بين جنوده، يرفع معنوياتهم، ويضرب بسيفه كأنه يقطع الهواء نصفين. ومع ذلك، كان العدو كثيفًا، عدده لا ينتهي، يحيطون بهم من كل جانب.وكانهم يخلقون من العدم
وفجأة… وسط الصخب والدم، دوّى صوت أنثوي قوي، حاد كالسهم يخترق العاصفة:
– نصر الدين!
التفت سليمان، وإذا بعينيه تلتقيان بأكثر المشاهد إدهاشًا غفران واقفة عند بوابة الساحة، ظلها يلمع بخناجرها تحت ألسنة النار، وقوسها مشدود. انطلقت سهامها لتسقط أول مهاجم كان يوشك أن يغرس سيفه في قلب فهد.
تقدمت بخفة البرق وسط المعركة، ركلت مهاجمًا، وغرست خنجرها في آخر، حتى وصلت إليهم. وضعت ظهرها إلى ظهورهم جميعًا، وقالت بصوت عاصف:
– اليوم… لا أحد يلمسكم، ما دمتُ أنا هنا!
دهشة سليمان تحولت إلى طمأنينة مفاجئة وكأن قلبه استعاد نصف قوته برؤيتها ثمة ابتسامه قصيرة ارتسمت على وجهه ولكن تحولت سريعا إلي الجديه مرة اخري. نزار شد صفوفه أكثر، أما فهد فابتسم رغم الدماء التي غطت درعه، وقال بصوت واثق:
– الآن… نحن أربعة، ولن ندعهم يمروا!
اصطف الأربعة ظهورًا لظهور، سيوف وخناجر وأقواس، دائرة من نار وحديد. المهاجمون اندفعوا كأمواج هادرة، لكنهم اصطدموا بجدار من الإرادة لا يلين.
انطلقت سهام غفران كالبرق، أصابت صدورًا ورقابًا. سيف سليمان ضرب بقوة، كل حركة منه كانت تصرخ أنا الملك الذي لا يُهزم. نزار كان يصد الضربات كدرع حيّ، بينما فهد يقاتل كأنه يجرّ وراءه تاريخًا بأكمله.
لكن وسط هذا الطوفان… غفلت عين غفران لحظة عن مهاجم اقترب من جانبها. اندفع سيفه من زاوية خبيثة، قبل أن تتمكن من صدّه. اخترق السيف جانبها الأيسر، ومزّق لحمها بعمق.
صرخت صرخة قوية، ليس من ألمٍ فقط، بل من غضبٍ أيضًا. جسدها انحنى قليلًا، لكن عينيها اشتعلتا بنيران لا تخمد:
– لن أسقط ليس الآن…!
انطلق خنجرها من يدها الأخرى ليغرس في صدر المهاجم، فسقط أرضًا بلا حراك.
سليمان رأى الدم ينزف من خاصرتها، فاشتعل قلبه غضبًا لم يعرفه من قبل. صرخ صرخة هزّت الساحة كلها:
– مَن يجرؤ… على لمسها أمامي؟!
انقض كسيفٍ نازل من السماء، ضرباته تحولت إلى عاصفة حمراء، كل من اقترب سقط، لا يُمهل أحدًا، ولا يرحم أحدًا. كان يقاتل كأنه جيش بمفرده، كأن الأرض نفسها تقاتل معه.
نزار ضغط أكثر على الدائرة ليحمي جانبها المصاب، بينما فهد رفع صوته مشجعًا:
– اوقفوهم… هذا القصر لن يسقط أبدًا!
رغم جرحها، ظلت غفران واقفة، تتنفس بصعوبة، لكنها ما زالت تقاتل. نزيفها لم يمنعها من إطلاق السهام، لم يمنعها من أن تكون الدرع الحامي الذي وعدت به.
وفي قلب المعركة، وسط صليل السيوف ولهيب النار، اتحد الأربعة كجسد واحد. أربعة قلوب، أربعة أرواح، ضد جيشٍ كامل من الظلام.
صوت نزار ارتفع كالرعد:
–لتحيا مملكة النور!
وتبعوه جميعًا بنفس الصوت، كأنها صيحة القدر:
– لتحيا مملكة النور!
الدماء تسيل، والنار تعلو، لكنهم لم ينكسروا… بل ازدادوا صلابة، كأن تلك اللحظة هي إعلان بداية حرب أكبر، لن تنتهي إلا بتحرير كل أرض ظُلِمت.
بين الدم والقدر:
في خضم العاصفة، كان صليل السيوف لا يهدأ، والدم يغمر أرض ساحة القصر. لكن في تلك اللحظة، بدا كل شيء وكأنه يتباطأ في عيني سليمان. لم يعد يسمع سوى أنين غفران وهي تتمايل قليلًا، يدها تضغط على جرحها النازف في خاصرتها اليسرى.
اندفع إليها، يصد ضربة هنا، ويطعن آخر هناك، حتى وصل أمامها. قبض على ذراعها بقوة وهو يصرخ:
– غفران! أنتِ تنزفين… لا تكملي، أرجوكِ! لم ٱسامح نفسي أن حدث لكِ مكروه، توقفي
رفعت عينيها المشتعلتين نحوه، وجهها شاحب والعرق يختلط بدمها، لكنها ابتسمت ابتسامة متحدية رغم الألم:
– أتريدني أن أتراجع وأتركك؟ أن أترك القصر يسقط؟ لا تنسي انني من ابناء هذه المملكة، وهذا واجبي أن احميها مثلك تماما.
هز رأسه بعنف، وعيناه تضطربان بين خوف وغضب:
– أنا لا أريد شيئًا سوى أن تبقي بخير! أنا… لا أحتمل أن أفقدك.
مدّت يدها المرتجفة، ووضعتها على صدره فوق قلبه، حتي أن دمها لطّخ درعه، وقالت بصوتٍ مبحوح لكن ثابت:
– أنا هنا… مكاني هنا. بجوارك، لا خلفك. تذكر ما قلت لي يوم رحلت… قوتي في قلبي، وهذا القلب لا يعرف أن يهرب.
كلماته القديمة ارتدت إلى ذهنه كالصاعقة، تلك التي قالها لها قبل سفره:
“غفران… تذكري دائمًا أنّ قوتك ليست في سيفك وحده… قوتك في قلبك. لا تدعي أحدًا يسرق هذا القلب منك، حتى لو كان أنا.”
ارتجف صدره بقوة، وكأنها تعيد إليه نفسه التي كاد يفقدها. مد يده بلطف على جرحها، يضغط عليه ليوقف النزيف، وعيناه تلمعان بدموع لم يعرف أنه قادر على ذرفها وسط الحرب.
– اصمدي… من أجلي.أرجوكِ
ابتسمت غفران رغم ألمها، وأمسكت خنجرها بيدها الأخرى قائلة:
– بل نصمد معًا… من أجل النور، ومن أجل كل مَن ينتظرنا.
وفي تلك اللحظة، انقض المهاجمون من جديد. وقف سليمان أمامها كسور حديد، يقاتل بجنون لا يوقفه شيء، فيما هي رغم جرحها، أطلقت سهمًا أصاب قلب أحد القادة المتقدمين.
تلاقت نظراتهما وسط الدم والدمار، نظرة عميقة لا تحتاج إلى كلام:
—مهما حدث… لن نسقط.
أوامر الملك—
بعد ساعاتٍ من الصراع المحتدم، سقط آخر المهاجمين على أرض القصر، صرخة الموت تختلط مع أنفاس الجنود المرهقة. تناثر الدخان، وغشى الدم أرض الساحة، لكن راية النور ما زالت مرفوعة. كان الصمت الذي تبع القتال كهديرٍ بعيدٍ يذكّر الجميع بما جرى.
وقف سليمان وسط الحطام، يلهث، سيفه يقطر دمًا، ودرعه محطم في أكثر من موضع. عيناه لا تبحثان عن شيء سوى غفران. وجدها مستندة إلى أحد الأعمدة، يدها على خاصرتها، ووجهها متعب لكنه شامخ.
أسرع نحوها، وأسندها بذراعيه رغم مقاومتها الضعيفة، وقال بعنف يفضح خوفه:
– لن تقولي لي لا الآن، يكفي ما فعلتِ. لقد انتهى الأمر.
وبينما كان يهمّ بالخروج بها، ظهر الملك فهد من بين الصفوف، يرافقه نزار وعدد من القادة. كانت ملامح فهد مشدودة، لكن عينيه تلمعان بالفخر والامتنان. رفع صوته وهو ينظر إلى الجنود المجتمعين:
– لقد دفعتم أرواحكم اليوم ثمن بقاء النور، ولن يضيع جهدكم. من الآن، يُنقل المصابون إلى المعسكرات الطبية داخل القصر فورًا، تحت رعاية أفضل الحكماء. ومن سقط من إخوتنا… فلأهاليهم نصيب من خزينة المملكة، جزاءً على دمائهم الطاهرة.
ارتفعت الهمهمات بين الجنود، عيون دامعة، وبعضهم هتف باسم الملك، والبعض الآخر باسم النور.
ثم التفت فهد إلى اثنين من رجاله وأشار بقوة:
– أنتم… خذوا الآنسة غفران إلى الجناح الطبي، تُعالج فورًا. إنها ليست جندية فقط، بل درع هذه المملكة من اليوم.
حاولت غفران أن ترفض بصوتٍ واهن:
– لا… هناك من هو أحق بالعلاج…
لكن سليمان قاطعها بصرامة، عينيه لا تفارق وجهها:
– بل أنتِ الأحق يا غفران. لقد كنتِ السهم الذي حمى الجميع.
اقترب فهد، وضع يده على كتف سليمان وقال بصوتٍ منخفض يكفي ليسمعه وحده:
– لقد أثبتُ اليوم أنّك قائد بحق، لكن لا تنسَ… القائد لا يكتمل إلا برجاله. وهذه الفتاة… كانت سيفك للنهاية.
أخفض سليمان رأسه قليلًا، وعيناه تشتعلان بمزيج من الفخر والخوف. نظر إلى غفران مجددًا، وهمس لها وهو يتركها بين أيدي الحراس:
– لن تذهبي عن عيني… حتى وأنتِ بين يدي الحكماء.
ابتسمت رغم نزيفها، وأغمضت عينيها، بينما يُنقل المصابون واحدًا تلو الآخر، والقصر يتهيأ ليلملم جراحه، مدركًا أن هذه المعركة كانت مجرد تنبيه لخطر قادم
نيران راجح:
كوخٌ معتم في أطراف مملكة النور، جدرانه المتهالكة يكسوها دخان المصابيح القديمة، وطاولة خشبية تتوسط المكان، عليها خرائط مبعثرة وكؤوس لم تُمس.
كان راجح جالسًا وحده، ينهش أطراف أظافره بقلق، عينيه تلمعان بحدة ذئبٍ جائع. فجأة اندفع الباب بعنف، ليدخل أحد رجاله يلهث من التعب، ملابسه ممزقة والعرق يتصبب من جبينه. ثم قال بصوتٍ مبحوح:
– سيدي… لقد فشل الهجوم… قصر النور ما زال صامدًا، بل إنهم سحقونا قبل أن نلمس أبوابه.
رفع راجح رأسه ببطء، ساد صمتٌ ثقيل جعل أنفاس الرجل ترتجف. ثم ابتسم ابتسامة ساخرة، لكنها لم تكن إلا قناعًا يخفي وراءه بركانًا من الغضب.
نهض بغتة، وأمسك بخريطة على الطاولة، ثم مزقها نصفين وألقاها في النار المشتعلة.
صرخ بصوتٍ مدوٍ:
– فشل؟! أنتم لا تعرفون معنى الفشل… ما حدث ليس سوى تأجيل، ليس سوى جولة خاسرة في حرب لم تنتهي بعد.
اقترب من الرجل، أمسكه من ياقة ثوبه بعنف، وقال وعيناه تقدحان شررًا:
– أخبرني، من الذي قادهم؟ من الذي جعلهم يصمدون؟
تلعثم الجندي:
– سيدي… كان هناك مقاتلة… يُقال اسمها غفران… وقفت كالدرع، تحمي الملك فهد وسليمان… كأنها نُسجت من الحديد…
ارتجف فك راجح، وأفلت الرجل بعنف، ثم ضرب الطاولة بقبضته حتى تزلزلت الخرائط المتبقية.
– غفران… دائمًا غفران… هذه الفتاة شوكة في حلقي منذ البداية.
جلس بعدها، يمرر يده على شعره بعصبية، ثم ابتسم ابتسامة باردة لا تبشر بخير، وقال بصوتٍ خفيض أقرب إلى الهسيس:
– إذا لم يسقط القصر من الخارج… فليسقط من الداخل. إذا لم نهزمهم بالسيوف… فسنهزمهم بالسموم التي تسري في عروقهم.
اقترب رجاله أكثر، يتبادلون النظرات المرتابة، فسأل أحدهم:
– ماذا تقصد يا مولاي؟
أجاب راجح وعيناه تضيئان بدهاء:
– أقصد أن الضربة القادمة لن تكون في وضح النهار… بل في قلب الليل. لن يروا العدو، بل سيشعرون به وهو يتنفس بين جدرانهم. لقد حان وقت اللعب بالعقول والقلوب… قبل الأجساد.
ثم رفع صوته بغضب مفاجئ:
– اخرجوا! اتركوني الآن… لدي خطة لن يعرفها أحد حتى تقع!
تفرق رجاله مذعورين، بينما جلس راجح وحيدًا من جديد، يحدّق في ألسنة النار، كأنها تكشف له طريقًا مظلمًا مليئًا بالمؤامرات. تمتم لنفسه:
– لن يهنأ سليمان ولا فهد ولا تلك الغفران بيومٍ واحد من الراحة… سأجعل النور تذوي بظلامي
جناح الألم والطمأنينة:
الجناح الطبي في قصر النور كان يغلي بالحركة؛ الحكماء يتنقلون بين الأسره يحملون ضمادات وأعشاب، وأصوات الجرحى تتعالى بين أنين وصبر. رائحة المراهم والدم الممزوج بالخل تملأ الأجواء.
على سريرٍ خشبي عند الزاوية، كانت غفران ممددة، جرح عميق في جانبها الأيسر ما زال ينزف قليلًا، والحكماء يضغطون عليه بضمادات مشبعة بالأعشاب. ملامحها شاحبة، لكنها ما زالت متماسكة، حتى وهي غائبة عن وعيها.
دخل سليمان مسرعًا، ملامحه يكسوها القلق، عيناه تبحثان عنها وسط الضوضاء، وما إن رآها حتى اقترب بخطوات ثقيلة. وقف بجوار سريرها، ينظر إلى جرحها وكأنه أصابه هو:
– كيف حالها؟ أجبني بالله هل هي بخير؟ …
التفت أحد الحكماء، شيخ وقور بلحية بيضاء، وقال بهدوء وهو يربت على كتفه:
– جرحها مؤلم، لكنه ليس قاتلًا. فاهي فتاة قوية ستتعافى قريبًا إن شاء الله
لكن القلق لم يغب عن ملامحه. ظل واقفًا، يراقب أنفاسها المتقطعة ويده تكاد تلامس يدها، ثم يتراجع وكأنه يخشي ان تستيقظ و يزيد ألمها
اقترب نزار من خلفه، ووضع يده على كتف سليمان قائلاً بصوت منخفض ولكنه ثابت والضمادات تملئ جسده هو ايضا:
– لا تخف يا مولاي… أتذكر من هي؟ إنها غفران… تلك التي لم تنحنِ أمام قوافل الموت، ولم تخضع لطغيان حاكم ظالم انهي هي من دخلت وسط النيران لتنقذ شقيقتها الرضيعه. لا تدع هذا الجرح يخيفك، فهو لا يساوي شيئًا أمام صلابتها. صدقني… ستقوم أقوى مما كانت.
التفت سليمان إليه بعينين دامعتين لكنه حريص على كتم مشاعره، ثم قال:
– لا تعلم يا نزار… كأن خنجرًا استقر في صدري وأنا أراها تنزف.
ابتسم نزار بحكمة، وجذب سليمان ليجلس بجواره:
– هذا لأنك تحبها، يا صديقي. ولأنها صارت جزءًا منك، فأي ألمٍ يصيبها ينعكس فيك. لكن ثق بي… هذه المرأة وُلدت لتقاوم، والجرح هذا لن يكون سوى وسام آخر يزين قصتها
في تلك اللحظة تحركت غفران قليلًا، أطلقت تنهيدة ضعيفة، ثم فتحت عينيها بصعوبة. وقع بصرها على ملامح سليمان المرهقة. رسمت ابتسامة باهتة وقالت بصوت مبحوح:
– هل أقلقك جرح صغير كهذا يا قائدي؟
ارتبك قلبه، فأمسك يدها أخيرًا دون تردد وهمس قريبًا منها:
– ليس صغيرًا عندما يصيبك أنتِ…
أغمضت عينيها من جديد، والابتسامة لم تفارق شفتيها، بينما ظل سليمان ممسكًا بيدها، لا يبالي بالضوضاء من حوله. كان كل ما يعنيه أن ترى شمس الغد وتعود واقفة كما عرفها.
قلق ينهش القلب:
كان الصباح قد بسط أشعته الذهبية فوق أسوار قصر النور، والحدائق تتنفس الندى بعد ليلة الهجوم العاصفة. غير أنّ البيت الصغير الذي اعتادت أن يجمع غفران و سهام بدا صامتًا على غير عادته.
جلست سهام على حافة الفراش، عيناها تتنقلان بين الأركان الفارغة، والقلق يلتهم قلبها. تذكّرت اللحظة التي غادرت فيها شقيقتها مسرعة بالأمس بعدما جاءها النداء الغامض، وتذكرت الساعات الطويلة التي مرت دون أن ترى عودتها.
همست في نفسها بصوت متوتر:
– يا الله… أين ذهبت غفران؟ لماذا لم تعُد بعد؟
لم تحتمل البقاء أكثر. ارتدت عباءتها الداكنة ولفت طرحتها على عجل، وفتحت الباب لتخرج. كانت خطواتها سريعة، كأنها تقودها غريزتها لا عقلها.
في الطريق سألت جارتها العجوز التي تكنس أمام بابها:
– عُمتِ مساءا يا خاله ، ألم تريِ غفران الليلة الماضية؟
رفعت العجوز رأسها متعجبة وقالت:
– لا يا ابنتي، لم ألمحها… لكن سرت همسات في الحي عن هجوم على قصر النور. ربما كانت هناك؟
اتسعت عينا سهام بقلق أشد، قلبها كاد يتوقف. لم تنتظر تفسيرًا أكثر، بل أسرعت تجري في الطرقات المؤدية إلى قصر النور.
وصلت البوابة الكبيرة، الجنود يقفون متأهبين بعد أحداث الأمس. تقدمت وهي تلهث وقالت للحارس:
– أرجوك، أبحث عن شقيقتي… اسمها غفران. هل هي هنا؟
تبادل الحراس نظرات سريعة، ثم أجابها أحدهم بلطف:
– نعم، لقد جاءت بالأمس وقاتلت بشجاعة مع القائد نصر الدين… لكنها الآن في الجناح الطبي.
شهقت سهام ووضعت يدها على صدرها، مزيج من الخوف والاطمئنان اجتاحها. ركضت داخل أروقة القصر تتبع إرشادات الحراس حتى وصلت أخيرًا إلى جناح الحكماء.
هناك… وقع بصرها على غفران ممددة على الفراش، ضماد يلف جانبها، وجهها شاحب لكنه هادئ. كانت نائمة بسلام، وإلى جوارها جلس سليمان صامتًا، يراقبها بعينين لا تفارقها.
دمعت عينا سهام، هرعت لتجلس بجوار غفران، تمسك يدها وتقبلها:
– غفران… حمداً لله أنك بخير
رفع سليمان نظره إلى سهام، رأى الدموع في عينيها فقال بنبرة حازمة لكنها مشبعة بالحنو:
– لا تقلقي، هي بأمان الآن. جرحها مؤلم لكنه ليس خطيرًا. ستنهض قريبًا.
تنفست سهام بعمق، مسحت دموعها وهمست:
– كنت أشعر أن قلبي سينفجر من الخوف.
ثم التفتت إلى غفران، تمسح شعرها بحنان الأم، كأنها تعيد إليها الأمان المفقود، والقلق الذي أرهقها طيلة الليل بدأ يذوب شيئًا فشيئًا، أمام طمأنة نصر الدين ونبضات قلب شقيقتها الضعيفة لكنها ثابتة
خبر غير متوقع:
داخل قصر اليمامة، جلس بلال في مجلسه، يتأمل في الخرائط الممتدة أمامه، وعقله يغلي بأفكار الانتقام. لم يكن يتوقع أن يدخل عليه أحد في هذا الوقت، لكن أبواب القاعة انفتحت بعنف، واندفع أحد رجاله مسرعًا، يتبعه قائدان آخران، وجوههم متوترة، أنفاسهم متقطعة.
نهض بلال من مكانه، صوته كالسوط:
– ما هذا الاضطراب؟ تكلموا!
انحنى أحدهم وقال مترددًا:
– مولاي… حدث هجوم غاشم على قصر مملكة النور منذ ليلة أمس…
تجمد بلال في مكانه، عيناه تتسعان ببطء:
– هجوم؟! ومن الذي تجرأ أن يشن هجومًا من دون أمري؟
تبادل الرجال النظرات، ثم قال القائد الأكبر:
– إنه… راجح، يا مولاي. تحرك بمفرده، قاد مجموعة صغيرة من أتباعه، وحاول أن يوقع القصر في فوضى. لكن… الهجوم فشل بخساره كبيرة من رجاله
تصلبت ملامح بلال، وارتجف صوته وهو يصرخ:
– بمفرده؟! من سمح له؟! أنا من يقرر متى نتحرك، ومتى نهاجم!
اقترب من رجاله، عينيه تشتعلان غضبًا:
– لقد تجاوز حدّه… تجاوز سلطتي! راجح يظن أنه قائد؟ يظن أنني سأقبل أن يعمل في الظل وكأنه هو الملك؟!
انحنى القادة في خوف، لكن بلال تابع وهو يدور في القاعة مثل أسد محاصر:
– راجح سيعلم ثمن العصيان… سيعلم أن بلال لا يُعصى أمره.
ثم وقف فجأة أمامهم، صوته يخترق الصمت:
– من الآن، كل خطوة يخطوها راجح تُنقل إليّ. كل نفس يتنفسه، كل لقاء يجتمع فيه. وإن حاول أن يسبقني بخطوة أخرى… سأجعله عبرة لكل من يظن أن في هذه المملكة سوى صوت واحد يُطاع. صوتي أنا!
ارتجت القاعة بصدى صوته، بينما كان بلال يضغط على قبضته حتى احمرّت، والشرر يتطاير من عينيه، وكأن النار التي بداخله أكبر من أن تُطفأ.